موقع الدي في دي العربي

الموقع الأكثر تطوراً في مجال الترفيه والتسلية وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب، تابع أحدث أخبار الأدب والفن الأفلام والمسلسلات، الرياضة، البرامج والألعاب، الفضائيات والاتصالات، العلوم واللغات، شاركنا آرائك مع محبي الفن والثقافة ، انضم الآن



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 9 من 9
Like Tree0Likes

الموضوع: الناصر محمد بن قلاوون

  1. #1
    الصورة الرمزية طوفان
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    13,800

    الناصر محمد بن قلاوون



    سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون
    الأولى على مصر




    هو السلطان الملك الناصر أبو الفتوح ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي النجمي الألفي سلطان الديار المصرية وابن سلطانها مولده بالقاهرة في سنة أربع وثمانين وستمائة بقلعة الجبل ووالده الملك المنصور قلاوون يحاصر حصن المرقب وجلس على تخت الملك بعد قتل أخيه الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون في يوم الاثنين رابع عشر المحرم وقيل يوم الثلاثاء خامس عشر المحرم من سنة ثلاث وتسعين وستمائة لأن الملك الأشرف قتل بتروجة في يوم السبت ثاني عشر المحرم وقتل قاتله الأمير بدر الدين بيدرا في يوم الأحد ثالث عشر المحرم ثم اتفقوا على سلطنة الملك الناصر محمد هذا عوضًا عن أخيه فتم له ذلك‏.‏

    فتكون سلطنته في أحد اليومين المذكورين تخمينًا لما وقع في ذلك من الاختلاف بين المؤرخين‏.‏

    انتهى‏.‏

    والملك الناصر هذا هو السلطان التاسع من ملوك الترك بالديار المصرية ولما استقر في السلطنة رتبوا الأمير زين الدين كتبغا المنصوري نائب السلطنة بالديار المصرية عوضًا عن بيدرا والأمير علم الدين سنجر الشجاعي وزيرًا ومدبرًا للمملكة وأتابك العساكر ثم قبضوا على جماعة من قتلة الملك الأشرف خليل حسب ما تقدم ذكره وتم ذلك ودام إلى العشرين من صفر‏.‏

    فبلغ الأمير زين الدين كتبغا أن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي يريد الوثوب عليه وقبضه وقتله‏.‏

    وكان الذي أخبره بذلك سيف الدين قنق التتاري وأعلمه بما في باطن الشجاعي والسبب في اطلاعه على ما في باطن الشجاعي أن هذا قنق هاجر من بلاد التتار في زمن الملك الظاهر بيبرس وأقام بمصر وأقطع في الحلقة فرزقه الله تعالى اثني عشر ولدًا كلهم ذكور منهم‏:‏ ستة أولاد في خدمة الملك الأشرف وخمسة في خدمة الشجاعي وواحد منهم صغير وجميع أولاده شباب ملاح من أجمل الناس صورة‏.‏

    وكان لقنق هذا منزلة عظيمة عند الشجاي وكلمته مسموعة وشفاعته مقبولة وله طلاع على أمور الدولة بسبب أولاده فعلم بما دبره الشجاعي فحملته الجنسية حتى أعلم الأمير كتبغا على ما في باطن الشجاعي فاحترز كتبغا على نفسه وأعلم الأمراء بالخبر وكان الأمراء كارهين الشجاعي‏.‏

    فلما كان يوم الخميس ثاني عشرين صفر ركب الأمير كتبغا إلى سوق الخيل فنزل إليه من القلعة أمير يقال له علم الدين سنجر البندقداري وقال له من قبل الشجاعي‏:‏ أين حسام الدين لاجين المنصوري أحضره الساعة فقال له كتبغا‏:‏ ما هو عندي وكان لاجين من يوم قتل الأشرف قد اختفى والمماليك الأشرفية قد أعياهم أمره من كثرة التفتيش عليه فقال له البندقداري‏:‏ بلى لاجين عندك ثم مد يده إلى سيفه ليضربه به فجذب سيف الدين بلبان الأزرق مملوك كتبغا سيفه وعلا به البندقداري من ورائه وضربه ضربة حل بها كتفه ويده ثم إنهم تكاثروا عليه وأنزلوه عن فرسه وذبحوه وهم مماليك كتبغا وذلك في وسط سوق الخيل ومال غالب العسكر من الأمراء والمقدمين وأجناد الحلقة والتتار والأكراد إلى كتبغا وانضموا عليه ومالت البرجية وبعض الخاصكية إلى سنجر الشجاعي لأن الشجاعي كان أنفق فيهم في الباطن في يوم واحد ثمانين ألف دينار واتفق معهم أيضًا أن كل من جاء برأس أمير كان له إقطاعه وكان الاتفاق معهم أنه في يوم الخميس وقت الموكب لما يطلع الأمير كتبغا إلى القلعة ويمدوا السماط يمسك هو ومن اتفق معه من الأمراء يقبضون عليهم‏.‏

    فآستعجل البندقداري ونزل إلى سوق الخيل وفعل ما ذكرناه‏.‏

    ولما وقع ذلك تحقق الأمراء صحة ما نقل إليهم الأمير زين الدين كتبغا عن الشجاعي فاجتمع في الحال الأمراء عند كتبغا بسوق الخيل وركبت التتار جميعهم وجماعة من الشهر زورية والأكراد وجماعة من الحلقة كراهية منهم في الشجاعي وخرج الشجاعي بمن معه إلى باب القلعة فإن إقامته كانت بالقلعة وأمر بضرب الكوسات فضربت وبقي يطلب أن يطلع إليه أحد من الأمراء والمقدمين فلم يجبه أحد وكان قد أخرج صحبته الذهب في الصرر وبقي كل من جاء إليه يعطيه صرة فلم يجىء إليه إلا أناس قليلون ما لهم مرتبة‏.‏

    وشرع كتبغا ومن معه في حصار القلعة وقطعوا عنها الماء وبقوا ذلك اليوم محاصرين‏.‏

    فلما كان ثاني يوم نزلت البرجية من القلعة على حمية وتلاقوا مع كتبغا وعساكره وصدموه صدمة كسروه فيها كسرة شنيعة وهزموه إلى بئر البيضاء وتوجه كتبغا إلى جهة بلبيس فلما سمعوا باقي الأمراء بذلك ركب الأمير بدر الدين بيسري المنصوري والأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح بقية العساكر المصرية وتوجهت الجميع إلى نصرة الأمير كتبغا وأصحابه وقاتلوا المماليك البرجية حتى كسروهم وردوهم إلى أن أدخلوهم إلى قلعة الجبل ثم جدوا في حصار القلعة ومن فيها وعاد الأمير كتبغا وقد قوي عضده بخشداشيته والأمراء ودام الحصار على القلعة إلى أن طلعت الست خوند والدة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أعلى السور وكلمتهم بأن قالت لهم‏:‏ أيش هو غرضكم حتى إننا نفعله لكم فقالوا‏:‏ ما لنا غرض إلا مسك الشجاعي وإخماد الفتنة ونحن لو بقيت بنت عمياء من بنات أستاذنا الملك المنصور قلاوون كنا مماليكها لا سيما وولده الناصر محمد حاضر وفيه كفاية فلما علمت ذلك رجعت واتفقت مع الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار وغلقوا باب القلة من القلعة وهي التي عليها المعتمد وبقي الشجاعي بداره بالقلعة محصورًا‏.‏

    فلما رآه أصحابه أنه في أنحس حال شرعوا في النزول إلى عند الأمير كتبغا فبقي جمع الشجاعي يقل وجمع كتبغا يكثر إلى يوم السبت رابع عشرين صفر ضجر الشجاعي وطلب الأمان فلم يوافقوه الأمراء وطلع وقت صلاة الظهر بعض الأمراء وجماعة من الخاصكية وفيهم آقوش المنصوري إلى عند الشجاعي يطلبونه إلى عند السلطان وإلى والدته في صورة أنهم يريدون يستشيرونه فيما يعملون فمشى معهم قليلًا وتكاثروا عليه المماليك وجاء أقوش من ورائه وضربه بالسيف ضربة قطع بها يده ثم بادره بضربة ثانية أبرى بها رأسه عن جسده وأخذوا رأسه في الحال ورفعوه على سور القلعة ثم عادوا ونزلوا به إلى كتبغا ودقوا البشائر وفتحوا باب القلة وأخذوا رأس الشجاعي وجعلوه على رمح وأعطوه للمشاعلية فجبوا عليه مصر والقاهرة فحصل المشاعلية مالًا كثيرًا لبغض الناس قاطبة في الشجاعي فقيل‏:‏ إنهم كانوا يأخذون الرأس من المشاعلية ويدخلونه بيتهم فتضربه النسوة بالمداسات لما في نفوسهم منه وسبب ذلك ما كان اشتمل عليه من الظلم ومصادراته للعالم وتنوعه في الظلم والعسف حسب ما يأتي ذكره في الوفيات بأوسع من هذا وأغلقت القاهرة خمسة أيام إلى أن طلع كتبغا إلى القلعة في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر ودقت البشائر وفتحت الأبواب وجددت الأيمان والعهود للملك الناصر محمد ولما تم ذلك قبض كتبغا على جماعة من الخاصكية والبرجية المتفقين مع الشجاعي ثم أفرج عن جماعة من الأمراء كان قبض عليهم في المخيم وهم‏:‏ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الذي تسلطن بعد ذلك على ما يأتي ذكره والأمير سيف الدين برلغي والأمير القمامي وسيف الدين قبجق المنصوري والأمير بدر الدين عبد الله وحامل الجتر والأمير سيف الدين بوري السلاح دار والأمير زين الدين عمر والأمير سيف الدين قرمشي والأمير علاء الدين مغلطاي المسعودي وغيرهم وأخذ أمير زين الدين كتبغا وأعطى في الملك وانفرد بتدبير الأمر ومشى مع الملك الناصر محمد مشي المملوك مع أستاذه‏.‏

    ثم بعث بتقليد نائب الشام على عادته وهو الأمير أيبك الحموي‏.‏

    ثم بعد ذلك نزل السلطان الملك الناصر محمد من قلعة الجبل في موكب هائل بأبهة السلطنة وتوجه إلى ظاهر القاهرة ثم عاد وشق القاهرة ودخل من باب النصر وخرج من باب زويلة عائدًا إلى القلعة والأمراء مشاة بين يديه حتى الأمير كتبغا وكان ذلك في يوم الأحد رابع عشرين شهر رجب ولما كان سابع عشرين شهر رمضان ظهر الأمير حسام الدين لاجين المنصوري من اختفائه واجتمع بالأمير كتبغا خفية فتكلم كتبغا في أمره مع الأمراء فاتفقوا على إظهار أمره لما رأوا في ذلك من إصلاح الحال فطيب كتبغا خاطر الأمير حسام الدين لاجين ووعده أن يتكلم في أمره مع السلطان والمماليك الأشرفية‏.‏

    ولا زال كتبغا بالسلطان والحاشية حتى رضاهم عليه وطيب قلوبهم إلى أن كان يوم عيد الفطر ظهر حسام الدين لاجين من دار كتبغا وحضر السماط وقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر محمد فخلع عليه السلطان وطيب قلبه ولم يعاتبه بما فعل مع أخيه الملك الأشرف خليل مراعاة لخاطر كتبغا ثم خلع عليه الأمير كتبغا أيضًا وحملت إليه الهدايا والتحف من الأمراء وغيرهم وكل ذلك لأجل خاطر كتبغا‏.‏

    اصطلحت أيضًا معه المماليك الأشرفية على ما في نفوسهم منه من قتل أستاذهم بأمر كتبغا لهم وإلحاحه عليهم في ذلك حتى قبلوا كلامه‏.‏

    وكانت مكافأة لاجين لكتبغا بعد هذا الإحسان كله بأن دبر عليه حتى أخذ الملك منة وتسلطن عوضه على ما يأتي ذكره وبيانه إن شاء الله تعالى‏.‏

    ثم خلع السلطان على الصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين علي بن حنا باستقراره في الوزارة بالديار المصرية‏.‏

    ثم استهلت سنة أربع وتسعين وستمائة والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد وسلطان مصر والشام الملك الناصر محمد بن قلاوون ومدبر مملكته الأمير كتبغا المنصوري‏.‏

    ولما كان عاشر المحرم ثار جماعة من المماليك الأشرفية خليل في الليل بمصر والقاهرة وعملوا عملًا قبيحًا وفتحوا أسواق السلاح بالقاهرة بعد حريق باب السعادة وأخذوا خيل السلطان وخرقوا ناموس الملك وذلك كله بسبب ظهور الأمير حسام الدين لاجين وعدم قتله فإنه كان ممن باشر قتل أستاذهم الملك الأشرف خليل فحماه الأمير كتبغا ورعاه وأيضًا قد بلغهم خلع أخي أستاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون من السلطنة وسلطنة كتبغا فتزايدت وحشتهم وترادفت عليهم الأمور فاتفقوا ووثبوا فلم ينتج أمرهم‏.‏

    فلما أصبح الصباح قبض عليهم الأمير كتبغا وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم وكحل البعض وقطع ألسنة آخرين وصلب جماعة منهم على باب زويلة ثم فرق بقية المماليك على الأمراء والمقدمين وكانوا فوق الثلاثمائة نفر وهرب الباقون فطلب الأمير زين الدين كتبغا الخليفة والقضاة والأمراء وتكلم معهم في عدم أهلية الملك الناصر محمد للسلطنة لصغر سنه وأن الأمور لابد لها من رجل كامل تخافه الجند والرعية وتقف عند أوامره ونواهيه‏.‏

    كل ذلك كان بتدبير لاجين فإنه لما خرج من إخفائه علم أن المماليك الأشرفية لا بد لهم من أخذ ثار أستاذهم منه وأيضًا أنه علم أن الملك الناصر محمد متى ترعرع وكبر لا يبقيه لكونه كان ممن قتل أخاه الملك الأشرف خليلًا فلما تحقق ذلك أخذ يحسن للأمير كتبغا السلطنة وخلع ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون وسلطنته وكتبغا يمتنع من ذلك فلا زال به لاجين حتى حذره وأخافه عاقبة ذلك وقال له‏:‏ متى كبر الملك الناصر لا يبقيك البتة ولا يبقي أحدًا ممن تعامل على قتل أخيه الملك الأشرف وأن هؤلاء الأشرفية ما دام الملك الناصر محمد في الملك شوكتهم قائمة والمصلحة خلعه وسلطنتك‏.‏

    فمال كتبغا إلى كلامه غير أنه أهمل الأمر وأخذ في تدبير ذلك على مهل‏.‏

    فلما وقع من الأشرفية ما وقع وثب وطلب الخليفة والقضاة حسب ما ذكرناه ولما حضر الخليفة والقضاة اتفق رأي الأمراء والجند على خلع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الملك وسلطنة كتبغا هذا عوضه فوقع ذلك وخلع الملك الناصر محمد من السلطنة وتسلطن كتبغا وجلس على تخت الملك في يوم خلع الملك الناصر وهو يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة بعد واقعة المماليك الأشرفية بيومين وأدخل الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الدور بالقلعة وأمره كتبغا بألا يركب ولا يظهر وكان عمره يوم خلع نحو العشر سنين‏.‏

    وكانت مدة سلطنته في هذه المرة الأولى سنة واحدة إلا ثلاثة أيام أو أقل ويأتي بقية ترجمته في سلطنته الثانية والثالثة إن شاء الله تعالى‏.‏

    السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر محمد الأولى على أنه لم يكن له من السلطنة فيها إلا مجرد الاسم فقط وإنما كان الأمر أولًا للأمير علم الدين سنجر الشجاعي ثم للأمير كتبغا المنصوري وهي سنة ثلاث وتسعين وستمائة على أن الأشرف قتل في أوائلها في المحرم حسب ما تقدم ذكره‏.‏

    يتبع .................

  2. #2
    الصورة الرمزية طوفان
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    13,800
    فيها توفي الصاحب فخر الدين أبو العباس إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد الشيباني الإسعردي ثم المصري رئيس الموقعين بالديار المصرية ثم الوزير بها‏.‏

    ولي الوزارة مرتين وكان مشكور السيرة قليل الظلم كثير العدل والإحسان للرعية وفي أيام وزارته سعى في إبطال مظالم كثيرة وكان يتولى الوزارة بجامكية الإنشاء وعندما يعزلونه من الوزارة يصبح يأخذ غلامه الحرمدان خلفه ويروح يقعد في ديوان الإنشاء وكأنه ما تغير عليه شيء وكان أصله من المعدن من بلاد إسعرد وتدرب في الإنشاء بالصاحب بهاء الدين زهير حتى برع في الإنشاء وغيره‏.‏

    قال الذهبي‏:‏ رأيته شيخًا بعمامة صغيرة وقد حدث عن ابن رواح وكتب عنه البرزالي والطلبة انتهى‏.‏

    وكان ابن لقمان المذكور فاضلًا ناظمًا ناثرًا مترسلًا ومات بالقاهرة في جمادى الآخرة ودفن بالقرافة ومن شعره‏:‏ الكامل كن كيف شئت فإنني بك مغرم راض بما فعل الهوى المتحكم ولئن كتمت عن الوشاة صبابتي بك فالجوانح بالهوى تتكلم أشتاق من أهوى وأعجب أنني أشتاق من هو في الفؤاد مخيم يا من يصد عن المحب تدللًا وإذا بكى وجدًا غدًا يتبسم أسكنتك القلب الذي أحرقته فحذار من نار به تتضرم وفيها قتل الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الشجاعي المنصوري كان من مماليك الملك المنصور قلاوون وترقى حتى ولي شد الدواوين ثم الوزارة بالديار المصرية في أوائل دولة الناصر وساءت سيرته وكثر ظلمه ثم ولي نيابة دمشق فتلطف بأهلها وقل شره ودام بها سنين إلى أن عزل بالأمير عز الدين أيبك الحموي وقدم إلى القاهرة وكان مركبه يضاهي موكب السلطان من التجمل ومع ظلمه كان له ميل لأهل العلم وتعظيم الإسلام وهو الذي كان مشد عمارة البيمارستان المنصوري ببين القصرين فتممه في مدة يسيرة ونهض بهذا العمل العظيم وفرغ منه في أيام قليلة وكان يستعمل فيه الصناع والفعول بالبندق حتى لا يفوته من هو بعيد عنه في أعلى سقالة كان ويقال إنه يومًا وقع بعض الفعول من أعلى السقالة بجنبه فمات فما اكترث سنجر هذا ولا تغير من مكانه وأمر بدفنه ثم عمل الوزارة أيضًا في أوائل دولة الناصر محمد بن قلاوون أكثر من شهر حسب ما تقدم ذكره وحدثته نفسه بما فوق الوزارة فكان في ذلك حتفه وقتله حسب ما ذكرناه في أول ترجمة الملك الناصر هذا وفرح أهل مصر بقتله فرحًا زائدًا حتى إنه لما طافت المشاعلية برأسه على بيوت الكتاب القبط بلغت اللطمة على وجهه بالمداس نصفًا والبولة عليه درهمًا وحصلوا المشاعلية جملًا من ذلك‏.‏

    قلت‏:‏ وهذا غلط فاحش من المشاعلية قاتلهم الله‏!‏ لو كان من الظلم ما كان هو خير من الأقباط النصارى‏.‏

    ولما كان على نيابة دمشق وسع ميدانها أيام الملك الأشرف فقال الأديب علاء الدين الوداعي في ذلك‏:‏ الكامل علم الأمير بأن سلطان الورى يأتي دمشق ويطلق الأموالا فلأجل ذا قد زاد في ميدانها لتكون أوسع للجواد مجالا قال الصلاح الصفدي‏:‏ أخبرني من لفظه شهاب الدين بن فضل الله قال‏:‏ أخبرني والدي عن قاضي القضاة نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين شيخ الجبل قال‏:‏ كنت ليلة نائمًا فاستيقظت وكأن من أنبهني وأنا أحفظ كأنما قد أنشدت ذلك‏:‏ البسيط عند الشجاعي أنواع منوعة من العذاب فلا ترحمه بالله لم تغن عنه ذنوب قد تحملها من العباد ولا مال ولا جاه قال‏:‏ ثم جاءنا الخبر بقتله بعد أيام قلائل فكانت قتلته في تلك الليلة التي أنشدت فيها الشعر‏.‏

    انتهى‏.‏

    قلت‏:‏ وهذا من الغرائب‏.‏

    وقد ذكرنا من أحوال سنجر هذا في تاريخنا المنهل الصافي في نبذة كبيرة كونه كتاب تراجم وليس للإطناب لهؤلاء هنا محل‏.‏

    انتهى‏.‏

    وفيها توفي قتيلًا الملك كيختو ملك التتار قتله ابن أخيه بيدو‏.‏

    قلت‏:‏ وهنا نكتة غريبة لم يفطن إليها أحد من مؤرخي تلك الأيام وهي أن سلطان الديار المصرية الملك الأشرف خليل بن قلاوون قتله نائبه الأمير بيدرا وملك التتار كيختو هذا أيضًا قتله ابن أخيه بيدو وكلاهما في سنة واحدة وذاك في الشرق وهذا في الغرب‏.‏

    انتهى‏.‏

    وملك بعد كيختو بيدو المذكور الذي قتله‏.‏

    قلت‏:‏ وكذلك وقع للأشرف خليل فإن بيدرًا ملك بعمه يومًا واحدًا وتلقب بالملك الأوحد‏.‏

    وعلى كل حال فإنهما تشابها أيضًا وكان بيدو الذي ولي أمر التتار يميل إلى دين النصرانية وقيل إنه تنصر لعنه الله ووقع له مع الملك غازان أمور يطول شرحها‏.‏

    وفيها قتل الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الرجاء التنوخي الدمشقي التاجر المعروف بابن السلعوس قال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ كان في شبيبته يسافر بالتجارة وكان أشقر سمينًا أبيض معتدل القامة فصيح العبارة حلو المنطق وافر الهيبة كامل الأدوات خليقًا للوزارة تام الخبرة زائد الإعجاب عظيم التيه وكان جارًا للصاحب تقي الدين البيع فصاحبه ورأى فيه الكفاءة فأخذ له حسبة دمشق ثم توجه إلى مصر وتوكل للملك الأشرف خليل في دولة أبيه فجرى عليه نكبة من السلطان فشفع فيه مخدومه الأشرف خليل وأطلقه من الاعتقاد وحج فتملك الأشرف في غيبته وكان محبًا له فكتب إليه بين الأسطر‏:‏ يا شقير يا وجه الخير قدم السير‏.‏

    فلما قدم وزره وكان إذا ركب تمشي الأمراء الكبار في خدمته انتهى‏.‏

    قلت‏:‏ وكان في أيام وزارته يقف الشجاعي المقدم ذكره في خدمته فلما قتل مخدومه الملك الأشرف وهو بالإسكندرية قدم القاهرة فطلب إلى القلعة فأنزله الشجاعي من القلعة ماشيًا ثم سلمه من الغد إلى عدوه الأمير بهاء الدين قراقوش مشد الصحبة قيل‏:‏ إنه ضربه ألفًا ومائة مقرعة ثم تداوله المسعودي وغيره وأخذ منه أموالًا كثيرة ولا زال تحت العقوبة حتى مات في صفر‏.‏

    ولما تولى الوزارة كتب إليه بعض أحبائه من الشام يحذره من الشجاعي‏:‏ الوافر تنبه يا وزير الأرض واعلم بأنك قد وطئت على الأفاعي وكن بالله معتصمًا فإني أخاف عليك من نهش الشجاعي فبلغ الشجاعي فلما جرى ما جرى طلب أقاربه وأصحابه وصادرهم فقيل له عن الناظم فقال‏:‏ لا أوذيه فإنه نصحه في وما انتصح وقد أوضحنا أمره في المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي بأطول من هذا‏.‏

    انتهى‏.‏

    الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي المقرىء شمس الدين محمد بن عبد العزيز الدمياطي بدمشق في صفر وقاضي القضاة شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخويي‏.‏

    والسلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون فتكوا به في المحرم‏.‏

    ونائبه بيدرا قتل من الغد ووزيره الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن السلعوس هلك تحت العذاب‏.‏

    أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم أربع أذرع مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعًا وسبع أصابع‏.‏

    وثبت إلى سادس عشر توت‏.‏

    سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا هو السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا بن عبد الله المنصوري التركي المغلي سلطان الديار المصرية جلس على تخت الملك بعد أن خلع ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة باتفاق الأمراء على سلطنته وهو السلطان العاشر من ملوك الترك بالديار المصرية وأصله من التتار من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في سنة تسع وخمسين وستمائة فأخذ الملك المنصور قلاوون وأدبه ثم أعتقه وجعله من جملة مماليكه ورقاة حتى صار من أكابر أمرائه واستمر على ذلك في الدولة الأشرفية خليل بن قلاوون إلى أن قتل وتسلطن أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وتسعين وأقام الناصر في الملك إلى سنة أربع وتسعين ووقع الاتفاق على خلعه وسلطنة كتبغا هذا فتسلطن وتلقب بالملك العادل وسنه يوم ذاك نحو الأربعين سنة وقيل خمسين سنة‏.‏

    وقد تقدم سبب خلع الملك الناصر محمد وسلطنة كتبغا هذا في آخر ترجمه الملك الناصر محمد فلا حاجة في الإعادة وقال الشيخ شمس الدين بن الجزري قال‏:‏ حكى لي الشيخ أبو الكرم النصراني الكاتب قال‏:‏ لما فتح هولاكو حلب بالسيف ودمشق بالأمان طلب هولاكو نصير الدين الطوسي وكان في صحبته وقال له‏:‏ اكتب أسماء مقدمي عسكري وأبصر أيهم يملك مصر ويقعد على تخت الملك بها حتى أقدمه قال‏:‏ فحسب نصير الدين أسماء المقدمين فما ظهر له من الأسماء اسم من يملك الديار المصرية غير اسم كتبغا‏.‏

    وكان كتبغا صهر هولاكو فقدمه على العساكر فتوجه بهم كتبغا فانكسر على عين جالوت فتعجب هولاكو من هذه الواقعة وظن أن نصير الدين قد غلط في حسابه‏.‏

    وكان كتبغا هذا من جملة من كان في عسكر هولاكو من التتار ممن لا يؤبه إليه من الأصاغر وكسبه قلاوون في الواقعة فكان بين المدة نحو من خمس وثلاثين سنة حتى قدر الله تعالى بما قدر من سلطنة كتبغا هذا‏.‏

    انتهى‏.‏

    ولما تم أمر كتبغا في الملك وتسلطن مد سماطًا عظيمًا وأحضر جميع الأمراء والمقدمين والعسكر وأكلوا السماط ثم تقدموا وقبلوا الأرض ثم قبلوا يده وهنأوه بالسلطنة وخلع على الأمير حسام الدين لاجين وولاه نيابة السلطنة بالديار المصرية وولى عز الدين الأفرم أمير جاندار والأمير سيف الدين بهادر حاجب الحجاب ثم خلع على جميع الأمراء والمقدمين ومن له عادة بلبس الخلع وفي يوم الخميس تاسع عشر المحرم ركب جميع الأمراء والمقدمين وجميع من خلع عليه وأتوا إلى سوق الخيل وترجلوا وقبلوا الأرض ثم كتب بسلطنة الملك العادل إلى البلاد الشامية وغيرها‏.‏

    وزينت مصر والقاهرة لسلطنته‏.‏

    ولما كان يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول ركب السلطان الملك العادل كتبغا بأبهة السلطنة وشعار الملك من قلعة الجبل ونزل وسار إلى ظاهر القاهرة نحو قبة النصر وعاد من باب النصر وشق القاهرة حتى خرج من باب زويلة عائدًا إلى قلعة الجبل كما جرت العادة بركوب الملوك‏.‏

    ولم تطل مدة سلطنته حتى وقع الغلاء والفناء بالديار المصرية وأعمالها ثم انتشر ذلك بالبلاد الشامية جميعها في شوال من هذه السنة وارتفع سعر القمح حتى بيع كل إردب بمائة وعشرين درهمًا بعد أن كان بخمسة وعشرين درهمًا الإردب وهذا في هذه السنة وأما في السنة الآتية التي هي سنة خمس وتسعين وستمائة فوصل سعر القمح إلى مائة وستين درهمًا الإردب وأما الموت فإنه فشا بالقاهرة وكثر فأحصي من مات بها وثبت اسمه في ديوان المواريث في ذي الحجة فبلغوا سبعة عشر ألفًا وخمسمائة وهذا سوى من لم يرد اسمه في ديوان المواريث من الغرباء والفقراء ومن لم يطلق من الديوان ورحل جماعة كثيرة من أهل مصر عنها إلى الأقطار من عظم الغلاء وتخلخل أمر الديار المصرية‏.‏

    وفي هذه السنة حج الأمير أنس ابن الملك العادل كتبغا صاحب الترجمة وحجت معه والدته وأكثر حرم السلطان وحج بسببهم خلق كثير من نساء الأمراء بتجمل زائد وحصل بهم رفق كبير لأهل مكة والمدينة والمجاورين وشكرت سيرة ولد السلطان أنس المذكور وبذل شيئًا كثيرًا لصاحب مكة‏.‏

    ثم استهلت سنة خمس وتسعين وستمائة وخليفة المسلمين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد الهاشمي البغدادي العباسي وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والشمالية والفراتية والساحلية الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري‏.‏

    ووزيره الصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين بن الخليلي‏.‏

    ونائب السلطنة بالديار المصرية الأمير حسام الدين لاجين المنصوري‏.‏

    وصاحب مكة شرفها الله تعالى الشريف نجم الدين أبو نمي محمد الحسني المكي وصاحب المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عز الدين جماز بن شيحة الحسيني‏.‏

    وصاحب اليمن ممهد الدين عمر ابن الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور عمر ابن علي بن رسول‏.‏

    وصاحب حماة بالبلاد الشامية الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور محمد ابن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب‏.‏

    وصاحب ماردين الملك السعيد شمس الدين داود ابن الملك المظفر فخر الدين ألبي أرسلان ابن الملك السعيد شمس الدين قرا أرسلان بن أرتق الأرتقي وصاحب الروم السلطان غياث الدين مسعود ابن السلطان عز الدين كيكاوس ابن السلطان غياث الدين كيخسرو بن سلجوق السلجوقي‏.‏

    وملك التتار غازان ويقال قازان وكلاهما يصح معناه واسمه الحقيقي محمود بن أرغون بن أبغا بن هولاكو وهو مظهر الإسلام وشعائر الإيمان‏.‏

    ونائب دمشق الأمير عز الدين أيبك الحموي المنصوري وكان الموافق لأول هذه السنة عاشر بابه أحد شهور القبط المسمى بالرومي تشرين الأول‏.‏

    وقال الشيخ قطب الدين اليونيني‏:‏ وفي العشر الأول من المحرم حكى جماعة كثيرة من أهل دمشق واستفاض ذلك في دمشق وكثر الحديث فيه عن قاضي جبة أعسال وهي قرية من قرى دمشق أنه تكلم ثور بقرية من قرى جبة أعسال وملخصها‏:‏ أن الثور خرج مع صبي يشرب ماء من هناك فلما فرغ حمد الله تعالى فتعجب صبي وحكى لسيده مالك الثور فشك في قوله وحضر في اليوم الثاني بنفسه فلفا شرب الثور حمد الله تعالى ثم في اليوم الثالث حضر جماعة وسمعوه يحمد الله تعالى فكلمه بعضهم فقال الثور‏:‏ ‏"‏ إن الله كان كتب على الأمة سبع سنين جدبًا ولكن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أبدلها بالخصب وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتبليغ ذلك وقال الثور‏:‏ يا رسول الله ما علامة صدقي عندهم قال‏:‏ أن تموت عقب الإخبار قال الحاكي لذلك‏:‏ ثم تقدم الثور على مكان عال فسقط ميتًا فأخذ الناس من شعره للتبرك وكفن ودفن انتهى‏.‏

    قلت‏:‏ وهذه الحكاية غريبة الوقوع والحاكي لها ثقة حجة وقد قال‏:‏ إنه استفاض ذلك بدمشق انتهى‏.‏

    وأما أمر الديار المصرية فإنه عظم أمر الغلاء بها حتى أكل بعضهم الميتات والكلاب ومات خلق كثير بالجوع‏.‏

    والحكايات في ذلك كثيرة وانتشر الغلاء شرقًا وغربًا‏.‏

    وبينما السلطان الملك العادل كتبغا فيما هو فيه من أمر الغلاء ورد عليه الخبر في صفر بأنه قد وصل إلى الرحبة عسكر كثير نحو عشرة آلاف بيت من عسكر بيدو ملك التتار طالبين الدخول في الإسلام خوفًا من السلطان غازان ومقدمهم أمير اسمه طرغاي وهو زوج بنت هولاكو فرسم الملك العادل إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري بأن يسافر من دمشق إلى الرحبة حتى يتلقاهم فخرج إليهم ثم خرج بعده الأمير سنقر الأعسر شاد دواوين دمشق ثم ندب الملك العادل أيضًا الأمير قراسنقر المنصوري بالخروج من القاهرة فخرج حتى وصل إلى دمشق لتلقي المذكورين ورسم له أن يحضر معه في عوده إلى مصر جماعة من أعيانهم فوصل قراسنقر إلى دمشق وخرج لتلقيهم ثم عاد إلى دمشق في يوم الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الأول ومعه من أعيانهم مائة فارس وثلاثة عشر فارسًا وفرح الناس بهم وبإسلامهم وأنزلوهم بالقصر الأبلق من الميدان‏.‏

    وأما الأمير علم الدين سنجر لدواداري فبقي مع الباقين وهم فوق عشرة آلاف ما بين رجل كبير وكهل وصغير وامرأة ومعهم ماشية كثيرة ورخت عظيم وأقام قراسنقر بهم أيامًا ثم سافر بهم إلى جهة الديار المصرية وقدموا القاهرة في آخر شهر ربيع الآخر فأكرمهم السلطان الملك العادل كتبغا ورتب لهم الرواتب ثم بدا للملك العادل كتبغا السفر إلى البلاد الشامية لأمر مقدر اقتضاه رأيه وأخذ في تجهيز عساكره وتهيأ للسفر وخرج بجميع عساكره وأمرائه وخاصكيته في يوم السبت سابع عشر شوال وسار حتى دخل دمشق في يوم السبت خامس عشر ذي القعدة وخامس ساعة من النهار المذكور ودخل دمشق والأمير بدر الدين بيسري حامل الجتر على رأسه ونائب سلطنته الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ماشيًا بين يديه ووزيره الصاحب فخر الدين بن الخليلي واحتفل أهل دمشق لقدومه وزينت المدينة وفرح الناس به‏.‏

  3. #3
    الصورة الرمزية طوفان
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    13,800
    مسجد السلطان الموجود بمصر

    يقع جامع الناصر محمد بن قلاوون وسط القلعة صلاح الدين الايوبي












    مع اجمل الاستمتاع // طوفان
    /

  4. #4
    الصورة الرمزية *~EnG.M.ALi~*
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,951
    الف شكر يا طوفان على المعلومات الجميلة و الموضوع الرائع



    الله عليك يا معلم

  5. #5
    الصورة الرمزية ™Amrmafia
    تاريخ التسجيل
    Jan 2006
    المشاركات
    18,615
    الف شكر على المعلومات يا جميل
    موضوع رائع


  6. #6
    الصورة الرمزية طوفان
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    13,800
    اشكرك اخي الكريم لمشاركتك الجميلة
    تحيتي لك

  7. #7
    الصورة الرمزية نابليون_بونابرت
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    المشاركات
    3,200
    السلطان الناصر من المماليك العظام
    تسلم ايدك طوفان
    السلام ختام
    وداع الى الابد

  8. #8
    الصورة الرمزية طوفان
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    13,800
    اشكرك ياغالي نابليون
    وتحيتي لك

  9. #9
    الصورة الرمزية طوفان
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    13,800
    تكملة ....


    ولما دخل الملك العادل إلى دمشق وأقام بها أيامًا عزل عنها نائبها الأمير عز الدين أيبك الحموي وولى عوضه في نيابة دمشق مملوكه الأمير سيف الدين أغزلو العادلي وعمره نحو من اثنتين وثلاثين سنة وأنعم على الأمير عز الدين أيبك الحموي بخبز أغزلو بمصر وخرجا من عند السلطان وعليهما الخلع هذا متول وهذا منفصل‏.‏

    ثم سافر السلطان الملك العادل من دمشق في ثاني عشر ذي الحجة بأكثر العسكر المصري وبقية جيش الشام إلى جهة قرية جوسية وهي ضيعة اشتراها له الصاحب شهاب الدين الحنفي فتوجه إليها ثم سافر منها في تاسع عشر ذي الحجة إلى حمص ونزل عند البحرة بالمرج بعدما أقام في البرية أيامًا لأجل الصيد وحضر إليه نواب البلاد الحلبية جميعها ثم عاد إلى دمشق ودخلها بمن معه من العساكر ضحى نهار الأربعاء ثاني المحرم من سنة ست وتسعين وستمائة‏.‏

    وأقام بدمشق إلى يوم الجمعة رابع المحرم ركب السلطان الملك العادل المذكور بخواصه وأمرائه إلى الجامع لصلاة الجمعة فحضر وصلى بالمقصورة وأخذ من الناس قصصهم حتى إنه رأى شخصًا بيده قصة فتقدم إليه بنفسه خطوات وأخذها منه ولما جلس الملك العادل للصلاة بالمقصورة جلس عن يمينه الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة وتحته بدر الدين أمير سلاح ثم من تحته نائب دمشق أغزلو العادلي وعن يسار السلطان الشيخ حسن بن الحريري وأخواه ثم نائب السلطنة لاجين المنصوري ثم تحته نائب دمشق الأمير عز الدين أيبك الحموي أعني الذي عزل عن نيابة دمشق ثم من تحته الأمير بدر الدين بيسري ثم قراسنقر المنصوري ثم الحاج بهادر حاجب الحجاب ثم الأمراء على مراتبهم ميمنة وميسرة‏.‏

    فلما انقضت الصلاة خرج من الجامع والأمراء بين يديه والناس يبتهلون بالدعاء له وأحبه أهل دمشق وشكرت سيرته وحمدت طريقته‏.‏

    ثم في يوم الخميس سابع عشر المحرم أمسك السلطان الأمير أسندمر وقيده وحبسه بالقلعة وفي يوم الاثنين حادي عشرين المحرم عزل السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر عن شد دواوين دمشق ورسم له بالسفر صحبة السلطان إلى مصر وولى عوضه فتح الدين عمر بن محمد بن صبرة‏.‏

    ولما كان بكرة يوم الاثنين المذكور خرج السلطان الملك العادل من دمشق بعساكره وجيوشه نحو الديار المصرية وسار حتى نزل باللجون بالقرب من وادي فحمة في بكرة يوم الاثنين ثامن عشرين المحرم من سنة ست وتسعين وكان الأمير حسام الدين لاجين المنصوري نائب السلطنة قد اتفق مع الأمراء على الوثوب على السلطان الملك العادل كتبغا هذا والفتك به فلم يقدر عليه لعظم شوكته فدبر أمرًا آخر وهو أنه ابتدأ أولًا بالقبض على الأميرين‏:‏ بتخاص وبكتوت الأزرق العادليين وكانا شهمين شجاعين عزيزين عند أستاذهما الملك العادل المذكور فركب لاجين بمن وافقه من الأمراء على حين غفلة وقبض على الأميرين المذكورين وقتلهما في الحال وقصد مخيم السلطان فمنعه بعض مماليك السلطان قليلًا وعوقوه عن الوصول إلى الملك العادل وكان العادل لما بلغه هذا الأمر علم أنه لا قبل له على قتال لاجين لعلمه بمن وافقه من الأمراء وغيرهم وخاف على نفسه وركب من خيل النوبة فرسًا تسمى حمامة وساق لقلة سعده ولزوال ملكه راجعًا إلى الشام ولو أقام بمخيمه لم يقدر لاجين على قتاله وأخذه فما شاء الله كان وساق حتى وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرم قرب العصر ومعه أربعة أو خمسة من خواصه‏.‏

    وكان وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرم أول النهار أمير شكار السلطان وأخبر نائب الشام بصورة الحال وهو مجروح فتهيأ نائب الشام الأمير أغزلو العادلي واستعد وأحضر أمراء الشام عند السلطان ورسم بالاحتياط على نواب الأمير حسام الدين لاجين وعلى حواصله بدمشق وندم الملك العادل على ما فعله مع لاجين هذا من الخير والمدافعة عنه من كونه كان أحد من أعانه على قتل الأشرف وعلى أنه ولاه نيابة السلطنة وفي الجملة أنه ندم حيث لا ينفعه الندم‏!‏ وعلى رأي من قال‏:‏ ‏"‏ أشبعتهم سبًا وفازوا بالإبل ‏"‏ ومثله أيضًا قول القائل‏:‏ مخلع البسيط من راقب الناس مات غمًا وفاز باللذة الجسور ثم إن الملك العادل طلب قاضي قضاة دمشق بدر الدين بن جماعة فحضر بين يدي السلطان هو وقاضي القضاة حسام الدين الحنفي وحضرا عند الملك العادل تحليف الأمراء والمقدمين وتجديد المواثيق منهم ووعدهم وطيب قلوبهم‏.‏

    وأما الأمير حسام الدين لاجين فإنه استولى على دهليز السلطان والخزائن والحراس والعساكر من غير ممانع وتسلطن في الطريق ولقب بالملك المنصور حسام الدين لاجين وتوجه إلى نحو الديار المصرية وملكها وتم أمره وخطب له مصر وأعمالها والقدس والساحل جميعه وأما الملك العادل فإنه أقام بقلعة دمشق هذه الأيام كلها لا يخرج منها وأمر جماعة بدمشق وأطلق بعض المكوس بها وقرىء بذلك توقيع يوم الجمعة سادس عشر صفر بعد صلاة الجمعة بالجامع‏.‏

    وبينما هو في ذلك ورد الخبر على أهل دمشق بأن مدينة صفد زينت لسلطنة لاجين ودق بها البشائر وكذلك نابلس والكرك‏.‏

    فلما بلغ الملك العادل ذلك جهز جماعة من عسكر دمشق مقدمهم الأمير طقصبا الناصري بكشف هذا الأمر وتحقيق الخبر فتوجهوا يوم الخميس ثاني عشرين صفر فعلموا بعد خروجهم في النهار المذكور بدخول الملك المنصور لاجين إلى مصر وسلطنته فرجعوا وعلموا عدم الفائدة في توجههم‏.‏

    ثم في الغد من يوم الجمعة ثالث عشرين صفر ظهر الأمر بدمشق وانكشف الحال وجوهر الملك العادل كتبغا بذلك وبلغه أنه لما وصل العسكر إلى غزة ركب الأمير حسام الدين لاجين في دست السلطنة وحمل البيسري على رأسه ثم في يوم السبت رابع عشرين صفر وصل إلى دمشق الأمير كجكن ومعه جماعة من الأمراء كانوا مجردين إلى الرحبة فلم يدخلوا دمشق بل توجهوا إلى جهة ميدان الحصا قريبًا من مسجد القدم وأعلن الأمير كجكن أمر الملك المنصور لاجين وعلم جيش دمشق بذلك فخرج إليه طائفة بعد طائفة وكان قبل ذلك قد توجه أميران من أكابر أمراء دمشق إلى جهة الديار المصرية‏.‏

    فلما تحقق الملك العادل كتبغا بذلك وعلم انحلال أمره وزوال دولته بالكلية أذعن بالطاعة لأمراء دمشق وقال لهم‏:‏ الملك المنصور لاجين خشداشي وأنا في خدمته وطاعته وحضر الأمير سيف الدين جاغان الحسامي إلى قلعة دمشق إلى عند الملك العادل كتبغا فقال له كتبغا‏:‏ أنا أجلس في مكان بالقلعة حتى نكاتب السلطان ونعتمد على ما يرسم به‏.‏

    فلما رأى الأمراء منه ذلك تفرقوا وتوجهوا إلى باب الميدان وحلفوا للملك المنصور لاجين وأرسلوا البريد إلى القاهرة بذلك ثم احتفظوا بالقلعة وبالملك العادل كتبغا ولبس عسكر دمشق آلة الحرب وسيروا عامة نهار السبت بظاهر دمشق وحول القلعة والناس في هرج واختباط وأقوال مختلفة وأبواب دمشق مغلقة سوى باب النصر وباب القلعة مغلق فتح منه خوخته واجتمع العامة والناس من باب القلعة إلى باب النصر وظاهر البلد حتى سقط منهم جماعة كثيرة في الخندق فسلم جماعة وهلك دون العشرة وأمسى الناس يوم السبت وقد أعلن باسم الملك المنصور لاجين لا يخفي أحد ذلك وشرع دق البشائر بالقلعة ثم في سحر يوم الأحد ذكره المؤذنون بجامع دمشق وتلوا قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قل اللهم مالك الملك ‏"‏ إلى آخرها وأظهروا اسم المنصور والدعاء له ثم ذكره قارىء المصحف بعد صلاة الصبح بمقصورة جامع دمشق ودقت البشائر على أبواب جميع أمراء دمشق دقًا مزعجًا وأظهروا الفرح والسرور وأمر بتزيين أسواق البلد جميعها فزينت مدينة دمشق وفتحت دكاكين دمشق وأسواقها واشتغلوا بمعايشهم وتعجب الناس من تسليم الملك العادل كتبغا الأمر إلى الملك المنصور لاجين على هذا الوجه الهين من غير قتال ولا حرب مع ما كان معه من الأمراء والجند ولو لم يكن معه إلا مملوكه الأمير أغزلو العادلي نائب الشام لكفاه ذلك‏.‏

    على أن الملك المنصور لاجين كان أرسل في الباطن عدة مطالعات لأمراء دمشق وأهلها واستمال غالب أهل دمشق فما أحوجه الملك العادل كتبغا لشيء من ذلك بل سلم له الأمر على هذا الوجه الذي ذكرناه خذلان من الله تعالى‏.‏

    وأما الأمير سيف الدين أغزلو العادلي مملوك الملك العادل كتبغا نائب الشام لما رأى ما وقع من أستاذه لم يسعه إلا الإذعان للملك المنصور وأظهر الفرح به وحلف له‏.‏

    قال‏:‏ الملك المنصور لاجين - نصره الله - هو الذي كان عينني لنيابة دمشق وأستاذي الملك العادل كتبغا استصغرني فأنا نائبه ثم سافر هو والأمير جاغان إلى نحو الديار المصرية‏.‏

    وأما لاجين فإنه تسلطن يوم الجمعة عاشر صفر وركب يوم الخميس سادس عشر صفر وشق القاهرة وتم أمره وأما الملك العادل كتبغا هذا فإنه استمر بقلعة دمشق إلى أن عاد الأمير جاغان المنصوري الحسامي إلى دمشق في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الأول وطلع من الغد إلى قلعة دمشق ومعه الأمير الكبير حسام الدين الظاهري أستاذ الدار في الدولة المنصورية والأشرفية والأمير سيف الدين كجكن وحضر قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قاضى دمشق ودخلوا الجميع إلى الملك العادل كتبغا فتكلم معهم كلامًا كثيرًا بحيث إنه طال المجلس كالعاتب عليهم ثم إنه حلف يمينًا طويلة يقول في أولها‏:‏ أقول وأنا كتبغا المنصوري ويكرر اسم الله تعالى في الحلف مرة بعد مرة أنه يرضى بالمكان الذي عينه له السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ولا يكاتب ولا يسارر وأنه تحت الطاعة وأنه خلع نفسه من الملك وأشياء كثيرة من هذا النموذج ثم خرجوا من عنده‏.‏

    وكان المكان الذي عينه له الملك المنصور لاجين قلعة صرخد ولم يعين المكان المذكور في اليمين‏.‏

    ثم ولى الملك المنصور نيابة الشام للأمير قبجق المنصوري وعزل أغزلو العادلي فدخل قبجق إلى دمشق في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول وتجهز الملك العادل كتبغا وخرج من قلعة دمشق بأولاده وعياله ومماليكه وتوجه إلى صرخد في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول المذكور وجردوا معه جماعة من الجيش نحو مائتي فارس إلى أن أوصلوه إلى صرخد‏.‏

    فكانت مدة سلطنة الملك العادل كتبغا هذا على مصر سنتين وثمانية وعشرين يومًا وقيل سبعة عشر يومًا وتسلطن من بعده الملك المنصور حسام الدين لاجين حسب ما تقدم ذكره‏.‏

    ثم كتب له الملك المنصور حسام الدين لاجين تقليدًا بنيابة صرخد فقبل الملك العادل ذلك وباشر نيابة صرخد سنين إلى أن نقله السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سلطنته الثانية من نيابة صرخد إلى نيابة حماة وصار من جملة نواب السلطنة وكتب له عن السلطان كما يكتب لأمثاله من النواب وسافر في التجاريد في خدمة نواب دمشق وحضر الجهاد ولم يزل على نيابة حماة حتى مات بها في ليلة الجمعة يوم عيد الأضحى وهو في سن الكهولية ودفن بحماة ثم نقل منها ودفن بتربته التي أنشأها بسفح جبل قاسيون دمشق غربي الرباط الناصري وله عليها أوقاف‏.‏

    وكان ملكًا خيرًا دينًا عاقلًا عادلًا سليم الباطن شجاعًا متواضعًا وكان يحب الفقهاء والعلماء والصلحاء ويكرمهم إكرامًا زائدًا وكان أسمر اللون قصيرًا دقيق الصدر قصير العنق وكان له لحية صغيرة في حنكه‏.‏

    أسر صغيرًا من عسكر هولاكو‏.‏

    وكان لما ولي سلطنة مصر والشام تشاءم الناس به وهو أن النيل قد بلغ في تلك السنة ست عشرة ذراعًا ثم هبط من ليلته فشرقت البلاد وأعقبه غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة‏.‏

    وقد تقدم ذكر ذلك في أول ترجمته ومات الملك العادل كتبغا المذكور بعد أن طال مرضه واسترخى حتى لم يبق له حركة وترك عدة أولاد وتولى نيابة حماة بعده الأمير بتخاص المنصوري نقل إليها من نيابة الشوبك‏.‏

    وقد تقدم التعريف بأحوال كتبغا هذا في أوائل ترجمته وفي غيرها فيما مر ذكره‏.‏

    وأمر كتبغا هذا هو خرق العادة من كونه كان ولي سلطنة مصر أكثر من سنتين وصار له شوكة ومماليك وحاشية ثم يخلع ويصير من جملة نواب السلطان بالبلاد الشامية فهذا شيء لم يقع لغيره من الملوك‏.‏

    وأعجب من هذا أنه لما قتل الملك المنصور لاجين وتحير أمراء مصر فيمن يولونه السلطنة من بعده لم يتعرض أحد لذكره ولا رشح للعود البتة حتى احتاجوا الأمراء وبعثوا خلف الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وأتوا به وسلطنوه‏.‏

    قلت‏:‏ وما أظن أن القلوب نفرت منه إلا لما رأوه من دنيء همته عندما خلع من السلطنة وتسليمه للأمر من غير قتال ولا ممانعة وكان يمكنه أن يدافع بكل ما تصل القدرة إليه ولو ذهبت روحه عزيزة غير ذليلة وما أحسن قول عبد المطلب جد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لنا نفوس لنيل المجد عاشقة وإن تسلت أسلناها على الأسل لا ينزل المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المقل وقول عنترة أيضًا‏:‏ الوافر أروم من المعالي منتهاها ولا أرضى بمنزلة دنيه فإما أن أشال على العوالي وإما أن توسدني المنيه ويعجبني المقالة الثامنة عشرة من تأليف العلامة شرف الدين عبد المؤمن بن هبه الله الأصفهاني المعروف بشوروة فإن أوائلها تقارب ما نحن فيه وهي‏:‏ رتبة الشرف لا تنال بالترف والسعادة أمر لا يدرك إلا بعيش يفرك وطيب يترك ونوم يطرد وصوم يسرد وسرور عازب وهم لازب ومن عشق المعالي ألف الغم ومن طلب اللآليء ركب اليم ومن قنص الحيتان ورد النهر ومن خطب الحصان نقد المهر كلا أين أنت من المعالي‏!‏ إن السحوق جبار وأنت قاعد والفيلق جرار وأنت واحد العقل يناديك وأنت أصلخ ويدنيك ويحول بينكما البرزخ لقد أزف الرحيل قاستنفد جهدك وأكثب الصيد فضمر فهدك فالحذر يترصد الانتهاز والحازم يهيىء أسباب الجهاز تجرع مرارة النوائب في أيام معدودة لحلاوة معهودة غير محدودة وإنما هي محنة بائدة تتلوها فائدة وكربة نافذة بعدها نعمة خالدة وغنيمة باردة فلا تكرهن صبرًا أو صابا يغسل عنك أو صابا ولا تشربن وردًا يعقبك سقاما ولا تشمن وردًا يورثك زكاما ما ألين الريحان لو لا وخز البهمى وما أطيب الماذي لولا حمة الحمى‏!‏ فلا تهولنك مرارات ذاقها عصبة إنما يريد الله ليهديهم بها ولا تروقنك حلاوات نالها فرقة إنما يريد الله ليعذبهم بها‏.‏

    انتهى‏.‏


    السنة الأولى من سلطنة الملك العادل كتبغا المنصوري على مصر

    وهي سنة أربع وتسعين وستمائة‏.‏

    كان فيها الغلاء العظيم بسائر البلاد ولا سيما مصر والشام وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضًا وقاسى الناس شدائد في هذه السنة واستسقى الناس بمصر من عظم الغلاء والفناء‏.‏

    وفيها أسلم ملك التتار غازان وأسلم غالب جنده وعساكره على ما حكى الشيخ علم الدين البرزالي‏.‏

    وفيها توفي السلطان الملك المظفر شمس الدين أبو المحاسن يوسف ابن السلطان الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني الأصل الغساني صاحب بلاد اليمن مات في شهر رجب بقلعة تعز من بلاد اليمن وقيل‏:‏ اسم رسول محمد بن هارون بن أبي الفتح بن يوحي بن رستم من ذرية جبلة بن الأيهم قيل‏:‏ إن رسولًا جد هؤلاء ملوك اليمن كان انضم لبعض الخلفاء العباسية فاختصه بالرسالة إلى الشام وغيرها فعرف برسول وغلب عليه ذلك ثم انتقل من العراق إلى الشام ثم إلى مصر وخدم هو وأولاده بعض بني أيوب وهو مع ذلك له حاشية وخدم ولما أرسل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أخاه الملك المعظم توران شاه إلى اليمن أرسل الملك المنصور عمر والد صاحب الترجمة معه كالوزير له واستحلفه على المناصحة فسار معه إلى اليمن‏.‏

    فلما ملك الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب اليمن بعد توران شاه قرب عمر المذكور وزاد في تعظيمه وولاه الحصون ثم ولاه مكة المشرفة ورتب معه ثلاثمائة فارس وحصل بينه وبين صاحب مكة حسن بن قتادة وقعة انكسر فيها حسن ودخل المنصور مكة واستولى عليها وعمر بها المسجد الذي اعتمرت منه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في سنة تسع عشرة وستمائة ثم عمر في ولايته لمكة أيضًا دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه في زقاق الحجر في سنة ثلاث وعشرين وستمائة ثم استنابه الملك المسعود على اليمن لما توجه إلى الديار المصرية واستناب على صنعاء أخاه بدر الدين حسن بن علي بن رسول‏.‏

    ولما عاد الملك المسعود إلى اليمن قبض على نور الدين هذا وعلى أخيه بدر الدين حسن المذكور وعلى أخيه فخر الدين وعلى شرف الدين موسى تخوفًا منهم لما ظهر من نجابتهم في غيبته وأرسلهم إلى الديار المصرية محتفظًا بهم خلا نور الدين عمر أعني الملك المنصور فإنه أطلقه من يومه لأنه كان يأنس إليه ثم استحلفه وجعله أتابك عسكره ثم استنابه الملك المسعود ثانيًا لما توجه إلى مصر وقال له‏:‏ إن مت فأنت أولى بالملك من إخوتي لخدمتك لي وإن عشت فأنت على حالك وإياك أن تترك أحدًا من أهلي يدخل اليمن ولوجاءك الملك الكامل‏.‏

    ثم سار الملك المسعود إلى مكة فمات بها فلما بلغ الملك المنصور ذلك استولى على ممالك اليمن بعد أمور وخطوب واستوسق له الأمر فكانت مدة مملكته باليمن نيفًا على عشرين سنة‏.‏

    ومات بها في ليلة السبت تاسع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة وملك بعده ابنه الملك المظفر يوسف هذا وهو ثاني سلطان من بني رسول باليمن وأقام الملك المظفر هذا في الملك نحوا من ست وأربعين سنة وكان ملكًا عادلًا عفيفًا عن أموال الرعية حسن السيرة كثير العدل وملك بعده ولده الأكبر الملك الأشرف ممهد الدين عمر فلم يمكث الأشرف بعد أبيه إلا سنة ومات وملك أخوه الملك المؤيد هزبر الدين داود‏.‏

    ومات الملك المظفر هذا مسمومًا‏:‏ سمته بعض جواريه ومات وقد جاوز الثمانين وخلف من الأولاد‏:‏ الملك الأشرف الذي ولي بعده والمؤيد داود والواثق إبراهيم والمسعود أحسن والمنصور أيوب انتهى‏.‏

    وفيها توفي العلامة جمال الدين أبو غانم محمد ابن الصاحب كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي الحنفي المعروف بابن العديم مات بمدينة حماة وكان إمامًا فاضلًا بارعًا من بيت علم ورياسة‏.‏

    وفيها قتل الأمير عساف ابن الأمير أحمد بن حجي أمير العرب من آل مرى وكان أبوه أكبر عربان آل برمك وكان يدعي أنه من نسل البرامكة من العباسة أخت هارون الرشيد‏.‏

    وقد ذكرنا ذلك في وفاة أبيه الأمير شهاب الدين أحمد‏.‏

    وفيها توفي الأمير بدر الدين بكتوت بن عبد الله الفارسي الأتابكي كان من خيار الأمراء وأكابرهم وأحسنهم سيرة‏.‏

    وفيها توفي شيخ الحجاز وعالمه الشيخ محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبري الملكي الشافعي فقيه الحرم بمكة - شرفها الله تعالى - ومفتيه ومولده في سنة أربع عشرة وستمائة بمكة‏.‏

    وكانت وفاته في ذي القعدة‏.‏

    وقال البرزالي‏:‏ ولد بمكة في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة‏.‏

    قلت‏:‏ ونشأ بمكة وطلب العلم وسمع الكثير ورحل البلاد‏.‏

    وقال جمال الدين الإسنائي‏:‏ إنه تفقه بقوص على الشيخ مجد الدين القشيري انتهى‏.‏

    وذكر نحو ذلك القطب الحلبي في تاريخ مصر وحدث وخرج لنفسه أحاديث عوالي‏.‏

    قال أبو حيان‏:‏ إنه وقع له وهم فاحش في القسم الأول وهو التساعي وهو إسقاط رجل من الإسناد حتى صار له الحديث تساعيًا في ظنه‏.‏

    انتهى‏.‏

    قلت‏:‏ وقد استوعبنا سماعاته ومصنفاته ومشايخه في ترجمته من تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي مستوفاة في الكتاب المذكور‏.‏

    وكان له يد في النظم فمن ذلك قصيدته الحائية‏:‏ الخفيف ما لطرفي عن الجمال براح ولقلبي به غدا ورواح كل معنى يلوح في كل حسن لي إليه تقلب وارتياح ومنها‏:‏ فيهم يعشق الجمال ويهوى ويشوق الحمى وتهوى الملاح وبهم يعذب الغرام ويحلو ويطيب الثناء والإمتداح لا تلم يا خلي قلبي فيهم ما على من هوى الملاح جناح ويح قلبي وويح طرفي إلى كم يكتم الحب والهوى فضاح صاح عرج على العقيق وبلغ وقباب فيها الوجوه الصباح والقصيدة طويلة كلها على هذا المنوال‏.‏

    وفيها توفي سلطان إفريقية وابن سلطانها وأخو سلطانها عمر بن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن عمر الهنتاني الملقب بالمستنصر بالله والمؤيد به وولي سلطنة تونس بعد وفاة أخيه إبراهيم فيما أظن وقتل الدعي الذي غلب عليها وملك البلاد ودام في الملك إلى أن مات في ذي الحجة‏.‏

    وكان عهد لولده عبد الله بالملك فلما اختصر أشار عليه الشيخ أبو محمد المرجاني بأن يخلعه لصغر سنه فخلعه وولى ولد الواثق محمد بن يحيى بن محمد الملقب بأبي عصيدة الآتي ذكر وفاته في سنة تسع وسبعمائة‏.‏

    وكان المستنصر هذا ملكًا عادلًا حسن السيرة وفيه خبرة ونهضة وكفاية ودين وشجاعة وإقدام‏.‏

    رحمه الله تعالى‏.‏

    الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الزاهد القدوة أبو الرجال بن مري بمنين في المحرم‏.‏

    وعز الدين أبو بكر محفوظ بن معتوق التاجر ابن البزوري في صفر‏.‏

    والإمام عز الدين أحمد بن إبراهيم بن الفاروثي في ذي الحجة‏.‏

    وصاحب اليمن الملك المظفر يوسف بن عمر في رجب وكانت دولته بضعًا وأربعين سنة‏.‏

    وشيخ الحجاز محب الدين الطبري‏.‏

    وأبو الفهم أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني النقيب في المحرم‏.‏

    والعلامة تاج الدين أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن المطهر بن أبي عصرون التميمي مدرس الشامية الصغرى في ربيع الأول‏.‏

    ومحيي الدين عبد الرحيم بن عبد المنعم بن الدميري في المحرم وله تسعون سنة‏.‏

    والزاهد القدوة شرف الدين محمد بن عبد الملك اليونيني المعروف بالأرزوني‏.‏

    والزاهد المقرىء شرف الدين محمود بن محمد التاذفي بقاسيون في رجب‏.‏

    والعلامة زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد ابن المنجا الحنبلي في شعبان وله خمس وستون سنة‏.‏

    وقاضي القضاة شرف الدين الحسن بن عبد الله ابن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي‏.‏

    وناصر الدين نصر الله بن محمد بن عياش الحداد في شوال والعدل كمال الدين عبد الله بن محمد بن قوام في ذي القعدة‏.‏

    وأبو الغنائم بن محاسن الكفراني‏.‏

    والمقرىء موفق الدين محمد بن أبي العلاء محمد بن علي ببعلبك في ذي الحجة‏.‏

    والمقرىء أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليم سحنون المالكي في شوال بالإسكندرية‏.‏

    والعلامة الصاحب محيي الدين محمد بن يعقوب بن النحاس الحلبي الحنفي في آخر السنة‏.‏

    أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم ذراع وأصابع‏.‏

    مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعًا وسبع عشرة إصبعًا‏.‏

    وكان الوفاء في سادس أيام النسيء‏.‏

    السنة الثانية من سلطنة الملك العادل كتبغا وهي سنة خمس وتسعين وستمائة‏.‏

    فيها كان الغلاء العظيم بسائر البلاد ولا سيما مصر والشام وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضًا وقاسى الناس شدائد في هذه السنة والماضية‏.‏

    وفيها ولي قضاء الديار المصرية الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن دقيق العيد بعد وفاة قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز‏.‏

    وفيها توفي الملك السعيد شمس الدين إيلغازي ابن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان ابن الملك السعيد صاحب ماردين الأرتقي ودفن بتربة جده أرتق وتولى بعده سلطنة ماردين أخوه الملك المنصور نجم الدين غازي‏.‏

    وكان مدة مملكة الملك السعيد هذا على ماردين دون الثلاث سنين‏.‏

    وكان جوادًا عادلًا حسن السيرة رحمه الله تعالى‏.‏

    وفيها توفي الأمير بدر الدين بيليك بن عبد الله المحسني المعروف بأبي شامة بالقاهرة وكان من أعيان الأمراء وأكابرهم رحمه الله‏.‏

    وفيها توفي الأسعد بن السديد القبطي الأسلمي الكاتب مستوفي الديار المصرية والبلاد الشامية والجيوش جميعها المعروف بالماعز الديواني المشهور وكان معروفًا بالأمانة والخير وكان نصرانيًا ثم أسلم في دولة السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون‏.‏

    قال الشيخ صلاح الدين الصفدي - رحمه الله -‏:‏ حكى لي القاضي شهاب الدين محمود رحمه الله قال‏:‏ لما مرض المذكور توجهنا إليه نعوده فوجدناه ضعيفًا إلى الغاية وقد وضعوا عنده أنواعًا من الحلي والمصاغ المجوهر والعقود وفيها العنبر الفائق وأنواع من الطيب‏.‏

    ثم إنه قال‏:‏ ارفعوا هذا عني وأسر إلى خادم كلامًا فمضى وأتى بحق ففتحه وأقبل يشمه وقمنا من عنده ثم إنه مات فسألنا ذلك الخادم فيما بعد‏:‏ ما كان في ذلك الحق قال‏:‏ شعرة من است الراهب الفلاني الذي كان له كذا كذا سنة ما لمس الماء ولا قربه‏.‏

    قال‏:‏ فأنشدت‏:‏ ما يقبض الموت نفسًا من نفوسهم إلا وفي يده من نتنها عود وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الأفرم الكبير أمير جاندار الملك الظاهر والملك السعيد والملك المنصور قلاوون‏.‏

    فلما تسلطن الملك الأشرف خليل ابن قلاوون حبسه وبعد قتل الأشرف خليل أخرجه أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون وأعاده إلى مكانته ثم استقر في أيام الملك العادل كتبغا على حاله إلى أن مات بالقاهرة في يوم السبت سابع شهر ربيع الأول‏.‏

    قال القطب اليونيني‏:‏ حكى لي الأمير سيف الدين بن المحفدار قال‏:‏ أوصى الأفرم عند موته أنه إذا توفي يأخذون خيله يلبسونها أفخر ما لها من العدة وكذلك جميع مماليكه وغلمانه يلبسونهم عدة الحرب وأن تضرب نوبة الطبلخاناه خلف جنازته كما كان يطلع إلى الغزاة وألا يقلب له سنجق ولا يكسر له رمح ففعلوا أولاده ما أمر به ما خلا الطبلخاناه فإن نائب السلطنة حسام الدين لاجين منعهم من ذلك وكانت جنازته حفلة حضرها السلطان ومن دونه‏.‏

    وكان دينًا من وسائط الأخيار وأرباب المعروف‏.‏

    وكان يقال‏:‏ إنه يدخل عليه من أملاكه وضماناته وإقطاعاته كل يوم ألف دينار خارج عن الغلال‏.‏

    قلت‏:‏ وهذا مستفاض بين الناس‏.‏

    وقصة أولاده لما احتاجوا مع كثرة هذا المال إلى السؤال مشهورة‏.‏

    يقال إنه كان له ثمن الديار المصرية وهو صاحب الرباط والجسر على بركة الحبش خارج القاهرة‏.‏

    قال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ ‏"‏ كنت بالقاهرة وقد وقف أولاده وشكا عليهم أرباب الديون إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فقال السلطان‏:‏ يا بشتك هؤلاء أولاد الأفرم الكبير صاحب الأملاك والأموال أبصر كيف حالهم‏!‏ وما سببه إلا أن أباهم وكلهم على أملاكهم فما بقيت وأنا لأجل ذلك لا أدخر لأولادي ملكًا ولا مالًا ‏"‏ انتهى كلام الصفدي‏.‏

    قلت‏:‏ والعجيب أنه كان قليل الظلم كثير الخير وغالب ما حصله من نوع المتاجر والمزروعات والمستأجرات ومع هذا احتاج أولاده وذريته إلى السؤال‏.‏

    وفيها توفي قاضي القضاة بالديار المصرية ورئيسها تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب ابن القاضي الأعز أبي القاسم خلف بن محمود بن بدر العلامي الشافعي المصري المعروف‏:‏ بابن بنت الأعز‏.‏

    مات يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى ودفن عند والده بالقرافة في تربتهم وهو في الكهولية‏.‏

    وكان فقيهًا بارعًا شاعرًا خيرًا دينًا متواضعًا كريمًا تفقه على والده وعلى ابن عبد السلام تولى الوزارة والقضاء ومشيخة الشيوخ وأضيف إليه تدريس الصلاحية والشريفية بالقاهرة والمشهد الحسيني وخطابة الجامع الأزهر وامتحن محنة شديدة في أول الدولة الأشرفية وعمل على إتلافه بالكلية وذلك بسعاية الوزير ابن السلعوس الدمشقي‏.‏

    وقد استوعبنا أمره في المنهل الصافي ثم أعيد إلى القضاء بعد وفاة الأشرف فلم تطل أيامه ومات‏.‏

    ولما حج القاضي تقي الدين هذا وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد عند الحجرة النبوية قصيدته التي مطلعها‏:‏ الناس بين مرجز ومقصد ومطول في مدحه ومجود ومخبر عمن روى ومعبر عما رآه من العلا والسؤدد وفيها توفي الشيخ الإمام الأديب البارع المفتن سراج الدين أبو حفص عمر بن محمد بن الحسين المصري المعروف بالسراج الوراق الشاعر المشهور مولده في العشر الأخير من شوال سنة خمس عشرة وستمائة ومات في جمادى الأولى من هذه السنة ودفن بالقرافة‏.‏

    وكان إماما فاضلًا أديبًا مكثرًا متصرفًا في فنون البلاغة وهو شاعر مصر في زمانه بلا مدافعة‏.‏

    ومن شعره‏:‏ البسيط في خده ضل علم الناس واختلفوا أللشقائق أم للورد نسبته فذاك بالخال يقضي للشقيق وذا دليله أن ماء الورد ريقته وله‏:‏ مخلع البسيط كم قطع الجود من لسان قلد من نظمه النحورا فهأنا شاعر سراج فاقطع لساني أزدك نورا وله‏:‏ لا تحجب الطيف إني عنه محجوب لم يبق مني لفرط السقم مطلوب ولا تثق بأنيني إن موعده بأن أعيش للقيا الطيف مكذوب هذا وخدك مخضوب يشاكله دمع يفيض على خدي مخضوب وليس للورد في التشبيه رتبته وإنما ذاك من معناه تقريب وما عذارك ريحانًا كما زعموا فات الرياحين ذاك الحسن والطيب يا قاسي القلب لو أعداه رقته جسم من الماء بالألحاظ مشروب أرحت سمعي وفي حبيك من عذلي إذ أنت حب إلى العذال محبوب وكان السراج أشقر أزرق العين‏.‏

    وفي ذلك يقول عن نفسه‏:‏ الرجز ومن رآني والحمار مركبي وزرقتي للروم عرق قد ضرب قال وقد أبصر وجهي مقبلًا لا فارس الخيل ولا وجه العرب أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم خمس أذرع وأربع أصابع‏.‏

    مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعًا وإصبع‏.‏

    وكان الوفاء في رابع عشرين توت‏.‏


    المصدر / النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة

    انتهي ... طوفان
    التعديل الأخير تم بواسطة طوفان; 29-01-2008، الساعة 04:14 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك