موقع الدي في دي العربي

الموقع الأكثر تطوراً في مجال الترفيه والتسلية وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب، تابع أحدث أخبار الأدب والفن الأفلام والمسلسلات، الرياضة، البرامج والألعاب، الفضائيات والاتصالات، العلوم واللغات، شاركنا آرائك مع محبي الفن والثقافة ، انضم الآن



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 10 من 10
Like Tree0Likes

الموضوع: نقل جبل المقطم........ حقيقه ام اسطوره

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    المشاركات
    38

    نقل جبل المقطم........ حقيقه ام اسطوره

    الاحداث التى مهدت للمعجزه
    (1)المجادلة الدينية الحادة :
    كان المعز لدين الله الفاطمى...محبا لمجالس الأدب ومولعا بالمباحثات الدينية، وكان يجمع رجال الدين من المسلمين والمسيحيين واليهود للمناقشة فى مجلسه، وأشترط أن يكون ذلك بلا غضب أو خصام. وكان فى ديوان المعز رجل يهودى أعتنق الأسلام لكى يعيين وزيرا فى الدولة، وكان أسم هذا الرجل يعقوب بن كلس. ورغم أنه أعتنق الأسلام إلا أنه مازال متعصبا لدينه اليهودى، لأنه لم يعتنق الأسلام عن عقيدة بل لأجل المنصب. وكان هذا اليهودى يبغض المسيحيين إلى أقصى درجة، خاصة وأنه كان له خصم مسيحى يعزه الخليفة، وكان اليهودى يخشى أن يعينه وزيرا عوضا عنه، وكان اسمه قزمان بن مينا الشهير بأبو اليمن. فأستدعى يعقوب بن كلس اليهودى واحدا من بنى قومه يُدْعَى موسى ليجادل البابا البطريرك الأنبا ابرآم فى مجلس الخليفة المعز. أرسل الخليفة للآب البطريرك قائلاً: إن شئت يوماً أن تحاجج اليهود بنفسك أو بواسطة من تختار من الأساقفة، فتعال إلى دارى وناقشهم أمامى.
    حدد البابا الأنبا ابرآم موعدا لذلك، وأصطحب معه الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين (بالصعيد) وكان من علماء الكنيسة فى جـــيله، فهو الذى كتب تاريخ "سير البطاركة"، وكان أيضا لاهوتيا ضليعا، وخاصة فى اللاهوت المقارن بين الأديان، وله كتب كثيرة فى هذا المجال منها: كتاب التوحيد، وكتاب الأتحاد الباهر فى الرد على اليهود، وكتب كثيرة أخرى. وعندما أستقر مجلس الخليفة، وكان حاضرا أيضا الوزير بن كلس اليهودى ورفيقه موسى، فقال المعز للبابا: تكلم أيها البابا الوقور، أو أمنح رفيقك الأذن بالكلام.
    فقال البابا لأسقف الأشمونين الأنبا ساويرس: تكلم يأ بنى. ولتمنحك الحكمة الألهية حكمة من لدنها.
    فقال الأنبا ساويرس بفطنة روحية: ليس من اللائق أن أتحدث إلى يهودى فى حضرة الخليفة. فأحتد موسى اليهودى رفيق الوزير وقال: إنك تهيننى فى مسمع من أمير المؤمنين إذ تصفنى بالجهل. فسأله الأنبا ساويرس بهدوء: وإن قدمت لكَ الدليل على جهلك، أفلا تغضب؟
    وهنا تدخل الخليفة المعز بسماحته وبلاغته قائلاً: لا داعى للغضب فى المناقشة، لأن الحرية مكفولة لكل منكم حتى يعبر كل واحد عن عقيدته بصراحة وبلا حرج. فقال الأنبا ساويرس بثقة: لست أنا الذى أصفكم بالجهل، بل أن نبيا عظيما نال كرامة خاصة من الله هو الشاهد عليكم.
    فسأله موسى اليهودى قائلاً: ومن يكون هذا النبى؟
    أجابه الأنبا ساويرس على الفور: أنه أشعياء النبى الذى قال عنكم: "الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه، أما أسرائيل فلا يعرف. شعبى لايفهم" (أش 1: 3) .
    فأنفجر الخليفة المعز ضاحكا، إذ أُعجب بفطنة الأنبا ساويرس، وأُعجب بمهارته فى الحوار. ثم سأل الخليفة موسى اليهودى قائلاً : أهذه كلمات أشعياء النبى حقا؟
    فكتم موسى اليهودى غيظه، فأجاب بصوت خفيف: نعم يامولاى.
    فأستطرد الأنبا ساويرس فى الكلام قائلاً : ها أن نبيا عظيما من أنبيائكم قد أعلن بأن الحيوانات أكثر فهما منكم .
    وكان الخليفة لايزال ثملاً من براعة هذه الدعابة، ورأى أن يكتفى بذلك فى تلك الجلسة.
    (2) المؤامــــرة الخبيثة:
    كان من أثر تلك المجادلة الحادة أن تضايق الوزير بن كلس للغاية هو ورفيقه موسى اليهودى، فقررا الأنتقام من الأنبا ابرآم والأنبا ساويرس بتدبير مؤامرة تقضى على الأقباط جميعا. فأخذ موسى اليهودى يفتش فى الأنجيل المقدس عن شئ يساعده فى تحقيق غرضه الخبيث، فوجد الآية المقدسة التى قالها رب المجد يسوع المسيح: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: أنتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولايكون شئ غير ممكن لديكم" (مت 17: 20) .
    أسرع موسى اليهودى مع الوزير بن كلس إلى الخليفة المعز وقالا له : وجدنا فى أنجيل النصارى أنه مكتوب "أن من له إيمان مثل حبة خردل ينقل الجبل". فمن حقنا أن نطالبهم بإثبات صحة دينهم بإتمام هذا الكلام، فإن لم يستطيعوا وجب عقابهم لبطلان دينهم. صمت الخليفة المعز لدين الله الفاطمى مفكرا فى هذه الآية، ورأى أنه إذا كان كلام الآنجيل صحيحا فتكون فرصة ذهبية لإزاحة الجبل الجاثم شرق المدينة الجديدة (القاهرة) حتى يزيد عمرانها شرقا، ويكون موقعها أروع إذ كان الجبل قبل نقله على حدود بركة الفيل. أما إذا عجزوا عن تنفيذ هذا الكلام كان ذلك دليلاً قاطعا على بطلان دين النصارى، ومن ثمَ تحتم إزالة هذا الدين من الوجود. أرسل الخليفة المعز إلى البابا الأنبا ابرآم السريانى، فحضر اليه وتكلم معه عن أمر هذه الآية، وأن عليه أن يختار أمراً مما يأتى:
    1) إما تنفيذ هذه الوصية ونقل الجبل الشرقى المقطم .
    2) وإما أعتناق الإسلام وترك الدين المسيحى لبطلانه .
    3) وإما ترك البلاد المصرية والهجرة إلى أى بلد آخر.
    4) أو الأبادة بحد السيف.
    أطرق القديس البطريرك مصليا فى قلبه ليرشده الرب فى هذه المحنة. ثم طلب من الخليفة أن يمهله ثلاثة أيام، ثم يرد عليه جوابا.
    (3) المنادة بصوم واعتكاف:
    رجع البابا إلى مقره حزينا وأصدر منشورا عاما يأمر فيه جميع المسيحيين فى مصر بالصوم ثلاثة أيام إلى الغروب، مع أقامة الصلوات الحارة من أجل سلامة الكنيسة وأنقاذها من هذه المحنة. يا لها بصيرة روحية وحكمة سماوية تلك التى تلجأ إلى الله فى الظروف والمحن. فما اروع ما تصليه الكنيسة فى القداس الألهى قائلة: "لأننا لانعرف آخر سواك. أسمك القدوس هو الذى نقوله فتحيا نفوسنا بروحك القدوس". بعد ذلك ذهب البابا إلى كنيسة السيدة العذراء المعروفة بالمعلَّقة وطلب الأساقفة الذين كانوا موجودين بمصر القديـــمة والكهنة والأراخنة والرهبان، وذكر لهم ما حدث بينه وبين الخليفة المعز، وقال لهم: علينا بالصوم والصلاة هذه الأيام الثلاثة التى أستمهلته أياها ليترأف الله علينا بنعمته ويهئ لنا طريق النجاة. أستجاب الجميع لنداء البابا، وصام الشعب القبطى فى طول البلاد وعرضها ، وأقيمت القداسات، ورُفِعَت الصلوات والطلبات من أجل هذه المحنة التى تجتازها الكنيسة. وأعتكف البابا الأنبا ابرآم مع بعض الأساقفة والكهنة والرهبان والأراخنة بكنيسة السيدة العذراء بالمعلقة لمدة هذه الأيام الثلاثة.
    2) إنقشاع الغمـــــــــة
    1) ظهور السيدة العذراء للبابا:
    فى فجر اليوم الثالث غفا البابا غفوة قصيرة فرأى خلالها السيدة العذراء، وسمعها تقول له: ماذا بكَ؟
    فأجابها البابا: أنتِ تعلمين ياسيدة السمائيين والأرضيين.
    فقالت له: لاتخف أيها الراعى الأمين، فإن دموعك التى سكبتها فى هذه الكنيسة مع الأصوام والصلوات التى قدمتها أنتَ وشعبك لن تُنسى. أخرج الآن من الباب الحديدى المؤدى إلى السوق، وعند خروجك منه ستجد أمامك رجلاً بعين واحدة، حامل جرة ماء. أمسك به لأنه الرجل الذى ستتم المعجزة على يديه.
    وما ان قالت السيدة العذراء ذلك حتى توارت عن عيني البابا الذى أستيقظ من نومه مندهشا.
    2) مبعوث السماء القديس سمعان:
    عندما أستيقظ البابا من النوم وخرج فى الحال إلى الباب الحديدى المؤدى إلى السوق رأى خارجه الرجل الذى أشارت إليه السيدة العذراء، فأمسك به وأدخله داخل الباب الحديدى، ثم أغلق الباب. ثم ذكر البابا له ما حدث بينه وبين الخليفة، وما أمرته به السيدة العذراء بأنه هو الرجل الذى ستتم على يديه المعجزة. فقال له القديس سمعان: أغفر لى يا أبتى، فأنى رجل خاطئ .
    فقال له البابا فى أصرار: أنه أمر أم النور.
    فأجاب القديس سمعان فى خضوع وأتضاع: مادامت أم النور هى التى حكمت علىّ بأن أوّدى هذا الواجب العظيم، فأنى أضع نفسى فى خدمتك ياسيدى. فسأله البابا عن أسمه وعن سبب وجوده فى السوق فى مثل هذه الساعة المبكرة، بينما الناس نيام. فأجابه القديس سمعان: أسمى سمعان الخراز. وأنا أشتغل بدباغة الجلود، ولكنى أقوم فى مثل هذه الساعة من كل صــباح لأملأ قربتى بالماء وأوزعه على الكهول والمرضى الذين أقعدتهم الشيخوخة أو المرض عن المقدرة على أحضار الماء لأنفسهم. وعندما أنتهى من خدمتى هذه أُعيد قربتى إلى البيت وأذهب إلى عملى عند صاحب مصنع الدباغة حيث أعمل حتى المساء، وعند غروب الشمس أخرج مع بقية الأُجراء فأكل القليل لأسد به رمقى ثم أنصرف إلى الصلاة. ثم رجا القديس سمعان من البابا أن يكتم حقيقة أمره طالما هو حى على هذه الأرض .
    3) التجهيزات للمعجزة:
    بعد أن أنتهى القديس سمعان من حديثه السابق قال للآب البطريرك: أصعد يا أبى المكرم إلى الجبل، وخذ معك رجال الدين والشمامسة والأراخنة، وأجعلهم يحملون عاليا الأناجيل والصلبان والشموع الطويلة موقدة والمجامر مملوءة بخورا، وأطلب إلى الملك وحاشيته أن يصعدوا معكم. فتقفوا أنتم على ناحية من الجبل، بينما يقفوا هم على الناحية المقابلة لكم، وسأقف أنا وسط الشعب خلف غبطتكم بحيث لايعرفنى أحد. ثم إنك بعد تقديم الأسرار المقدسة ترفع صوتك مع الجميع مرددين "كيرياليسون" أربعمائة مرة. ثم أصمت بعد ذلك بعض اللحظات، ثم أسجد أنت والكهنة أمام العلى، وكرر هذا العمل ثلاث مرات، وفى كل مرة تقف فيها بعد السجود أرسم الجبل بعلامة الصليب، وسترى مجد الله. فرفع الآب البطريرك صـــلاة شـــكر لله الذى ســـمح بالتجـــربة، وأعطـى معها أيضا المنفذ (1كو 10: 13).
    3) المعجــزة الخـــارقة
    1) حشــــد رهــــيب:
    أخبر الآب البطريرك الخليفة المعز لدين الله الفاطمى أنه مستعد لتنفيذ مطلبه بنعمة الله. فخرج الخليفة ممتطيا صهوة جواده، ومعه حشد رهيب من رجال حاشيته وعظمائه وجنوده. وتقابل مع الآب البطريرك وعدد كبير من الأساقفة والكهنة والشمامسة والأراخنة والشعب وبينهم القديس سمعان الخراز. ووقف الفريقان، كما قال القديس سمعان، مقابل بعضهما فوق جبل المقطم.
    2) زلزلة عظيمة وأنتقال الجبل:
    بعد تقديم الأسرار المقدسة التى رفعها البابا والأساقفة ردد المصلون بروح منكسرة وقلوب منسحقة صلاة "كيرياليسون: يارب أرحم" أربعمائة مرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ثم صمتوا برهة بين يدى العلى. وأبتدأوا فى السجود والقيام ثلاث مرات، والآب البطريرك يرشم الجبل بالصليب، وإذ بزلزلة عظيمة تجتاح الجبل، وفى كل سجدة يندك الجبل، ومع كل قيام يرتفع الجبل إلى أعلى وتظهر الشمس من تحته، ثم يعود إلى مكانه فى كل مرة. إنها قوة الإيمان الذى أعلنه معلمنا الرسول بولس إذ قال: "أستطيع كل شئ فى المسيح يسوع الذى يقوينى" (فى 4: 13)
    3) أرتعاب الخليفة والجماهير:
    عندما حدثت المعجزة فزع الخليفة المعز وأرتعب وكل الجموع المحتشدة معه، وهتف المعز بأعلى صوته قائلاً: عظيم هو الله، تبارك أسمه. وألتمس من البابا أن يكف عن عمله لئلا تنقلب المدينة. وعندما هدأت الأمور قال للبابا : لقد أثبتم أن إيمانكم هو إيمان حقيقى.
    4) أختفاء القديس سمعان الخراز:
    بعد أن هدأت نفوس الجموع المحتشدة بدأوا ينزلون من الجبل ليعودوا إلى بيوتهم. أما البابا البطريرك فقد تلفت حوله باحثا عن القديس سمعان الخراز الذى كان يقف خلفه فلم يجده، ولم يعثر أحد عليه بعد ذلك حتى أظهرته نعمة الله فيما بعد كما سنرى.
    5) تسمية الجبل بالمقطم:
    تحكى مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس أن الجبل المقطم سُمِّىَ كذلك أى المقطم أو المقطع أو المقطب لأن سطحه كان متساويا، أى متصلاً ، فصار ثلاث قطع، واحدة خلف الأخرى، ويفصل بينهم مسافة. وتقول قواميس اللغة العربية أن كلمة "مقطم" معناها "مقطع".
    4) نتائج المعجزة
    كان لهذه المعجزة الجبارة عدة نتائج هامة منها :
    1) تجديد الكنائس وترميمها :
    بعد أن تمت المعجزة أنفرد الخليفة المعز لدين الله الفاطمى بالبابا وقال له: الآن أطلب ما تشاء فأفعله لك.
    فأجاب البابا بحكمة: لا أطلب إلا أن يطيل الله حياتك ويمنحك النصر على أعدائك. ولكن الخليفة أصر أن يطلب البابا شيئا. فقال البطريرك: مادمت تلح علىّ فى أن أعلن لكَ رغبتى فأسمح لى بأن أقول أننى أتوق إلى أعادة بناء كنيسة القديس مرقوريوس أبى سيفين ببابيلون (مصر القديمة)، إذ قد هدمها بعض السوقة والرعاع وأستعملوا ما بقى منها كمخزن للقصب، وكذلك أود ترميم جدران كنيسة المعلقة، إذ أصابها بعض التصدع.
    وما إن سمع الخليفة هذه الطلبات حتى أمر أحد كتبة الديوان بأن يحرر مرسوما فورا يعطى البطريرك الحق فى العمل كما طلب. ثم أمر أن تصرف النفقات اللازمة من خزانة الدولة. أخذ البابا المرسوم الذى يصرح له بالبناء والترميم وأعتذر عن أخذ المال، وقال للخليفة:
    إن الذى نبنى له كنيسة قادر على أن يساعدنا حتى نتممها، وهو غير محتاج إلى مال العالم، وأعادوا بناءه. إنها حياة القناعة والأكتفاء.
    فالقديس البابا الأنبا ابرآم لم يطلب من الخليفة أية أمور أو مقتنيات شخصية. وقد كان تجديد بناء كنيسة مرقوريوس أبى سيفين فاتحة عهد من البناء والتجديد، فتجدد عدد كبير من الكنائس وخاصة فى الأسكندرية.
    2) ســلام الكنيسة:
    كان لمعجزة نقل جبل المقطم أثر عميق فى نفوس الجميع وصارت رهبة الله على الكبير والصغير فى الدولة، إذ يسجل التاريخ ذلك بقوله: "حل السلام محل الثورة و الحرب، فأمتلأ قلب الأنبا ابرآم طمأنينة على شعبه الأمين". ومن أسباب السلام الذى عم الكنيسة هو ما قيل عن الخليفة نفسه. وهذا يذكرنا بما حدث مع أمبراطور الدولة الرومانية، الأمبراطور قسطنطين الكبير، الذى بعد أن رأى راية الصليب فى منامه وتم له النصر فى معاركه آمن بالمسيح. ليس شئ عسير على الرب، إذ تسـتطيع نعمـة الله أن تدخل إلى بلاط الملوك والأباطرة وتسبى سبيا وتعطى الناس عطايا، فمعلمنا القديس بولس يكتب قائلاً : "يسلم عليكم جميع القديسين، ولاسيما الذين من بيت قيصر" (فى 4: 22)".
    ونبدأ بقول كاتب السيرة عن يعقوب بن كلس اليهودى الذى كان قد أسلم فى عهد كافور الإخشيدى وانتهى به الحال إلى الدخول فى خدمة الفاطميين بعد فتحهم لمصر: "ورغم أنه أعتنق الأسلام إلا أنه مازال متعصبا لدينه اليهودى، لأنه لم يعتنق الأسلام عن عقيدة بل لأجل المنصب. وكان هذا اليهودى يبغض المسيحيين إلى أقصى درجة، خاصة وأنه كان له خصم مسيحى يعزه الخليفة، وكان اليهودى يخشى أن يعينه وزيرا عوضا عنه، وكان اسمه "قزمان بن مينا الشهير بأبو اليمن"، فها هنا يقول كاتب سيرة سمعان الإسكافى إن ابن كلس كان وزيرا للمعز لدين الله، وخشى أن يستبدل الخليفة الفاطمى به رجلا نصرانيا يحل محله فى الوزارة. وهذا كله كذب، ببساطة لأن ابن كلس لم يكن يوما وزيرا للمعز، بل لابنه العزيز. فهذا أول مِعْوَل فى جدران الخرافة المضحكة، وفى أول فقرة منها، وهو ليس بالمعول الضعيف، بل معول مزلزل.
    الثانية أن راوى الخرافة قد وصف المعز الفاطمى أكثر من مرة بالسماحة وسعة الصدر واحترام البطرك وتوقيره، بالإضافة إلى أنه، عند الكلام عن مجالسه الدينية، قد ركز على اشتراطه عدم الغضب أثناء الجدال بين أصحاب الأديان المختلفة. لكنه ينسى هذا كله فجأة ليقدم للمعز نفسه صورة أخرى مخالفة، إذ انتهز ما قاله له ابن كلس عن آية استطاعة المؤمن النصرانى نقل الجبل من مكانه إذا أراد، وعوّل على عقد اللقاء الثانى بين اليهودى والبطرك لاستغلاله من أجل القضاء على النصارى فى البلاد وقَطْع دابرهم. كيف يمكن أن يحدث ذلك فى غمضة عين للمعز المتسامح الواسع الصدر المحب للعلم والعلماء الموقر لبطرك الأقباط والذى يفسح فى مجالسه للمجادلات الدينية دون غضب أوتعصب، وهو أمر لم يفكر فيه من قبلُ ولا من بعدُ حاكم مسلم لا فى مصر ولا فى أى بلد إسلامى آخر؟ الواقع أن هذا أمر لا يصدقه عقل،كما كانت شويكار تنطقها فى بعض أعمالها السخيفة، فطبائع الشخصيات البشرية لا تنقلب بهذه السرعة ولا بهذه السهولة ولا لهذه الأسباب التافهة، اللهم إلا إذا كان صاحب الشخصية من الإمَّعات، وحاشا أن يكون المعز بهذه الضآلة! لا أقول هذا من لَدُنّى، بل يقوله التاريخ، ويقوله كاتب السيرة نفسه.
    كذلك تقول الحدوتة إن البطرك، حين رجع من عند المعز، أصدر منشورا للنصارى جميعا فى عموم البلاد أن يصوموا تلك الأيام الثلاثة التى ضربها للخليفة ميعادا لتحقيق المعجزة، بما يعنى أنه لا بد من إعلام النصارى فى كل أرجاء مصر بما جاء فى المنشور فى نفس اليوم رغم سعة البلاد طولا وعرضا كما هو معروف. والسؤال هو: كيف استطاع البطرك فى ذلك الزمن الذى كانت المواصلات فيه بدائية وبطيئة أن يوصل منشوره إلى رعيته فى ذات اليوم بحيث استطاعوا أن يصوموا الأيام الثلاثة المطلوبة قبل أن تبدأ المواجهة بينه وبين المعز؟ وإلى القارئ ما قاله كاتب الحدوتة بنفسه فى هذه النقطة: "ذهب البابا إلى كنيسة السيدة العذراء المعروفة بالمعلقة، وطلب الأساقفة الذين كانوا موجودين بمصر القديـــمة والكهنة والأراخنة والرهبان، وذكر لهم ما حدث بينه وبين الخليفة المعز، وقال لهم: علينا بالصوم والصلاة هذه الأيام الثلاثة التى أستمهلته أياها، ليترأف الله علينا بنعمته ويهئ لنا طريق النجاة. أستجاب الجميع لنداء البابا، وصام الشعب القبطى فى طول البلاد وعرضها، وأقيمت القداسات، ورُفِعَت الصلوات والطلبات من أجل هذه المحنة التى تجتازها الكنيسة. وأعتكف البابا الأنبا ابرآم مع بعض الأساقفة والكهنة والرهبان والأراخنة بكنيسة السيدة العذراء بالمعلَّقة لمدة هذه الأيام الثلاثة". أما فى الرواية التى أوردها عزت أندراوس فى "موسوعة تاريخ أقباط مصر" فإن الأمر يوغل فى الاستحالة إن كان للاستحالة درجات متفاوتة: "وعاد البابا إلى منزلة بمصر وأحضر الكهنة والآراخنة بمصر وجميع الشعب القبطى وعرفهم ما حدث وهو يبكى". أى أن البطرك لم يكتف بإرسال المنشور إلى جميع أرجاء البلاد، بل أحضر الشعب القبطى كله إليه. كيف ذلك؟ علمه عند عالم السر وأخفى! أو ربما استدعاهم بنقرة من فارة الكمبيوتر فحضروا إليه فى الحال من جميع أنحاء الشبكة العنكبوتية وخرجوا من الحاسوب (أو "الكاتوب" كما أفضل أن أقول) ملوحين بقبضاتهم المهدِّدة فى الهواء وهم يستنزلون اللعنات على رأس المعز ومن نفضوا بذرة المعز، ويهتفون: بالروح، بالدم، نفديك يا إبرام!
    وتمضى الحدوتة فتذكر أن السيدة مريم عليها السلام قد ظهرت للبطرك فى المنام: "فى فجر اليوم الثالث غفا البابا غفوة قصيرة فرأى خلالها السيدة العذراء، وسمعها تقول له: ماذا بكَ؟
    فأجابها البابا: أنتِ تعلمين ياسيدة السمائيين والأرضيين.
    فقالت له: لاتخف أيها الراعى الأمين، فإن دموعك التى سكبتها فى هذه الكنيسة مع الأصوام والصلوات التى قدمتها أنتَ وشعبك لن تُنْسَى. أخرج الآن من الباب الحديدى المؤدى إلى السوق، وعند خروجك منه ستجد أمامك رجلاً بعين واحدة حامل جرة ماء. أمسك به لأنه الرجل الذى ستتم المعجزة على يديه.
    وما ان قالت السيدة العذراء ذلك حتى توارت عن عيني البابا الذى أستيقظ من نومه مندهشا".
    ثم إننا نقرأ أيضا فى الحدوتة أن سمعان قد طلب من البطرك أن يذهب النصارى إلى الجبل يوم الامتحان ويصعدوا هم والمسلمون فيه بحيث يقف كل من الفريقين فى جانب. المهم أنهم جميعا سيكونون فوق الجبل، وهو ما حدث فعلا كما ورد فى الحدوتة فى أكثر من موضع: "أصعد يا أبى المكرم إلى الجبل، وخذ معك رجال الدين والشمامسة والأراخنة، وأجعلهم يحملون عاليا الأناجيل والصلبان والشموع الطويلة موقدة والمجامر مملوءة بخورا، وأطلب إلى الملك وحاشيته أن يصعدوا معكم فتقفوا أنتم على ناحية من الجبل، بينما يقفوا هم على الناحية المقابلة لكم، وسأقف أنا وسط الشعب خلف غبطتكم بحيث لايعرفنى أحد... أخبر الآب البطريرك الخليفة المعز لدين الله الفاطمى، أنه مستعد لتنفيذ مطلبه بنعمة الله، فخرج الخليفة ممتطيا صهوة جواده، ومعه حشد رهيب من رجال حاشيته وعظمائه وجنوده، وتقابل مع الآب البطريرك وعدد كبير من الأساقفة والكهنة والشمامسة والأراخنة والشعب وبينهم القديس سمعان الخراز، ووقف الفريقان، كما قال القديس سمعان، مقابل بعضهما فوق جبل المقطم". إذن فالفريقان كلاهما كانا واقفين فوق الجبل، ومع هذا تقول الحدوتة المتخلفة إن الجبل اندك أكثر من مرة (وهم بطبيعة الحال فوقه) وأخذ يتراقص تراقصا مرعبا فيصعد كلما رفع النصارى رؤوسهم من السجود، ويرجع إلى موضعه من الأرض مندكًّا حين يعودون فيسجدون، كل ذلك دون أن يتحطموا ويتفتتوا، بل دون أن يصيبهم أى أذى على الإطلاق، أو على الأقل دون أن يسقط أحد منهم من فوق الجبل أثناء هذه الألاعيب الأكروباتية التى كان يأتيها هذا الجبل العفريت! تصوروا!
    وأنكى من ذلك أنهم كانوا يشاهدون الشمس من تحت الجبل كلما ارتفع فى الهواء عند قيامهم من السجود. أى أنهم كانوا واقفين فوق الجبل، ومع ذلك استطاعوا أن يَرَوُا الشمس من تحت هذا الجبل! أين أنت يا خواجه بيجو كى تشق هدومك وتلطم خدودك وتطق عروقك كما كنت تصنع حين يفشر عليك أبو لمعة المسكين رغم أن فشره لا يعد شيئا مذكورا جنب هذا التخلف العقلى الرهيب الذى لا يصلح معه إلا إرسال صاحبه إلى العباسية؟ وهذا نص ما جاء فى الحدوتة عن ذلك الموضوع: "بعد تقديم الأسرار المقدسة التى رفعها البابا والأساقفة ردد المصلون بروح منكسرة وقلوب منسحقة صلاة "كيرياليسون: يارب أرحم" أربعمائة مرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا (أربعمائة مرة بحالها؟ يا محمَّدى!). ثم صمتوا برهة بين يدى العلىّ، وأبتدأوا فى السجود والقيام ثلاث مرات، والآب البطريرك يرشم الجبل بالصليب، وإذ بزلزلة عظيمة تجتاح الجبل، وفى كل سجدة يندكّ الجبل، ومع كل قيام يرتفع الجبل إلى أعلى وتظهر الشمس من تحته، ثم يعود إلى مكانه فى كل مرة". "ياااا صلااااة النبى" على رأى إسماعيل يس! ولكم، أيها القراء، أن تتصوروا ما حدث للخليفة ورجاله وسائر المسلمين بعد هذه المداعبة المتهورة، فقد هَرّوا على أنفسهم طبعا (كما يفعل القمّص الحمار، ذو الدُّبر الهرّار): "عندما حدثت المعجزة فزع الخليفة المعز وأرتعب وكل الجموع المحتشدة معه، وهتف المعز بأعلى صوته قائلاً: عظيم هو الله، تبارك أسمه. وألتمس من البابا أن يكف عن عمله لئلا تنقلب المدينة". عجيبة! أوبعد كل تلك الزلازل والاندكاكات لم تكن المدينة قد انقلبت؟ ثم إنى كنت أتوقع أن يكون تعليق المعز للبطرك هنا هو: "ماذا تفعل يا رجل يا مجنون؟"، فهذا هو ما يقال فى مثل تلك الحالة، لكن مؤلف الحدوتة يفتقر للأسف إلى خفة الظل المصرية. وتنتهى هذه الحلقة من المسلسل بقول الراوى يا سادة يا كرام: "وعندما هدأت الأمور قال للبابا: لقد أثبتّم أن إيمانكم هو إيمان حقيقى". هكذا إذن! لكن ماذا يكون هذا بالقياس إلى ما أنطقوا به المعز فى رواية أخرى للحدوتة، إذ قال: "محمد ما فيش!"، أى أن دين محمد لا معنى له جنب هذه الألاعيب الأكروباتية! نعم جعلوه يقول: "محمد ما فيش"، وكأنه خواجا إجريجى! ولم لا؟ أليس اسمه بالكامل: المعز بن قسطنطين بن كرامانليس؟ ولا أدرى لم لم يوردوا كلامه كاملا، وهو: "مهمَّد ما فيش! إدونى بكشيش، أو كِرْش هَشِيش، لا نروه ما نجيش!".
    وفى الحدوتة الخرافية أيضا أن المعز كان يهدف، ضمن ما يهدف إليه، من امتحان النصارى إلى أنهم إن استطاعوا الإتيان بالمعجزة فبإمكانه التوسع بعمران القاهرة شرقا، إذ كان المقطم يقع شرقى عاصمته عند بركة الفيل كما يخرّفون. وهذا نص ما قيل، أُورِده بحرفه: "صمت الخليفة المعز لدين الله الفاطمى مفكرا فى هذه الآية، ورأى أنه إذا كان كلام الإنجيل صحيحا فتكون فرصة ذهبية لإزاحة الجبل الجاثم شرق المدينة الجديدة (القاهرة) حتى يزيد عمرانها شرقا ويكون موقعها أروع، إذ كان الجبل قبل نقله على حدود بركة الفيل". ومعروف أن القاهرة قد بناها المعز فى منطقة الأزهر والحسين وما جاورها، فبركة الفيل إذن لا تقع شرقها بل إلى ناحية الجنوب منها. ثم إنه إذا أراد المعز توسيع القاهرة لقد كان عنده الشمال مفتوحا تماما، ويستطيع أن يمتد بعمرانه فيه كما يحلو له. فهذه غلطة أخرى قاتلة تدل على أن الأمر كله لا يعدو أن يكون خرافة سخيفة لا تليق إلا بالعوام ومن هم أدنى من العوام. ثم لو كان المعز يريد التخلص من النصارى، فهل كان هناك ما يمنعه من تنفيذ مخططه مباشرة دون الدخول فى مثل هذه المآزق؟ لقد كانت الدولة المصرية آنذاك قوية لا تبالى القوى الأجنبية ولا تعمل لها حسابا، وليس كما هو الحال الآن. وكان المعز قادرا على أن يصنع ما يريد فى هذا السبيل دون أن يعقب عليه معقب أو يقول له: ثلث الثلاثة كم؟ ولدينا ما صنعه حفيده الحاكم بأمر الله حين كان يطلع فى رأسه أن ينكل بهذه الطائفة أو تلك، بل أن ينكل بالشعب المصرى كله، فهل كان يلجأ إلى مثل تلك المناورات؟ أبدا، بل كان يمضى إلى تنفيذ ما فى ذهنه دون رقيب أو حسيب، بغض النظر عن النتائج بطبيعة الحال. وهنا نحب أن ننبه إلى ما وقع بالنصارى فى عهد الحاكم لقبح سلوكهم وتجبرهم وسوء استغلال كبارهم للمناصب المهمة التى بوّأتهم إياها الدولة آنذاك فانقلب الحاكم بأمر الله عليهم ونكل بهم، وإن لم ينفردوا دون سائر الشعب بهذا العسف مع توفر بواعثه فى حالتهم، وهو ما يكذّب ما قالته الخرافة المتخلفة تخلف عقل من اخترعها من أن وقوع المعجزة كان بدءا لعصر سلام تمتعت فيه الكنيسة بالازدهار. ذلك أنه لم يمض على المعجزة الكاذبة إلا قليل حتى جاء الحاكم وأدّب النصارى، وإن لم يكن نصيب المسلمين من عسفه أقل ما وقع بالنصارى من تأديب، بل قد يزيد.
    ومما روته هذه الخرافة أيضا أن بطلها المسمى: "سمعان"، والذى يلقب مرة بــ"سمعان الخراز"، ومرة بــ"سمعان الدباغ" (وهو اضطراب آخر من الاضطرابات الكثيرة التى تعج بها الحدوتة السخيفة) كان أعور، إذ كان قد فقأ إحدى عينيه. لماذا، اسم الله عليه؟ قال: "قلعتها من أجل وصية الرب. فعندما نظرت لما ليس لى، فى شهوة، ورأيت أنى ماضى إلى الجحيم بسببها، فكرت وقلت: الأصلح لى أن أمضى من هذه الحياة بعين واحدة إلى المسيح خير من أمضى إلى الجحيم بعينين". وقد فسرت روايةٌ أخرى من روايات تلك الخرافة ما فعله ذلك المسكين بشىء من التفصيل على النحو التالى طبقا لما جاء عند عزت أندراوس فى الهامش رقم 11 لتلك الحدوتة فى "موسوعة تاريخ أقباط مصر"، إذ كتب قائلا: "عندما كان سمعان يقوم بعمله كإسكافى أتت إليه امرأه لتصلح نعل رجلها (خذوا بالكم والنبى من "نعل رجلها" هذه، وكأن هناك نعلا لليد، وآخر للرأس، وثالثا للأنف، ورابعا للأذن... وهلم جرا)، وكانت جميلة الصورة ، وعندما خلعت نعلها نظر إلى ساقها فنظرت عيناه إليها بشهوة، فأنّبته نفسه فضرب المخراز فى إحدى عينيه فأفرغها تنفيذا لوصية الرب: "إن كانت عينك اليمنى تُعْثِرك فاقلعها عنك، لأنه خير لك أن يَهْلِك أحد أعضائك ولا يُلْقَى جسدك كله فى نار جهنم" ( مت 5: 28- 29)... قد يقال أن سمعان الخراز تصرف بطريقة حرفيه، إلا أن هذا لا تنقص من قداسته لبساطته وإخلاصه وامانته فى تنفيذ هذه الوصية. كما أنه برهن على طهارته ونقاوة قلبه ورفضه للخطية التى تمكنت منه فى لحظه ضعف. كما أنه لم ينظر إلى المرأه بعين واحده وإنما الإثنين. فإنه أرد أن يعاقب نفسه على هذه النظرة الشريره التى إقتربت من الشهوة إلى حد أنها أصبحت فى حد ذاتها شهوة".
    لكن فات سمعان والذين يقدسون سمعان، وهم بطبيعة الحال أحرار فى ذلك، أنه هو أو أى إنسان فى العالم عندما ينظر إلى شىء أو شخص فإنه ينظر إليه بعينيه الاثنتين لا بعين واحدة، فكيف اكتفى بقلع واحدة ولم يشفعها بالأخرى حتى يتأكد أنه لن يذهب إلى الجحيم ويعذَّب ولو نصف تعذيب؟ كذلك من غير الممكن أن تكون هذه هى المرة الوحيدة التى رأى فيها امرأة جميلة وتحركت نفسه إليها، وإلا ما كان بشرا سويا، وهو ما يكذبه تطلعه إلى قدم المرأة كما جاء فى تلك الخرافة. فلماذا لم يمض على سنته فيقلع العين الثانية بعد ذلك ما دام لم يقلعها أول مرة فيريح ويستريح؟ ثم لماذا لم يذهب فى ذات الاتجاه فيصلم أذنيه ويصب فيهما الآنُك كيلا يسمع صوتا أنثويا رقيقا أو مغناجا فيتطاول قلبه وتكون كارثة أخرى؟ ثم لماذا لم يستمر على نفس المنوال فيجدع أنفه ويسد فتحتيه بما يمتنع معه أن يشم عطر امرأة فواح يحرك أوتار خياله ونجد أنفسنا أمام كائنة أخرى من تلك الكوائن التى تؤدى بصاحبها إلى جهنم، والعياذ بالله؟ ثم إن الخرافة المضحكة قد نسيت أن تقول لنا ماذا فعلت المرأة صاحبة "الرِّجْل" التى تسببت فى هذه الكارثة. ذلك أننى أتصورها، حين رأت ما صنعه هذا المجنون، قد لطمت ورقَعت بالصوت الحَيّانى على عادة نساء مصر فى مثل تلك المواقف حتى تكأكا حولها خلق الله من كل حَدَب وصوب، وهى لا تكف عن الصياح واللطم والعويل (فهكذا سِلْو المصريات!)، وكانت حكاية شغلت الصحافة وبقية وسائل الأعلام العام بطوله! وبالمناسبة فلا يمكن أن تكون قدمها إلا قدما قشفة، وإلا فما الذى ينتظره الإنسان من امرأة تذهب إلى الإسكافى ليصلح لها نعلها الذى لا تملك غيره؟ ترى ما الذى كان قمينا أن يحدث لو كانت المرأة سيدة مترفة ذات قدم بضة مضيئة؟ لا أظن إلا أن سمعان الورع التقى كان سيسرع حينئذ إلى أقرب طبنجة ويطخّ بها رأسه ضمانا للنجاة، وهو لا يكاد يصدّق مع ذلك بأنه نجا!
    ثم إنى أتساءل: كيف يا ترى يقال رغم هذا إن النصرانية هى ديانة الرحمة والخلاص، وإن المسيح قد فَدَى بدمه وصَلْبه البشرية من خطاياها؟ فإذا كان هذا هو السلوك المنتظر من المؤمنين بالمسيح إذا أرادوا نجاةً من نيران الجحيم طبقا لما وصاهم به هو نفسه، فما فائدة نزوله إذن من علياء ألوهيته أو ألوهية أبيه السماوى إلى دنيانا هذه بنت الجزمة القديمة؟ وفيم كانت كل تلك الدراما الرهيبة من قبض عليه وصلب له وقتل إياه؟ أوَطلع هذا كله على الفاضى؟ فلِمَ مكايدة النصارى إذن لغير النصارى وتحنيسهم إياهم بأنهم ليس لهم مسيح يفديهم كما لهم هم مسيح يفديهم ويخلصهم من خطيئتهم الأولى ويدخلهم ملكوت السماوات ما دامت المسألة فى نهاية المطاف سترسو على قلع الأعين وصلم الآذان وجدع الآناف تجنيا لأهوال جهنم، وهو ما لا وجود له ولا لفيمتو واحد منه فى دين محمد؟ والعجيب أن شريعة التوراة الموسومة بالقسوة والوحشية والمتَّهَم أصحابها بالحَرْفية والمظهرية والنفاق تخلو من مثل هذه الوصية الكارثية، فهل هذه هى الرحمة التى جاءت بها شريعة الإنجيل؟
    أما شريعة محمد، الذى يتخذه الأوغاد غرضا لشتائمهم وبذاءاتهم ويريد بعض الناس أن نسكت على شتمه ولا نرد عنه قلة الأدب والصياعة الإجرامية، فإن لها رأيا آخر هو الحكمة كلها، والفقه كله، والعطف كله. جاء فى صحيح مسلم مثلا: ‏‏"كُتِبَ على ابن ‏‏ آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما ‏‏الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها ‏البطش، ‏والرجل زناها ‏الخُطَا، والقلب ‏يهوى ‏ويتمنى. ويصدّق ذلك الفرج ويكذّبه"، وفى رواية ثانية: "أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: ‏إن الله كتب على ابن ‏‏آدم ‏ ‏حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة: فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنَّى وتشتهي. والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه".
    و بطبيعة الحال فإن الرسول عليه السلام لا يشجع هنا على التساهل، بل يعصم النفوس من اليأس إن حسبت أنها يمكن أن تعلو تماما عن مطالب الجسد وشهواته وكأنها ملائكة نورانية لا غرائز عندها ولا تطلعات إلى متاع الحياة، ثم تفاجأ بأن ذلك مستحيل تماما مما يدفعها إلى الوقوع فى حمأة الإثم والتخبط فى شباكه ما دام ليس ثمة أمل من وراء الجهود المتلاحقة والحرمانات المتصلة. وهل هناك شخص يستطيع أن يزعم صادقا أنه قد نجح تمام النجاح فى ألا ينظر إلى امرأة فاتنة أو يسمع صوتا جميلا أو يشم عطرا فواحا طوال حياته، أو أنه نظر وسمع وشم ولم يكن لهذا أى تأثير فى نفسه على الإطلاق؟ إنه إذن لأكذب الكذابين وأشد المنافقين نفاقا والتواء! والعبرة على أى حال فى ألا يستجيب لصوت الشهوة أو ينساق معه، بل يوقفه بكل ما عنده من جهد. والبشر متفاوتون فى هذا الجهد: فمنهم من يتوقف سريعا فلا يمضى بعيدا فى خيالاته، ومنهم من يضعف فيترك لخواطره العنان، ومنهم من قد يمضى إلى ما هو أبعد من ذلك. وهذا ما نشاهده حولنا دون حذلقات ماسخة. وباب التوبة مفتوح دائما أبدا، والله يغفر الذنوب جميعا مهما غلظت وضخمت ما دام مجترحها يشعر بخطئه ويندم عليه ويعمل بكل وسعه على عدم المعاودة حتى لو تكرر وقوعه بعد ذلك فى الذنب. فالمهم أن يظل الضمير يقظا وألا يستسلم صاحبه للآثام فيجترحها على أنها أمرٌ عادىٌّ لا يستوجب الشعور بالذنب والخجل. فهذا أفضل من سد بيبان العفو والغفران وتيئيس الناس ودفعهم دفعا إلى الآثام والخطايا بإيهامهم أن سيئاتهم تجلّ عن المغفرة، مع أنه سبحانه قد تكفل بغفران الذنوب جميعا. والعجيب أن نرى السيد المسيح عليه السلام يتشدد كل هذا التشدد فى الوقت الذى لم تكن ذنوب أنبياء العهد القديم أنفسهم هى اجتراح الذنوب البسيطة من عيّنة النظر إلى ساق امرأة قشفة مثلا لا تثير شهوة صرصور، بل منهم من زنى، ومنهم من دلّس، ومنهم من حقد، ومنهم من قتل بضمير بارد وإجرام متوحش لا يعرف الندم، ومنهم من أعان زوجاته على عبادة الأصنام، مما تعد معه نظرة سمعان المسكين إلى ساق المرأة الجلفة حسنة من الحسنات تكفل لصاحبها مقعدا فى البريمو بملكوت السماء!
    فى ضوء هذا نقرأ النصوص التالية من العهد الجديد: "«27قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. 28وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. 29فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. 30وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ" (متى/ 5). "8فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي النَّارِ الأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلاَنِ. 9وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي جَهَنَّمِ النَّارِ وَلَكَ عَيْنَانِ" (متى/ 18). "43وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّمَ، إِلَى النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ. 44حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. 45وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ رِجْلاَنِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ فِي النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ. 46حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. 47وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ عَيْنَانِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ النَّارِ. 48حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ" (مرقس/ 9). وأترك القارئ الآن ليقارن بين كلام وكلام ويرى بنفسه ولنفسه الفرق بين مثاليات متشنجة لا تؤكل عيشا (ولا "جاتوهًا"، حتى لا تنطّ لنا فيها الغبية مارى أنطوانيت زوجة لويس السادس عشر!) ولا تؤدى بمتّبعها إلى شىء، اللهم إلا الكوارث أو الكذب والتشدق بما لا يستطيعه هو أو سواه، وبين تشريع إنسانى يلائم بين سمو المثالية وضغط الواقع الذى لا يمكن الإفلات تمام الإفلات منه، ويعرف من ثم أن شريعة محمد هى الشريعة الأجدر بالقبول لدى كل من عنده نظر فى عينيه، وعقل فى رأسه يفكر به ويعرف خلاصه، وإلا فلم تكن الجعجعة بقادرة يوما على أن تبلّغ صاحبها أى شىء!
    ألا ما أسهل الكلام الجميل المنمق الذى يُسْكِر النفوس ويدغدغ المشاعر، لكنه عند التطبيق لا ينجلى عن أى طائل. وما هكذا تساس أمور البشر، بل السياسة السليمة هى التى تدفعنا فى طريق النجاة ولو خطوات بدلا من أن نظل نراوح أماكننا ونحن نهتف بالشعارات المثالية الباعثة مع ذلك على الضحك والمنتهية سريعا إلى اليأس والإحباط! ترى هل من المستطاع مثلا الحفاظ على أثوابنا من الاتساخ والعرق مهما اجتهدنا وبذلنا كل ما لدينا من وسع لاتقاء البقع والغبار والطين ورائحة إفرازات الجسد؟ إن هذا، بطبيعة الحال، أمر غير ممكن، وكل ما نستطيعه هو أن نغير دائما ملابسنا كلما اتسخت ولا نبقيها على أجسامنا بما تؤذى به العين من قذارة، والأنف من نتانة، عارفين أن ذلك لن يضع حدا لتلك القذارة ولا لتلك النتانة، وأنهما متكررتان لا محالة مما يستلزم تغيير الملابس من جديد والتخلص من القذارة والرائحة المزعجة... وهكذا دواليك. وبالمثل لا يمكن أن يتقى الإنسان الأخطاء الأخلاقية تماما وفى كل الأوقات والظروف. إن كثيرا من المنتمين إلى الإسلام مثلا لا يزنون ولا يسرقون ولا يتعاطون الخمور، ويصلون ويزكون ويحجّون ويؤدون واجبهم فى الحياة ويتقنون أعمالهم ويسعون فى طلب العلم ...، لكن هذا شىء، والزعم بأن هؤلاء وأمثالهم لا يقعون فى أية صغائر على الإطلاق شىء آخر تكذبه طبيعة الحياة ومنطق الواقع وما نعرفه من محدودية الطاقة الأخلاقية عند بنى الإنسان رغم قدرتها مع ذلك على التحليق فى عُلْيَا السماوات فى كثير من الحالات!
    ومن التدليس النئ المفضوح قولهم إن المقطم إنما سمى: "مقطَّما" لأنه فى هذه المعجزة قد تقطم، أى تقطع قِطَعًا: "تحكى مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس أن الجبل المقطم سُمِّىَ كذلك، أى المقطَّم أو المقطَّع أو المقطَّب، لأن سطحه كان متساويا أى متصلاً، فصار ثلاث قطع، واحدة خلف الأُخرى، ويفصل بينهم مسافة. وتقول قواميس اللغة العربية أن كلمة "مقطم" معناها "مقطع"...". وها هنا عدة أمور: أولها هل تقطع الجبل؟ أم هل انتقل من مكانه؟ أم هل بقى على حاله الأولى؟ لنُعِدْ قراءة ما قالته الحدوتة فى هذا الصدد: "بعد تقديم الأسرار المقدسة التى رفعها البابا والأساقفة ردد المصلون بروح منكسرة وقلوب منسحقة صلاة "كيرياليسون: يارب أرحم" أربعمائة مرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ثم صمتوا برهة بين يدى العلى. وأبتدأوا فى السجود والقيام ثلاث مرات، والأب البطريرك يرشم الجبل بالصليب، وإذ بزلزلة عظيمة تجتاح الجبل، وفى كل سجدة يندك الجبل، ومع كل قيام يرتفع الجبل إلى أعلى وتظهرالشمس من تحته، ثم يعود إلى مكانه فى كل مرة. إنها قوة الإيمان الذى أعلنه معلمنا الرسول بولس إذ قال: "أستطيع كل شئ فى المسيح يسوع الذى يقوينى" (فى 4 :13). عندما حدثت المعجزة فزع الخليفة المعز وأرتعب وكل الجموع المحتشدة معه، وهتف المعز بأعلى صوته قائلاً: عظيم هو الله، تبارك أسمه. وألتمس من البابا أن يكف عن عمله لئلا تنقلب المدينة. وعندما هدأت الأمور قال للبابا: لقد أثبتم أن إيمانكم هو إيمان حقيقى. بعد أن هدأت نفوس الجموع المحتشدة بدأوا ينزلون من الجبل ليعودوا إلى بيوتهم. أما البابا البطريرك فقد تلفت حوله باحثا عن القديس سمعان الخراز الذى كان يقف خلفه فلم يجده ولم يعثر أحد عليه بعد ذلك حتى أظهرته نعمة الله فيما بعد كما سنرى. تحكى مخطوطة بدير الأنبا أنطونيوس أن الجبل المقطم سُمِّىَ كذلك، أى المقطم أو المقطع أو المقطب لأن سطحه كان متساويا، أى متصلاً، فصار ثلاث قطع، واحدة خلف الأُخرى، ويفصل بينهم مسافة. وتقول قواميس اللغة العربية أن كلمة "مقطم" معناها "مقطع"...".
    ومعنى السطور الثلاثة الأخيرة أن الجبل لم يكن اسمه سابقا: "المقطم" لأنه لم يكن قد انقطم قبل تلك الواقعة. لكنْ من الواضح أن كل ما حدث، حسبما تقول الخرافة المضحكة، هو أن الجبل قد ارتفع وهبط عدة مرات، والناس فوقه إلى آخر لحظة كما قلنا، ثم لا شىء آخر، إذ لا تذكر الحدوتة من قريب أو من بعيد أنه قد تقطع البتة أو انتقل من موضعه، وهو ما يعنى أن التفسير المقدم هنا لكلمة "المقطم"، وهو حصول المعجزة، ليس سوى كلام فارغ. ثم إذا عرفنا أن هذا الجبل كان معروفا عند العرب بهذا الاسم قبل ذلك بوقت طويل كان هذا دليلا آخر على كذب الحدوتة. وهذه بعض الشواهد على ذلك من شعر العرب ونثرهم قبل عصر الفاطميين: يقول أيمن بن خُرَيْم الأسدى (ت 80 هــ):
    رَكِبْتُ مِنَ الْمُقَطَّمِ فِي جُمَادَى إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ البَرِيدَا
    يقصد أنه سافر من مصر حيث كان عبد العزيز بن مروان واليا، إلى العراق الذى كان يتولاه أخوه بشر. ويقول كُثَيِّر عزة (40- 105هــ):
    تُعَالِي وَقَد نُكّبنَ أَعلامَ عابِدٍ بِأَركانِها اليُسْرَى هِضابَ المُقطَّمِ
    ويقول منصور بن إسماعيل الفقيه (ت 306هــ) فى الثناء على الشافعى وعلمه:
    أَضحى بمصر دفينًا في مقطَّمِها نِعْمَ المُقَطَّم وَالمَدْفون في تُرْبِه
    ويقول مُعَلّى الطائى (وهو من أهل القرنين الثانى والثالث الهجريين) فى رثاء جاريته وَصْف، وكان يحبها حبا شديدا فماتت ودفنت فى المقطم:

    خَلَّيتِني فَرْدًا وبِـنْـتِ بـهـا ما كنتُ قَبْلَكِ حافلا وكـفـا
    فَتَرَكْتُها بالرَّغْم فـي جَـدَث للرّيح يَنْسِف تُرْبَه نَـسْـفـا
    دون المقطم لا ألـبـّسـهـا من زينةٍ قُرْطًا ولا شَنْـفـا
    وجاء فى "فتوح الشام" للواقدى (130- 207 هـ): "كان عمرو (بن العاص)... يقول: لا والذي نجاني من القبط. قال: وعاد الرسول وأخبر الملك بما قاله عمرو، فعند ذلك قال: أريد أن أدبر حيلة أدهمهم بها، فقال الوزير: اعلم أيها الملك أن القوم متيقظون لأنفسهم لا يكاد أحد أن يصل إليهم بحيلة، ولكن بلغني أن القوم لهم يوم في الجمعة يعظمونه كتعظيمنا يوم الأحد، وهو عندهم يوم عظيم، وأرى لهم من الرأي أن تُكْمِن لهم كمينا مما يلي الجبل المقطم. فإذا دخلوا في صلاتهم يأتي إليهم الكمين ويضع فيهم السيف"، "ووجدنا معهما الخِلَع التي وجهها إليهم ابن المقوقس ففرقها خالد على المسلمين وفيها خِلْعَةٌ سنيّة، وكانت لمقدَّم القوم، فأعطاها رفاعة، وساروا حتى قربوا من الجبل المقطم فرأوا جيش القبط، فأرسل خالد رجلاً من قِبَله، وهو نصر بن ثابت، وقال له: امض إلى هذا الملك وقل له: إن العرب أصحاب مدين قد أتوا لنصرتك"، "فلما رفعت رأسي قال لي الوزير:يا أخا العرب، أَوَصَل أصحابك إلى نصرة الملك؟ فقلت: نعم، وهاهم في دير الجبل المقطم". وفى "المعارف" لابن قُتَيْبَة الدِّينَوَرِىّ(213- 286 هـ) عن عمرو بن العاص: "وقُبِض وهو ابن ثلاث وسبعين سنة فدفن يوم الفطر بحبل المقطم في ناحية الفخ". وبالمثل ورد هذا الاسم عند مؤرخنا الكندى(ت 350 هـ، أى قبل وقوع المعجزة المزعومة بسبعة عشر عاما) فى المحاورة التى أوردها بين عمرو بن العاص والمقوقس قائلا إن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، سار في سفح المقطم ومعه المقوقس، فقال له عمرو: ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام؟... إلى آخر الحوار. وبالمناسبة فهناك "مقطم" آخر فى فلسطين يقع قرب قرية بيت عنان وبيت لقيا، فهل كان هناك سمعانٌ إسكافىٌّ آخر وراء انشقاقه هو أيضا ثلاث قطع؟

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    المشاركات
    38
    هذا من ناحية النص وحده دون الرجوع إلى شىء خارج النص، فإذا ما وسعنا الدائرة ورجعنا إلى كتب التاريخ وغيرها من الكتب هالنا الأمر واكتشفنا أن ملفق هذه الحدوتة هو رجل مخرف العقل لا فهم لديه ولا معرفة له بفن التأليف، وإلا لقد كان ينبغى أن يفكر قليلا قبل أن يكتب ما كتب، أو على الأقل كان عليه أن يراجعه قبل أن يذيعه فى الناس حتى لا تكون فضيحة بجلاجل! كيف ذلك؟ نبدأ بقوله عن ابن كلس إنه كان وزيرا للمعز. وذلك كذب بواح كما قلنا، إذ تخبرنا كتب التاريخ والتراجم أن الرجل لم يتول الوزارة إلا فى عهد العزير بالله ابن المعز لدين الله. فهذه واحدة، كما أنه لم يقع ترميم للكنائس على هذا النحو فى عهد المعز بأى شكل من الأشكال، وهذه هى الثانية. ثم إننا نبحث فى كل الكتب عند المسلمين فلا نجد شيئا عن تلك التخريفة التى يسمونها: "معجزة" على الإطلاق! ترى هل يمكن أن يسكت كل المؤرخين والجغرافيين والأدباء والشعراء والفلاسفة والوعاظ وكتاب الدواوين عن الإشارة إلى حدث كهذا زلزل القاهرة وكاد أن يأتى عليها من القواعد، بل المفروض أنه قد أتى عليها فعلا من القواعد، فلا يفتحوا فمهم بكلمة توحد الله؟ وهل كلَّ يوم يرى الناس جبالا تطير وتهبط وتندك وقد تزاحمت الحشود عليها بالآلاف؟ أمن المعقول أن الذين أسعدهم (أو قل: أتعسهم وأرعبهم) الحظ بركوب ذلك البساط المدهش لم يفكر أحد منهم فى تسجيل تجربته وتصوير مشاعره فى تلك اللحظات الرهيبة؟ لا لا ليست هذه طبيعة الشخصية المصرية التى لا تترك شيئا جليلا أو تافها دون أن تجعله محورا لثرثرتها، إن لم يكن لهزلها وتنكيتها أو للطمها وصُوَاتها حسبما تقتضى الظروف!
    مرة أخرى هل يعقل أن يخرس الكتّاب المصريون على بكرة أبيهم فلا يخطوا حرفا واحدا عن الزلزال على الأقل، ذلك الزلزال الذى لا بد أن يكون قد تجاوز مقدار ثمانى درجات بمقياس ريختر، لكن الله سلم، لأن الأنبا والإسكافى كانا رغم كل شىء رفيقين بالمسلمين فلم يشاءا أن يدمرا البلد على دماغ الذين جاؤوا بها واكتفوا بقرصة الأذن هذه؟ ودعنا من تثنى الجبل ورقصه على واحدة ونصف وقد ربط شالا على مؤخرته كما تفعل الراقصات، فهكذا تقتضى أصول الرقص الشرقى، وإلا فلا! وحتى لو زَعَم سخيفٌ أن المسلمين لم يشاؤوا أن يتكلموا عن المعجزة، ولا أدرى لماذا، لقد كان بإمكانهم يا أخى أن يقلبوا الحقائق قلبًا فيدّعوا مثلا أن النصارى كانوا يريدون بالبلاد شرا وكان فى نيتهم التمرد على السلطات، إلا أنها قد ألزمتهم حدودهم. أما أن يسكت الشعب كله خاصته وعامته وحكومته دون أن ينبس ببنت شفة أو بابنها فهذا ما لا يدخل دماغ أى إنسان. لقد شغلت الناس أيما شغل حكاية الأضواء التى تلعب بها بعض الكنائس فى عصرنا هذا وتطلقها فى الليل فوق أبراجها ثم يدعون أنها ظهورات لمريم عليها السلام، وأفاضت الصحف والكتب فى أمرها طوال سنوات ومازالت تتناولها حتى الآن، ولا ريب أن تلك الأضواء المصنوعة ليست شيئا بالمرة أمام الرقص المرعب الذى يجمد الدم فى العروق والذى رقصه الجبل (منه لله!) ولا رَقْص القرد ميمون، فما بال المصريين على بكرة أبيهم وأمهم معا قد انكتموا كتمة الفول المدمس فلم يفتح الله عليهم بكلمة واحدة فى هذه المناسبة المذهلة التى لو كانت وقعت لقامت فتنة لا يعلم مداها إلا الله، ولرأينا كذلك بعض ضعفاء الإيمان من المسلمين يتنصرون، وهو ما لم يحدث، وإلا لسجله المؤرخون على عادتهم فى تناول كل شىء دون تعمية أو تجاهل أو تزييف.
    أما استشهاد عزت أندراوس بكلام ماركو بولو عن تلك الحدوتة فى رحلاته فهى مسألة تبعث على القهقهة، فماركو بولو لم يكن حاضرا الواقعة، بل لم يكن معاصرا لها، وكل ما فعله هو تسجيله لما سمعه أثناء تطوافه فى بلاد المسلمين. ليس ذلك فحسب، بل من شأن ما قاله أن يقدح فى المسألة لا أن يؤكدها، إذ إن مسرح المعجزة عنده بين بغداد والموصل وليس القاهرة، كما أن الخليفة العباسى فى قصته هو الذى كان ينوى اضطهاد النصارى لا المعز، بالإضافة إلى أن تاريخ الاضطهاد والمعجزة المزعومة فى كتابه متأخر عن تاريخهما المكذوب فى مصر بقرنين ونصف حسبما يوضح الهامش الأول من هوامش الفصل السابع من الكتاب الخاص برحلاته. ثم إن الخليفة العباسى فى حدوتة الرحالة الإيطالى كان يكره النصارى "لله فى لله" دون حاجة إلى وجود وزير يهودى يوغر صدره عليهم، على عكس الحدوتة الأخرى التى تصور المعز واسع الصدر، يفسح لهم دائما فى مجلسه ويحب أن يستمع إليهم وهم يجادلون المسلمين واليهود فى حرية تامة، إلى أن قفز فيها ابن كلس وخطط للإيقاع بالنصارى. وفضلا عن ذلك نرى الخليفة فى رواية بولو يعطيهم مهلة عشرة أيام: فإن نجحوا فبها ونعمت، وإلا فالعقوبة الصارمة فى انتظارهم. أما فى الرواية المصرية فهم الذين التمسوا منه المهلة، وكانت ثلاثة أيام لا عشرة قضوها كلها صائمين، بخلاف الحدوتة الأخرى التى تقول إن النصارى قد قضوا الأيام العشرة فى صلاة وتضرع، لكن دون صيام. وبالمثل ففيما نجد أن مريم عليها السلام فى روايتنا السابقة هى التى ظهرت للبطرك فى المنام نفاجأ فى رواية بولو بأن زائر المنام هو الروح القدس لا العذراء، وأن المَزُور هو أسقف من الأساقفة لا البابا ذاته، وأن الزيارة المنامية قد تكررت عدة مرات، على حين أنها فى الرواية السابقة لم تقع إلا مرة واحدة ليس إلا. وفوق ذلك ففى الوقت الذى تقول فيه الرواية الأولى إن الفريقين من مسلمين ونصارى صعدوا جميعا على الجبل، كل فريق فى جانب منه، وإن الجبل كان يعلو ويهبط وهم واقفون فوقه، نجد فى رواية رحالتنا البندقى أن الفريقين كانا واقفين فى السهل أمام الجبل لا فوق الجبل نفسه، وكانا من ثَمّ يشاهدان ما يحدث وهم بمنجًى من الخطر... فكيف بعد ذلك جميعا يجرؤ أى إنسان على الاستشهاد بما كتبه ذلك الأفاق؟ وما أشبه هذا بما كنا نسمعه فى طفولتنا من حواديت العفاريت التى كان أبطالها دائما رجالا ونساء من أهل قريتنا، حتى إذا ما كبرتُ وأصبح لى أصدقاء من قرى أخرى بعيدة عن قريتنا وليست لها بها أية صلة، أخذتُ أسمع منهم نفس الحواديت مع بعض التلوينات المختلفة، إلا أن أبطالها رجال ونساء من تلك القرى الأخرى، فكان هذا سببا إضافيا من الأسباب التى نبهتنى إلى أنها مجرد خرافات لا علاقة لها بالواقع وأنها لم تقع بقريتنا أو بأية قرية أخرى

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    المشاركات
    38
    وهذا نص كلام ماركو بولو فى الترجمة الإنجليزية لكتابه: "The Travels of Marco Polo":
    CHAPTER VII
    HOW THE CALIF OF BAUDAS TOOK COUNSEL TO SLAY ALL THE CHRISTIANS IN HIS
    LAND.
    I will tell you then this great marvel that occurred between Baudas and
    Mausul.
    It was in the year of Christ[NOTE 1] ... that there was a Calif at Baudas
    who bore a great hatred to Christians, and was taken up day and night with
    the thought how he might either bring those that were in his kingdom over
    to his own faith, or might procure them all to be slain. And he used daily
    to take counsel about this with the devotees and priests of his
    faith,[NOTE 2] for they all bore the Christians like malice. And, indeed,
    it is a fact, that the whole body of Saracens throughout the world are
    always most malignantly disposed towards the whole body of Christians.
    Now it happened that the Calif, with those shrewd priests of his, got hold
    of that passage in our Gospel which says, that if a Christian had faith as
    a grain of mustard seed, and should bid a mountain be removed, it would be
    removed. And such indeed is the truth. But when they had got hold of this
    text they were delighted, for it seemed to them the very thing whereby
    either to force all the Christians to change their faith, or to bring
    destruction upon them all. The Calif therefore called together all the
    Christians in his territories, who were extremely numerous. And when they
    had come before him, he showed them the Gospel, and made them read the
    text which I have mentioned. And when they had read it he asked them if
    that was the truth? The Christians answered that it assuredly was so.
    "Well," said the Calif, "since you say that it is the truth, I will give
    you a choice. Among such a number of you there must needs surely be this
    small amount of faith; so you must either move that mountain there,"--and
    he pointed to a mountain in the neighbourhood--"or you shall die an ill
    death; unless you choose to eschew death by all becoming Saracens and
    adopting our Holy Law. To this end I give you a respite of ten days; if
    the thing be not done by that time, ye shall die or become Saracens." And
    when he had said this he dismissed them, to consider what was to be done
    in this strait wherein they were.
    NOTE 1.--The date in the G. Text and Pauthier is 1275, which of course
    cannot have been intended. Ramusio has 1225.
    [The Khalifs in 1225 were Abu'l Abbas Ahmed VII. en-Nassir lidini 'llah
    (1180-1225) and Abu Nasr Mohammed IX. ed-Dhahir bi-emri 'llah
    (1225-1226).--H. C.]
    NOTE 2.--"_Cum sez regisles et cum sez casses._" (G. T.) I suppose the
    former _expression to be a form of _Regules_, which is used in Polo's book
    for persons of a religious _rule_ or order, whether Christian or Pagan.
    The latter word (_casses_) I take to be the Arabic _Kashيsh_, properly a
    Christian Presbyter, but frequently applied by old travellers, and
    habitually by the Portuguese (_caxiz, caxix_), to Mahomedan Divines. (See
    _Cathay_, p. 568.) It may, however, be _Kلzي_.
    Pauthier's text has simply "à ses prestres de la Loi."
    CHAPTER VIII.
    HOW THE CHRISTIANS WERE IN GREAT DISMAY BECAUSE OF WHAT THE CALIF HAD SAID.
    The Christians on hearing what the Calif had said were in great dismay,
    but they lifted all their hopes to God, their Creator, that He would help
    them in this their strait. All the wisest of the Christians took counsel
    together, and among them were a number of bishops and priests, but they
    had no resource except to turn to Him from whom all good things do come,
    beseeching Him to protect them from the cruel hands of the Calif.
    So they were all gathered together in prayer, both men and women, for
    eight days and eight nights. And whilst they were thus engaged in prayer
    it was revealed in a vision by a Holy Angel of Heaven to a certain Bishop
    who was a very good Christian, that he should desire a certain Christian
    Cobler,[NOTE 1] who had but one eye, to pray to God; and that God in His
    goodness would grant such prayer because of the Cobler's holy life.
    Now I must tell you what manner of man this Cobler was. He was one who led
    a life of great uprightness and chastity, and who fasted and kept from all
    sin, and went daily to church to hear Mass, and gave daily a portion of
    his gains to God. And the way how he came to have but one eye was this. It
    happened one day that a certain woman came to him to have a pair of shoes
    made, and she showed him her foot that he might take her measure. Now she
    had a very beautiful foot and leg; and the Cobler in taking her measure
    was conscious of sinful thoughts. And he had often heard it said in the
    Holy Evangel, that if thine eye offend thee, pluck it out and cast it from
    thee, rather than sin. So, as soon as the woman had departed, he took the
    awl that he used in stitching, and drove it into his eye and destroyed it.
    And this is the way he came to lose his eye. So you can judge what a holy, just, and righteous man he was.
    NOTE 1.--Here the G. T. uses a strange word: "_Or te vais a tel_
    cralantur." It does not occur again, being replaced by _chabitier_
    (savetier). It has an Oriental look, but I can make no satisfactory
    suggestion as to what the word meant.
    CHAPTER IX.
    HOW THE ONE-EYED COBLER WAS DESIRED TO PRAY FOR THE CHRISTIANS.
    Now when this vision had visited the Bishop several times, he related the
    whole matter to the Christians, and they agreed with one consent to call
    the Cobler before them. And when he had come they told him it was their
    wish that he should pray, and that God had promised to accomplish the
    matter by his means. On hearing their request he made many excuses,
    declaring that he was not at all so good a man as they represented. But
    they persisted in their request with so much sweetness, that at last he
    said he would not tarry, but do what they desired.
    CHAPTER X.
    HOW THE PRAYER OF THE ONE-EYED COBLER CAUSED THE MOUNTAIN TO MOVE.
    And when the appointed day was come, all the Christians got up early, men
    and women, small and great, more than 100,000 persons, and went to church,
    and heard the Holy Mass. And after Mass had been sung, they all went forth
    together in a great procession to the plain in front of the mountain,
    carrying the precious cross before them, loudly singing and greatly
    weeping as they went. And when they arrived at the spot, there they found
    the Calif with all his Saracen host armed to slay them if they would not
    change their faith; for the Saracens believed not in the least that God
    would grant such favour to the Christians. These latter stood indeed in
    great fear and doubt, but nevertheless they rested their hope on their God
    Jesus Christ.
    So the Cobler received the Bishop's benison, and then threw himself on his
    knees before the Holy Cross, and stretched out his hands towards Heaven,
    and made this prayer: "Blessed LORD GOD ALMIGHTY, I pray Thee by Thy
    goodness that Thou wilt grant this grace unto Thy people, insomuch that
    they perish not, nor Thy faith be cast down, nor abused nor flouted. Not
    that I am in the least worthy to prefer such request unto Thee; but for
    Thy great power and mercy I beseech Thee to hear this prayer from me Thy
    servant full of sin."
    And when he had ended this his prayer to God the Sovereign Father and
    Giver of all grace, and whilst the Calif and all the Saracens, and other
    people there, were looking on, the mountain rose out of its place and
    moved to the spot which the Calif had pointed out! And when the Calif and
    all his Saracens beheld, they stood amazed at the wonderful miracle that
    God had wrought for the Christians, insomuch that a great number of the
    Saracens became Christians. And even the Calif caused himself to be
    baptised in the name of the Father and of the Son and of the Holy Ghost,
    Amen, and became a Christian, but in secret. Howbeit, when he died they
    found a little cross hung round his neck; and therefore the Saracens would
    not bury him with the other Califs, but put him in a place apart. The
    Christians exulted greatly at this most holy miracle, and returned to
    their homes full of joy, giving thanks to their Creator for that which He
    had done.[NOTE 1]
    And now you have heard in what wise took place this great miracle. And
    marvel not that the Saracens hate the Christians; for the accursed law
    that Mahommet gave them commands them to do all the mischief in their
    power to all other descriptions of people, and especially to Christians;
    to strip such of their goods, and do them all manner of evil, because they
    belong not to their law. See then what an evil law and what naughty
    commandments they have! But in such fashion the Saracens act, throughout
    the world.
    Now I have told you something of Baudas. I could easily indeed have told
    you first of the affairs and the customs of the people there. But it would
    be too long a business, looking to the great and strange things that I
    have got to tell you, as you will find detailed in this Book.
    So now I will tell you of the noble city of Tauris.
    NOTE 1.--We may remember that at a date only three years before Marco
    related this story (viz. in 1295), the cottage of Loreto is asserted to
    have changed its locality for the third and last time by moving to the
    site which it now occupies.
    Some of the old Latin copies place the scene at Tauris. And I observe that
    a missionary of the 16th century does the same. The mountain, he says, is
    between Tauris and Nakhshiwan, and is called _Manhuc_. (_Gravina_,
    _Christianita nell' Armenia_, etc., Roma, 1605, p. 91.)
    The moving of a mountain is one of the miracles ascribed to Gregory
    Thaumaturgus. Such stories are rife among the Mahomedans themselves. "I
    know," says Khanikoff, "at least half a score of mountains which the
    Musulmans allege to have come from the vicinity of Mecca."
    Ramusio's text adds here: "All the Nestorian and Jacobite Christians from
    that time forward have maintained a solemn celebration of the day on which
    the miracle occurred, keeping a fast also on the eve thereof."
    F. Gِring, a writer who contributes three articles on Marco Polo to the
    _Neue Züricher-Zeitung_, 5th, 6th, 8th April, 1878, says: "I heard related
    in Egypt a report which Marco Polo had transmitted to Baghdad. I will give
    it here in connection with another which I also came across in Egypt.
    "'Many years ago there reigned in Babylon, on the Nile, a haughty Khalif
    who vexed the Christians with taxes and corvées. He was confirmed in his
    hate of the Christians by the Khakam Chacham Bashi or Chief Rabbi of the
    Jews, who one day said to him: "The Christians allege in their books that
    it shall not hurt them to drink or eat any deadly thing. So I have
    prepared a potion that one of them shall taste at my hand: if he does not
    die on the spot then call me no more Chacham Bashi!" The Khalif
    immediately sent for His Holiness the Patriarch of Babylon, and ordered
    him to drink up the potion. The Patriarch just blew a little over the cup
    and then emptied it at a draught, and took no harm. His Holiness then on
    his side demanded that the Chacham Bashi should quaff a cup to the health
    of the Khalif, which he (the Patriarch) should first taste, and this the
    Khalif found only fair and right. But hardly had the Chacham Bashi put the
    cup to his lips than he fell down and expired.' Still the Musulmans and
    Jews thirsted for Christian blood. It happened at that time that a mass of
    the hill Mokattani became loose and threatened to come down upon Babylon.
    This was laid to the door of the Christians, and they were ordered to stop
    it. The Patriarch in great distress has a vision that tells him summon the
    saintly cobbler (of whom the same story is told as here)--the cobbler bids
    the rock to stand still and it does so to this day. 'These two stories may
    still be heard in Cairo'--from whom is not said. The hill that threatened
    to fall on the Egyptian Babylon is called in Turkish _Dur Dagh_, 'Stay, or
    halt-hill.' (L.c. April, 1878")--_MS. Note_, H. Y.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    المشاركات
    38
    ويماثل الاعتمادَ على كلام ماركو بولو فى السخف والتنطع، لا بل يزيد عليه كثيرا، الاعتمادُ على أن بتلر قد ذكر هذه الحدوتة فى كتابه عن "الكنائس القبطية القديمة فى مصر:The Ancient Coptic Churches of Egypt". ذلك أن بتلر لم يذكرها تصديقًا لها كما يحاول البكاشون أن يقنعونا، بل تغطيةً لما يتناقله الأقباط فى مصر عن الخرافات الخاصة بمعجزات القديسين حتى يكون كتابه شاملا للموضوعات التى تتعلق بالكنائس ومن أقيمت لهم من قديسين حسبما يسميهم النصارى. كما أنه لم يترك قارئه فى عماية من أمره، بل وصف القصة فى كل مرة ذكرها فيها بأنها "a legend"، أى حكاية خرافية أو أسطورة. ولكيلا يتنطع متنطع فيقول: "ربما ولعل" أسارع فأوضِّح أن بتلر قد استخدم فى هذا السياق كلمتى "true" و"legendary" متقابلتين، بما يدل قطعًا على أنه يقصد بــ"legendary": الخرافى، فى مقابل "true: الحقيقى". وحتى لو كان بتلر قد أورد تلك الخرافة فى كتابه إيراد المصدق بها ما غير هذا من الوضع شيئا. ذلك أن بتلر إنما ينقل عن غيره (وتحديدا عن رينودو المستشرق الفرنسى الذى كان يعيش فى القرن السابع عشر كما سنوضح عما قليل)، ولم يشهد الواقعة ينفسه، فكلامه من هذه الناحية لا قيمة له، وإن كان من الغريب مع ذلك أن يقع مؤرخ مثل بتلر فى خطإ تاريخى أبلق لا يليق بالعلماء المحققين، إذ استنتج من بعض المقارنات التاريخية أن كنيسة أبى سيفين قد بنيت أو أعيد بناؤها عام 980م، مضيفا أن ذلك وقع فى عهد المعز، غير دارٍ أن المعز كان قد مات منذ خمس سنوات شبع خلالها موتا، إذ كانت وقاته فى 14 ربيع الثانى من عام 365 للهجرة النبوية الشريفة، وهى تقابل 20 ديسمبر سنة 975م على ما حققه الأستاذ محمد عبد الله عنان (انظر كتابه: "مصر الإسلامية وتاريخ الخطط الإسلامية"/ 108). اللهم إلا إذا مضى ملفقو الحدوتة فى غيهم وتنطعهم فقالوا إنه قد أعيد إلى الحياة بمعجزة أخرى أجراها عجايبى الزبّال، ابن خالة سمعان الدبّاغ! ومن لا يعجبه هذا التفسير فليخبط رأسه فى أقرب جدار من جدران المقطّم! ولكن أى مقطم يا ترى؟ المقطم القديم قبل طيرانه أم المقطم الجديد بعد الطيران؟ مشكلة أخرى ندعو الله أن يعيننا على حلها!
    ويؤسفنى أن أقول إن مترجم كتاب بتلر إلى العربية، سلامة إبراهيم سلامة، قد ترجم كلمة "legend" فى كل مرة بــ"قصة" مُعَمِّيًا، بهذا الإهمال (أو "التضليل" بالأَحْرَى) على ما قصده بتلر حين استخدم كلمة "legend" للدلالة على أن القصة الخاصة بنقل الجبل هى قصة خرافية لا يمكن تصديقها (انظر ترجمة إبراهيم سلامة إبراهيم لكتاب ألفريد بتلر: "الكنائس القبطية القديمة فى مصر"/ مكتبة الأسرة/ 2001م/ 1/ 117- 118. وكان يجب على مراجع الترجمة، الأنبا غريغوريوس، أن ينبهه إلى هذا الخطإ الفاحش، لكنه لم يفعل، وأغلب الظن أنه سكت عن قصدٍ لغرضٍ فى نفس يعقوب!). ليس ذلك فحسب، بل يضيف بتلر أن تلك الخرافة إنما تعود إلى القرن الرابع عشر، وأنها لا تزيد عن "شائعات وأقاويل: hearsay" سمعها ابن المكين وأداها كما سمعها. ومعنى هذا أن ظهور الحدوتة متأخر عن العصر الذى يزعمون وقوع المعجزة فيه بأربعة قرون. ويؤسفنى أن أقول مرة أخرى إن مترجم الكتاب قد أفسد الترجمة هنا أيضا بإهمال كلمة "hearsay" التى تفضح الأمر وترينا أنه لا يعدو أن يكون شائعات وأقوالا غير ممحصة يرددها هذا أو ذاك كما سمعها، إذ اكتفى بالقول إن ابن المكين "كتبها (أى الحكاية) فى القرن الرابع عشر". كذلك يبدى بتلر استغرابه لاستمرار مثل تلك القصة الخرافية طوال تلك القرون حتى وصلت إلى عصره، وإن كان قد اعتراها بعض التغييرات. ولهذا الاستغراب دلالته التى لا تغيب عن الذهن (انظرAlfred J. Butler, The Ancient Coptic Churches of Egypt, Oxford, 1970, Vol. 1, PP. 124- 127، وكذلك الترجمة العربية للكتاب/ 1/ 118). واضح إذن أن الرجل لا يُولِى هذه الخرافة أى اعتبار، بل يراها سخافة وتنطعا، وعلى ذلك فالاستناد إلى حديث بتلر عن هذه الخرافة واتخاذه دليلا على صحتها هو عمل غير أخلاقى بالمرة، ويدل على أن القوم يكذبون ويتعلقون بالحبال الذائبة. لكنْ بُعْدهم! فلا معجزة إذن ولا دياولو! وكفى تحشيشا! أو بالخواجاتى على طريقة المعز بن قسطنطين بن كرامانليس: "مُؤْجِزة ما فيش، وبلاش تَهْشِيش"!
    هذا، وقد ذكر عزت أندراوس فى موسوعته فى الهامش 18 من هوامش المقال الذى خصصه للمعجزة المزعومة، أن رينودو قد أنكر صحة هذه الخرافة، فضلا عن إشارته إلى أن مكين (الصواب: "ابن المكين") النصرانى والمقريزى لم يوردا لها ذكرا فيما كتباه. والواقع أن لرينودو الحق كل الحق فى إنكار تلك الخرافة، إذ لا يؤمن بها، فضلا عن أن يذهب فيرددها وينشرها فى كل مكان، إلا من فى عقله مَسٌّ، والعياذ بالله! وبالمناسبة فرينودو (Eusebius Renaudot)، كما جاء فى "The Catholic Encyclopedia" و"Nodeworks Encyclopedia" وموقع "عشاق الله" (فى باب "شخصيات عربية" تحت عنوان "ابن المقفع")، لاهوتى ومستشرق فرنسى معروف، نشر فى باريس عام 1713م كتابه: "Historia Patriarcharum Alexandrinorum Jacobitarum"، معتمدا فيه على كتاب ساويرس بن المقفع الخاص بسير بطاركة الإسكندرية، ومنهم إبرام بن زرعة السريانى، البطرك الذى تقول الحدوتة المتخلفة إنه بطل المناظرة التى دارت مع يعقوب بن كلس فى حضور المعز لدين الله وأدت إلى معجزة نقل المقطم الملفقة المكذوبة.
    وإذا ذهبنا ننظر فيما يقوله المؤرخون والجغرافيون عن المنطقة التى يزعم ملفقو هذه الخرافة أن جبل المقطم كان يقع فيها قبل طيرانه (وهو ما رأينا من الرواية السخيفة نفسها أنه لم يقع وأن كل ما كان هو أن الجبل تراقص ثلاث مرات صعودا وهبوطا إلى أن ارتاحت نفسه بالرقص على واحدة ونصف فسكت ونزل الناس وانصرفوا) فسوف نقرأ عند ابن تغرى بردى فى "النجوم الزاهرة" مثلا أن ابن طولون قد "بنى الجامع الذي بين مصر وقبة الهواء على جبل يشكر خارج القاهرة وغرم عليه أموالا عظيمة... وكان بناؤه في سنة تسع وخمسين ومائتين... وكان حول الجامع العمران ملاصقا له، حتى قيل إن مسطبة كانت خلف الجامع، وكانت ذراعا في ذراع لا غير، فكانت أجرتها في كل يوم اثني عشر درهما: في بكرة النهار يقعد فيها شخص يبيع الغزل ويشتريه، بأربعة دراهم. ومن الظهر إلى العصر لخباز، بأربعة دراهم. ومن العصر إلى المغرب لشخص يبيع فيها الحمص والفول، بأربعة دراهم. قلت: هذا مما يدل على أن الجامع المذكور كان في وسط العمران... ولما وَلِيَ أحمد بن طولون مصر سكن العسكرَ على عادة أمراء مصر من قبله، ثم أحب أن يبني له قصرا فبنى القطائع... وكان موضعها من قبة الهواء، التي صار مكانها الآن قلعة الجبل، إلى جامع ابن طولون المذكور، وهو طول القطائع. وأما عرضها فإنه كان من أول الرميلة من تحت القلعة إلى الموضع الذى يعرف الآن بالأرض الصفراء عند مشهد الرأس الذي يقال له الآن: زين العابدين. وكانت مساحة القطائع ميلا في ميل. وقبة الهواء كانت في السطح الذي عليه قلعة الجبل، وتحت قبة الهواء كان قصر ابن طولون، وموضع هذا القصر الميدان السلطاني الآن الذي تحت قلعة الجبل بالرميلة. وكان موضع سوق الخيل والحمير والبغال والجمال بستانا، ويجاورها الميدان الذي يعرف اليوم بالقبيبات، فيصير الميدان فيما بين القصر والجامع الذي أنشأه أحمد بن طولون المعروف به. وبجوار الجامع دار الإمارة في جهته القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة المحيطة بمصلى الأمير إلى جوار المحراب، وهناك دار الحرم. والقطائع عدة قطع يسكن فيها عبيد الأمير أحمد بن طولون وعساكره وغلمانه... وسبب بناء ابن طولون القصر والقطائع كثرة مماليكه وعبيده، فضاقت دار الإمارة عليه، فركب إلى سفح الجبل... ثم أمر لأصحابه وغلمانه أن يختطوا لأنفسهم حول قصره وميدانه بيوتا واختطوا وبنوا حتى اتصل البناء بعمارة الفسطاط، أعني بمصر القديمة. ثم بنيت القطائع وسميت كل قطيعة باسم من سكنها... وعمرت القطائع عمارة حسنة وتفرقت فيها السكك والأزقة، وعمرت فيها المساجد الحسان والطواحين والحمامات والأفران والحوانيت والشوارع ... وجعل ابن طولون قصرا كبيرا فيه ميدانه الذي يلعب فيه بالكرة، وسمي القصر كله: الميدان. وعمل للقصر أبوابا... وكانت هذه الأبواب لا تفتح كلها إلا في يوم العيد أو يوم عرض الجيش أو يوم صدقة...
    ولما ملك خمارويه الديار المصرية بعد موت أبيه أحمد بن طولون أقبل على عمارة قصر أبيه وزاد فيه محاسن كثيرة، وأخذ الميدان الذي كان لأبيه المجاور للجامع فجعله كله بستانا، وزرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، وحمل إليه كل صنف من الشجر المطعم وأنواع الورد، وزرع فيه الزعفران، وكسا أجسام النخل نحاسا مذهبا حسن الصنعة، وجعل بين النحاس وأجسام النخل مزاريب الرصاص، وأجرى فيها الماء المدبر. فكان يخرج من تضاعيف قائم النخل عيون الماء فينحدر إلى فساقي معمولة، ويفيض الماء منها إلى مجار تسقي سائر البستان... ثم بنى في البستان برجا من الخشب الساج المنقوش بالنقر النافذ، وطعّمه ليقوم هذا البرج مقام الأقفاص، وبلّط أرضه وجعل فيه أنهارا لطافا يجري فيها الماء المدبَّر من السواقي. وسرّح في البرج من أصناف القماري والدباسي والنوبيات وما أشبهها من كل طائر يستحسن صوته، وأطلقها بالبرج المذكور، فكانت تشرب وتغتسل من تلك الأنهار... ثم بنى خمارويه في القصر أيضا قبة تضاهي قبة الهواء سماها الدكة، وجعل لها الستر الذي يقي الحر والبرد فيسدل حيث شاء ويرفع متى أحب، وكان كثيرا ما يجلس في هذه القبة ليشرف منها على جميع ما في داره من البستان والصحراء والنيل والجبل وجميع المدينة. ثم بنى ميدانا آخر أكبر من ميدان أبيه. وبنى أيضا في داره المذكورة دارا للسباع وعمل فيها بيوتا، كل بيت لسبع، لم يسع البيت غير السبع ولبؤته. وعمل لتلك البيوت أبوابا تفتح من أعلاها بحركات، ولكل بيت منها طاقة صغيرة يدخل منها الرجل الموكل بخدمة ذلك البيت لفرشه بالرمل. وفي جانب كل بيت حوض من الرخام بميزاب من نحاس يصب فيه الماء. وبين يدي هذه البيوت رحبة فسيحة كالقاعة فيها رمل مفروش، وفي جانبها حوض كبير من رخام يصب فيه ماء من ميزاب كبير... فكانت هذه الرحبة فيها عدة سباع، ولهم أوقات يفتح فيها سائر بيوت السباع فتخرج إلى الرحبة المذكورة وتتشمس فيها ويهارش بعضها بعضا فتقيم يوما كاملا إلى العشي، وخمارويه وعساكره تنظر إليها. فإذا كان العشي يصيح عليها السواس فيدخل كل سبع إلى بيته لا يتعداه إلى غيره... وكان خمارويه أيضا قد بنى دارا جديدة للحرم من أمهات أولاد أبيه مع أولادهن، وجعل معهن المعزولات من أمهات أولاده، وجعل فيها لكل واحدة حجرة واسعة لتكون لهم بعد زوال دولتهم، وأقام لكل حجرة من الخدم والأسمطة الواسعة ما كان يفضل عن أهلها منه شيء كثير... ثم أوسع خمارويه إصطبلاته لكثرة دوابه، فعمل لكل صنف من الدواب إصطبلأ حتى للجمال. ثم جعل للفهود دارا مفردة، ثم للنمورة دارا مفردة، وللفيلة كذلك، وللزرافات كذلك. وهذا كان سوى الإصطبلات التي كانت في الجيزة، ومثلها في نهيا ووسيم وسفط وطهرمس. وكانت هذه الضياع لا تزرع إلا القرط برسم الدواب. وكان للخليفة أيضا إصطبلات بمصر سوى ذلك، فيها الخيل لحلبة السباق وللرباط في سبيل الله برسم الغزو، وعلى كل إصطبل وكلاء لهم الرزق السني والأموال المتسعة".
    فهذا وصف سريع لمدينة القطائع، التى كانت تبتدئ من جامع ابن طولون وتمتد فى البداية ميلا فى ميل، ومعروف أن بركة الفيل تلاصق منطقة جامع ابن طولون، فأين يا ترى كان جبل المقطم، الذى زعم الكذابون المضللون أنه كان يقع على حدود بركة الفيل؟ واضح أنه لم يكن يقع على حدود البركة المذكورة من جهة الشرق، فهل كان يقع على حدودها الشمالية من جهة القاهرة المعزية؟ سوف نرى الإجابة على ذلك بعد قليل. ومعروف أن طول جبل المقطم الآن من الشرق إلى الغرب يزيد على أربعة كيلومترات، والمفترض أنه لا يمثل إلا ثلث المقطم القديم على حسب الخرافة الرقيعة، فما بالك بالمقطم القديم كله؟ وهذا لو صدقنا بمثل هذه السخافات والتنطعات. أعطونى عقلكم من فضلكم واحسبوها معى! ولنذكر دائما أن الخرافة المذكورة لم تقل إن الجبل قد انتقل من مكانه فعلا، بل كل ما تحدثت عنه أنه تراقص فقط علوا وسفلا ثم انحطّ فى موضعه الأصلى، ونزل الناس بعد نوبة الزار هذه وقد استراحت نفوسهم وخرجت من أبدانهم العفاريت التى كانت تسكنها! ثم كيف يقدم ابن طولون على بناء عاصمته مفصولة عن النيل بجبل كبير كالمقطم؟ هل كانت هيئة حماية الأراضى فى وزارة الزراعة تجرّم البناء على الأرض الزراعية فاضطُرّ إلى الاستعاضة عن ذلك بالتوسع فوق الجبال حتى لا يحرروا له محضرا بالتعدى على الأرض الزراعية ويخبطوه غرامة ثقيلة ويحبسوه كم شهرا يرى فيها النجوم فى عز الظهر ولا يأكل إلا عيشا وحلاوة؟ ليس ذلك فقط، بل لقد ذكر بعض المؤرخين المسلمين أن بركة الفيل قد سميت باسم رجل من رجال ابن طولون، وهذا مؤشر إضافى إلى أنها كانت متصلة بالقطائع. ذكر ذلك القلقشندى، ومن قبله ابن عبد الظاهر مؤرخ الظاهر بيبرس. والطريف أن يفسر لنا الهامش رقم 24 من هوامش سيرة سمعان الخراز المنشورة فى موقع كنيسة القديس سمعان سر تسمية "بركة الفيل" بهذا الاسم بأن "الأمير خماروية (بن أحمد بن طولون) كان مغرما باقتناء الحيوانات من السباع والفيـلة والزرافات، وأنشأ لكل نوع منها دارا خاصا بهذا المكان"، وهو ما يشير إلى أن بركة الفيل كانت داخلة فى مدينة القطائع، على الأقل منذ خمارويه. كما نقرأ فى "المواعظ والاعتبار" للمقريزى أن بركة الفيل كانت "تقع فيما بين مصر والقاهرة، وهي كبيرة جدًّا، ولم يكن في القديم عليها بنيان، ولما وضع جوهر القائد مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة، ثم حدثت حارة السودان وغيرها خارج باب زويلة، وكان ما بين حارة السودان وحارة اليانسية وبين بركة الفيل فضاء، ثم عمر الناس حول بركة الفيل بعد الستمائة حتى صارت مساكنها أجلّ مساكن مصر كلها". واضح إذن أنه لم يكن هناك فاصل جبلى بين القطائع ولا القاهرة وبين بركة الفيل، أى أن المقطم لم يكن يقع على حدود بركة الفيل لا من جهة الشرق ولا من جهة الشمال، وهما الجهتان اللتان يمكن من باب الجدل، والجدل وحده، أن يقوم فيهما الجبل. أما من جهة الواقع فلا يمكن أن يكون موضع الجبل عند بركة الفيل لأن مساحة المقطم أكبر كثيرا من تلك المساحة التى تفصل القطائع أو القاهرة المعزية عن تلك البركة. ومع هذا لا يتنبه مروجو الحواديت إلى ذلك التناقض الجلف ويستمرون فى الترويج لهذه الخرافة التى لا تليق!
    ولقد قرأت الكتب التاريخية الرئيسية التى تتناول إنشاء الفسطاط والعسكر والقطائع والقاهرة المعزية لعلى أجد أدنى إشارة إلى أن جبل المقطم كان يوما فى المكان الذى تدعيه الخرافة المذكورة فلم أجد شيئا على الإطلاق. كما أن كل الجغرافيين مجمعون على أن موقع المقطم كان دائما وأبدا إلى الشرق من جميع العواصم المصرية الإسلامية من فسطاط وعسكر وقطائع وقاهرة. فعلى سبيل المثال نقرأ النص التالى فى "معجم البلدان" لياقوت الحموى: "يكتنف مصر من مبدئها في العرض إلى منتهاها جبلان أجردان غير شامخين متقاربان جدا في وضعهما: أحدهما في ضفة النيل الشرقية، وهو جبل المقطم، والآخر في الضفة الغربية منه. والنيل منسرب فيما بينهما من لدن مدينة أسوان إلى أن ينتهيا إلى الفسطاط، فَثمَ تتسع مسافة ما بينهما وتنفرج قليلاً، ويأخذ المقطم منها شرقا فيشرف على فسطاط مصر، ويغرب الآخر على وِرابٍ من مأخَذَيْهما وتعريج مسلكيهما، فتتسع أرض مصر من الفسطاط إلى ساحل البحر الرومي الذي عليه الفَرَما وتنيس ودمياط ورشيد والإسكندرية...". ويقول القلقشندى فى "صبح الأعشى" عند الكلام عن جبال مصر: "اعلم أن وادي مصر يكتنفه جبلان شرقا وغربا، يبتدئان من الجنادل المتقدمة الذكر فوق أسوان آخذين من جهة الشمال على تقارب بينهما بحيث يرى كل منهما من الآخر، والنيل مار بين جنبتيهما. فأما الشرقي منهما فيمر بين النيل وبحر القلزم المتقدم الذكر حتى يجاوز الفسطاط فينعطف ويأخذ شرقا حتى يأتي على آخر بحر القلزم من الشمال، يرتفع في موضع وينخفض في آخر. ويسمى ما سامت الفسطاط والقرافة منه: المقطم. وربما أطلق "المقطم" على جميع المقطم... ويلي المقطم من جهة الشمال اليحاميم وهي الجبال المتفرقة المطلة على القاهرة من جانبها الشرقي وجبانتها... وفي شرقي المقطم على بحر القلزم طور سينا الذي كلم الله تعالى موسى عليه السلام عليه، وهو جبل مرتفع للغاية، داخل في البحر".
    وفى دراسة بعنوان "قصة تأسيس القاهرة" للأستاذ كريسويل يجدها القارئ مترحمة فى كتاب "القاهرة: تاريخها، فنونها، آثارها" يذكر هذا الأثرىّ البريطانىّ أن جوهرا الصقلى، حين دان له النصر واستولى على الفسطاط فى عام 969 م، حط رحاله هو وجيوشه "فى السهل الواقع إلى الشمال من مدينة الفسطاط، وكان يحد هذا السهلَ جبلُ المقطم من الشرق، والخليجُ من الغرب... وكان هذا السهل خاليا من المبانى إلا من بضعة منشآت تتعلق ببستان كافور وبدير مسيحى يسمى: "دير العظام"... وحصن صغير يسمى: "قصر الشوق" لا يزال باقيا إلى الآن، ويطلق على أحد أحياء القاهرة" (د. حسن الباشا وآخرون/ مؤسسة الأهرام/ 1970 م/ 28). وفى هذا الموقع بنى جوهر مدينة القاهرة كما هو معروف. ويقول د. حسن الباشا إن "مدينة القاهرة منذ البداية، أى منذ تأسيس الفسطاط، كانت محددة من جهة الشرق بتلال المقطم، ومن جهة الغرب بنهر النيل. كما أنه لم يكن فى جنوبها غير شريط ضيق من الأرض ينحصر بين التلال ومجرى نهر النيل. ومن هنا نجد أن الامتداد نحو الشرق كان متعذرا بسبب تلال المقطم، كما أنه لم يكن من الممكن الامتداد نحو الغرب إلا بمقدار ما كان يتركه مجرى نهر النيل من أرض نتيجة انحرافه نحو الغرب... كما كان الامتداد نحو الجنوب سيقتصر على شريط ضيق يمتد على طول نهر النيل ولا يسمح بتخطيط مدينة مستقلة. وقد كان من الطبيعى أن تمتد القاهرة نحو الشمال حيث كانت الظروف الطبيعية ملائمة، فالأرض رملية منبسطة تسمح بامتداد على اتساع" (المرجع السابق/ 41- 42).
    والآن إلى المفاجأة المدمرة التى تنسف كل ما قيل عن تلك المعجزة نسفا دون نقض أو إبرام، فقد مات المعز لدين الله قبل وقوع المعجزة المضحكة بعدة أعوام، إذ يقولون إنها حدثت عام 979 م كما جاء مثلا فى "موسوعة تاريخ أقباط مصر" لعزت أندراوس تحت عنوان "معجزة نقل جبل المقطم"، وكذلك فى "سيرة القديس سمعان" المنشورة فى موقع الكنيسة المسماة على اسمه بالمقطم، على حين أن المعز كان قد توفى عام 974 م، وهو ما يعنى أنها كلها ضلال فى ضلال، وكذب وقح لا يعرف أصحابه شيئا عن الحياء. والغريب أنهم، حتى بعد أن افتضحت الكذبة، على الأقل منذ أن كتب الأستاذ عنان بحثه عن أسطورة تنصر المعز لدين الله الفاطمى قبل عقود، ولم يعد هناك معنى لمضيهم فى نشرها ومكايدة المسلمين بها، ما زالوا يتفاخرن بشأنها ويصرون على نشرها فى المواقع المتناثرة فى أنحاء الأرض دون حياء أو خجل أو أية محاولة للتجمل! بل إن مترجم كتاب بتلر رغم كل شىء يصر على أنه كانت هناك معجزة وأن هذه المعجزة تمت فى عهد المعز (ص 117/ الهامش الأخير). وهكذا تكون الموضوعية التى حدثنا عنها سيادته فى المقدمة وقال إنه استفادها من أستاذه الدكتور حسن محمود، أستاذ التاريخ الإسلامى بآداب القاهرة، وأستاذى أنا أيضا بعد ذلك بسنين. حاصل الكلام إذن أنها "عنزة ولو طارت

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    المشاركات
    38
    قد يقال لى: ما دمت كنت تستطيع أن تنسف هذه الخرافة من البداية عن طريق المقارنة بين تاريخ وقوع المعجزة وتاريخ وفاة المعز، فلماذا أخذتنا فى تلك الرحلة الطويلة المرهقة قبل أن تورد الحجة الدامغة المدمرة؟ ولكنْ فات من يمكن أن يعترضوا بهذا الاعتراض أننى لم أتقاضهم مليما أحمر لقاء ما كتبت. هذا أولا، وثانيا فإنى أنا الذى تعبت وأُرْهِقت وليسوا هم، فإذا كان هناك من يحق له الشكوى فهو العبد لله. لكن العبد لله رجل راضٍ بما قسم الله له ولا يتضرر ولا يتأفف. وثالثا فإنى أجد فى البحث والتنقير وراء الحقيقة لذة ومتاعا لا يعدلهما أى متاع أو لذة على وجه الأرض، فكيف تريدوننى أن أحرم نفسى من هذه اللذة التى لا تكلفكم شيئا؟ ولقد راجعت فى ذلك عشرات الكتب وتصفحت عشرات المواقع وقرأت نصوصا هنا وهناك، وكانت ثمرة ذلك أنى خرجت من هذه التجربة وقد امَّحَى شىء من الجهل الذى كان يرين على عقلى، وأصبحت أكثر إنسانية. ولولا ذلك لظللت حتى الآن على جهلى الذى كنت عليه من قبل، فهل كان يرضيكم هذا؟ ورابعا فقد أردت أن أبين لكم أن الأسداد مضروبة على هذه الخرافة أنَّى اتجهتْ، ومن أين حاولت أن تتفلفص لتخرج. وخامسا لو أننى انتهيت من تفنيد تلك الخرافة فى "كلمتين وبس" على رأى فؤاد المهندس فى برنامجه الصباحى الذى لم أعد أستمع إليه منذ ما لا يقل عن عشرين سنة، فماذا أصنع بوقتى الذى سيكون عندى منه ساعتئذ قفف وجوالقات توزن بالطرناطة؟ هل تريدوننى أن أكتفى حينئذ بوضع يدى تحت ذقنى وأُمْضِى وقتى جالسا فى كسر دارى "أتعجب على القسمة" كما تقول نجاة؟ لا لا يا إخوانى الكرام، ليس عندكم حق! ثم إن بعضا من أصدقائى القراء يكتبون لى أنهم ينتظرون ما أكتب على شوق. لا أقول هذا من باب التفاخر، بل لأشكرهم على ما يكتبون به إلىّ وأراه لونا من ألوان المجاملة الكريمة، ولكنى فى ذات الوقت أعض على هذه الفرصة بالنواجذ وأنتهزها لإمطارهم ببحث طويل ما داموا يقولون إنهم يتلذذون بما أكتب. والذنب ذنبهم لا ذنبى، فأنا لم أقل لهم: قولوا فىّ ما تقولون. والواحد منا نحن بنى البشر، مهما كان عاقلا، يحب أن يثنى الناس عليه، فما بالكم لو كان مثلى قليل الحظ من الحكمة، وليست له شغلة ولا مشغلة (بين ظَهْرَانَىْ أمة تكره القراءة عمًى بل موتًا)، نعم ليست له شغلة ولا مشغلة سوى الثرثرة والكتابة فيما قد يفيد فى بعض الأحيان، ولا يؤتى أية ثمرة فى معظم الأحايين؟ إذن فذنبهم على جنبهم! وهذا هو البند السادس فى كلامنا.
    تكملة
    وبعد، فليس غريبا لجوء القوم إلى مثل هذا الكذب والتدليس، فهم يحاولون أن ينتقموا فى الأحلام مما يشعرون به فى الواقع من ضعف وانكسار جَرّاء انتصار الإسلام عليهم وعلى دينهم، فى الوقت الذى لا يمكنهم إحراز أى انتصار على أرض الحقائق. علاوة على أن فكرهم يقوم على اللامنطق والخرافات والمعجزات بالهَلَبُلِّى، وعلى يد كل من هب ودب، غافلين عن أن المعجزات إنْ هى إلا استثناء من القاعدة، وأن لها أزمنة لا تقع فى غيرها، هى أزمنة النبوات، وفيما عدا هذا فلا معجزات ولا يحزنون مهما تطلعت النفوس إلى المزيد منها، وإلا صارت ألعوبة فى يد كل دعىّ كذاب. إن قوانين الكون هى من الصلابة بحيث لا تنخرم كلما حلا لنا أن تنخرم. ولقد وضع الإسلام حدا لعصور المعجزات وألح على أنها تنتمى إلى الماضى الذى ولى ولن يعود، وأن زمام الأمر الآن قد أضحى فى يد العقل والعلم. وقد كان هذا أحد العوامل التى دفعت د. نظمى لوقا رغم نصرانيته إلى كتابة عدة دراسات عن الرسول عليه السلام ورسالته العظيمة يمجده فيها ويركز على أن الإسلام دين العقل، ومن ثم هو الدين الذى يناسب عصور التقدم العلمى حيث لم يعد يقنع البشر إلا الحجة المنطقية والبرهان العقلى. ومن هنا ففى الوقت الذى لا نجد فى الأناجيل إلا معجزات تقع على يد السيد المسيح فى كل حين، نلحظ أن القرآن يدعو دائما إلى تحكيم العقل والمطالبة بالبينة، مما لا وجود له فى النصرانية البتة.
    ومع هذا فمن حق من يريد الاستمرار فى العيش فى سجن الماضى أن يغلق على نفسه باب الزنزانة ولا يرى النور والحياة، لكنه يخطئ كثيرا إن توهم أن الآخرين سوف يسكتون فلا يظهرون عورات فكره ومنطقه وتخريفاته. إن الخرافة تقول إن النصارى بقدر حبة خردلٍ إيمانًا قد استطاعوا نقل جبل المقطم، وكأننا فى فلم من أفلام الكرتون. ماش يا سيدى أنت وهو، ونحن على استعداد تام لتصديق ما تقولون وأشنع منه لو عملتم مثله أمام أعيننا الآن. ولن نطالبكم بنقل المقطم بقدر حبة خردل من إيمان، بل على العكس سنكتفى بأن تنقلوا أمامنا، بقدر جبل من الإيمان، حبة ضئيلة تافهة من الخردل فترقّصوها فى الهواء صعودا وهبوطا كما تقولون إن سمعان الخراز وأحبابه قد فعلوا بجبل المقطم. وبهذا تخرسوننا نحن وكل من تسول له نفسه الاعتراض على ما تقولون، وإلا فلتفضوها سيرة وتريحونا من اللت والعجن فى هذه الأكاذيب المتخلفة التى لا تراعى عقلا ولا منطقا، ولا تحترم تاريخا ولا جغرافية، ولا تضع فى اعتبارها أننا نعيش الآن فى القرن الحادى بادى، كُرُنْب زَبَادى، شالُوا حطّوا كله على دى! أقصد القرن الحادى والعشرين، وطبعا عندكم الإيمان كله ورموزه ورجاله على سنجة عشرة!
    ثم ما دام الأمر سهلا إلى هذا الحد فلماذا لم تلجأوا إلى هذه الوسيلة التى لا تكلف شيئا أكثر من حبة خردل إيمان كلما ظلمكم المسلمون أولاد الذين... ونكّلوا بكم كما تقولون عنهم فتنسفوهم نسفا لا بجبل المقطم وحده بل ببيوتهم ومصانعهم وحقولهم وحدائقهم وأنهارهم كلها فلا يتبقى من هؤلاء الأنجاس على الأرض من ديّار؟ ولماذا، بدلا من اللجوء إلى المعز لدين الله كى يسمح لكم بترميم الكنائس الداثرة كما تقولون، لم ترمموها أنتم بمعجزة من معجزاتكم النازلة مثل الأرز، ولا الحَوْجَة لهذا الكافر؟ ترى هل هناك عاقل يستطيع أن ينفذ ما يريد دون أن يتجشم فى سبيله شيئا، اللهم إلا طرقعة صغيرة بطرف إصبع يده، ثم يترك هذا الحل السعيد ويذهب فيمد يده كلها، لا طرف إصبع منها فقط، لمن يساوى ومن لا يساوى كى يحصل على هذا الذى يريد؟ إنه إذن لأحمق مجنون! وبالمناسبة فهناك الآن قسيس ينازع الكنيسة القبطية ويريد أن ينشىء مجمعا مقدسا موازيا للمجمع الموجود الآن، وهو راعى كنيسة المقطم، وهو الجبل الذى نحن بصدد الكلام عنه حسب زعم الزاعمين وتدليس المدلسين. فلماذا لا يكرر الأقباط صومهم وصلاتهم وكرياليسونهم ويقومون قومة رجل واحد فيجتهدون فى العبادة والدعاء أن يدمر الله كنيسة ذلك القسيس ويأخذه من الدنيا ويقطع دابره ويرتاحوا منه؟ ألم يفعلوها من قبل؟ فها هو ذا الوضع الحالى يتطلب ذلك تطلبا للقضاء على الفتنة التى تهدد الكنيسة القبطية، وأى تهديد!
    ومن العجيب الغريب أن الخرافة التى سجلت حصول المعجزة المزعومة قد أكدت أن البطرك القبطى الأنبا إبرام الذى قاد الصلاة الإعجازية ما إن انتهت الصلاة ووقعت المعجزة وهدأ الناس حتى التفت حوله يبحث عن سمعان فوجده قد اختفى تماما ولم يعثروا له بعد ذلك على أى أثر. ويجد القارئ هذا فى الفصل الخامس من السيرة الخاصة بسمعان الدباغ فى موقع الكنيسة المنشأة باسمه بالمقطم: "www.saman-church.org"، وكذلك فى "موسوعة تاريخ الأقباط" لعزت أندراوس. ومع هذا نفاجأ عند حديثهم عن كنيسة المقطم التى بنوها باسم سمعان الخراز بأنهم قد أودعوا رفاته فى تلك الكنيسة! ترى أين عثروا على ذلك الرفات، والرجل قد اختفى وذهب إلى غير رجعة ولم يعد أحد يعرف له مكانا، وبخاصة أنه كان حريصا على ألا يسمع أحد من المصلين وقتها به أو يعرف دوره فى وقوع المعجزة؟ وهذا نص ما قاله رأفت بطرس عن ذلك الموضوع فى موقع "www.amcoptic.com" تحت عنوان "لقاء مع الله في جبل المقطم": "وتطورت هذه الكنيسة بعد أن ضاقت بالمصلين إلي تحويلها إلي مبني عبارة عن أعمدة من الخرسانة تكسوها في السقف بقماش خيام. وكان المشرف علي كل هذا نفس الشاب فرحات ويعاونه اثنان آخران. وعندما زارها البابا شنودة الثالث اعطاهم مبلغا من المال استطاعوا بعده أن يعهدوا إلي أحد المهندسين الذي وضع تصميما رائعا للكنيسة الكبيرة الآن التي شيدت داخل المغارة الكبيرة وتسع إلي 20 ألف نسمة وداخلها يوجد رفات القديس سمعان الخراز الذي تمت علي يديه معجزة نقل جبل المقطم".
    وفى هذا الصدد تحكى سيرة سمعان المشار إليها حدوتة أخرى عن العثور على رفات الدباغ فى عام 1991م لا يدخل شىء منها العقل بتاتا لقيامها على المصادفات المستحيلة التى لا تعد مصادفات الأفلام المصرية القديمة بجوارها شيئا مذكورا، ولامتلائها بالمعجزات والخوارق والظهورات مما لا قبل لعقل واحد مثلى به، وهو ما أكتفى منه بالإشارة إلى قولهم إنهم وجدوا هيكلا عظميا "لشخص تنيّح فى أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات من عمره، قصير القامة، صغير الحجم، ملامحه رائعة وجميلة جدا". أما كيف يكون هناك هيكل عظمى، أى عظم فقط فلا جلد ولا شعر ولا ملامح، وفى ذات الوقت تكون ملامحه جميلة جدا ورائعة جدا بما يعنى أنه كان له شعر وجلد وملامح، وأن هذا الشعر والجلد والملامح لم يمس منها شىء رغم مرور ألف عام عليها ورغم أنها لدباغ أعور، كما أن هذه الملامح تظهر بوضوح أنها لشخص مات فى نحو الخمسين من عمره، فهذا ما أفوض فيه العلم لله سبحانه، وإلا فقد الإنسان عقله! وطظ فى المصريين القدماء ومومياواتهم التى لا تزيد، رغم كل ما كان عندهم من عبقرية خارقة فى فن التحنيط صدَّعنا بها أدمغة العالم المتحضر والمتخلف على السواء، عن أن تكون جلدا على عظم (بالمعنى الحرفى) يبعث منظره على الرثاء لولا ما ترمز له هذه المومياوات من تقدم تقنى فى حفظ جثث الموتى. أما كيف عرفوا رغم ذلك كله أن هذا الهيكل هو لسمعان الإسكافى، فلا ينبغى لأحد أن يُقِلّ عقله ويفتح فمه بالسؤال عن ذلك، وإلا فالمقطم وزلزاله جاهزان!
    وفى مقالٍ لماركوس ملطى عياد بعنوان "كنيستنا القبطية وروح النقد" منشورٍ بموقع "مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي" نجد إنكارا لهذه الحدوتة، إذ يتساءل قائلا: "ما المانع من أن يتشكك الأستاذ كمال غبريال فى قصة شجرة الطاعة المنسوبة للأنبا بموا والقديس يحنس القصير؟ أنا شخصيا لا أعرف مصدر تلك الرواية، كما أنه لا أثر لشجرة الطاعة فى أديرة وادى النطرون. وكثير من القصص التى كنا نستمع إليها فى مدارس الأحد كمسلمات حتى وإن كانت غير منطقية، أصابتنا الدهشة عندما اكتشفنا أنها غير دقيقة، مثل قصة سمعان الخراز الذى قيل أن الله نقل جبل المقطم بشفاعته ثم دخل بين شقوق الجبل المتحرك ومات متعمدا ليهرب من المجد الباطل، ثم يأتى عام 1992 لنكتشف جسده فى إحدى كنائس مصر القديمة. ويفسر لنا كاهن كنيسة القديس سمعان الخراز بالمقطم ذلك بأن الرواية السابقة غير دقيقة، وهى تتناقض مع مبادئ الإنجيل، والرواية الأدق هى أن البابا أبرآم ابن زرعة عندما تم نقل الجبل نظر خلفه ليجد أن القديس سمعان اختفى. أى أنه لم يقتل نفسه ليهرب من المجد الباطل كما كنا نسمعها فى مدارس الأحد. لقد كانت أوروبا فى حالة تخلف وجمود فى العصور الوسطى عندما كان الفيلسوف أرسطو معصوما من الخطأ فى نظر الأوروبيين، ولو حدث خلاف بين مسلمات أرسطو وبين منطق عقولهم شككوا فى قدراتهم الذهنية ونزهوا أرسطو من الخطأ. ولكن بدأت أوروبا تتقدم عندما تشكك رجل مثل فرانسيس بيكون فى مسلمات أرسطو وطالب بعدم وضع مسلماته موضع تقديس وقرر فحصها بمجهر العلم. فالتقدم مرتبط بالتجديد فى الفكر وإعطاء فرصة للعقل كى يفكر بحرية". ومع ذلك فهذه الخرافة منشورة فى كل مكان بالعربية والإنجليزية على المشباك لا فى مصر وحدها بل حتى فى أمريكا وغيرها من الدول الغربية، مما يدل على أن إقامة أصحاب هذه المواقع فى تلك البلاد التى تحتل قمة التقدم العلمى والتفنى فى العصر الحديث لم تغير من عقلياتهم شيئا. ولكن فيم العجب، وها هو ذا بوش وكبار رجال دولته يؤمنون بخرافة هرماجدون كإيمان عوام العجائز ويعملون على تسريع خطة الله الخاصة بتدمير الكون كى يعجلوا بعودة المسيح حسب تلك النبوءة المتردية فى وهاد التخلف؟ إن المشكلة إنما تكمن فى أساس الديانة نفسها لا فى هذه الخرافة أو فى تلك.
    والآن، وبعد أن اتضح لنا سخف العقول التى لفقت هذه الخرافة المتخلفة، ننتقل إلى الخرافة الأخرى التى تزعم أن المعز لدين الله، بعد أن تبين له (من خلال مناقشته مع رجال الكنيسة حول القرآن والإنجيل واطلاعه على الأشياء الرائعة التى يتضمنها الإنجيل مما لا وجود له فى القرآن) تفوُّق دين الصليب على دين التوحيد، قد تنازل عن الخلافة لابنه العزيز وتنصر ولجأ إلى الدير حيث عمّدوه فى حوض يدّعى الكذبة الفجرة أنه لا يزال موجودا. والحق أنه تكفى الإشارة إلى ما قلناه قبلا من أن المعز قد مات قبل ذلك التاريخ بعدة سنوات مما يدل على أن ما يردده العهرة إنْ هو إلا تلفيقٌ غبىٌّ جلفٌ ليس فيه رائحة المنطق ولا معنى الحياء، فضلا عما ثبت لنا على وجه اليقين أن الجبل لم يتحرك من موضعه ولا فِتْرًا. كما أن تصوير المعز (الذى كان يسوّق نفسه على أنه إمام من أئمة الإسلام ويقول صدقا أو كذبا إنه من سلالة النبى عليه السلام) بصورة من لم يكن يعرف شيئا عن دين النصرانية حتى وقت هجرته لمصر ودخوله فى مناقشة مع رجال الكنيسة الجهلة فى ذلك الوقت، ودعنا من أنه بمجرد ما اطلع على بعض آيات الإنجيل خَرّ متنصرا، وكأن التنصر يتم بضغطة زر يعود الإنسان بعدها نصرانيا مهووسا لا يرضى بأقل من الترهب رغم كل الأخطار الرهيبة التى تتربص به وتفغر فمها لتبتلعه، أو على الأقل: رغم الخسائر الفظيعة التى سيبوء بها المعز بعد كل ما بذله من جهود، ووضعه من تخطيطات، وأنفقه من أموال، وخاضه من حروب كى يفوز بالدرة المصرية التى، بتنصره الأهوج، سوف يفقدها ببلاهة قاتلة فى غمضة عين غِبَّ مناقشة مع رجال الكنيسة حول معجزات السيد المسيح التى يعرفها بل يؤمن بها كل مسلم لأنها مذكورة فى القرآن، وعلى نحو أفضل كثيرا مما فى الأناجيل، مع خلوها فيه من كل ما يسىء له عليه السلام، على عكس ما فى تلك الكتب كما هو معروف، هذا التصوير لا يدخل العقل ولا يستند إلى أى منطق سوى منطق التلفيق والتخريف. وأحب أن أنبه القراء إلى ما قاله بتلر من أن رواية التنصر هذه هى تحوير أو تحريف لخرافة نقل المقطم (126P.). أى أنها لم تكن ثم كانت، وهذا فى حد ذاته يكفى لنبذها وإلقائها فى مزبلة الفكر والتاريخ! ومع ذلك كله فإننا، كعادتنا فى مناقشة السخف الذى يظن الكذابون الضالون المضلون أنه يمكنهم الإساءة به إلى الإسلام، سوف نكرّ على كل تفصيلة من تفصيلات هذا الهراء بما ينسفها نسفا فلا يتبقى منه شىء يوحّد الله كما يفعل المسلمون أو يصلّب على صدره كما يصنع المثلّثون!
    وأول شىء نقف عنده هو ما زعموه من أن المعز قد تنازل لابنه عن الخلافة والحكم ولجأ إلى الدير حيث ترهب! ترى لماذا يفعل المعز ذلك إذا كان قد اقتنع بصدق دين الصليب؟ ألم يكن المنطقى أن يبقى فى الحكم لينشر دين الصليب، أو على الأقل ليساعد أهل الصليب على بناء ما يريدون من كنائس وليحميهم من بطش المسلمين الظالمين المتجبرين؟ وفى التاريخ حكام بدلوا دينهم فلم يتنازلوا لأولادهم عن السلطان بل بَقُوا وفرضوا دينهم الجديد على رعيتهم، وإلا فما معنى اقتناعهم بأن دينهم القديم لم يكن هو الدين الحق؟ هل يمكن أن يَبْقَوْا سلبيين تجاه الدين الجديد فلا يحاولوا أن يمكنوا له فى الأرض، على الأقل فى نطاق الدولة التى يحكمونها، والشعب الذى يتسلطون عليه؟ لقد ثبت أن عصر المعز لم يشهد ترميم الكنائس على النحو الذى يزعمه الكذابون ملفقو خرافة المقطم، أفلم يكن واجب ذلك المتنصر الجديد إذن أن يواصل البقاء فى الحكم لكى يقوم على أدنى تقدير بهذه المهمة التى كانت تؤرق النصارى حسبما يزعم ملفق الحدوتة؟ ومع ذلك كله فسنغض الطرف عن ذلك كله ونقول للقارئ كلمة واحدة أخرى تنسف هذه الزبالة الفكرية. ألا وهى أن المعز لم يتنازل قط عن الخلافة لابنه ولا لغير ابنه، ولم يترك الحكم حتى مات، وإن كان قد عقد ولاية العهد للعزيز قبل وفاته بيومين اثنين كما سنرى بعد قليل. ودونكم أيها القراء الكرام كتب التاريخ كلها فقلبوا صفحاتها صفحة صفحة لتروا بأنفسكم كذب أولئك الرقعاء الدجالين. وهذه، كسابقتها، كفيلة وحدها بهدم هذا العهر، إلا أننا للأسف نتعامل مع قوم لا يستحون رغم معرفتهم التامة بكل ما قلناه!
    ولسوف نكتفى بثلاثة من مؤرخينا تكلموا عن وفاة المعز وهو فى السلطان، وذكروا السنة التى مات فيها: وأولهم ابن زولاق، المعاصر للمعز وكاتب سيرته، والذى نقل عنه المقريزى فى كتاب "اتعاظ الحُنَفا بأخبار الأئمة الخُلَفا" السطور التالية: "حكى الفقيه الفاضل المؤرخ أبو الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصري في كتاب "سيرة المعز"، وقد وقفت عليها بخطه رحمه الله، أخبار المعز منذ دخل مصر إلى أن مات: يومًا يومًا، وأن المعز إنما عهد لابنه يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر قبل موته بيومين. وذكر أن سبب العهد إليه اجتماع الناس بباب القصر وكثرة الرقاع، وأنه سئل فيمن ينظر في ذلك، فأمر ابنه نزار العزيز أن ينظر فيه فاستخلفه". أما المؤرخ الثانى فهو ابن الأثير صاحب "الكامل"، الذى يقول: "في هذه السنة توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله إسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي أبي محمد عبيد الله العلوي الحسيني بمصر، وأمه أم ولد، وكان موته سابع عشر شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وولد بالمهدية من إفريقية حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا. وكان سبب موته أن ملك الروم بالقسطنطينية أرسل إليه رسولاً كان يتردد إليه بإفريقية، فخلا به بعض الأيام، فقال له المعز: أتذكر إذ أتيتني رسولاً وأنا بالمهدية، فقلت لك: لتدخلن عليّ وأنا بمصر مالكا لها؟ قال: نعم! وأنا أقول لك: لتدخلن عليّ ببغداد وأنا خليفة. فقال له الرسول: إن أمنتني على نفسي ولم تغضب قلت لك ما عندي. قال له المعز: قل وأنت آمن. قال: بعثني إليك الملك ذلك العام، فرأيت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك، فرأيت عليه نورا عظيما غطى بصري. ثم دخلت عليك فرأيتك على سريرك فظننتك خالقا، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لتحققت ذلك. ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا، وأشرفت على مدينتك فكانت في عيني سوداء مظلمة. ثم دخلت عليك فما وجدت من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت إن ذلك كان أمرا مقبلاً، وإنه الآن بضد ما كان عليه. فأطرق المعز، وخرج الرسول من عنده، وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد، واتصل مرضه حتى مات. وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها: مقامه بمصر سنتان وتسعة أشهر، والباقي بإفريقية. وهو أول الخلفاء العلويين ملك مصر، وخرج إليها... وكان المعز عالما فاضلاً جوادا جاريا على منهاج أبيه، حسن السيرة وإنصاف الرعية، وستر ما يدعون إليه إلا عن الخاصة، ثم أظهره وأمر الدعاة بإظهاره، إلا أنه لم يخرج فيه إلى حد يذم به".
    وبالمناسبة فلم يكن ابن الأثير مصريا ولا كان هواه مع الفاطميين، ومع هذا فقد أثنى عليه وعلى دينه وأخلاقه كما نرى فى النص السابق. ولو كان وجد فى سلوكه ودينه مغمزا لما سكت! وفى "النجوم الزاهرة" لابن تغرى بردى عن تولى نزار ابن المعز الخلافة من بعد أبيه: "هو نزار أبو منصور العزيز بالله بن المعز لدين الله أبي تميم معد بن المنصور بالله أبي طاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي أبي محمد عبيد الله العبيدي الفاطمي المغربي ثم المصري، ثاني خلفاء مصر من بني عبيد، والخامس من المهدي إليه ممن وَلِيَ من آبائه الخلافةَ بالمغرب. مولده بالمهديّة من القيروان ببلاد المغرب في يوم عاشوراء سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وخرج مع أبيه المعز من المغرب إلى القاهرة ودام بها إلى أن مات أبوه المعز معد بعد أن عهد إليه بالخلافة. فوَلِيَ بعده في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة وله اثنتان وعشرون سنة".
    ثم لو كان المعز قد تنصر أفكانت الكنيسة تسكت كل هذا الدهر الطويل وتبقى الأمر سرا بينها وبين نفسها؟ أم تراه كان يبقى سرا فلا تعلمه الدول الأوربية النصرانية وتذيعه فى العالمين، على الأقل تكسيرا لمعنويات المسلمين وطنطنة به لدين التثليث فى ذلك الوقت الذى كان الصراع بين الغرب الصليبى ودول التوحيد على أشده؟ إن كتب التاريخ الأوربية التى ألفت فى ذلك الوقت متاحة للدارسين، فأين فيها ذلك الخبر الخطير؟ ودعنا من أوربا وكتب تاريخها وتعالوا نسأل: أين ذلك فى كتب تاريخنا نحن، سواء فى عصر الفاطميين أو بعد عصرهم؟ لقد كان للفاطميين أعداء ألداء فى كل مكان: فى داخل المحروسة وفى خارجها، فكيف سكت كل هؤلاء فلم يتخذوا من تنصر المعز سلاحا لمحاربتهم به، وهو سلاح لا يمكن أبدا أن يخيب؟ ولا يجوز القول بأن الأمر قد بقى سرا خفيا، فمثل تلك المسائل لا يمكن أن تبقى سرا، فهناك بكل يقين من يهمهم تلطيخ الفاطميين بالحق أو بالباطل من بين رجال القصر والحكومة أو من بين طوائف المصريين أو من بين أعدائهم فى الشام وبغداد وبيزنطة. ومثل هؤلاء لا بد أن يكسروا جدار الصمت ويفتحوا فمهم فيتكلموا ويعملوا على نشر الفضيحة!
    لقد حفظ لنا المؤرخون الوسائل التى كان يلجأ إليها المصريون للتهكم بالفاطميين والتشنيع على أى عمل يرون فيه خروجا لا على الإسلام، بل على ما هو أقل من هذا بمراحل كما هو الحال حين استعمل الحاكم، فى أيام رضاه عن أهل الكتاب، بعض اليهود والنصارى فأساؤوا السيرة فى الرعية المسلمة الذين أوصلوا له على الفور رقاعا يسخرون فيها منه ومما صنع ويشنعون عليه. ومن ذلك ما نقرؤه فى النص التالى عند أبى منصور الثعالبى فى "يتيمة الدهر"، إذ قال: "سمعت الشيخ أبا الطيب يحكي أن الأموي صاحب الأندلس كتب إليه نزار هذا يعني العزيز صاحب مضر كتابا يسبه فيه ويهجوه، فكتب إليه الأموي: أما بعد، قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك. والسلام. قال: فاشتد ذلك على نزار المذكور وأفحمه عن الجواب. يعني أنه غير شريف وأنه لا يعرف له قبيلة حتى كان يهجوه". وسواء كانت هذه القصة صحيحة أو لا لقد كان الأولى أن يكون الجواب متضمنا على الأقل إشارة إلى واقعة تنصر المعز فتكون القاضية! كذلك فإن للقصة التالية، سواء كانت صحيحة أو كاذبة أيضا، مغزاها هنا، وهو أنه لو كان تنصُّر المعز حقيقيا لأشارت بطلتها صاحبة الشكوى إلى ذلك. قال ابن تغرى بردى: "وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: كان العزيز قد ولى عيسى بن نسطورس النصراني ومنشا اليهودي، فكتبت إليه امرأة: بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بابن نسطورس، وأذل المسلمين بك، إلا نظرت في أمري. فقبض العزيز على اليهودي والنصراني، وأخذ من ابن نسطورس ثلاثمائة ألف دينار". وبالمثل نقول عن مغزى الحكاية التالية، وهى مأخوذة من ابن تغرى بردى أيضا: "وقال ابن خلكان: وأكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله والد خلفاء مصر، حتى إن العزيز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة، فوجد هناك ورقة فيها:
    إنا سمعنا نسبا منكرا يتلى على المنبر في الجامعِ
    إن كنت فيما تدَّعي صادقا فاذكر أبًا بعد الأب الرابعِ
    وإن ترد تحقيق ما قلته فانسب لنا نفسك كالطائعِ
    أو فَدَعِ الأنساب مستورة وادخل بنا في النسب الواسعِ
    فإن أنساب بني هاشم يقصِّر عنها طمع الطامعِ
    فقرأها العزيز ولم يتكلم. ثم صعد العزيز المنبر يوما آخر فرأى ورقة فيها مكتوب:
    بالظلم والجور قد رَضِينا وليس بالكفر والحماقه
    إن كنت أُعْطِيتَ علم غيب فقل لنا كاتبَ البطاقه
    قال: وذلك لأنهم ادعوا علم المغيبات والنجوم. وأخبارهم في ذلك مشهورة".
    وقال ابن الصابىء: "كان الحاكم يواصل الركوب ليلاً ونهارا، ويتصدى له الناس على طبقاتهم، فيقف عليهم ويسمع منهم، فمن أراد قضاء حاجته قضاها في وقته، ومن منعه سقطت المراجعة في أمره. وكان المصريون موتورين منه، فكانوا يدسون إليه الرقاع المختومة بالدعاء عليه والسب له ولأسلافه، والوقوع فيه وفي حرمه، حتى انتهى فعلهم إلى أن عملوا تمثال امرأة من قراطيس بخف وإزار، ونصبوها في بعض الطرق وتركوا في يدها رقعة كأنها ظُلاَمة، فتقدم الحاكم وأخذها من يدها. فلما فتحها رأى في أولها ما استعظمه، فقال: انظروا هذه المرأة، من هي؟ فقيل له: إنها معمولة من قراطيس. فعلم أنهم قد سخروا منه، وكان في الرقعة كل قبيح. فعاد من وقته إلى القاهرة، ونزل في قصره واستدعى القواد والعرفاء، وأمرهم بالمسير إلى مصر وضربها بالنار ونهبها وقتل من ظفروا به من أهلها. فتوجه إليها العبيد والروم والمغاربة وجميع العساكر". فكيف يمكن أن نتصور سكوتهم على هذه المصيبة الثقيلة التى لو كانت حدثت فعلا لكان لها وقع الصاعقة على الشعب وعلى الدولة على السواء؟
    وفى كتب المسلمين فى كل العصور أخبار عن تنصر هذا الشخص أو ذاك، مما يدل على أن الأمر فى مسألة تنصُّر المعز لم يكن ليشكل لديهم أية حساسية فى الكتابة عنه لو كان قد وقع، فكيف يتصور أن يخرس الكتاب جميعا على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وميولهم عن هذا الحدث، ومنهم اليهود والزنادقة والملاحدة وأهل السنة والمعتزلة والشيعة والفلاسفة والصوفية والإباضية والإسماعيلية والشعوبية؟ وكله كوم، وقول المعز: "محمد ما فيش" وحدها كوم! ترى أكان المعز خواجة لا يحسن العربية فبدلا من أن يقول: "الآن تبين كذب محمد" مثلا لا يجد إلا "محمد ما فيش" هذه؟ إن الله سبحانه وتعالى يأبى إلا أن يفضح كل مفتر كذاب! والحق أنه لو كان المعز قد تنصر فعلا، بغض النظر عن أنه قد مات قبل التاريخ الذى يزعمون أنه تنصر فيه، لكان أبناؤه وكبار رجال الدولة قد قتلوه وتخلصوا منه ومن وصمات العار وصنوف القلاقل التى سوف يجلبها عليهم. ولا ينبغى أن نتجاهل يعقوب بن كلس الذى تقول الروايات النصرانية عنه إنه كان لا يزال فى أعماقه يهوديا لم يخالط الإسلام قلبه، وتُصَوِّره خبيث النفس حقودا يكره النصرانية والنصارى. فبناء على تلك الروايات لا يمكن أن نتصور سكوت ذلك الرجل عن تدبير مؤامرة لمصلحة أهل البيت الحاكم فى مصر تكفل لهم الخلاص من ذلك الشنار الذى من شأنه أن يضع مصير الدولة ورجالها فى مواجهة خطرٍ مُبِير!
    ولكى يكون لدى القارئ فكرة عن تربص أعداء الفاطميين بهم أسوق له هذه الكلمات التى تركها لنا المقريزى فى "اتعاظ الحنفا" فى وصف موقف المؤرخين الشوام والعراقيين من الخلفاء الفاطميين حتى يعرف مغزى عدم كتابتهم أية كلمة عن تنصر المعز المزعوم الذى لا يمكن أن يخطر إلا فى است مجرم لئيم لا يعرف معنى الطهارة: لا طهارة الذمة، ولا طهارة الاست على السواء: "وغير خافٍ على من تبحر في علم الأخبار كثرة تحاملهم (أى تحامل مؤرخى الشام والعراق) على الخلفاء الفاطميين وشنيع قولهم فيهم. ومع ذلك فمعرفتهم بأحوال مصر قاصرة عن الرتبة العلية، فكثيرا ما رأيتهم يحكون في تواريخهم من أخبار مصر ما لا يرتضيه جهابذة العلماء، ويردّه الحذاق العالمون بأخبار مصر. وأهل كل قُطْرٍ أعرف بأخباره، ومؤرخو مصر أدرى بماجرياته، وفوق كل ذى علم عليم". ثم أكان صلاح الدين يترك هذه السانحة فلا يتخذها للتشنيع على الفاطميين وتسهيل محو آثارهم ومذهبهم فى مصر؟
    والمضحك أن تذكر الخرافة السخيفة أن المعز قد شفع كلمته عن الرسول الأعظم بأنْ هدم المسجد الذى كان يواجه كنيسة الأنبا شنودة وأمر ببناء كنيسة أبى سيفين مكانه. وأكثر إضحاكا من هذا أن بتلر يعلق على تلك الحدوتة التى سمعها من راعى الكنيسة قائلا إن أطلال المسجد كانت لا تزال موجودة آنذاك بين الكنيستين. أى أن كنيسة أبى سيفين لم تُبْنَ مكان المسجد المذكور كما تزعم الحدوتة الكذابة! بل لقد ذكر المقريزى فى كتابه عن تاريخ القبط أن هذه الكنيسة إنما أنشئت بعد المعز بأقل قليلا من مائة عام (انظرAlfred J. Butler, The Ancient Coptic Churches of Egypt, Vol. 1, P. 124). ولا ننس أن حدوتة جبل المقطم تقول إن كنيسة أبى سيفين كانت موجودة قبل ذلك، وكل ما فى الأمر أنها كانت تحتاج للترميم الذى سرعان ما وافق المعز عليه حين التمس منه ابن زرعة ذلك. كما أن هناك حدوتة قبطية ثالثة تضع تاريخ بناء تلك الكنيسة بعد موت المعز بنحو ثلاثين سنة. وهذا يريك مدى التخبط الذى يتخبطه القوم من المس، عافانا الله من كل سوء وحفظ علينا عقولنا سليمة دون تخريف، فإنه وبال، والعياذ بالله! أما بتلر فيقطع بأن الكنيسة قد أنشئت فى عام 927م طبقا لما تقول به الروايات الخاصة بذلك، أى قبل خلافة المعز بل قبل مجىء الفاطميين أنفسهم إلى مصر بزمن طويل (المرجع السابق/ 1/ 127). وعلى أية حال فمن غير المعقول ولا المتصور أن يبتلع المسلمون فى مصر مسألة هدم المسجد وإقامة كنيسة مكانها بهذا التبلد والهوان، ولا أن يسكت سائر المسلمين فى البلاد الأخرى على ذلك التصرف المتهور من المعز فلا يسلقوه بألسنة حداد ويَسِموه بالكفر مدللين بذلك على ما كانوا يتهمون به الفاطميين بأنهم زنادقة يهود!
    وفى مواقع "http://www.tourism.egnet.net" و"http://www.kenanah.com" و"http://www.egyptianheritage.gov.eg "، وتحت عنوان "كنيسة القديس مارقريوس أبو سيفين"، نقرأ ما يلى: "تقع الكنيسة بشارع ابى سيفين بمصر القديمة، ويزعم المؤرخون أنها تأسست فى القرن السادس الميلادى وكُرِّسَتْ على اسم القديس مارقريوس المعروف بأبى سيفين. وقد تعرضت هذه الكنيسة للهدم والتخريب فى القرن الثامن الميلادى ولم يبق من عمارتها القديمة سوى كنيسة صغيرة تقع فى الجانب البحرى على اسم القديسين يوحنا المعمدان ويعقوب المقطع، ولم تزل هياكلها تزين عقودها بحشوات خشبية أثرية منقوشة برسوم بارزة دقيقة الصنع عبارة عن أفرع نباتية وطيور وحيوانات وأسماك، وهى (أى الحشوات) ترجع غالبا الى العصر الفاطمى. وتذكر التقاليد أنه قد تم إعادة بناء الكنيسة الكبرى فى سنة 927م، ويذكر أبو صالح الأرمني أن الغوغاء هم الذين أضرموا النار فيها لكى يتمكنوا من نهب ما كان بها من أواني وأمتعة ثمينة. ولم ينج من الحريق إلا كنيسة صغيرة على اسم مارجرجس في أعلى الجناح القبلي (الجنوبى). ومن الآثار الهامة الباقية في تلك الكنيسة مغارة مظلمة يمكن الوصول اليها بسلم صغير يقال أن القديس الأنبا برسوم العريان كان قد اتخذها مكان للعبادة مدة 25 عاما، وهى رطبة نظرا لانخفاضها. وكانت تغمرها المياه أيام فيضان النيل، ولها مذبح قائم من الحجر. وكانت تقام في هيكله خدمة الكنيسة حيث يؤمها المرضى اعتقادا منهم فى الشفاء، خصوصا نظرا لقربها من المذبح الذي يحتمل أنه يضم رفات القديس المذكور أو شيئا من آثاره. وتمتاز هذه الكنيسة عن جميع الكنائس الأخرى بأنها تحتوى على أكبر عدد من الأيقونات القبطية الفريدة التى ترجع أغلبها الى عام 1491، عام الشهداء قبطيا، الموافق 1775ميلاديا، وبعضها أقدم من ذلك. وكان يوجد بها في مقدمة الصحن حاجز خشبي خاص بأماكن جلوس النساء، ثم يليه حاجز آخر خاص بقسم الرجال. وكان يحوط قسم المرتلين ستار خشبي وصفه الدكتور "بتلر" أنه قطعة فريدة الصنع فى نقوش حشواته من الأبنوس وأنه جدير بالإعجاب. وقد أزيلت هذه الحواجز من أماكنها الآن، والبعض انتقل إلى أجزاء أخرى من الكنيسة. وقد تم تجديد هذه الكنيسة بمعرفة لجنة حفظ الآثار وتحت إشرافها وبالاشتراك مع البطريركية، وقد دونت تلك الأعمال والمبانى التى أقيمت. وقد بنيت الكنيسة من أكتاف ضخمة من المبانى لتحمل أسقفها نظرا لزوال ما كان فيها من أعمدة رخامية أو تحللها بسبب الحريق الذى انتابها من الفتن والثورات وما لحق بها من الخراب، كما تم تثبيت القباب التى تعلو الهياكل". و كما يرى القارئ بنفسه ليس فى الكلام على الإطلاق ما يشير إلى أن الكنيسة قد أنشئت فى العصر الفاطمى.
    هذا، وكان مرقص سميكة مؤسسُ المتحف القبطى أولَ من أذاع هذه الخرافة على النطاق العام، وذلك فى ص 171 من "تقويم الحكومة المصرية لسنة 1931م"، وهو ما يدل على المدى الذى يمكن أن تبلغه جرأة الأقليات فى مصر فى بعض العهود حتى لينشر مرقص سميكة هذا الكلام المسىء للمسلمين فى مصر زعيمة العالم الإسلامى، ويفرضه على الأغلبية الساحقة دون حسيب أو رقيب، وفى تقويم حكومى لا فى مطبوعة كنسية مثلا. وقد تصدى له العلماء الأثبات والمؤرخون المحققون ممن لا يعتقدون فى الخرافات التافهات، وسخّفوا منطقه وألجأوه بنصاعة حجتهم وصلابة منطقهم إلى بلع لسانه والتسليم بعدم صحتها والوعد بحذفها من تقويم الحكومة فى الطبعات التالية (انظر مقاله بجريدة "الأهرام" فى الثلاثين من أغسطس لعام 1931م. ويُرْجَع فى ذلك إلى ما ذكره المؤرخ الكبير الأستاذ محمد عبد الله عنان فى كتابه القيم: "مصر الإسلامية"/ 114/ هــ 2. والأستاذ عنان، لمن لا يعرف، هو أحد المؤسسين بعد الحرب العالمية الأولى لأول حزب شيوعى فى مصر، ومن ثم لا يمكن أى متنطع غبى أن يفتح فمه النجس بكلمة تشكيكا فى الرجل).
    ولا يقتصر نشر هذا التخلف العقلى فى المواقع النصرانية فى الداخل والخارج، بل يتعدى ذلك إلى إثباته فى بعض دوائر المعارف كما هو الحال عند الكلام عن بطاركة الأقباط فى دائرة المعارف المشباكية: "http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_Coptic_Popes" (تحديدا فى المادة المتعلقة بإبرام بن زرعة، البطرك القبطى على أيام المعز لدين الله)، إذ نقرأ فيها ما يلى

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    المشاركات
    38
    ABRAHAM THE SYRIAN
    Abraham the Syrian was Pope of the Coptic Orthodox Church from 975 to 978. He is revered as a saint by the Copts.
    Abraham was Syrian by birth. He was a wealthy merchant who visited Egypt several times, and finally stayed there. He was known for his goodness, devoutness, and love of the poor. After his ordination, he distributed half of his wealth to the needy and used the other half for building churches throughout Egypt.
    During the reign of Al-Muizz – who was the first Fatimid ruler of Egypt – the Islamic government was ambivalent in its treatment of the Copts, alternating sympathy and tolerance with atrocity and brutality. At that time, St. Mark's Seat had been vacant for about two years. Finally the bishops and Coptic community leaders assembled in the Church of St. Serguis in order to choose possible candidates. While they were convening, Abraham the Syrian, a man devoted to religion and piety, entered the church and they unanimously decided to elect him. They took him to Alexandria where he was consecrated as the 62nd Patriarch.
    As for Al-Muizz, he was known for tolerance and interest in debates on religious matters. He had a Jewish minister called Ibn-Killis who informed him that it was written in "the book of the Nazarenes" (meaning the New Testament) that, "If you have faith as a mustard seed, you will say to the mountain move from here to there, and it will move" (Matt. 17:20 & Mark 11:23). He showed this verse to the Caliph and persuaded him to challenge the Pope to order the Muqattam Mountain, east of Cairo, to move if he had as little faith as the small mustard seed.
    The Caliph sent for the Pope and asked him if such a verse really existed. When Pope Abraham affirmed that it was true, Al-Muizz challenged him to prove it or else the Copts would be subjected to the sword. The Pope asked for a three-day respite.
    He went directly to St. Mary's Church (Al Mu'allaqah, or "Hanging Church"), sent for bishops and priests and exhorted them to fast and pray for the duration of those three days. Before the dawn of the third day, the Pope, exhausted by grief and the long vigil he had kept, dozed off. The Virgin Mary came to him in his sleep and inquired: "What is with you?" "My lady, you surely know what is happening," he replied. Thereupon, she comforted him and told him that if he went through the iron gate leading to the market, he would meet a one-eyed man carrying a sack of water. This is the man who would move the mountain, she said.
    The Pope hurried out in the early morning to do as she said and he met Simon the Tanner. He asked Simon what he was doing at this early hour. To which Simon replied that he was carrying water to the sick and the old who could not fetch water for themselves. He said this was his practice every morning – to carry on his back a sack of water for the needy – before going to work at a hide tannery. When the Pope explained his purpose, Simon was reluctant at first but when he was told of the Pope's vision, he placed himself at his disposal.
    The two led a large gathering of the faithful and marched to the Muqattam Mountain. Beside them were the Caliph and his minister who had already incited many people against the Copts. Abraham celebrated mass and the multitude chanted after him kyrie layson (Coptic for "Lord have mercy"), pleading for God's mercy. They knelt down three times as the Pope made the sign of the cross with a sweeping gesture extending from one end of the mountain to the other.
    The mountain shook violently as if a strong earthquake had hit the land. Then it began moving upwards. Every time the worshippers rose from their prayers, the mountain lifted itself upwards. When they knelt down, it also came down with a big bang. This happened three times and every time the mountain moved upwards, the rays of the sun, which was behind it, swept through the space separating the earth from the mountain and became clearly visible to the assembled crowd.
    At this awesome sight, Al Muizz proclaimed, "God is Great!" Turning to Pope Abraham, he said, "This is enough to prove that your faith is true." Naturally, this miraculous event caused a tumult among the crowd. When order was re-established, Pope Abraham looked for Simon, who had kept himself hidden behind the Pope throughout the prayers, but he was nowhere to be found.
    Simon was never seen again and there are two versions of what befell him. According to the tradition that has come down to modern times, he was snatched away by an angelic host so that the Lord could reward him for his humility. Another story claims that Simon, fearing the praise of men, disappeared voluntarily in order to protect himself from falling into the sin of vainglory.
    The Caliph, who was still shaking with fear, embraced the Pope warmly and this marked the beginning of a long friendship between the two. The Caliph asked the Pope to name his reward. After some hesitation, the Pope asked for permission to rebuild or renovate some churches, particularly that of St. Mercurius in Babylon in what is now Old Cairo. That church, which was partly destroyed, was being used as a sugar warehouse. The Caliph offered funds from the state treasury for the reconstruction of the church but Abraham turned him down. "He whose Church we are building does not need the money of this world and is capable of helping us until we finish the job," Abraam said.
    The Pope also decreed that the three-day grace period which he had requested from the Caliph, and which he and the bishops and priests spent in prayer and fasting, be a regular period of fasting to be observed by all Copts every year. Those three days were added to the forty days of fasting before Christmas. Thus, the Advent fasting became forty-three days starting on November 25.
    Shortly after the miracle took place, Al Muizz decided to convert to Christianity. A baptismal font, big enough for the immersion of a grown-up man, was built for him in St. Mercurius Church. This font continues to exist until the present day and is known as "Maamoudiat Al-Sultan" which means the baptistry of the Sultan

  7. #7
    الصورة الرمزية محمد سفاري
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    247
    مشكور اخي الفاضل علي التوضيح
    محــــsafariــمد




  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    68
    اخى الفاضل

    السلام عليك
    انا مرشد سياحى و اعرف ان فيه كتير من الاجانب بيزورو الدير الحالى
    و لكن بعض القصة خرافية او اسطورية
    مثلا ارتفاع جبل المقطم
    لو دة كان حصل كان زمانه اتكتب فى كل كتب مؤرخى هذا العصر
    و لكن لا يوجد مؤرخ سجل ارتفاع جبل المقطم عن الارض

    و شكرا

  9. #9
    الصورة الرمزية امرؤ القيس
    تاريخ التسجيل
    Mar 2004
    المشاركات
    1,102
    موضوع طويل ويحتاج الى قراءة بتمعن .

    شكرا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    المشاركات
    493
    المعز لدين الله - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
    وردت قصه نقل جبل المقطم في كتابات المؤرخ الانجليزىالفريد بتلر.
    ده غير المقريزى

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك