موقع الدي في دي العربي

الموقع الأكثر تطوراً في مجال الترفيه والتسلية وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب، تابع أحدث أخبار الأدب والفن الأفلام والمسلسلات، الرياضة، البرامج والألعاب، الفضائيات والاتصالات، العلوم واللغات، شاركنا آرائك مع محبي الفن والثقافة ، انضم الآن



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 12 من 12
Like Tree0Likes

الموضوع: الرسول صلى الله علية وسلم

  1. #1
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933

    الرسول صلى الله علية وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم



    سوف نتحدث عن رسول الله صلى الله علية وسلم فى كل شىء من بداية التبشير بة الى النهاية وارجو من االخوة الاعضاء الاضافة فى هذا الموضوع
    بحديث او موقف عن الرسول



    اولا

    المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان

    وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها فيقول مخاطباً إياه باسم الملك:

    " فاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك، لساني قلم كاتب ماهر: أنت أبرع جمالاً من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نُبُلُك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوبٌ تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك.... بنات ملوك بين حظياتك، جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير اسمعي يا بنت وانظري، وأميلي أذنك، انسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنك، لأنه هو سيدك فاسجدي له... عوضاً عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض، أذكر اسمك في كل دور فدور. من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد " - المزمور 45/1 - 17

    ويسلم النصارى بأن النص كان نبوءة بالنبي الآتي، ويزعمونه عيسى عليه السلام، فيما يرى المسلمون أن الصفات التي رمزت في النص إنما تعود إليه صلى الله عليه وسلم، وتمنع أن يكون المعني عيسى أو غيره من الأنبياء الكرام

    ففي النص تسع أوصاف لهذا النبي، وهي


    أولاً : كونه صاحب حسن لا يعدل في البشر " بهي في الحسن أفضل من بني البشر " ولا يجوز للنصارى القول بأنه المسيح وهم الذين يقولون: تحققت في المسيح نبوة إشعيا، وفيها أن المتنبئ به "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه " (إشعيا 52/2)، وهذا المعنى الذي لا نوافقهم عليه (1) أكده علماؤهم، فقال كليمندوس الإسكندراني: " إن جماله كان في روحه وفي أعماله، وأما منظره فكان حقيراً " وقال ترتليان: " أما شكله فكان عديم الحسن الجسماني، وبالحري كان بعيداً عن أي مجد جسدي " ومثله قال مارتير وأوريجانوس وغيرهما فمن كان هذا قوله بالمسيح لا يحق له أن يقول بأنه أيضاً:" أبرع جمالاً من بني البشر.

    وقد جاءت الآثار تتحدث عن حسن نبينا وفيض جماله بعد أن كساه الله بلباس النبوة، فلم ير أجمل منه. ففي صحيح البخاري (3549) يقول البراء بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنه خَلْقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير .

    ثانياً : أن النبوة وكلامها يخرج من شفتيه "انسكبت النعمة على شفتيك"، فقد كان أمياً، ووحيه غير مكتوب، فيما كانت لإبراهيم وموسى صحفاً، كما كان عيسى قارئاً - انظر لوقا 4/16

    وقد جاءت نصوص كتابية عدة تؤكد أمية النبي القادم منها ما سبق في سفر التثنية " أجعل كلامي في فمه " - التثنية 18/18 وما جاء في إشعيا " أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة، فيقال له:اقرأ، فيقول: لا أعرف الكتابة " - إشعيا 29/12 وفي غير الترجمة العربية المتداولة " لا أعرف القراءة " وهي تماثل – كما سبق - قول النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء: ما أنا بقارئ

    ثالثاً : كونه مبارك إلى الأبد، صاحب رسالة خالدة " باركك الله إلى الأبد.... كرسيك يا الله إلى دهر الدهور

    رابعاً : كونه صاحب سيف يقهر به أعداءه لإقامة الحق والعدل " تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار... بجلالك اقتحم. من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف. نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون " والمسيح عليه السلام لم يحمل سيفاً ولا أسقط أعداءه، ولا صوب نبله في قلوب أعدائه لنشر دعوة الحق، كما لم يكن ملكاً في قومه

    خامساً : وهذا النبي محب للخير، مبغض للإثم كحال جميع الأنبياء، لكن الله فضله عليهم " مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك

    سادساً : يؤتى لهذا النبي بالهدايا لعزه، وبنات الملوك يكن في خدمته أو في نسائه " بنات ملوك بين حظياتك.. بنت صور أغنى الشعوب تترضى وجهك بهدية..." وقد تزوج النبي بصفية بنت حيي بن أخطب سيد قومه، كما أهديت إليه مارية القبطية، وكانت شهربانو بنت يزدجر ملك فارس تحت ابنه الحسين

    سابعاً : تدين له الأمم بالخضوع وتدخل الأمم في دينه بفرح وابتهاج " بملابس مطرزة وتحضر إلى الملك، في إثرها عذارى صاحباتها، مقدمات إليك، يحضرن بفرح وابتهاج يدخلن إلى قصر الملك

    ثامناً : يستبدل قومه بالعز بعد الذل " عوضاً عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض

    تاسعاً : يكتب له الذكر الحميد سائر الدهر " أذكر اسمك دور فدور، من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد " فهو أحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم



    --------------------------------------------------------------------------------
    لا يبعث الله نبياً إلا غاية في الحسن، فذلك أدعى لتصديقهم وعدم عيبهم بخلقهم، وقد وصف رسول الله عيسى عليه السلام خصوصاً بأنه كان غاية في الحسن، فقد رآه في رؤيا عند الكعبة " فرأيت رجلاً آدم كأحسن ما أنت راء من آدم الرجال، له لـمّة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهي تقطر ماءً …فسألت:من هذا؟ فقيل: هذا هو المسيح بن مريم " (رواه مسلم ح 169) (1)

    وقد توالى الأنبياء وهم يبشرون بقدوم نبي آخر الزمان، ويذكرون صفاته وأحواله, والتي من أهمها أنه ليس من بني إسرائيل, كما أنه صاحب شريعة تدوم إلى الأبد، يسحق أعداءه، ودعوته تكون لخير جميع الأمم

    وهذه الصفات لم تتوافر في أحد ادعى النبوة سواه، ولا يمكن للنصارى حمل تلك النبوءات التي يقرون في أنها نبوءات، لا يمكن لهم أن يحملوها على غيره، إذ موسى وعيسى كانا نبيين إلى بني إسرائيل فقط، وكان موسى صاحب شريعة انتصر أتباعه على أعدائهم، وأما عيسى فلم ينزل بشريعة مستقلة، إذ هو نزل بشريعة موسى وبتكميلها، فهو القائل: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى 5/17)، ولم يقيض له أن ينتصر على أعدائه، بل تزعم النصارى أنهم تمكنوا منه وصلبوه فكيف يقال بأنه المختار الذي يسحق أعداءه وتترقبه الأمم؟

    وأقدم النبوءات الكتابية التي تحدثت عن النبي الخاتم جاءت في وصية يعقوب لبنيه قبل وفاته حين قال لهم: "لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب " - التكوين 49/10

    وتختلف التراجم في ثلاث من كلمات النص، فقد أبدل البعض كلمة "قضيب" بالملك أو الصولجان، وكلها بمعنى واحد، وكذا أبدلت كلمة "مشترع" بالراسم والمدبر، وهي متقاربة بمعنى صاحب الشريعة مدبر قومه

    وأما الاختلاف الأهم فكان في كلمة "شيلون" التي أبقتها معجم الترجمات على حالها، وفي تراجم عبرانية أخرى قيل: "إلى أن يأتي المسيح "، وقد فسر القس إبراهيم لوقا "شيلون" بالمسيح، واعتبرها ترجمة صحيحة لكلمة "شيلوه" العبرية، وذكرت الطبعة الأمريكية للكتاب المقدس في هامشها أن كلمة "شيلون" تعني: الأمان، أو: الذي له. فما هو المعنى الدقيق للكلمة (شيلون) التي تدور حولها النبوءة؟

    يكاد سفر أشعياء أن يكون في مجموعه – فيما خلا بعض روايات الأحداث – مجموعة من النبوءات، منها ما يرى فيه أهل الكتاب من يهود ونصارى إنه تنبؤ بميلاد المسيح عليه السلام وهو قوله: "ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل، زبدا وعسلا يأكل متي عرف أن يرفض الشر ويختار الخير"

    أشعياء:الإصحاح السابع: 14و15

    وقد كان إيمان من آمن بالمسيح عليه السلام من اليهود اقتناعا منهم بأنه النبي الذى تنبأ بمولده أشعياء في هذا النص من سفره، لكونه ولد من عذراء ولما تحقق علي يديه بإذن الله من المعجزات التي أخبر عنها أشعياء، وكان كفران سائر اليهود دعوته وإنكارهم أنه المسيح الذى تنبأ به أشعياء مستندا – في قولهم إلي عدم ظهور "إيليا" – وهو علامة على مجيئه – قبل بعثته،وهو ما أنكره عليهم المسيح عليه السلام مخبرا أنه يوحنا المعمدان " يحيي بن زكريا عليه السلام"، فقد جاء في إنجيل لوقا : " كانت كلمة الله علي يوحنا المعمدان " يحيي بن زكريا عليه السلام" ، فقد جاء في إنجيل لوقا : " كانت كلمة الله علي يوحنا بن زكريا في البرية فجاء إلي جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، كما هو مكتوب في سفر أقوال أشعياء النبي القائل صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة" - لوقا: الإصحاح الثالث : من 2 إلي 4

    وقد ورد في سفر أشعياء العديد من النبوءات التي تبشر بمولد رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، وببعثه رسولا يهدى للحق وللدين الذى بعث به، نجيزئ منها الآتي:

    النبوءة الأولى :
    جاء فى سفر أشعياء قولة: " لأنه هكذا قال لي السيد، اذهب أقم الحارس ليخبر بما يرى، فرأى أزواج ركاب فرسان، ركاب حمير، فأصغى إصغاء شديداً، ثم صرخ كأسد أيها السيد أنا قائم علي المرصد دائماً في النهار وأنا واقف علي المحرس كل الليالي، وهو ذا ركاب من الرجال أزواج من الفرسان، فأجاب وقال سقطت، سقطت بابل وجميع تماثيل آلهتها المنحوته كسرها إلى الأرض" (أشعياء الإصحاح الحادى والعشرون: من 6إلي 9).

    وفي هذا القول تنبؤ ببعثة نبيين رسولين أحدهما يدخل مدينته راكبا حمارا، والآخر يدخلها علي جمل، وقد دخل المسيح عليه السلام أورشليم على حمار: " حينئذ أرسل يسوع تلميذين قائلا لهما اذهبا الي القرية التي أمامكما فللوقت تجدان أتاناً مربوطة وجحشا معها فحلاهما وائتياني بهما، وإن قال لكما أحد شيئا فقولا الرب محتاج إليهما، فللوقت يرسلهما ، فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل قولوا لابنة صهيون هو ذا ملكك يأتيك وديعا راكباً علي أتان وجحش ابن أتان" (إنجيل متي : الإصحاح الحادي والعشرون : من 1 إلي 5)، كذلك فقد دخل محمد عليه الصلاة والسلام يثرب علي ناقته القصواء" وبدعوته تحطمت الأصنام والتماثيل التي كانت تعبد من دون الله. فيكون الرسولان اللذان تنبأ أشعياء بهما هما المسيح عيسي ابن مريم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

    النبوءة الثانية :
    وجاء في سفر أشعياء قوله: " في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان ياسكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من أمام السيف قد هربوا، من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدودة ومن امام شدة الحرب، فإنه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الأجير يفني كل مجد قيدار، وبقية عدد قسى أبطال بني قيدار تقل لأن الرب إله إسرائيل قد تكم " (أشعياء: الإصحاح الحادي والعشرون: من 13 إلي 17).

    وما جاء في هذا القول هو تنبؤ بهجرة رســول الله صلى الله عليه و سلم من مكـة إلي المدينة المنورة، فالدادنييون الذين ورد ذكرهم في النص هم المنتسبون إلي دادان وهو أحد أجداد قريش من نسل إسماعيل عليه السلام، والوعر من بلاد العرب هو الطريق الذى بين مكة والمدينة المنورة، والأمر الصادر في النبوءة إلي أهل يثرب (المدينة المنورة) بمقابل المهاجرين بالطعام والشراب وبالإحسان إليهم قد تحقق بالفعل بما كان من أهل يثرب للمهاجرين.

    كذلك وصف أشعياء المهاجرين – في نبوءته – بأنهم قد غادروا أرضهم فرارا بدينهم وبعقيدتهم وأنفسهم هربا من ظلم أعدائمهم، وتضمنت النبوءة وعدا بانتصار أتباع هذا النبي المتنبأ به وفناء المجد الظالم الذى كان يظل أبناء قيدار وهو كفار قريش المنحدرون من قيدار بن بنايوت بن إسماعيل عليه السلام. كما تضمنت إخبارا عن نقصان عدد فرسان الكفار بعد سنة من الهجرة أو أكثر من سنة، وذلك لتشبيه هذه السنة بسنه الأجير التي يشعر بطولها لما يناله خلالها من مشقة.وقد تحقق هذا إذ قل عدد فرسان كفار مكة وأبطالهم بعد أن آمن كثير منهم برسول الله صلى الله عليه و سلم وبعد أن قتل إله بني إسرائيل فتعليله إنه في الوقت الذى تنبأ فيه أشعياء بأمر هذا النبي لم يكن غير شريعة موسي عليه السلام شريعة الله، وكان الإله الواحد الحق هو إله بني إسرائيل أما غيرهم ممن لم يؤمنوا بشريعة موسي عليه السلام فقد كانوا يعبدون آلهة آخرى مثل بعل زبول والأصنام والتماثيل، فجاء بيان أن هذا القول هو قول الله سبحانه وتعالي.

    النبوءة الثالثة:
    وجاء في سفر أشعياء: " أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك يدك وأحفظك وأجعلك عهدا للشعب ونورا للأمم، تتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين ف الظلمة. أنا الرب هذا اسمي ومجدى لاأعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات... هو ذا الأوليات قد أتت والحديثات أنا مخبر بها، قبل أن تنبت أنا أعلمكم بها. غنوا للرب أغنية جديدة تسبيحة من أقصي الأرض، أيها المنحدرون في البحر وملؤه والجزائر وسكانها، لترفع البريه ومدنها صــوتها الديار التي سكــن فيها قيدار. لتترنم سكــان سـالع. من رؤوس الجبال ليهتفوا. ليعطوا الرب مجدا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر، الرب كالجبار يخرج، كرجل حروب ينهض غيرته، يهتف ويصرخ ويقوى علي أعدائه.... يخزي خزيا المتكلمون علي المنحــوتات، القائلون للمســبوكات أنت آلهتنا" (أشـعياء: الإصحاح الثاني والأربعون : من 6 إلي 17).

    وهذا القول يتضمن الإخبار بنبوءتين متتاليتين، إحداهما هي الأقرب تحققا في الزمان من تاريخ الإبلاغ وقد شملتها الآيات من 6 إلي8، وهي النبوءة الخاصة بالمسيح عليه السلام دعاه الله بالبر وحفظه وجعله عهدا للشعب أى لبني إسرائيل، وهو مايعني وصف المسيح عليه السلام دعوته – في البداية – بأنها لهداية بني إسرائيل ثم إن الله جعله نورا للأمم، وفي ذلك إشارة إلي قيام المسيح عليه السلام بتوجيه تلاميذه قبل رفعه ليبشروا الأمم برسالته علي ما جاء في الإنجيل " وقال لهم اذهبوا إلي العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مرقس الإصحاح السادس عشر: 15).

    وبعد ذلك يعلن أشعياء صراحة أن ما أخبر عنه آنفا هو الأسبق تحققا في عمر الزمان وأنه سيتبعه ما هم مخبر عنه " هو ذا الأوليات قد أتت، والحديثات أنا مخبر بها قبل أن تنبت أعلمكم بها". أما هذا الذى يخبر به متنبئا فهو مجئ تسبيحه جديدة يرتفع بها الصوت من أرض قيدار. وإذا علمنا أن قيدار هو ابن بنايوت إبن إسماعيل عليه السلام وأن أرضه هي مكة المكرمة وأن التسبيحة الجديدة التي ترتفع بها الأصوات هي الأذان يعلن به عن مواعيد الصلاة

    إذا علمنا هذا فإنه يتأكد لنا أن النبوءة إنما تتعلق برسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا أضفنا إلي ذلك ما ذكره أشعياء بشأن الهتاف باسم الله وبتمجيدة من فوق رؤوس الجبال وهذا وصف لتهليل المسلمين وتكبيرهم في الحج لدى الوقوف بجبل عرفات، فإنه يكون محققا لدينا أن الدين الذى بشر به أشعياء هو الإسلام وأن النبي المبشر به في النبوءة هو محمد عليه الصلاة والسلام الذى وصفه أشعياء بأنه رجل حرب يقوى علي أعدائه، وقد كان هذا هو حال المصطفي عليه الصلاة والسلام الذى تم به القضاء علي عبادة الأصنام في أرض رسالته كما جاء في النبوءة.

    النبوءة الرابعة :
    وجاء في ذات السفر: " ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدى بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب، أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك. لاتمسكي، أطيعي أطنابك وشددى أوتادك، لأنك تمتدين إلي اليمين وإلي اليسار، ويرث نسلك أمما ويعمر مدنا خربة. لا تخافي لأنك لاتستحين، فإنك تنسين خزي صباك، وعار ترملك لا تذكرينه بعد لأن بعلك هو صانعك رب الجنود أسمه ووليك قدوس إسرائيل إله كل الأرض يدعو .. أيتها الذلية المضطربة غير المتعزية هأنذار أبني بالإثمد حجارتك وبالياقوت الأزرق أؤسسك، وأجعل شرفك ياقوتا وأبوابك حجارة بهرمانية، وكل تخومك حجارة كريمة، وكلي بيتك تلاميذ الرب وسلام بنيك كثيرا. بالبر تثبتين بعيدة عن الظلم فلا تخافين وعن الأرتعاب فلا يدنومنك . ها إنهم يجمتعون اجتماعا ليس من عندى، من اجتمع عليك فإليك يسقط. ها أنذا قد خلقت الحداد الذى ينفخ الفحم في النار ويخرج آلة لعمله وأنا خلقت المهلك ليخرب. كل آلة صورت ضدك لا تنجح، وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه. هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندى يقول الرب" (أشعياء الإصحاح الرابع والحمسون:من 1 إلي 17).

    إننا نعلم أن الأنبياء يتكلمون فى نبوءاتهم بالرمز والمثال فإذا ماتدبرنا هذا القول وعلمنا أحوال البلاد والعباد من قبل زمان هذه النبوءة إلى اليوم فإننا ندرك الآتي:

    (1) أن العاقر التي لم تلد – المذكورة فى النبوءة – هي مكة المكرمة، وصفت بأنها عاقر لأنها لم تخرج من بعد إسماعيل عليه السلام الذى جاءها طفلا مع أمه هاجر دون أن يكون قد نبت بها إلي زمان النبوءة أنبياء، وإسماعيل عليه السلام هو ابن المستوحشة التي هجرها زوجها، ونسله هم العرب العدنانيون فهم – في النبوءة – أبناء المستوحشة الذين ذكرتهم النبوءة بأنهم يصيرون أكثر من بني "ذات البعل" وهي سارة التي بقي معها إبراهيم عليه السلام، ومن أبنائها بنو إسرائيل، والمعني إن وصف مكة بالعاقر قد جاء في مقارنة مستترة بالقدس أو أورشليم التي أنجبت الأنبياء. وقد بشرت النبوءة مكة أو العاقر بأنها تمتد يمنا وشمالا وبأن أبناءها سيرثون أمما ويعمرون مدنا خربة، وذلك فى بشارة بانتشار الدين الذى تبدأ دعوته في مكة لتنتشر في أنحاء العالم فتعمر به النفوس الخربة بجهالة الكفر والشـرك، وفـي النبوءة طلب من مكة أن تسبح الله وتحمده علي ما أولاها من نعمة كونها أم المبعوث رحمة للعاملين.

    (2) أن القول – في النبوءة – إن بعل العاقر هو صانعها رب الجنود اسمه، وإنه يدعي من بعد إله كل الأرض، إنما يعني أن راعي مكة هو خالقها الله الذى كان اليهود يسمونه "رب الجنود" في تمييز بينه وبين ماتعبد سائر الشعوب من آلهة، كذلك فإن قول النبوءة إنه سيدعي " إله كل الأرض" يتضمن الإشارة إلي عالمية الدعوة للدين الذى يظهر نبيه من مكة فلا يعود الرب إله بني إسرائيل وحدهم وإنما إله جميع المعبود في جميع أنحاء الكون.

    (3) تشير النبوءة إلي الكعبة المشرفة وإلي إعادة بنائها وإلي قدوم المؤمنين بالدين الذى يظهر نبيه في مكة في كثرة إليها، والذين تصفهم النبوءة بأنهم أبناء الرب. وهذا هو حال حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين وزائرى البيت، كما تشير النبوءة إلي ما سيكون عليه حال مكة من تحريم دخولها علي الكفار والمشركين.

    (4) تطمئن النبوءة مكة والكعبة المسجد الحرام بحماية الله، وبأنه سيكون اجتماع القوة المادية عليها فيسقط من اجتمعوا عليها، وذلك ما كان – من بعد – من أمر أبرهة وجيشه حين أراد هدم الكعبة، وبأنه سيكون هناك محاجاة بالقول وهجــوم علي الدين الذى يبعــث نبيه من مكة بالكتابة وبالمشافهة وبوسائل الإعلام المختلفة، وسـيكون النصر لدين الله الذى يتمســك به المؤمنون، وذلك علي ما يبين من قول النبوءة " كل آلهة صــورت ضـدك لا تنجح وكل لســان يقوم عليك في القضــاء تحكمين عليه. هذا هــو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندى يقول الرب".

    النبوءة الخامسة :
    وجاء أيضا في سفر أشعياء: " قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك، لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم ، أما عليك فيشرق الرب ومجده عليك يري، فتسير الامم في نورك والملوك في ضياء إشراقك. أرفعي عينيك حواليك وانظري قد اجتمعوا كلهم، جاءوا إليك، يأتي بنوك من بعيد وتحمل بناتك علي الأيدى. حينئذ تنظرين وتنيرين ويخفق قلبك ويتسع لأنه تتحول إليك ثروة البحر ويأتي إليك غني الأمم، تغطيك كثرة الجمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا تحمل ذهبا ولبانا وتبشر بتسابيح الرب، كل غنم قيدار تجتمع إليك، كباش بنايوت تخدمك، تصعد مقبولة علي مذبحي وأزين بين جمالي . من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلي بيوتها، إن الجزائر تنتظرني وسفن ترشيش في الأون لتأتي ببنيك من بعيد وفضتهم وذهبهم معهم لأسم الرب إلهك وقدوس إسرائيل لأنه قد مجدك " (أشعياء : الإصحاح الستون: من 1إلي9).

    وسبحان الله العظيم ليس هناك وصف أدق وأوضح لحال مكة المكرمة والكعبة المشرفة وقت أداء المسلمين فريضة الحج من هذا الوصف الذى ذكره أشعياء عام واحد وسبعمائه قبل الميلاد، وهو وصف لحالها منذ أظهر الله دينه إلي اليوم وإلي آخر الزمان. فبينما يخيم ظلام الشرك والفكر المادى علي دول العالم فيكون ظلم القوى منها ضعيفها – وليس مثل الظلام ظلام – بينما يكون هذا هو حال العالم يكون الأمر علي خلافه في مكة المكرمة عند بيت الله الحرام وقت الحج، حيث يلبي المؤمنون الدعوة بالحج فيملأ أركانها النور- وليس مثل نور الإيمان – يمجدون الله، ومنهم الملوك والرؤساء يتساوون ورعاياهم لايستنيرون إلا بنور الله وبنور الإيمان –

    ثم يصف أشعياء حال الحجيج فيقول إنهم قد أتوا من أماكن بعيدة، وهم من الكعبة المشرفه بيت الله بمنزلة الابن من أمه – علي ما جري عليه وصف المؤمنين في العهد القديم بأنهم أبناء الله – فيكون لمكة المكرمة – مهد الرسالة – أن تفرح بقدوم الحجيج من أقاصي الأرض معهم الأموال والبضائع فيكون في الحج أداء الفريضة وتمجيد الله كما يكون فيه تحقيق المصالح المادية والمالية " كلها تأتي من شبا تحمل ذهبا ولبانا وتبشر بتسابيح الرب " وهو ما صدق به في القرآن العظيم في قوله تعالي : وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ {27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ - سورة الحج آيتا 27و 28

    ويقطع بأن نبوءة أشعياء تعلقت بحال مكة المكرمة وقت الحج وصفه ما يكون من إحضار أغنام قيدار – وهو علي ما علمنا حفيد إسماعيل عليه السلام جد العرب العدنانيين- وكذا ما يكون من التضحية بكباش بنايوت – وهو علي ما علمنا ابن إسماعيل عليه السلام – وقد ذكرت نبوءة أشعياء أن هذه الكباش وتلك الأغنام تصعد مقبولة إلي مذبح الرب، وذلك في تعبير عن نحر الأضاحي في الحج من بعد الصلاة.

    وعلي هذا فإن النبوءة تعلن أن مسرح هذه الأحداث هو أرض أبناء بنايوت وأبناء قيدار من جزيرة العرب وليس أرضا غيرها، ثم إن النبوءة تبلغ ذورة الدقة عندما تصف كيفية حضور الحجيج من جميع أنحاء العالم قريبها وبعيدها إلي الأراضي المقدسة لآداء فريضة الحج، فتقول إن منهم من يأتي طائرا- وجاء هذا القول في وقت لم يكن فيه أحد يتخيل أنه ستكون هناك طائرات تستخدم في التنقل – وأن منهم من يأتي بطريق البحر، ومنهم من يأتي بطريق البر راكباً أو راجلا " من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلي بيوتها، إن الجزائر تنتظرني، وسفن ترشيش في الأول لتأتي ببنيك من بعيد" ثم توضح النبوءة أن حجاج بيت الله الحرام قد أنفقوا الأموال من أجل أداء فريضة الله الذى أكرم مكة بظهور رسوله عليه الصلاة والسلام منها وعظم بيته، وهو الله الحق الذى بارك إسرائيل (يعقوب) عليه السلام من قبل.

    محمد عليه الصلاة والسلام في نبوءة حبقوق :
    جاء في سفر حبقوق: " الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران، جلاله غطي السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه" (حبقوق : الإصحاح الثالث : 3).

    وهذه النبوءة تذكر واقع نزول الشريعة اليهودية علي موسي عليه السلام في سيناء (أرض تيمان) وتعـلم بنزول القــرآن علي رســول الله صلى الله عليه و سلم في مكة -وهي برية فاران – وأنه بظهور دين الحق الذى ينبلج نوره من مكة المكرمة تتحقق عبادة الله وتمتلئ الأرض بالتسبيح له.


    لكن أعظم بشارات العهد الجديد بالنبي الخاتم هي نبوءات المسيح عن البارقليط

    وينفرد يوحنا في إنجيله بذكر هذه البشارات المتوالية من المسيح بهذا النبي المنتظر، حيث يقول المسيح موصياً تلاميذه:

    " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم... إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منـزلاً الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني بهذا كلمتكم وأنا عندكم وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم …قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء "-يوحنا 14/15–30

    وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول: " متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي في الابتداء قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا، سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله.... قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم

    ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة، أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" - يوحنا 15/26 - 16/14

    وفي هذه النصوص يتحدث المسيح عن صفات الآتي بعده فمن هو هذا الآتي؟

    البارقليط عند النصارى
    يجيب النصارى بأن الآتي هو روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح، وهناك " صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا " - أعمال 2/1 - 4

    ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئاً - سوى ما سبق - عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح. يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: " البارقليط هو روح الله القدوس نفسه المعزي، البارقليط: المعزي " الروح القدس الذي يرسله الأب باسمي " - يوحنا 14/26، وهو الذي نزل عليهم يوم الخمسين - أعمال 2/1 - 4 فامتلأوا به وخرجوا للتبشير، وهو مع الكنيسة وفي المؤمنين، وهو هبة ملازمة للإيمان والعماد

    البارقليط عند المسلمين
    ويعتقد المسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي، إنما هو بشارة المسيح بنبينا صلى الله عليه وسلم وذلك يظهر من أمور
    منها لفظة " المعزي " لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (1820م، 1831م، 1844م) تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية

    وفي تفسير كلمة " بارقليط " اليوناني نقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين
    الأول أنه "باراكلي توس". فيكون بمعنى: المعزي والمعين والوكيل
    والثاني أنه " بيروكلوتوس "، فيكون قريباً من معنى: محمد وأحمد

    ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا " إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلاً يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أو الشكر، وهو قريب من لفظ أحمد

    ويسأل عبد الوهاب النجار الدكتور كارلو نيلنو – الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة- عن معنى كلمة " بيركلوتس " فيقول: " الذي له حمد كثير

    ومما يؤكد خطأ الترجمة أن اللفظة اليونانية (بيركلوتس ) اسم لا صفة، فقد كان من عادة اليونان زيادة السين في آخر الأسماء، وهو ما لا يصنعونه في الصفات

    ويرى عبد الأحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه " شخص يدعى للمساعدة أو شفيع أو محام أو وسيط " غير صحيح، فإن كلمة بارقليط اليونانية لا تفيد أياً من هذه المعاني، فالمعزي في اليونانية يدعى (باركالوف أو باريجوريس)، والمحامي تعريب للفظة (سانجرس)، وأما الوسيط أو الشفيع فتستعمل له لفظة " ميديتيا "، وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى أي من هذه المعاني إنما هو نوع من التحريف. يقول الدكتور سميسون كما في كتاب "الروح القدس أو قوة في الأعالي": "الاسم المعزي ليس ترجمة دقيقة جداً"

    ومما سبق يتضح أن ثمة خلافاً بين المسلمين والنصارى في الأصل اليوناني لكلمة " بارقليط " حيث يعتقد المسلمون أن أصلها " بيركلوتوس " وأن ثمة تحريفاً قام به النصارى لإخفاء دلالة الكلمة على اسم النبي أحمد: الذي له حمد كثير

    ومثل هذا التحريف لا يستغرب وقوعه في كتب القوم، ففيها من الطوام مما يجعل تحريف كلمة " البيرقليط " من السهل الهين

    كما أن وقوع التصحيف والتغير في الأسماء كثير عند الترجمة بين اللغات وفي الطبعات، فاسم "بارباس" في الترجمة البروتستانتية هو في نسخة الكاثوليك "بارابا" وكذا (المسيا، ماشيح) و(شيلون، شيلوه) وسوى ذلك، وكلمة "البارقليط" مترجمة عن السريانية لغة المسيح الأصلية فلا يبعد أن يقع مثل هذا التحوير حين الترجمة

    ولجلاء التحريف في هذه الفقرة فإن أدوين جونس في كتابه " نشأة الديانة المسيحية " يعترف بأن معنى البارقليط: محمد، لكنه يطمس اعترافه بكذبة لا تنطلي على أهل العلم والتحقيق، فيقول بأن المسيحيين أدخلوا هذا الاسم في إنجيل يوحنا جهلاً منهم بعد ظهور الإسلام وتأثرهم بالثقافة الدينية للمسلمين

    البارقليط بشر نبي، وليس روح القدس
    وأياً كان المعنى للبارقليط: أحمد أو المعزي فإن الأوصاف والمقدمات التي ذكرها المسيح للبارقليط تمنع أن يكون المقصود به روح القدس، وتؤكد أنه كائن بشري يعطيه الله النبوة. وذلك واضح من خلال التأمل في نصوص يوحنا عن البارقليط

    فإن يوحنا استعمل في حديثه عن البارقليط أفعالاً حسية (الكلام، والسمع، والتوبيخ) في قوله: " كل ما يسمع يتكلم به " وهذه الصفات لا تنطبق على الألسنة النارية التي هبت على التلاميذ يوم الخمسين، إذ لم ينقل أن الألسنة تكلمت يومذاك بشيء، والروح غاية ما يصنعه الإلهام القلبي، وأما الكلام فهو صفة بشرية، لا روحية
    وقد فهم أوائل النصارى قول يوحنا بأنه بشارة بكائن بشري، وادعى مونتنوس في القرن الثاني (187م) أنه البارقليط القادم، ومثله صنع ماني في القرن الرابع فادعى أنه البارقليط، وتشبه بالمسيح فاختار اثنا عشر تلميذاً وسبعون أسقفاً أرسلهم إلى بلاد المشرق، ولو كان فهمهم للبارقليط أنه الأقنوم الثالث لما تجرؤوا على هذه الدعوى



    ومن صفات الآتي أنه يجيء بعد ذهاب المسيح من الدنيا، فالمسيح وذلك الرسول المعزي لا يجتمعان في الدنيا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن المعزى لا يمكن أن يكون الروح القدس الذي أيد المسيح طيلة حياته، بينما المعزي لا يأتي الدنيا والمسيح فيها " إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي
    وروح القدس سابق في الوجود على المسيح، وموجود في التلاميذ من قبل ذهاب المسيح، فقد كان شاهداً عند خلق السماوات والأرض (انظر التكوين 1/2) كما كان له دور في ولادة عيسى حيث أن أمه " وجدت حبلى من الروح القدس " - متى 1/18

    كما اجتمعا سوياً يوم تعميد المسيح، حين "نـزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (لوقا 3/22) فالروح القدس موجود مع المسيح وقبله، وأما المعزي " إن لم أنطلق لا يأتيكم " فهو ليس الروح القدس



    ومما يدل على بشرية الروح القدس أنه من نفس نوع المسيح، والمسيح كان بشراً، وهو يقول عنه: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر"، وهنا يستخدم النص اليوناني كلمة allon وهي تستخدم للدلالة على الآخر من نفس النوع، فيما تستخدم كلمة hetenos للدلالة على آخر من نوع مغاير. وإذا قلنا إن المقصود من ذلك رسول آخر أصبح كلامنا معقولاً، ونفتقد هذه المعقولية إذا قلنا: إن المقصود هو روح القدس الآخر، لأن روح القدس واحد وغير متعدد


    ثم إن الآتي عرضة للتكذيب من قبل اليهود والتلاميذ، لذا فإن المسيح يكثر من الوصية بالإيمان به وأتباعه، فيقول لهم: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي "، ويقول: " قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنوا " ويؤكد على صدقه فيقول: " لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به
    فكل هذه الوصاة لا معنى لها إن كان الآتي هو الروح القدس، حيث نزل على شكل ألسنة نارية، فكان أثرها في نفوسهم معرفتهم للغات مختلفة، فمثل هذا لا يحتاج إلى وصية للإيمان به والتأكيد على صدقه



    كما أن الروح القدس أحد أطراف الثالوث، وينبغي وفق عقيدة النصارى أن يكون التلاميذ مؤمنين به، فلم أوصاهم بالإيمان به؟


    وروح القدس وفق كلام النصارى إله مساو للآب في ألوهيته، وعليه فهو يقدر أن يتكلم من عند نفسه، وروح الحق الآتي " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به


    ودل نص يوحنا على تأخر زمن إتيان البارقليط، فقد قال المسيح لهم: " إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق "، فثمة أمور يخبر بها هذا النبي لا يستطيع التلاميذ إدراكها، لأن البشرية لم تصل لحالة الرشد في فهم هذا الدين الكامل الذي يشمل مناحي الحياة المختلفة، ومن غير المعقول أن تكون إدراكات التلاميذ قد اختلفت خلال عشرة أيام من صعود المسيح إلى السماء، وليس في النصوص ما يدل على مثل هذا التغيير
    بل إن النصارى ينقلون عنهم أنهم بعد نزول الروح عليهم قد أسقطوا كثيراً من أحكام الشريعة وأحلوا المحرمات، فسقوط الأحكام عندهم أهون من زيادةٍ ما كان يحتملونها ويطيقونها زمن المسيح. فالبارقليط يأتي بشريعة ذات أحكام تثقل على المكلفين الضعفاء، كما قال الله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً - سورة المزمل آية 5



    كما أن المسيح أخبر أنه قبل أن يأتي البارقليط " سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله"، وهذا الأمر إنما حصل بعد الخمسين، واستمر الاضطهاد بأتباع المسيح حتى ندر الموحدون قبيل ظهور الإسلام


    وذكر يوحنا أن المسيح خبّر تلاميذه بأوصاف البارقليط، والتي لم تتمثل بالروح القدس الحال على التلاميذ يوم الخمسين، فهو شاهد تنضاف شهادته إلى شهادة التلاميذ في المسيح " فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً " فأين شهد الروح القدس للمسيح؟ وبم شهد؟
    بينا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد للمسيح بالبراءة من الكفر وادعاء الألوهية والبنوة لله، كما شهد ببراءة أمه مما رماها به اليهود الله وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً - سورة النساء آية 156



    وأخبر المسيح عن تمجيد الآتي له، فقال: "ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" ولم يمجد المسـيح أحد ظـهر بعده كما مجده نبي الإسلام ، فقد أثنى عليه وبين فضله على سائر العالمين
    هذا ولم ينقل لنا أي من أسفار العهد الجديد أن روح القدس أثنى على المسيح أو مجده يوم الخمسين، حين نزل على شكل ألسنة نارية



    وأخبر المسيح أن البارقليط يمكث إلى الأبد، أي دينه وشريعته، بينا نجد أن ما أعطيه التلاميذ من قدرات يوم الخمسين - إن صح - اختفت بوفاتهم، ولم ينقل مثله عن رجالات الكنيسة بعدهم وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فيمكث إلى الأبد بهديه ورسالته، وإذ لا نبي بعده ولا رسالة


    كما أن البارقليط " يذكركم بكل ما قلته لكم " وليس من حاجة بعد رفعه بعشرة أيام إلى مثل هذا التذكير، ولم ينقل العهد الجديد أن روح القدس ذكرهم بشيء، بل إنا نجد كتاباتهم ورسائلهم فيها ما يدل على تقادم الزمن ونسيان الكاتب لبعض التفاصيل التي يذكرها غيره، بينما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما غفلت عنه البشرية من أوامر الله التي أنزلها على أنبيائه ومنهم المسيح عليه السلام


    والبارقليط له مهمات لم يقم بها الروح القدس يوم الخمسين فهو " متى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة " ولم يوبخ الروح القدس أحداً يوم الخمسين، بل هذا هو صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البشرية الكافرة


    ويرى عبد الأحد داود أن التوبيخ على البر قد فسره المسيح بقوله بعده: " وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني " ومعناه أنه سيوبخ القائلين بصلبه المنكرين لنجاته من كيد أعدائه، وقد أخبرهم أنه سيطلبونه ولن يجدوه، لأنه سيصعد إلى السماء، " يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن....." - يوحنا 13/32 كما سيوبخ النبي الآتي الشيطان ويدينه بما يبثه من هدي ووحي "وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين

    وصفة التوبيخ لا تناسب من سمي بالمعزي، وقيل بأنه جاء إلى التلاميذ يعزيهم بفقد سيدهم ونبيهم. فالعزاء إنما يكون في المصائب، والمسيح كان يبشرهم بذهابه ومجيء الآتي بعد

    ثم إن العزاء إنما يكون حين المصيبة وبعدها بقليل، وليس بعد عشرة أيام (موعد نزول الروح القدس على التلاميذ) ثم لماذا لم يقدم المعزي القادم العزاء لأم المسيح، فقد كانت أولى به

    ثم لا يجوز للنصارى أن يعتبروا قتل المسيح على الصليب مصيبة، إذ هو برأيهم سبب الخلاص والسعادة الأبدية للبشرية، فوقوعه فرحة ما بعدها فرحة، وإصرار النصارى على أن التلاميذ احتاجوا لعزاء الروح القدس يبطل عقيدة الفداء والخلاص.

    ومن استعراض ما سبق ثبت بأن روح القدس ليس هو البارقليط، فكل صفات البارقليط صفات لنبي يأتي بعد عيسى، وهو النبي الذي بشر به موسى عليه السلام، فالبارقليط " لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به " وكذا الذي بشر به موسى " أجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به "، وهو وصف النبي صلى الله عليه و سلم كما قال الله :"وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى" (سورة النجم آيات من 3 إلى 5 )

    بل كل ما ذكر عن البارقليط له شواهد في القرآن والسنة تقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو صاحب هذه النبوءة، إذ هو الشاهد للمسيح، وهو المخبر بالغيوب، الذي لا نبي بعده، وقد ارتضى الله دينه إلى قيام الساعة ديناً
    ــــــــــــــــ
    اللهم اغفر لوالدي وارحمه وعافيه واعف عنه
    واكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد

    ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس
    وابدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله
    وادخله الجنه واعذه من عذاب القبر والنار
    وثبته عند السؤال إنك أنت أهل الوفاء والحق والصلاة والسلام على رسول الله
    اللهم آآآمين آآآمين آآآمين


  2. #2
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    ثانيا


    لماذا ندرس السيرة النبوية ؟



    1_هو الصورة العملية التطبيقية لهذا الدين_

    رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصورة العملية التطبيقية لهذا الدين، ويمتنع أن تعرف دين الإسلام ويصح لك إسلامك بدون معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف كان هديه وعمله وأمره ونهيه.
    لقد سالم وحارب، وأقام وسافر، وباع واشترى، وأخذ وأعطى، وما عاش صلى الله عليه وسلم وحده، ولا غاب عن الناس يوماً واحداً، ولا سافر وحده.
    وما أصيب المسلمون إلا بسبب الإخلال بجانب الاقتداء به صلى الله عليه وسلّم، والأخذ بهديه، واتباع سنته، وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
    حتى اكتفى بعض المسلمين من سيرته صلى الله عليه وسلّم بقراءتها في المنتديات والاحتفالات ولا يتجاوز ذلك إلى موضع الاهتداء والتطبيق.... وبعضهم بقراءتها للبركة أو للاطلاع على أحداثها ووقائعها أو حفظ غزواته وأيامه وبعوثه وسراياه.
    وهذا راجع إما لجهل بأصل مبدأ الاتباع والاهتداء والاقتداء وعدم الإدراك بأن هذا من لوازم المحبة له صلى الله عليه وسلم، وإما لعدم إدراك مواضع الاقتداء من سيرته صلى الله عليه وسلم نظراً لضعف الملكة في الاستنباط أو لقلة العلم والاطلاع على كتب أهل العلم.
    وهنا تأتي أهمية استخراج الدروس واستنباط الفوائد والعظات واستخلاص العبر من سيرته صلى الله عليه وسلم.
    إن السيرة النبوية لا تدرس من أجل المتعة في التنقل بين أحداثها أو قصصها، ولا من أجل المعرفة التاريخية لحقبة زمنية من التاريخ مضت، ولا محبة وعشقاً في دراسة سير العظماء والأبطال، ذلك النوع من الدراسة السطحية إن أصبح مقصداً لغير المسلم من دراسة السيرة، فإن للمسلم مقاصد شتى من دراستها، ومنها:
    أولاً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو محل القدوة والأسوة، وهو المشرع الواجب طاعته واتباعه قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجٌو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً} (الأحزاب: 21)، وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} (النور: 54)، وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} (النساء: 80)، وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} (آل عمران: 31).
    فهو التجسيد العملي والصورة التطيبقية للإسلام، وبدونها لا نعرف كيف نطيع الله تعالى ونعبده.

    فسيرته صلى الله عليه وسلم يستقي منها الدعاة أساليب الدعوة ومراحلها، ويتعرفون على ذلك الجهد الكبير الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل إعلاء كلمة الله، وكيف التصرف أمام العقبات والصعوبات والموقف الصحيح أمام الشدائد والفتن.
    ويستقي منها المربُّون طرق التربية ووسائلها.
    ويستقي منها القادة نظام القيادة ومنهجها.
    ويستقي منها الزهَّاد معنى الزهد ومقاصده.
    ويستقي منها التجَّار مقاصد التجارة وأنظمتها وطرقها.
    ويستقي منها المبتلون أسمى درجات الصبر والثبات وتقوى عزائمهم على السير على منهجه والثقة التامة بالله عز وجل بأن العاقبة للمتقين.
    ويستقي منها العلماء ما يعينهم على فهم كتاب الله تعالى، ويحصلون فيها على المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة، وبها يدركون الناسخ والمنسوخ وأسباب النـزول وغيرها وغيرها من المعارف والعلوم.
    وتستقي منها الأمة جميعاً الآداب والأخلاق والشمائل الحميدة.
    ولهذا قال ابن كثير: «وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به، والاعتبار بأمره، والتهيؤ له، كما رواه محمد بن عمر الواقدي عن عبد الله بن عمر بن علي عن أبيه سمعت علي بن الحسين يقول: كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن. قال الواقدي: وسمعت محمد بن عبدالله يقول: سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا» .
    وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا، ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها».
    وقال علي بن الحسين: «كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن»
    لقد خلف التاريخ عظماء وملوكاً وقُوَّاداً، وشعراء، وفلاسفة، فمن منهم ترك سيرة وأسوة يؤتسى بها في العالمين؟ لقد طوى التاريخ ذكرهم فلم يبق منه شيء وإن بقيت بعض أسمائهم.
    لقد أصبحت سير كثير من العظماء أضحوكة للبشر على مدار التاريخ كله
    فأين نمرود الذي قال لإبراهيم: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}؟! (البقرة: 258) وأين مقالة فرعون وشأنه الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} (النازعات: 24)، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}؟! (القصص: 38).
    إن هؤلاء العظماء في زمانهم يسخر منهم اليوم الصغير والكبير والعالم والجاهل، فإن كانوا دلسوا على أقوامهم في زمنهم واستخفوا بهم فأطاعوهم؛ فقد افتضح أمرهم بعد هلاكهم، وأصبحوا محل السخرية على مدار الزمان.
    إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت بإخراج الناس من ظلمات الشرك والأخلاق وفساد العبادة والعمل إلى نور التوحيد والإيمان والعمل الصالح: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} (الأحزاب:45-46)
    ثانياً: ندرس السيرة ليزداد إيماننا ويقيننا بصدقه، فالوقوف على معجزاته ودلائل نبوته مما يزيد في الإيمان واليقين في صدقه صلى الله عليه وسلم، فدراسة سيرته العطرة وما سطرته كتب السيرة من مواقف عظيمة، وحياة كاملة كريمة، تدل على كماله ورفعته وصدقه.
    ثالثاً: ولينغرس في قلوبنا حبه، فما حملته سيرته من أخلاق فاضلة، ومعاملة كريمة، وحرصه العظيم على هداية الناس وصلاحهم وجلب الخير لهم، وبذل نفسه وماله في سبيل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، وما كان من حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته في إبعادها عما يشق عليها ويعنتها

    2-الرسول أفضل قدوة لك في حياتك

    فهو الوحيد في التاريخ الذي تقتدي به في كل شيء

    - إذا كنت غنيا ثريا فاقتد بالرسول عندما كان تاجرا يسير بسلعه بين الحجاز و الشام ، و حين ملك خزائن البحرين ...

    - و إن كنت فقيرا معدما فلتكن لك أسوة به و هو محصور في شعب أبي طالب، و حين قدم إلى المدينة مهاجرا إليهـا مـن وطنه و هو لا يحمل من حطام الدنيا شيئا ...

    - و إن كنـت ملكـا فاقتـد بـسنته و أعمالـه حـين ملـك أمـر العـرب، و غلـب علـى آفـاقهم و دان لطاعتـه عظمـاؤهم، و ذووا أحلامهم ...

    - و إن كنت رعية ضعيفة فلك في رسول الله أسوة حسنة، أيام كان محكوما بمكة في نظام المشركين ..

    - و إن كنت فاتحا غالبا فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوه في بدر و حنين و مكة ...

    - و إن كنت منهزما لا قدر الله ذلك، فاعتبر به في يوم أحد و هو بين أصحابه القتلى و رفقائه المثخنين بالجراح ...

    - و إن كنت معلما فانظر إليه و هو يعلم أصحابه في المسجد ...

    - وإن كنت تلميذا متعلما فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيا مسترشدا ...

    - و إن كنت واعظا ناصحا و مرشدا أمينا فاستمع إليه و هو يعظ الناس على أعواد المسجد النبوي ...

    - و إن كنت يتيما فوالده توفي قبل أن يولد ووالدته توفت و هو ابن ست سنوات ...

    - و إن كنت صغير السن فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية ...

    - و إن كنت شابا فاقرأ سير راعي مكة ...

    - و إن كنت تاجرا مسافرا بالبضائع فلاحظ شؤون سيد القافلة التي قصدت بصرى ...

    - و إن كنت قاضيا أو حكما فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوغ الشمس ليضع الحجر الأسود في محلـه و قـد كـاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين النـاس بالعـدل يـستوي عنـده منهم الفقير المعدم و الغني المثري ...

    - و إن كنت زوجا فاقرأ السيرة الطاهرة و الحياة النزيهة لزوج خديجة و عائشة.و إن كنت أبا لأولاد فتعلم ما كـان عليـه والـد فاطمة الزهراء و جد الحسن و الحسين ...

    و أيا من كنت، و في أي شأن كان، فإنك مهما أصبحت أو أمسيت و على أي حال بت أو أضحيت فلك في حياة محمد هداية حسنة وقدوة صالحة تضيء لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك

    ولكن السؤال الذى يطرح نفسة هو ماهى ميزات السيرة النبوية
    والاجابة هى
    أولاً: أنها معلومة ومسجلة ولم يخف منها شيء، فما ترك علماء الإسلام على مر التاريخ باباً من أبواب السيرة إلا وقد ألفوا فيه مؤلفاً مستقلاً، شمل ذلك دقائقها وجزئياتها حتى أصبح المسلم عند قراءته لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعايشه ويشاهده تماماً لوضوحها وشمولها.
    وسيأتي بيان ذلك في الحديث عن مصادر السيرة النبوية، ويكفي أن تعلم أن عدد ما ألف في السيرة النبوية في اللغة الأوردية -وهي لغة حديثة- يزيد عن ألف كتاب، وعدد ما ألف في اللغات الأوربية في القرن نفسه يزيد ألف وثلاثمائة كتاب، هذا في القرن الثالث عشر

    ثانياً: ما تميزت به من الصدق والأمانة في نقلها، فقد حظيت ضمن ما حظيه الحديث من التمحيص والتحقيق والمقارنة والتثبت من النقلة ومعرفة الصحيح منها من الضعيف، فأصبحت أصح سيرة نقلت إلينا عن نبي أو عظيم.

    ثالثاً: أن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق مع خلودها.
    فسيرته قدوة وأسوة لكل البشر قد ساوت بين الملوك والسوقة، سيرة ينتفع بها صغار الناس وكبارهم، فهم في دين الله سواء قد رفع من شأن الجميع.

    عالمية الرسالة و ركيزة الدعوة
    وقال صلى الله عليه وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»
    إن الإنسانية كلها تتطلع إلى مثل أعلى تقتدي به، ولن تجد سيرة -لعظيم أو نبي- معلومة كاملة شاملة غير سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
    إن أي دين لا يقوم على ركيزتين: حقوق الله، وحقوق البشر لا يمكن أن ينقذ البشرية ويقودها إلى الصلاح والنجاة والسعادة والكمال.

    والديانات الآن قسمين:
    1- ما ليس فيه ذكر لله البتة مثل البوذية والديانات الصينية
    2- من تؤمن بوجود الله تعالى، لكن لا يعرف الإنسان فيها كيف يعتقد بربه؟ وبأي صفة يصفه؟ وبأي شكل تتجلى العقيدة في الله عز وجل؟
    أما حقوق البشر فابحث في جميع الأديان هل تجد تفصيلاً للحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية، فضلاً عن الحياة السياسية والعلاقات الدولية، والشئون الاقتصادية، تفحص في سير جميع الأنبياء والعظماء هل تجد إجابة على هاتين الركيزتين؟ من المؤكد أنك لن تصل إلى نتيجة إلا في دين الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    السيرة وأخلاق الرسول
    إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقض وقته بين أحبابه وأصحابه، بل قضى أغلب عمره بين ألد أعدائه.. المشركين، وفي آخر عمره كان يجاوره اليهود والمنافقون، فلم يستطيعوا أن يرموه بنقيصة في أخلاقه وشمائله وصدقه، على الرغم من حرصهم الشديد بالبحث والتنقيب عنها، فقد رماه أهل مكة بالألقاب السيئة وعيَّروه بالأسماء القبيحة، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقدحوا في شيء من أخلاقه، أو يدنسوا عرضه الطاهر رغم إنفاقهم أموالهم وإزهاقهم أرواحهم في عدائه، قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام:33).
    وقد أخرج البخاري عن ابن عباس في صعود النبي صلى الله عليه وسلم الصفا لتبليغ الناس حيث قال: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقاً»

    خامساً: شمولها لجميع نواحي الحياة مع الوضوح التام فيها.
    لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم بين صحابته وتزوج بتسع نسوة، وأمر أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، وقال: «بلغوا عني ولو آية» رواه البخاري (3274) وقال: «نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع» رواه الترمذي (2657) وصححه الألباني ورواه البخاري بمعناه وما سافر وحده قط، ولا اعتزل الناس في يوم من الأيام أبداً، وقد تضافر الصحابة على نقل كل شيء عنه، بل تفرغ عدد منهم للرواية والمتابعة له كأهل الصفة.
    لقد وصفوه في قيامه وجلوسه، وكيف ينام، وهيئته في ضحكه وابتسامته، وكيف اغتساله ووضوؤه، وكيف يشرب ويأكل وما يعجبه من الطعام، ووصفوا جسده الطاهر كأنك تراه، حتى ذكروا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته، ولمحة في كتاب من كتب السيرة والشمائل تجد العجب من هذا الشمول وهذه الدقة في الوصف والنقل

    سادساً: أنها بعمومها لم تتعد القدرة البشرية، أي أنها لم تتكىء على الخوارق، أو قامت فصولها على معجزة من المعجزات خارجة عن قدرات البشر. بل إنه من السهل التعرف عليها وتطبيقها، والاقتداء بها، فهي ليست مثالية التطبيق.

  3. #3
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    ثالثا

    بطاقة رسول الله صلى الله علية وسلم

    الاسم: محمد
    من أطلق عليه هذا الاسم؟ جده .

    لماذا؟ قال: " أحببت أن يحمد في أهل الأرض من أهل الأرض، و أحببت أن يحمد في أهل السماء من أهل السماء ".

    ما معنى محمد ؟ :هو الذي يحمد ويحمد و يحمد .

    و لماذا بشر باسم أحمد؟ أحمد :هو الذي يحمد الله

    نسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أجزاء‏:‏ جزء اتفق عليه كافة أهل السير والأنساب، وهو الجزء الذي يبدأ منه صلى الله عليه وسلم وينتهي إلى عدنان‏.‏

    وجزء آخر كثر فيه الاختلاف، حتى جاوز حد الجمع والائتلاف، وهو الجزء الذي يبدأ بعد عدنان وينتهي إلى إبراهيم عليه السلام فقد توقف فيه قوم، وقالوا‏:‏ لا يجوز سرده، بينما جوزه آخرون وساقوه‏.‏ ثم اختلف هؤلا المجوزون في عدد الآباء وأسمائهم، فاشتد اختلافهم وكثرت أقوالهم حتى جاوزت ثلاثين قولًا، إلا أن الجميع متفقون على أن عدنان من صريح ولد إسماعيل عليه السلام‏.‏

    أما الجزء الثالث فهو يبدأ من بعد إبراهيم عليه السلام وينتهي إلى آدم عليه السلام، وجل الاعتماد فيه على نقل أهل الكتاب، وعندهم فيه من بعض تفاصـيل الأعمـار وغيرهـا ما لا نشك في بطلانه، بينما نتوقف في البقية الباقية‏.‏



    وفيما يلى الأجزاء الثلاثة من نسبه الزكى صلى الله عليه وسلم بالترتيب:‏



    الجزء الأول ‏:‏ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ واسمه شَيْبَة ـ بن هاشم ـ واسمه عمرو ـ بن عبد مناف ـ واسمه المغيرة ـ بن قُصَىّ ـ واسمه زيد ـ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فِهْر ـ وهو الملقب بقريش وإليه تنتسب القبيلة ـ بن مالك بن النَّضْر ـ واسمه قيس ـ بن كِنَانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكة ـ واسمه عامـر ـ بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان‏.‏



    الجزء الثانى ‏:‏ ما فوق عدنان، وعدنان هو ابن أُدَد بن الهَمَيْسَع بن سلامان بن عَوْص بن بوز بن قموال بن أبي بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخى بن عيض بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حَمْدان بن سنبر بن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد ابن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمى بن مزى بن عوضة بن عرام بن قيدار ابن إسماعيل بن إيراهيم عليهما السلام‏.‏

    الجزء الثالث ‏:‏ ما فوق إبراهيم عليه السلام، وهو ابن تارَح ـ واسمه آزر ـ بن ناحور بن ساروع ـ أو ساروغ ـ بن رَاعُو بن فَالَخ بن عابر بن شَالَخ بن أرْفَخْشَد بن سام بن نوح عليه السلام بن لامك بن مَتوشَلخَ بن أَخْنُوخ ـ يقال ‏:‏ هو إدريس النبي عليه السلام ـ بن يَرْد بن مَهْلائيل بن قينان بن أنُوش بن شِيث بن آدم ـ عليهما السلام‏.‏

    نبينا المصطفى صلي الله عليه و سلم قد صان الله أباه من زلة الزنا، فولد من نكاح صحيح ولم يولد من سفاح قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله اصطفي من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفي من ولد إسماعيل بنى كنانة، واصطفي من بنى كنانة قريشًا، واصطفي من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم‏)‏‏.‏

    وعن العباس بن عبد المطلب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير القبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا‏)‏‏.‏ وفي لفظ عنه‏:‏ ‏(‏إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا وخيرهم نفسًا‏)‏‏.‏


    أسماؤه صلى الله عليه وسلم:

    في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب»([1]).

    وعن أبي موسى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة»([2]).

    وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمماً، ويلعنون مذمماً، وأنا محمد»([3]).

    شق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

    قوله: «العاقب» في الترمذي: «الذي ليس بعده نبي»([4]).

    قال ابن حجر: «والذي يظهر أنه أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها لم يسم بها أحد قبلي، أو معظـمة أو مشهورة في الأمم الماضية، لا أنه أراد الحصر فيها»، وقد ذكر السهيلي أنه لم يتسم أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد إلا ثلاثة، إلا أن ابن حجر ذكر أنه ألف كتاباً في أسمائه صلى الله عليه وسلم فأوصل من تسمى قبله إلى خمسة عشر([5]).



    وقد ألفت عدة كتب في أسمائه وأوصلها بعضهم إلى أكثر من ثلاثمائة اسم، لكن كثيراً منها لا يثبت، وبعضها من أوصافه، وبعضها لم يرد على سبيل التسمية مثل من عد من أسمائه اللبنة للحديث المذكور الذي أخرجه البخاري في باب خاتم النبيين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين»([6]).

    أما كنيته صلى الله عليه وسلم فهو: أبو القاسم، كما ورد ذلك في الصحيحين عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:سموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي»([7]).

    وكانت عادة أشراف مكة أن يعهدوا بأطفالهم إلى نساء البادية ليقمن على رضاعتهم, لأن البادية أصلح لنمو أجسام الأطفال وأبعد عن أمراض الحضر التي كثيرا ما تصيب أجسامهم فضلا عن إتقان اللغة العربية وتعود النطق بالفصحى منذ نعومه أظفارهم. وكان مقدار العناية والرعاية بالطفل يختلف من قبيلة لأخرى لذا حرص أشراف مكة على أن يكون أطفالهم عند أكثر هذه القبائل عناية ورعاية, وكانت أشهر قبيلة في هذا الأمر هي قبيلة بنى سعد .

    ولم تقف شهرة بنى سعد على أمر العناية والرعاية بالطفل فقط, بل حازت الشهرة في أن لغتها كانت عربية خالصة لم تشبها شائبة, فضلا عما اشتهرت به من أخلاق كريمة طيبة لذا حرص عبد المطلب على أن يكون محمد في بني سعد فلما جاءت حليمة السعدية لتأخذه وأحست هذا الحرص طمعت في جزل العطاء فتمنعت في أخذه فلما أجزل لها أخذته وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يفخر برضاعته في بنى سعد فيقول: أنا أعربكم أنا قرشي واسترضعت في بنى سعد بن بكر.

    ويذكر المؤرخون أن محمد عرض على جميع المرضعات اللاتي وفدن على مكة فأبين يأخذنه ليتمه وفقره, وأنهن كن يطمعن في أبناء الأغنياء وأن حليمة ما عادت إليه الا لأنها لم تجد طفلا غيره وهذا غير صحيح فمحمد لم يكن فقيرا فهو في كفالة جده عبد المطلب سيد مكة وكبيرها, ومثله من يُطمع في عطائه. وقد ذكرت المصادر أن جيش أبرهه في حملته على الكعبة قد حاز مائتين من الإبل لعبد المطلب, كما أنة فدى ابنه عبد الله بمائة من الإبل, وذبح مجموعة كبيرة منها في زواجه لا يصد عنها إنسان ولا حيوان, ويذكر اليعقوبى أن عبد المطلب عند موته لف في حلتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال من الذهب فمن كان ذلك حاله أيعقل أن يكون فقيرا تترك المرضعات ولده؟ ذلك فضلا عن إرضاع الأطفال في البادية عادة أشرف مكة وأغنيائها, أما الفقراء فكانت كل أم ترضع طفلها.

    قضى محمد صلى الله عليه و سلم في حضانة ورعاية (حليمة بنت أبى ذؤيب السعدية) وزوجها (الحارث بن عبد العزى) أربع أو خمس سنوات ثم حدث ما جعلها تعجل بإرجاعه إلى أمه في مكة إذا أخبرها ابنها الصغير أن رجلين أخذا محمدا فشقا صدره واستخرجا قلبه وأخذا منه علقه سوداء ثم غسلا القلب وإعاداه إلى ما كان عليه, وقد اختلف المؤرخون في حقيقة شق الصدر هل هو حسي أم معنوي؟ ولكن لعله يشير إلى الحصانات التي أضفاها الله على محمد صلى الله عليه و سلم, فحصنه ضد مساوئ الطبيعة الإنسانية ومفاتن الحياة الأرضية

    وإخوته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة:‏ عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث ‏[‏وهي الشيماء؛ لقب غلب على اسمها‏]‏ وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة،فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية‏.‏

    لقد كان لطفولة الرسول في بادية بني سعد أثرها على بنيته الجسدية ومستقبلاً على تحوله الفكري ، فقد تكون في تلك البادية استعداده للتأمل الفكري منذ نعومة أظفاره.



    الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة.
    يقول المستشرق الفرنسي آتيين دينيه في كتابه: "محمد رسول الله"

    (( هذه الصحة الأخلاقية والجسمية التي يدين بها إلى البادية، ساعدته كثيراً على تحمل ما ابتلي به بعد من محن.

    كان محمد يحب إعادة ذكريات تلك الفترة، كثيراً ما كان يقول: " إن من نعم الله علي التي لا تقدر، أني ولدت في قريش أشرف القبائل، وأني نشأت في بادية بني سعد، أصح المواطن بالحجاز " وقد بقيت منطبعة في نفسه صور البادية التي كانت أول الأشياء تأثيراً في حسه عندما كان يسرح فيها مع الرعاة فيتسلق شرفاً ليلاحظ القطعان في مراعيهاً.



    على أن استعداده للتأمل والوحدة لم يكن لينسجم مع أخلاق أقرانه الصاخبة، فكان يفضل اعتزالهم في ألعابهم ، ويذهب وحيداً حيث الهدوء والسكون ))[1] .

    وهكذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سعد، حتى إذا كان بعده بأشهر على قول ابن إسحاق، وفي السنة الرابعة من مولده على قول المحققين وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال‏:‏ هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه ـ أي جمعه وضم بعضه إلى بعضـ ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا‏:‏ إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو مُنْتَقِعُ اللون ـ أي متغير اللون ـ قال أنس‏:‏ وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره‏.‏


    إلى أمه الحنون

    خشيت عليه حليمة بعد واقعة شق الصدر فردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين‏.‏

    ورأت آمنة ـ وفاء لذكرى زوجها الراحل ـ أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة‏.‏

    إلى جده العطوف

    وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب جديد نَكَأ الجروح القديمة، فَرَقَّ عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده، قال ابن هشام‏:‏ كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأي ذلك منهم‏:‏ دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع‏.‏

    ولثمانى سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأي قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه‏.‏



    تربية عمه أبي طالب له:

    وقد شب مع عمه أبي طالب تحت رعاية الله وحفظه له من أمور الجاهلية وعاداتها السيئة «فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظـهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم من الفحش والأذى، ما رؤي ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة»([2]).

  4. #4
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    رابعا
    الرسول في الشباب و الصبا



    وكان الله سبحانه وتعالى قد صانه وحماه من صغره، وطهره من دنس الجاهلية ومن كل عيب، ومنحه كل خلق جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين، لما شاهدوه من طهارته وصدق حديثه وأمانته، حتى أنه لما أرادت قريش تجديد بناء الكعبة وعمره خمس وثلاثون سنة, ووصلوا إلى موضع الحجر الأسود, اختلفوا فيمن يضعه في مكانه, فاتفقوا على أن يحكموا أول داخل عليهم، فكان رسول الله فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به، فأمر بثوب، فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب، ثم أخذ الحجر فوضعه موضعه . (أحمد والحاكم وصححه.)


    وخالف جاهلية قريش في أبرز خصائصها كمناسك الحج حيث كانوا يسمون الحمس، ويقفون في المزدلفة، ولا يخرجون من الحرم زاعمين أن أهل الحرم لا ينبغي لهم أن يعظم من الحل كما يعظم من الحرم.



    كان صلى الله عليه وسلم في شبابه يرعى الغنم لقريش وقال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ»([1]).


    --------------------------------------------------------------------------------

    رواه البخاري (ح2262).

    ولما شب محمد وأصبح فتى أراد أن يعمل و يأكل من عمل يده, فاشتغل برعي الغنم لأعمامه ولغيرهم مقابل أجر يأخذه منهم. ويذهب البعض إلى أن حرفة الرعي وقيادة الأغنام علمت الرسول صلى الله عليه و سلم رعاية المسلمين و قيادة الأمة بعد بعثته وهذا ولا شك مبالغة كبيرة فإن كثيرا غيره من الرعاة لم يصبحوا قوادا ولا ساسة, كما أن الكثير من القواد والساسة لم يعرفوا عن حرفة الرعي شيئا, وهناك فرق كبير بين سياسة الحيوان والإنسان, لكن يمكن القول أن حرفة الرعي لما كانت تتم في الصحراء حيث الفضاء المتناهي والسماء الصافية والنجوم المتلألئة في الليل, والشمس المشرقة في الصباح, وهذا النظام البديع في حركة الكون استرعى كل ذلك انتباه محمد فأخذ يتأمل ويتفكر ويتدبر في الكون العجيب

    العبرة من أن رسول الله صلي الله عليه و سلم رعي الغنم :

    ورعي الغنم يتيح لصاحبه عدة خصال تربوية منها:

    1- الصبر: على الرعي من طلوع الشمس إلى غروبها، نظراً لبطء الغنم في الأكل، فيحتاج راعيها إلى الصبر والتحمل، وكذا سياسة البشر.

    2- الحلم: فبعضها يتقدم وبعضها يتأخر وبعضها يذهب شمالاً وبعضها جنوباً، فإن كان الراعي غضوباً جمعها بعد شتاتها بصورة مرعبة فتبقى مجتمعة خائفة لا تأكل تخشى من عصا الراعي.

    3- الأناة والقدرة: على جمع شتاتها بعد رعيها بدون أذى يلحق بها، أو نقص في غذاء يصيبها.

    4- الرأفة والعناية بالضعيف: ففيها الصغير والضعيف والهرم، فيحتاج منه إلى لين ورأفة بها حتى تلحق بصواحبها وترعى مثلهن، وكذا سياسة البشر.

    5- ارتياد أماكن الخصب: والبحث عنها ونصحها في ذلك وتجنيبها مواطن الجدب والهلكة، وكذا سياسة البشر تحتاج إلى بذل الجهد والنصح لهم في توريدهم مواطن الخير وتجنيبهم مواطن الهلكة، وتحسين معاشهم وما يحتاجونه من رزق حلال، وتجنيبهم الأرزاق المحرمة التي تسبب لهم الويلات والفساد، وتوزيع الثروة عليهم كل على حسبه وقدرته وجهده.

    6- التواضع: في رعي الغنم وهو أمر ظاهر وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر» فقال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنا؟ فقال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»

    7- ورعي الغنم من أعظم الفرص في الخلوة بالله تعالى والتفكر في خلق السموات والأرض حيث السماء بنجومها، والأرض بجبالها وأشجارها وأنعامها...

    8- إن الله تعالى قادر على أن يغني محمداً صلى الله عليه وسلم عن رعي الغنم، ولكن هذه تربية له ولأمته للأكل من كسب اليد.

    9- ورعي الغنم نوع من أنواع الكسب باليد وصاحب الدعوة يجب أن يستغني عن ما في أيدي الناس ولا يعتمد بدعوته عليهم، فبذلك تبقى قيمته وترتفع منزلته، ويبتعد عن الشبه والتشكيك فيه، ويتجرد في إخلاص العمل لله تعالى، ويرد شبه الطغاة والظلمة الذي يصورون للناس أن الأنبياء أرادوا الدنيا بدعوتهم: {وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ} (يونس:78) هكذا يقول فرعون لموسى، ونظراً لسيطرة حب الدنيا وحطامها على عقولهم يظنون أن أي تفكير وأي حركة مراد به الدنيا، ولهذا قالت الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم مبينة استغنائها عنهم: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} (سبأ:47)، {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ} (هود:29).

    روى البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»

    ولاشك أن الاعتماد على الكسب الحر تكسب الإنسان الحرية التامة والقدرة على قول كلمة الحق والصدع بها.

    وكان أصحاب رسول الله يتاجرون ويعملون بأيديهم ولا يعتبر غضاضة في حقهم، فهذا عمر يشغله الصفق بالأسواق عن حضور بعض مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي موسى في الاستئذان «أَخَفِيَ هَذَا عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ».

    وفي البخاري عن قتادة: «كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله»

    وتقول عائشة رضي الله عنها: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم»


    ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة سنة ـ قيل‏:‏ وشهرين وعشرة أيام ـ ارتحل به أبو طالب تاجرًا إلى الشام، حتى وصل إلى بُصْرَى ـ وهي معدودة من الشام، وقَصَبَة لحُورَان، وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان‏.‏ وكان في هذا البلد راهب عرف بَبحِيرَى، واسمه ـ فيما يقال‏:‏ جرجيس، فلما نزل الركب خرج إليهم، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخلّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال‏:‏ هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين‏.‏ فقال له ‏[‏أبو طالب و‏]‏ أشياخ قريش‏:‏ ‏[‏و‏]‏ ما علمك ‏[‏بذلك‏]‏‏؟‏ فقال‏:‏ إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ‏[‏وإنا نجده في كتبنا‏]‏، ثم أكرمهم بالضيافة، وسأل أبا طالب أن يرده، ولا يقدم به إلى الشام؛ خوفًا عليه من الروم واليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة‏.



    الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة.

    ولقد بحث الكاتب الإنكليزي توماس كارليل قضية لقاء الرسول ببحيرا الراهب ، وما كان لهذا اللقاء من أثر على توجيه للتفكر في قضايا الحياة والخلق . . . وقد رد كارليل في كتابه الأبطال على تلك المزاعم التي تقول إن ذلك الراهب قد لقنه العلم و انه وراء النبوة التي أنزلت على النبي محمد يقول :



    « ولما شب محمد وترعرع، صار يصحب عمه في أسفار تجارية وما أشبه، وفي الثامنة عشر من عمره نراه فارساً مقاتلاً يتبع عمه في الحروب، غير أن أهم أسفاره ربما كان ذاك الذي حدث قبل هذا التاريخ ببضع سنين ، رحلة إلى مشارف الشام ، إذ وجد الفتى نفسه هنالك في عالم جديد إزاء مسألة أجنبية عظيمة الأهمية جداً في نظره، أعنى الديانة المسيحية . واني لست أدري ماذا أقول عن ذلك الراهب سرجياس (بحيرا) الذي يزعم أن أبا طالب ومحمداً سكنا معه في الدار, ولا ماذا عساه أن يتعلمه غلام في هذه السن الصغيرة من أي راهب، فإن محمداً لم يكن يتجاوز آن ذاك الرابعة عشر، ولم يكن يعرف إلا لغته، ولا شك أن كثيراً من أحوال الشام ومشاهدها لم يك في نظره إلا خليطاً مشوشاً من أشياء ينكرها ولا يفهمها. ولكن الغلام كان له عينان ثاقبتان، ولا بد من أن يكون قد انطبع على لوح فؤاده أمور وشؤون فأقامت في ثنايا ضميره، ولو غير مفهومة ريثما ينضجها له كر الغداة ومر العشي ، وتحلها له يد الزمان يوماً ما، فتخرج منها آراء وعقائد ونظرات نافذات، فلعل هذه الرحلة الشامية كانت لمحمد أوائل خير كثير وفوائد جمة )) [1]



    وشارك محمد مكة الدفاع عن مدينتهم في حرب الفجار بين قريش وهوازن, والتي استمرت أربع سنوات, كان عمر محمد في بدايتها خمسة عشر عاما. وسببها أن النعمان بن المنذر أراد أن يعين قائدا لقافلة تجارية من الحيرة إلى سوق عكاظ, فعرض كل من البراض الكتاني وعروة الهوازنى نفسه فاختار النعمان عروة فقتله البراض, وسمعت قريش وهى من كنانة الخبر وأدركت أن (هوازن) قبيلة عروة لابد أنها ستثأر لرجلها

    ووقع القتال بين الفريقين وكان في الأشهر الحرم وتراجعت قريش حتى دخلت الحرم فوعدتهم هوازن الحرب في العالم القادم وظلت هذه الحرب تجدد طوال أربع سنوات عند انعقاد سوق عكاظ, ثم انتهت بالصلح بين الفريقين على أن تدفع قريش دية من يزيد عن قتلاها لهوازن فكانوا عشرين رجلا. وسميت هذه الحرب بحرب الفجار لأنها وقعت في الأشهر الحرم وهو الفجار الرابع في تاريخ مكة

    ويروى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في حرب الفجار:كنت أنبل على أعمامي (أي أجمع نبل عدوهم اذا رموهم بها) وقال في حديث آخر:قد حضرتها (حرب الفجار) مع عمومتي ورميت فيها بأسهم وما أحب أنى لم أكن فعلت

    ولذلك اختلف المؤرخين في كيفية مشاركة الرسول صلى الله عليه و سلم, وهل بجمع النبل؟ أم بالرمي؟ و يبدو أن الرسول صلى الله عليه و سلم مارس العملين, فإن الحرب استمرت أربعة أعوام, كان عمر الرسول في بدايتها خمسة عشر عاما وهى لا تمكنه من الرمي فساهم بجمع النبل, وفي نهايتها كان على أبواب العشرين ربيعا فتمكن أن يساهم يرمى النبل.



    وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذى القعدة في شهر حرام تداعت إليه قبائل من قريش‏:‏ بنو هاشم، وبنو المطلب،وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمى؛ لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة‏:‏ ‏(‏لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت‏)‏‏.‏

    وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف‏:‏ إن رجلًا من زُبَيْد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمى، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزومًا، وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قُبَيْس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال‏:‏ ما لهذا مترك‏؟‏ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي‏.‏



    وفي الخامسة والعشرين من عمره خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق‏:‏ كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له‏:‏ ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام‏.

    لم تنقطع صلة محمد بالتجارة بعد عودته من الشام بل كان يتاجر بأسواق مكة أو بالأسواق القريبة منها كسوق عكاظ ومجنه وذي المجاز, لكنه لم يجعل التجارة كل همه واكتفى منها بما يوفر له حياة متزنة سعيدة وكان كلما تقدم به العمر ازداد تفكيرا وتأملا وقضى الكثير من وقته يتدبر هذا الكون. العجيب



    كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازًا رفيعًا من الفكر الصائب، والنظر السديد، ونال حظًا وافرًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف، وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق، وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشؤون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة، ونأي عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسنًا شارك فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا، بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات الباطلة، حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى‏.‏

    ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا، وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمنى برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة‏:‏ لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال‏:‏ أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا، فقلت‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذنـى فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس‏.‏ فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة‏.‏‏.‏‏.‏ ثم ما هممت بسوء‏)‏‏.‏

    وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال‏:‏ ‏(‏إزاري، إزاري‏)‏ فشد عليه إزاره‏.‏ وفي رواية‏:‏ فما رؤيت له عورة بعد ذلك‏.‏

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة، وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه‏:‏ ‏[‏الأمين‏]‏ لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية، وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق‏.‏

  5. #5
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    خامسا
    الرسول يدعو قومه


    المرحلة الأولى(جهاد الدعوة

    تلقى النبي أوامر عديدة في قولة تعالى يا أيها المدثر(1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر أوامر بسيطة في الظاهر ، بعيدة المدى والغاية ، قوية الأثر والفعل في الحقيقة ونفس الأمر .

    1_ فغاية القيام بالإنذار أن لا يترك أحداً ممن يخالف مرضاة الله في عالم الوجود إلا وينذره بعواقبه الوخيمة حتى تقع رجفة وزلزال في قلبه وروعه .

    2_ وغاية تكبير الرب أن لا يترك لأحد كبرياء في الأرض إلا وتكسر شوكتها وتقلب ظهراً لبطن ، حتى لا يبقى في الأرض إلا كبرياء الله تعالى .

    3_ وغاية تطهير الثياب وهجران الرجز أن يبلغ في تطهير الظاهر والباطن وفي تزيكة النفس من جميع الشوائب والألواث إلى أقصى حد وكمال يمكن لنفس بشرية تحت ظلال رحمة الله الوارفة وحفظه وكلئه وهدايته ونوره حتى يكون أعلى مثل في المجتمع البشري تجتذب إليه القلوب السليمة وتحس بهيبته وفخامته القلوب الزائغة حتى ترتكز إليه الدنيا بأسرها وفاقا أو خلافاً .

    4_ وغاية عدم الإستكثار بالمنة أن لا يعد فعالاته وجهوده فخيمة عظيمة بل لا يزال يجتهد في عمل بعد عمل ويبذل الكثير من الجهد والتضحية والفناء ثم ينسى كل ذلك بل يفنى بالشعور بالله بحيث لا يحس ولا يشعر بما بذل وقدم .

    5_ وفي الآية الأخيرة إشارة إلى ما سيلقاه من أذى المعاندين من المخالفة والإستهزاء والسخرية إلى الجد والإجتهاد في قتله وقتل أصحابه وإبادة كل من التف حوله من المؤمنين يأمر الله تعالى أن يصبر على كل من ذلك بقوة وجلادة لا لينال حظاً من حظوظ نفسه بل لمجرد مرضاة ربه .

    الله أكبر ما أبسط هذه الأوامر في صورتها الظاهرة وما أروعها في إيقاعاتها الهادئة الخلابة ولكن ما أكبرها وأفخمها وأشدها في العمل وما أعظمها إثارة لعاصفة هوجاء تحضر جوانب العالم كله وتتركها يتلاحم بعضها في بعض .

    والآيات نفسها تشتمل على مواد الدعوة والتبليغ فالإنذار نفسه يقتضي أن هناك أعمالاً لها عاقبة سوأى يلقاها أصحابها ونظراً لما يعرفه كل أحد أن الدنيا لا يجازى فيها بكل ما يعمل الناس بل ربما لا يمكن المجازاة بجميع الأعمال . فالإنذار يقتضي يوماً للمجازاة غير أيام الدنيا وهو الذي يسمى بيوم القيامة ويوم الجزاء والدين وهذا يستلزم حياة أخرى غير الحياة التي نعيشها في الدنيا .

    وسائر الآيات تطلب من العباد التوحيد الصريح وتفويض الأمور كلها إلى الله تعالى وترك مرضاة النفس ومرضاة العباد إلى مرضاة الله تعالى .

    فإذن تتلخص هذه المواد في :

    أ _ التوحيد .

    ب _ الإيمان بيوم الآخرة .

    ج _ القيام بتزكية النفس بأن تتناهى عن المنكرات والفواحش التي تفضي إلى سوء العاقبة وبأن تقوم باكتساب الفضائل والكمالات وأعمال الخير .

    د _ تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى .

    هـ _ وكل ذلك بعد الإيمان برسالة محمد وتحت قيادته النبيلة وتوجيهاته الرشيدة .

    ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوي _ في صوت الكبير المتعال _ بانتداب النبي لهذا الأمر الجلل وانتزعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) كأنه قيل : إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً أما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فمالك والنوم ؟ وما لك والراحة ؟ ومالك والفراش الدافئ ؟ والعيش الهادئ ؟ والمتاع المريح ! قم للأمر العظيم الذي ينتظرك والعبء الثقيل المهيأ لك قم للجهد والنصب والكد والتعب . قم فقد مضى وقت النوم والراحة وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد .

    إنها لكلمة عظيمة رهيبة تنزعه من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ لتدفع به في الخضم بين الزعازع والأنواء وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء .

    وقام رسول الله فظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً ! لم يسترح ولم يسكن ولم يعش لنفسه ولا لأهله قام وظل قائماً على دعوة الله يحمل على عاتقة العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به ، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض ، عبء البشرية كلها ، عبء العقيدة كلها ، عبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى ، عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عاماً لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب .. جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء .

    وليس هذا الموقع إلى صورة مصغرة بسيطة من هذا الجهاد الطويل الشاق الذي قام به رسول الله خلال هذا الأمد .

    يمكن أن نقسم عهد الدعوة المحمدية _ على صاحبها الصلاة والسلام والتحية _ إلى دورين يمتاز أحدهما عن الآخر تمام الامتياز وهما :

    1 _ الدور المكي ، ثلاث عشرة سنة تقريباً .

    2 _ الدور المدني ، عشر سنوات كاملة .

    ثم يشتمل كل من الدورين على مراحل لكل منها خصائص تمتاز بها عن غيرها ويظهر ذلك جلياً بعد النظر الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال الدورين .

    ويمكن تقسيم الدور المكي إلى ثلاث مراحل :

    1 - مرحلة الدعوة السرية ، ثلاث سنين .

    2 _ مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة ، من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى أواخر السنة العاشرة .

    3 _ مرحلة الدعوة خارج مكة ، وفشوها فيهم ، من أواخر السنة العاشرة من النبوة إلى هجرته إلى المدينة .



    المرحلة الثانية(الدعوة جهاراً)


    أول مانزل بهذا الصدد قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين والسورة التي وقعت فيها الآية _ وهي سورة الشعراء _ ذكرت فيها أولاً قصة موسى عليه السلام من بداية نبوتة إلى هجرته مع بني إسرائيل ونجاتهم من فرعون وقومه وإغراق آل فرعون معه وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل التي مر بها موسى عليه السلام خلال دعوة فرعون وقومه إلى الله .

    أرى أن هذا التفصيل إنما جئ به حين أمر الرسول بدعوة قومه إلى الله ليكون أمامه وأمام أصحابه نموذجاً لما سيلقونه من التكذيب والإضطهاد حينما يجهرون بالدعوة وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذ بداية دعوتهم .

    ومن ناحية أخرى تشتمل هذه السورة على ذكر مآل المكذبين للرسل من قوم نوح وعاد ، وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وأصحاب الأيكة _ علاوة ماذكر من أمر فرعون وقومه _ ليعلم الذين سيقومون بالتكذيب بما يؤول إليه أمرهم وبما سيلقون من مؤاخذة الله إن استمروا على التكذيب وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم لا للمكذبين .


    وأول ما فعل رسول الله بعد نزول هذه الآية دعا بني هاشم فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف ، فكانوا خمسة وأربعين رجلاً . فبادره أبو لهب وقال : وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصبُاة واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة وأنا أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئت به ، فسكت رسول الله ولم يتكلم في ذلك المجلس .

    ثم دعاهم ثانية وقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . ثم قال : إن الرائد لا يكذب أهله والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً فقال أبو طالب : ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقنا لحديثك وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به . فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب . فقال أبو لهب : هذه والله السوأة ، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم ، فقال أبو طالب : والله لنمنعه ما بقينا .



    وبعد ما تأكد النبي من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه ، قام يوماً على الصفا فصرخ : يا صباحاه: فأجتمع إليه بطون قريش ، فدعاهم إلى التوحيد والإيمان برسالته وباليوم الآخر . وقد روى البخاري طرفاً من هذه القصة عن ابن عباس . قال : لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبي على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر ! يا بني عدي ! لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ؟ فجاء أبو لهب وقريش . فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقاً ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم . ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت تبت يدا أبي لهب .

    وروى مسلم طرفا آخر من هذه القصة عن أبي هريرة رضي الله عنه . قال : لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله فعم وخص . فقال : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر قريش بني كعب ! أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة بنت محمد . أنقذي نفسك من النار ، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلالها .

    هذه النصيحة العالية هي غاية البلاغ فقد أوضح الرسول لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم . وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله .


    ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين فقام رسول الله يعكر على خرافات الشرك وترهاته ويذكر حقائق الأصنام وما لها من قيمة في الحقيقة ، يضرب بعجزها الأمثال ويبين بالبينات أن من عبدها وجعلها وسيلة بينه وبين الله فهو في ضلال مبين .

    انفجرت مكة بمشاعر الغضب وماجت بالغرابة والاستنكار حين سمعت صوتاً يجهر بتضليل المشركين وعباد الأصنام كأنه صاعقة قصفت السحاب ، فرعدت وبرقت وزلزلت الجو الهادئ وقامت قريش تستعد لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة ويخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها .

    قامت لأنها عرفت أن معنى الإيمان بنفي الألوهية عما سوى الله ومعنى الإيمان بالرسالة وباليوم الآخر هو الانقياد التام والتفويض المطلق ، يحيث لا يبقى لهم خيار في أنفسهم وأموالهم فضلاً عن غيرهم . ومعنى ذلك انتفاء سيادتهم وكبريائهم على العرب التي كانت بالصبغة الدينيه وامتناعهم عن تنفيذ مرضاتهم أمام مرضاة الله ورسوله وامتناعهم عن المظالم التي كانوا يفترونها على الأوساط السافلة ، وعن السيئات التي كانا يجترحونها صباح مساء . عرفوا هذا المعنى فكانت نفوسهم تأبى عن قبول هذا الوضع المخزي لا لكرامة وخير بل يريد الإنسان ليفجر أمامه

    عرفوا كل ذلك جيداً ولكن ماذا سيفعلون أما رجل صادق أمين ، أعلى مثل للقيم البشرية ولمكارم الأخلاق ، لم يعرفوا له نظيراً ولا مثيلاً خلال فترة طويلة من تاريخ الآباء والأقوام ؟ ماذا سيفعلون ؟ تحيروا في ذلك وحق لهم أن يتحيروا..... وبعد إدارة فكرتهم لم يجدوا سبيلاً إلا أن يأتوا إلى عمه أبي طالب ، فيطلبوا منه أن يكف ابن أخيه عما هو فيه ، ورأوا لإلباس طلبهم لباس الجد والحقيقة أن يقولوا : إن الدعوة إلى ترك آلهتهم ، والقول بعدم نفعها وقدرتها سبة قبيحة وإهانة شديدة لها ، وفيه تسفيه وتضليل لآبائهم الذين كانوا على الدين ، وجدوا هذا السبيل فتسارعوا إلى سلوكها

    قال ابن إسحاق : مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا فإما ان تكفه عنا، وإما تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل مانحن عليه من خلافه ، فنكفيكه .

    فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه ومضى رسو الله على ماهو عليه ، يظهر دين الله ، ويدعوا إليه .


    وخلال هذه الأيام أهم قريشاً أمر آخر وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج ، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم فرأت أنه لابد من كلمة يقولونها للعرب في شأن محمد حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب ، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في تلك الكلمة ، فقال لهم الوليد : أجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ويرد قولكم بعضه بعضاً ، قالوا : فأنت فقل ، قال : بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا : نقول : كاهن . قال : لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان ، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ، قالوا : فنقول : مجنون. قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر، قال : ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطة ، فما هو بالشعر، قالوا : فنقول : ساحر. قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم . قالوا: فما نقول ؟ قال : والله أن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق ، وإن رفعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا : ساحر جاء بقول سحر يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنه بذلك .

    وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له ، قالوا : أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه ، فقال لهم : أمهلوني حتى أفكر في ذلك فظل الوليد يفكر ويفكر حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفاً .

    وفي الوليد أنزل الله ست عشرة آية من سورة المدثر ( من 11 إلى 16) وفي خلالها صور كيفية تفكيره ، فقال تعالى إنه فكر وقدر . فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر. ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر . فقال إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر .

    وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه فجلسوا بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره .

    والذي تولى كبر ذلك هو أبو لهب ، فقد كان رسول الله يتبع الناس إذا وافى الموسم في منازلهم وفي عكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى الله ، وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب .

    وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها .

    ولما رأت قريش أن محمداً لا يصرفه عن دعوته هذا ولا ذاك . فكروا مرة أخرى واختاروا لقمع هذه الدعوة أساليب تتلخص فيما يأتي :

    1 _ السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب والتضحيك ، قصدوا بها تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية فرموا النبي بتهم هازلة وشتائم سفيهة فكانوا ينادونه بالمجنون وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ويصمونه بالسحر والكذب وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة وعواطف منفعلة هائجة وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وكان إذا جلس وحول المستضعفون من أصحابه استهزأوا بهم وقالوا : هؤلاء جلساؤه منّ الله عليهم من بيننا وقال تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين وكانوا كما قص الله علينا إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . وإذا مروا بهم يتغامزون . وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون . وما أرسلوا عليهم حافظين

    2 _ تشويه تعاليمه وإثارة الشبهات ، وبث الدعايات الكاذبة ونشر الإيرادات الواهية حول هذه التعاليم وحول ذاته وشخصيته والإكثار من كل ذلك بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته ، فكانوا يقولون عن القرآن أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً } وقال إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون وكانو يقولون إنما يعلمه بشر يقولون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وفي القرآن نماذج كثيرة للردود على إيراداتهم بعد نقلها أو من غير نقلها .

    3 _ معارضة القرآن بأساطير الأولين وتشغيل الناس بها عنه فقد ذكروا أن النضر ابن الحارث قال مرة لقريش : يا معشر قريش ! والله لقد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد . قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر . لا والله ما هو بساحر . لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم ، وقلتم : كاهن . لا والله ما هو بكاهن . قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم وقلتم : شاعر . لا والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه ، وقلتم مجنون . لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ، ولا تخليطه يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم .

    ثم ذهب النضر إلى الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وأسفنديار فكان إذا جلس وسلم مجلساً للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر ، ويقول : والله ما محمد بأحسن حديثاً مني ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار ثم يقول : بماذا محمد أحسن مني حديثاً مني .

    وتفيد روايه ابن عباس أن النضر كان قد اشترى قينات فكان لا يسمع برجل مال إلى النبي إلا سلط عليه واحدة منها تطعمه وتسقيه وتغني له حتى لا يبقى له ميل إلى الإسلام ، وفيه نزل قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله .

    4 _ مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام بالجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه ويترك النبي بعض ما هو عليه قال تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون فهناك رواية رواها ابن جرير والطبراني تفيد أن المشركين عرضوا على رسول الله أن يعبد آلهتهم عاماً ويعبدون ربه عاماً ورواية أخرى لعبد بن حميد تفيد أنهم قالوا : لو قبلت آلهتنا نعبد إلهك .. وروى ابن إسحاق بسنده قال : اعترض رسول الله _ وهو يطوف بالكعبة الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمي _ وكانوا ذوي أسنان في قومهم _ فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر فإن كان الذي تعبد خيراً مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ، فأنزل الله تعالى فيهم قل يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون وحسم الله مفاوضتهم المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة .. ولعل اختلاف الروايات لأجل أنهم حاولوا هذه المساومة مرة بعد أخرى .
    وانتظرو بقية الجزء الخامس

  6. #6
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    بقية الجزء الخامس


    الإضطهادات


    وكان أبو جهل يجئ أحياناً إلى رسول الله يسمع منه القرآن ، ثم يذهب عنه فلا يؤمن ولا يطيع ، ولا يتأدب ولا يخشى ويؤذي رسول الله بالقول ويصد عن سبيل الله ثم يذهب مختالاً بما يفعل فخوراً بما ارتكب من الشر ، كأنما فعل شيئاً يذكر ، وفيه نزل فلا صدق ولا صلى إلخ .. وكان يمنع النبي عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلي في الحرم ، ومرة مر به وهو يصلي عند المقام فقال : يا محمد ألم أنهك عن هذا ، وتوعده فأغلظ له رسول الله وانتهره . فقال : يا محمد بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً . فأنزل فليدع ناديه وفي رواية أن النبي أخذ بخناقة ، وهزه وهو يقول له : أولى لك فأولى . ثم أولى لك فأولى فقال عدو الله : أتوعدني يا محمد ؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً وإني لأعز من مشى بين جبليها .
    ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار بل ازداد شقاوة فيما بعد .
    أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ! فقال : واللات والعزى ، لئن رأيته لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه ، فأتى رسول الله وهو يصلي ، زعم ليطأ رقبته ، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه ، فقالوا : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهؤلاء أجنحة ، فقال رسول الله : لو دنا مني لا ختطفته الملائكة عضواً عضواً .
    كانت هذه الاعتداءات بالنسبة إلى النبي مع ما لشخصيته الفذة من وقار وجلال في نفوس العامة والخاصة ، ومع ما له من منعة أبي طالب أعظم رجل محترم في مكة ، أما بالنسبة إلى المسلمين - ولا سيما الضعفاء منهم - فإن الإجراءات كانت أقسى من ذلك وأمر ، ففي نفس الوقت قامت كل قبيلة تعذب من دان منها بالإسلام أنواعاً من التعذيب ، ومن لم يكن له قبيلة فأجرت عليهم الأوباش والسادات ألواناً من الاضطهاد ، يفزع من ذكرها قلب الحليم .
    كان أبو جهل إذا سمع برجل أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه ، و أوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال ، والجاه ، وإن كان ضعيفاً ضربه وأغرى به .
    وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته .. ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيته ، وكان من أنعم الناس عيشاً فتخشف جلده تخشف الحية .
    وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي ، فكان أمية يضع في عنقه حبلاً ، ثم يسلمه إلى الصبيان ، يطوفون به في جبال مكة ، حتى كان يظهر أثر الحبل في عنقه ، وكان أمية يشده شداً ثم يضربه بالعصا ، وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس ، كما كان يكرهه على الجوع ، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول : لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، وتعبد اللات والعزى . فيقول - وهو في ذلك - أحد ، أحد ، حتى مر به أبو بكر يوماً وهم يصنعون ذلك به ، فاشتراه بغلام أسود ، وقيل بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه . وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولى لبني مخزوم ، أسلم هو وأبوه وأمه ، فكان المشركون - وعلى رأسهم أبو جهل - يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها . ومر بهم النبي وهم يعذبون فقال : صبراً آل ياسر ! فإن موعدكم الجنة ، فمات ياسر في العذاب ، وطعن أبو جهل سمية _ أم عمار _ في قلبها بحربة فماتت ، وهي أول شهيدة في الإسلام ، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة ، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى ، وبالتغريق أخرى . وقالوا : لانتركك حتى تسب محمداً ، أو تقول : في اللات والعزى خيراً ، فوافقهم على ذلك مكرهاً ، وجاء باكياً معتذراً إلى النبي ، فأنزل الله من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
    وكان أبو فكيهة _ واسمه أفلح _ مولى لبني عبد الدار ، فكانوا يشدون برجله الحبل ، ثم يجرونه على الأرض .
    وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية ، فكان المشركون يذيقونه أنواعاً من التنكيل ، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذباً ، ويلوون عنقه تلوية عنيفة وأضجعوه مرات عديدة على فهام ملتهبة ، ثم وضعوا عليه حجراً ، حتى لا يستطيع أن يقوم .

    وكانت زنيرة والنهدية وابنتها وأم عيسى إماء أسلمن وكان المشركون يسومونهن من العذاب أمثال ما ذكرنا . واسلمت جارية لبني مؤمل _ وهم حي من بني عدي _ فكان عمر بن الخطاب _ وهو يومئذ مشرك _ يضربها حتى إذا مل قال : إني لم اترك إلا ملالة .

    وابتاع أبو بكر هذه الجواري فأعتقهن كما أعتق بلالاً وعامر بن فهيرة وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر ثم يلقونه في حر الرمضاء ويلبسون بعضاً أخر درعاً من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبه .. وقائمة المعذبين في الله طويلة جداً فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه .


    كان من الحكمة تلقاء هذه الاضطهادات أن يمنع رسول الله المسلمين عن إعلان إسلامهم قولاً أو فعلاً وأن يجتمع بهم إلا سراً لأنه إذا اجتمع بهم علناً فلا شك أن المشركين يحولون بينه وبين ما يريد من تزكية المسلمين وتعليمهم الكتاب والحكمة ، وربما يفضي ذلك إلى مصادمة الفريقين بل وقع ذلك فعلاً في السنة الرابعة من النبوة ، وذلك أن ا صحاب رسول الله كانوا يجتمعون في الشعاب فيصلون فيهم سراً فرآهم نفر من كفار قريش فسبوهم وقاتلوهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً فسال دمه وكان أول دم أهريق في الإسلام.

    ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم فكان من الحكمة الاختفاء فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم ودعوتهم واجتماعهم ، أما رسول الله فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين ، لا يصرفه عن ذلك شئ ولكن كان يجتمع مع المسلمين سراً نظراً لصالحهم وصالح الإسلام وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا . وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم ، فكان أن اتخذها مركزاً لدعوته ، ولا جتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة .


    عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم ودينهم ، فاختاروا رجلين جلديين لبيبين وهما : عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبي ربيعة _ قبل أن يسلما _ وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته وبعد أن ساق الرجلا تلك الهدايا إلى البطارقة وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون ، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم حضرا إلى النجاشي ، وقدما له الهدايا ثم كلماه فقالا له :

    أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عيـــــناً وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

    وقالت البطارقة : صدقاً أيها الملك فأسلمهم إليهما ، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم . ولكن رأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية وسماع أطرافها جميعاً ، فأرسل إلى المسلمين ودعاهم فحضروا وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائناً من كان . فقال لهم النجاشي : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟

    قال جعفر بن أبي طالب _ وكان هو المتكلم عن المسلمين _ أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل منا القوي الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانه ، وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام _ فعدد عليه أمور الأسلام _ فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ماجاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ماكنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .

    فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شئ ؟ فقال له جعفر : نعم ! فقال له النجاشي : فاقرأه علي ، فقرأ عليه صدراً من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا والله أسلمهم إليكما ولا يكادون _ يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه _ فخرجا ، وقال عمرو بن العاص لعبد الله بن ربيعة : والله لآتينهم غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم ، فقال له عبد الله بن ربيعة : لا تفعل ، فإن لهم ارحاماً وإن كانوا قد خالفونا ، ولكن أصر عمرو على رأيه .

    فلما كان الغد قال للنجاشي : أيها الملك ! إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ، ففزعوا ، ولكن اجمعوا على الصدق كائناً من كان ، فلما دخلوا عليه ، وسألهم قال له جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا : هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول .

    فأخذ النجاشي عوداً من الأرض ثم قال : والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود ، فتناخرت بطارقته ، فقال : وإن نخرتم والله .

    ثم قال للمسلمين : اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي _ والشيوم : الآمنون بلسان الحبشة _ من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، ما أحب أن لي دبراً من ذهب وأنى آذيت رجلاً منكم _ والدبر الجبل بلسان الحبشة .

    ثم قال لحاشيته ردّوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي بها ، فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه .

    قالت أم سلمة التي تروي هذه القصة : فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءوا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار .

    هذه رواية ابن إسحاق وذكر غيره أن وفادة عمرو بن العاص إلى النجاشي كانت بعد بدر ، وجمع بعضهم بأن الوفادة كانت مرتين لكن الأسئلة والأجوبة التي ذكروا أنها دارت بين النجاشي وجعفر في الوفادة الثانية هي نفس الأسئلة والأجوبة التي ذكرها إبن اسحاق تقريباً ، ثم إن الأسئلة تدل لفحواها أنها كانت في أول مرافعة قدمت إلى النجاشي .

    أخفقت حيلة المشركين ، وفشلت مكيدتهم وعرفوا أنهم لا يشيعون ضغينتهم إلا في حدود سلطانهم ونشأت فيهم من أجل ذلك فكرة رهيبة . رأوا أن التفصي عن هذه (( الداهية )) لا يمكن إلا بكف رسول الله عن دعوته تماماً ، وإلا فبإعدامه ، ولكن كيف السبيل إلى ذلك وأبو طالب يحوطه ويحول بينه وبينهم ؟ رأوا أن يواجهوا أبا طالب في هذا الصدد.


    جاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له : يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين .

    عظم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد ، فبعث إلى رسول الله وقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، فأبق عليّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله أن عمه خاذله وأنه ضعُف عن نصرته ، فقال : يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر _ حتى يظهره الله أو أهلك فيه _ ما تركته ، ثم استعبر وبكى ، وقام فلما ولى ناداه أبو طالب فلما أقبل قاله له : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشئ أبداً .. ثم أنشد :

    والله لن يصلـوا إليك بجمعـهم
    فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
    حتى أوسد في التراب دفينا
    وأبشر وقر بذاك منك عيونا

    ولما رأت قريش أن رسول الله ماض في عمله وعرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله وأنه مجمع لفراقهم وعداوتهم في ذلك فذهبوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له : يا أبا طالب إن هذا الفتى أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولداً فهو لك وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل ، فقال : والله لبئس ما تسومونني ، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه . هذا والله ما لا يكون أبداً . فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف : والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكره فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً ، فقال : والله ما أنصفتموني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ ، فاصنع ما بدا لك .


    لا تذكر المصادر التاريخيه زمن هاتين الوفادتين لكن يبدو بعد التأمل في القرائن والشواهد أنهما كانتا في أواسط السنة السادسة من النبوة ، وأن الفصل بين الوفادتين لم يكن إلا يسيراً.


    وبعد فشل قريش وخيبتهم في الوفادتين عادوا إلى ضراوتهم وتنكيلهم بأشد مما كان قبل ذلك ، وخلال هذه الأيام نشأت في طغاتهم فكرة إعدامه بطريق أخرى وكانت هذه الفكرة وتلك الضراوة هي التي سببت في تقوية الإسلام ببطلين جليلين من أبطال مكة ، وهما حمزة بن عبدالمطلب ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

    فمن تلك الضراوة أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوماً إلى رسول الله فقال : أنا أكفر بـ النجم إذا هوى و بالذي دنا فتدلى ثم تسلط عليه بالأذى وشق قميصه وتفل في وجهه إلا أن البزاق لم يقع عليه وحينئذ دعا عليه النبي وقال . اللهم سلط عليه كلباً من كلابك ، وقد استجيب دعاؤه فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش حتى نزلوا في مكان من الشام فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه .

    ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفه وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان .

    ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل ، قال : قال أبو جهل :
    يا معشر قريش إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو أمنعوني فليصنع بعد ذلك بنو بعد مناف ما بدا لهم ، قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبداً فامض لما تريد .

    فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراُ كما وصف ، ثم جلس لرسول الله ينتظره وغدا رسول الله كما كان يغدو فقام يصلي ، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ، ينتظرون ما أبو جهل فاعل ـ فلما سجد رسول الله ، احتمل أبو جهل الحجر ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه ، مرعوباً قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، لا والله ما رأيت مثل هامته ، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط ، فهمّ بي أن يأكلني .

    قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله قال : ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه .

    وبعد ذلك فعل أبو جهل برسول الله ما أدى إلى إسلام حمزة رضي الله عنه وسيأتي .

    أما طغاة قريش فلم تزل فكرة إعدام تنضج في قلوبهم ، روى ابن إسحاق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : حضرتهم وقد اجتمعوا في الحجر ، فذكروا رسول الله ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل ، لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، فبينا هم كذلك ، إذ طلع رسول الله فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفاً بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ثم قال : أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ، فأخذت القوم كلمته ، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد ، ويقول : انصرف يا أبا القاسم ، فو الله ما كنت جهولاً.

    فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به ، فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه ، وقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ؟ ثم انصرفوا عنه . قال ابن عمرو: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط . انتهى ملخصاً .

    وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال : سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شئ صنعه المشركون بالنبي قال : بينا النبي يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي وقال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ؟

    وفي حديث أسماء : فأتى الصريخ إلى أبي بكر ، فقال : أدرك صاحبك ، فخرج من عندنا ، وعليه غدائر أربع ، فخرج وهو يقول : أتقتلون رجلاً أن يقول : ربي الله ؟ فلهوا عنه ، وأقبلوا على أبي بكر ، فرجع إلينا لا نمس شيئاً من غدائره إلا رجع معنا.


    خلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم والطغيان أضاء برق نور للمقهورين طريقهم ألا وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة ، والأغلب أنه أسلم في شهر ذي الحجة .

    وسبب إسلامه أن أبا جهل مرّ برسول الله يوما عند الصفا ، فآذاه ونال منه ورسول الله ساكت لا يكلمه ، ثم يضربه أبو جهل بحجر في رأسه فشجه ، حتى نزف منه الدم ، ثم انصرف عنه إلى نادي قريش عند الكعبة ، فجلس معهم ، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفا ترى ذلك ، وأقبل حمزة من القنص متوشحاً قوسه ، فأخبرته المولاة بما رأت من أبي جهل فغضب حمزة _ وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة _ فخرج يسعى ، لم يقف لأحد معداً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به ، فلما دخل المسجد قام على رأسه ، وقال له : يا مصفر استه ، تشتم ابن أخي وأنا على دينه ؟ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة ، فثار رجل بني مخزوم _ حي أبي جهل _ وثار بنو هاشم _ حي حمزة _ فقال : أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإني سببت ابن أخيه سباً قبيحاً .

    وكان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل أبى أن يهان مولاه ، ثم شرح الله صدره ، فاستمسك بالعروة الوثقى ، واعتز به المسلمون أيما اعتزاز .



    وخلال هذا الجو الملبد بسحائب الظلم والطغيان أضاء برق آخر أشد بريقاً وإضاءة من الأول ، ألا وهو عمر بن الخطاب ، أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي الله عنه . وكان النبي قد دعا الله تعالى لإسلامه ، فقد أخرج الترمذي عن ابن عمر ، وصححه ، وأخرجه الطبراني عن ابن مسعود وأنس أن النبي قال : اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فكان أحبهما إلى الله عمر رضي الله عنه .

    وبعد إدارة النظر في جميع الروايات التي رويت في إسلامه يبدو أن نزول الإسلام في قلبه كان تدريجاً ، ولكن قبل أن نسوق خلاصتها نرى أن نشير إلى ما كان يتمتع به رضي الله عنه من العواطف والمشاعر .
    كان رضي الله عنه معروفاً بحدة الطبع وقوة الشكيمة ، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى ، والظاهر أنه كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة ، احترامه للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد ، واسترساله مع شهوات السكر واللهو التي ألفها ، ثم إعجابه بصلابة المسلمين واحتمالهم البلاء في سبيل عقيدتهم ، ثم الشكوك التي كانت تساوره _ كأي عاقل _ في أن ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره ، ولهذا ما إن يثور حتى يخور . قاله محمد الغزالي .
    وخلاصة الروايات مع الجمع بينها في إسلامه رضي الله عنه أنه ألتجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته ، فجاء إلى الحرم ، ودخل الكعبة ، والنبي قائم يصلي وقد استفتح سورة (( الحاقة )) فجعل عمر يستمع إلى القرآن ويعجب من تأليفه ، قال : فقلت _ أي في نفسي هذا والله شاعر كما قالت قريش ، قال : فقرأ إنه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون قال : قلت : كاهن ، قال : ولا بقول كاهن . قليلاً ما تذكرون تنزيل من رب العالمين إلى آخر السورة .قال فوقع الإسلام في قلبي .. كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه ، لكن كانت قشرة النزعات الجاهلية والعصبية التقليدية ، والتعاظم بدين الآباء هي غالبة على مخ الحقيقة التي كان يتهمس بها قلبه ، فبقي مجداً في عمله ضد الإسلام ، غير مكترث بالشعور الذي يكمن وراء هذه القشرة .
    وكان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله أنه خرج يوماً متوشحاً سيفه يريد القضاء على النبي فلقيه نعيم بن عبد الله النحام العدوي أو رجل من بني زهرة أو رجل من بني مخزوم فقال : أين تعمد يا عمر ؟ قال : أريد أن أقتل محمداً قال : كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمداً ؟ فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي كنت عليه قال أفلا أدلك على العجب ياعمر ! إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه ، فمشى عمر دامراً حتى أتاهما وعندهما خباب بن الأرث معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها _ وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن _ فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت ، وسترت فاطمة _ أخت عمر _ الصحيفة وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب إليهما فلما دخل عليهما قال : ما هذه الهيمنه التي سمعتها عندكم ؟ فقالا : ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا . قال : فلعلكما قد صبوتما . فقال له ختنه : ياعمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك ؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديداً . فجاءت أخته فرفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها _ وفي روايه ابن إسحاق أنه ضربها فشجها _ فقالت _ وهي غضبى _ ياعمر إن كان الحق في غير دينك ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله .

    فلما يئس عمر ، ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحى وقال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه ، فقالت أخته : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون ، فقم با غتسل فقام فأغتسل ثم أخذ الكتاب ، فقرأ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) فقال أسماء طيبة طاهرة ثم قرأ : طه حتى انتهى إلى قوله إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فقال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ؟ دلوني على محمد .

    فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت ، فقال : أبشر يا عمر ، فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول لك ليلة الخميس اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام ورسول الله في الدار التي في أصل الصفا .
    فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم انطلق حتى أتى الدار ، فضرب الباب ، فقام رجل ينظر من خلل الباب فرآه متوشحاً السيف ، فأخبر رسول الله واستجمع القوم فقال لهم حمزة : مالكم ؟ قالوا : عمر ، فقال : وعمر ، افتحوا له الباب فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له ، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه ، ورسول الله داخل يوحى إليه فخرج إلى عمر حتى لقيه في الحجرة ، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف ثم جبذه جبذة شديدة فقال : أما أنت منتهياً يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد ين المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب ، فقال عمر : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . وأسلم فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد .
    كان عمر رضي الله عنه ذا شكيمة لا يرام وقد أثار إسلامه ضجة بين المشركين بالذلة والهوان ، وكسا المسلمين عزة وشرفاً وسروراً .
    روى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال : لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله عداوة قال : فقلت : أبو جهل فأتيت حتى ضربت عليه بابه فخرج إليّ وقال : أهلاً وسهلاً ، ما جاء بك ؟ قال : جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد ، وصدقت بما جاء به قال : فضرب الباب في وجهي ، وقال : قبحك الله ، وقبح ما جئت به .
    وذكر ابن الجوزي أن عمر رضي الله عنه قال : كان الرجل إذا أسلم تعلق به الرجال فيضربونه ويضربهم ، فجئت _ أي حين أسلمت _ إلى خالي _ وهو العاصي بن هاشم فأعلمته فدخل البيت ، قال : وذهبت إلى رجل من كبراء قريش _ لعله أبو جهل _ وذكر ابن هشام وكذا ابن الجوزي مختصراً ، أنه لما أسلم أتى إلى جميل بن معمر الجمحي _ وكان أنقل قريش لحديث _ فأخبره أنه أسلم ، فنادى جميل بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ . فقال عمر :_ وهو خلفه _ كذب ولكني قد أسلمت فثاروا إليه فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم وطلح ، أي عيا عمر فقعد ، وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو كنا ثلاث مائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا .
    وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله . روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال : بينما هو _ أي عمر _ في الدار خائفاً إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو وعليه حلة سبرة وقميص مكفوف بحرير وهو من بني سهم وهم حلفاؤنا في الجاهلية ، فقال له : مالك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت ، قال لا سبيل إليك _ بعد أن قالها أمنت _ فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي ، فقال أين تريدون ؟ فقالوا : هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ ، قال : لا سبيل إليه ، فكر الناس وفي لفظ ، في روايه ابن إسحاق : والله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه .
    هذا بالنسبة إلى المشركين ، أما بالنسبة إلى المسلمين ، فروى مجاهد عن ابن عباس قال : سألت عمر بن الخطاب ، لأي شئ سميت الفاروق ؟ قال : أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام _ قص عليه قصة إسلامه وقال في آخره _ قلت : أي حين أسلمت _ يا رسول الله ! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال بلى ! والذي نفسي بيده إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم ، قال : قلت : ففيم الا ختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن فأخرجناه في صفين ، حمزة في أحدهما ، وأنا في الآخر ، له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد قال : فنظرت إليّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبه لم يصبهم مثلها ، فسماني رسول الله (( ا لفاروق )) يومئذ.
    وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر وعن صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه قال : لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعى إليه علانية وجلسنا حول البيت حِلقا وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به .
    وعن عبد الله بن مسعود قال : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر



    وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين _ حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما _ أخذت السحائب تنقشع ، وأفاق المشركون عن سكرهم في إدلاء العذاب والنكال إلى المسلمين وحاولوا مساومة مع النبي بإغداق كل ماهو يمكن أن يكون مطلوباً له ، ليكفوه عن دعوته . ولم يكن يدري هؤلاء المساكين أن كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة أمام دعوته ، فخابوا وفشلوا فيما أرادوا .

    قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة ، وكان سيداً قال يوماً وهو في نادي قريش ورسول الله جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد ؟ فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله يكثرون ويزيدون فقالوا : بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه فقام إليه عتبه حتى جلس إلى رسول الله فقال : يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها . فقال : رسول الله : قل أبا الوليد اسمع ، قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه _ أو كما قاله له _ حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله يستمع منه ، قال : قد أفرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني ، قال : أفعل ، فقال : بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون (3) بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) وقالوا قلوبنا في أكنة مّما تدعونا إليه ثم مضى رسول الله فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما ، يسمع منه ، ثم انتهى رسول الله إلى السجدة منها فسجد ثم قال : قد سمعت أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك . فقام عتبة إلى أصحابة ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم .

    وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول إلى قوله تعالى فإن أعرضوا فقل : أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فقام مذعوراً فوضع يده على فم رسول الله يقول : أنشدك الله والرحم ! وذلك مخافة أن يقع النذير ، وقام إلى القوم فقال ما قال.


    تغير مجرى الظروف وتبدلت الأوضاع والأحوال ، ولكن أبا طالب لم يزل يتوجس من المشركين خيفة على ابن أخيه إنه كان ينظر في الحوادث الماضية _ إن المشركين هددوه بالمنازلة ثم حاولوا مساومة ابن أخيه بعمارة بن الوليد ليقتلوه ، وإن أبا جهل ذهب إلى ابن أخيه بحجر يرضخه ، وإن عقبة بن أبي معيط خنق ابن أخيه بردائه وكاد يقتله ، وإن ابن الخطاب كان قد خرج بالسيف ليقضي على ابن أخيه _ كان أبو طالب يتدبر في هذه الحوادث ويشم منها رائحة شر يرجف له فؤاده ، وتأكد عنده أن المشركين عازمون على إخفار ذمته ، عازمون على قتل ابن أخيه وما يغني حمزة أو عمر أو غيرهما إن انقض أحد المشركين علىابن أخيه بغتة .

    تأكد ذلك عند أبي طالب ، ولم يكن إلا حقاً فإنهم كانوا قد أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله علانية ، وإلى هذا الإجماع إشارة في قوله تعالى أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون فماذا يفعل أبو طالب إذن .

    إنه لما رأى تألب قريش على ابن أخيه قام في أهل بيته من بني هاشم وبني المطلب ولدي عبد مناف ، ودعاهم إلى ماهو عليه من منع ابن أخيه والقيام دونه فأجابوه إلى ذلك مسلمهم وكافرهم حمية للجوار العربي ، إلا ما كان من أخية أبي لهب ، فإنه فارقهم ، وكان مع قريش .










    وانتظرو القية فى الاعداد القادمة ان شاء الله

  7. #7
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    مشكووور جداا على عدم الاهتمام بالموضوع لكن انا هاعمل اللى عليا واكمل بقية الموضوع

  8. #8
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    سادسا

    اصحاب الرسول صلى الله علية وسلم


    اولا : ابو بكر الصديق

    أبو بكر الصديق رضي الله عنه شخصية عجيبة جمعت بين طياتها الرقة والشدة، والرحمة والقوة، والأناة والسرعة، والتواضع والعظمة، والبساطة والفطنة.

    شخصية عجيبة، جمعت كل ذلك، وأضعافه من فضائل الأخلاق والطباع، وهبه الله حلاوة المنطق، وطلاقة اللسان، وقوة الحجة، وسداد الرأي، ونفاذ البصيرة، وسعة الأفق، وبعد النظرة، وصلابة العزيمة، كل هذا وغيره، وليس بنبي، إن هذا لشيء عجيب.

    فشخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه شخصية عجيبة ما تكررت في التاريخ.

    انظر تقييم علي بن أبي طالب لهذه الشخصية، أخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال:

    قلت لأبي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

    قال: أَبُو بَكْر.

    قلت: ثُمَّ مَنْ؟

    قال: عُمَرُ.









    وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، فَقُلْتُ:

    ثُمَّ أَنْتَ؟ قال:مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

    وهذا تواضع من علي بن أبي طالب.

    تُرى كيف كانت شخصية هذا الرجل الذي هو خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزء من حديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

    إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتَهُ.

    فهذه مقامات عالية جدا، فأبو بكر الصديق كما في الحديث من أَمَنّ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي أكثرهم مِنّة وفضلًا.











    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذ الله خليلا ولولا ذلك لاتخذ أبا بكر؛ أي أنه لو اصطفى من البشر خليلا لكان أبو بكر رضي الله عنه، ولكن أخوة الإسلام.

    كيف يكون هذا الرجل الذي ظفر بتلك المنزلة الراقية؟

    وكيف وصل إليها؟

    لا نريد دراسة أكاديمية لحياة أبي بكر الصديق، ولكن أحب أن نبحث في مفاتيح شخصية هذا الرجل العظيم،

    كيف تسهل عليه فعل كل هذا الخير؟

    وكيف حافظ عليه؟

    ثم هل من سبيل بعد معرفة هذا أن نقلده فيما فعل، فنصل إلى ما إليه وصل؟

    - بتحليل شخصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وجدت أنه يتميز عن غيره في جوانب كثيرة من أهمها خمسة أمور، من هذه الأمور الخمسة تنبثق معظم صفات الصديق رضي الله عنه وأرضاه:

    - حب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    - رقة القلب، ولين الجانب

    - السبق والحسم

    - إنكـار الذات

    - الثـبـات







    وهذه الصفات الخمسة هي التي سنتناولها في الجزء الأول من البحث، بإذن الله.

    أمـا في الجزء الثاني، فسنتوقف عند أحداث السقيفة، لكي نتناول بشيء من التفصيل:

    - أحداث يوم السقيفة.

    - شروط الاستخلاف.

    - استخلاف الصديق بين التلميح والتصريح.

    - شبهات حول استخلاف الصديق.

    ثم ننتهي بعد ذلك إلى:

    .دروس من حياة الصديق رضي الله عنه

    أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا...










    حبه الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم





    أحبه حبًا خالصًا خالط لحمه ودماءه وعظامه وروحه حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوينه، والصحابة جميعا أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما فريدًا، ولكن ليس كحب أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

    هذا الحب الذي فاق حب المال والولد والأهل والبلد، بل فاق حب الدنيا جميعها.

    وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكملات الإيمان، فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

    وأبو بكر الصديق رضي الله عنه أشد الناس إيمانا، فهو إذن أشد الناس حبا للرسول صلى الله عليه وسلم، ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَالَ:

    رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ، فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَوُزِنَ بِهِمْ فَوَزَنَ.









    هذا الحب المتناهي، له دليل من كل موقف من مواقف السيرة تقريبا، ولو تتبعت رحلة الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيت حبا قلما تكرر في التاريخ.

    وتعالوا نقلب الصفحات في حادث واحد فقط هو حادث الهجرة إلى المدينة المنورة:

    - لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في ساعة لم يكن يأتيهم فيها، أول ما قاله أبو بكر قال:

    فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.

    - ولما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الهجرة قال أبو بكر الصديق بلهفة:

    الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    الصُّحْبَةُ.

    فماذا كان رد فعل أبي بكر لما علم أنه سيصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟







    أترك لكم السيدة عائشة تصور هذا الحدث:

    قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ.

    يا الله، يبكي من الفرح للصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذه الصحبة الخطيرة سيكون فيها ضياع النفس، فمكة كلها تطارده صلى الله عليه وسلم، ويكون فيها ضياع المال، ويكون فيها ضياع الأهل، ويكون فيها ترك البلد، لكن ما دامت في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أمر يبكي من الفرح لأجله.

    - لقطة أخرى من لقطات الهجرة:

    عند الوصول إلى غار ثور وهي لقطة (بدون تعليق) :

    ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر:

    والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شر أصابني دونك.

    فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبا، فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

    ادخل.









    فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلُدغ أبو بكر في رجله من الجُحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دمعة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

    مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟

    قال: لدغت فداك أبي وأمي.

    فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده.

    - لقطة أخرى من لقطات الهجرة: لقطة يحكيها أبو بكر الصديق كما أوردها البخاري في صحيحه، يقول:

    ارتحلنا من مكة فأحيينا، أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقامت قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه؟ فإذا صخرة أتيتها، فنظرت بقية ظل، فسويته بيدي، ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله.

    فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا فسألته:

    لمن أنت يا غلام؟

    قال : لرجل من قريش سماه فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن قال:

    نعم.

    قلت: فهل أنت حالب لبنا؟

    قال: نعم.













    فأمرته فاعتقل شاه من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب له كثبة من لبن، ومعي دواة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضأ. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ فصببت الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم قال:

    أَلَمْ يِأْنِ الرَّحِيلُ؟

    قلت: بلى.

    فارتحلنا، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشة على فرس، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله.

    فقال: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.

    - لقطة أخيرة من لقطات الهجرة وليست الأخيرة من لقطات أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

    خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال له:

    أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك.

    فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟

    قال: نعم، والذي بعثك بالحق.









    هل كان هذا الحب من طرف واحد؟

    كلا والله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:

    الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِِنْهَا اخْتَلَفَ.

    فلأن أبو بكر الصديق أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحب الذي فاق كل حب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رفع مكانته في قلبه فوق مكانة غيره.

    روى الشيخان عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، يقول:

    فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟

    قال: عَائِشَةُ.

    قلت: من الرجال؟

    قال: أَبُوهَا.

    قلت: ثم من؟

    قال: عُمَرُ. فعد رجالا.













    سؤال:هل كان يُرْغِمُ أبو بكر الصديق رضي الله عنه نفسه على هذا الحب؟ هل كان يشعر بألم في صدره عندما يقدم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حب ماله أو ولده أو عشيرته أو تجارته أو بلده؟

    أبدا والله، لقد انتقل الصديق من مرحلة مجاهدة النفس لفعل الخيرات إلى مرحلة التمتع، والتلذذ بفعل الخيرات، انتقل إلى مرحلة حلاوة الإيمان يذوقها في قلبه وعقله وكل كيانه.

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه:

    ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

    هذا الحب الفريد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قاد إلى أمرين عظيمين يفسران كثيرا من أعمال الصديق رضي الله عنه الخالدة في التاريخ:










    الصديق وبعث أسامة



    - انظر مثلًا إلى موقفه في إنفاذ بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، والحقيقة أننا نسمع عن إنفاذ جيش أسامة، فلا نعطيه قدره، ونتخيل أنه مجرد جيش خرج، ولم يلق قتالًا يذكر فأي عظمة في إخراجه؟! بيد أن دراسة ملابسات إخراجه، وتأملها تدل على عظمة شخصية الصديق، وكيف أنه بهذا العمل وهو أول أول أعمال خلافته، قد وضع سياسة حكمه التي تعتمد في المقام الأول على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تردد، ولا شك، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعد هذا البعث لإرساله لحرب الروم في شمال الجزيرة العربية، وقد أمّر عليه أسامة بن زيد، ولم يبلغ الثامنة عشر من عمره، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدت جزيرة العرب كلها إلا ثلاث مدن هي مكة والمدينة والطائف وقرية صغيرة، وهي جواثا في منطقة هجر بالبحرين.







    الجزيرة العربية كلها تموج بالردة ومع هذا أصر أبو بكر الصديق أن ينفذ بعث أسامة بن زيد إلى الروم مع اعتراض كل الصحابة على ذلك الأمر؛ لأنه ليست لهم طاقة بحرب المرتدين فكيف يرسل جيشًا كاملًا إلى الروم ويترك المرتدين، والحق أنه قرار عجيب، البلاد في حرب أهلية طاحنة، وبها أكثر من عشر ثورات ضخمة، ثم يرسل زعيم البلاد جيشًا لحرب دولة مجاورة، كان قد أعده الزعيم السابق، لكن أبو بكر كانت الأمور في ذهنه في منتهى الوضوح ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر فلا مجال للمخالفة، حتى وإن لم تفهم مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وإن لم تطلع على الحكمة والغاية، وهذه درجة عالية من الإيمان، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم بردة مسيلمة في اليمامة، والأسود العنسي في اليمن، ومع ذلك قرر تجهيز الجيش، وإرساله إلى الشام، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر، فالخير كل الخير فيما أمر، فأصر على إنفاذ البعث إلى الروم.







    جاءه الصحابة يجادلونه ويحاورونه، وهم على قدرهم الجليل لم يفهموا فهم الصديق رضي الله عنه، فماذا قال لهم؟

    قال: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة.

    وبالفعل أنفذ جيش أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان الخير في إنفاذه، إذ أرعبوا قبائل الشمال، وسكنت الروم، وظنوا أن المدينة في غاية القوة، وإلا لما خرج من عندهم هذا الجيش الضخم، وحفظ الله المدينة بذلك، ورأى الصحابة بعد ذلك بأعينهم صدق ظن الصديق رضي الله عنه، لكن الصديق كان يرى الحدث قبل وقوعه؛ لأنه يرى بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولما رأى الصحابة إصرار أبي بكر الصديق قال بعضهم لعمر بن الخطاب: قل له فليؤمر علينا غير أسامة.







    فانتفض أبو بكر وأخذ بلحية عمر بن الخطاب وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد كانت لحظات الغضب في حياته رضي الله عنه قليلة جدًا، وكانت في غالبها إذا انتهكت حرمة من حرمات الله عز وجل، أو عطل أمر من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    - خطابه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولى عمرو بن العاص مرة على عمان، ووعده أخرى بالولاية عليها، فلما استتب الأمر لأبي بكر الصديق بعد حروب الردة ولى عليها عمرو بن العاص تنفيذًا لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذه أمور يجوز للوالي الجديد أن يراها أو يرى غيرها حسبما رأى المصلحة، هذا أمر ليس شرعيًا حتميًا، ولكنه لا يريد أن يخالف ولو قدر أنملة، وهذا هو الذي وصل به إلى درجته، وهذا الذي رفع قدره، وهذا الذي سلم خطواته، وهذا الذي سدد رأيه.









    ثم إنه قد احتاجه لإمارة جيش من جيوش الشام، وعمرو بن العاص طاقة حربية هامة جدًا، لكن أبو بكر الصديق تحرج من استقدامه في مكان وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يكره ذلك عمرو بن العاص فأرسل له رسالة لطيفة يقول فيها:

    إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَّاكه مرة، وسماه لك أخرى؛ مبعثك إلى عمان إنجازا لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك.

    - هيبته في جمع القرآن، فإنه لما استشهد عدد كبير من حفظة القرآن في موقعة اليمامة، وخشي الصحابة على ضياع القرآن ذهبوا إلى أبي بكر يعرضون عليه فكرة جمع القرآن، فكان متحرجًا أشد التحرج من هذا العمل الجليل، قال:

    كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟











    ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن جمعه، ولكن كان من عادة الصديق رضي الله عنه أن ينظر إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإقدام على أي عمل، فما وجده اتبعه، فلما نظر ولم يجد رسول الله قد جمع القرآن تهيب الموقف، واحتار، ولكنه لما اجتمع عليه الصحابة، وأقنعوه وخاصة عمر، استصوب جمعه لما فيه من خير.

    وهكذا في كل مواقفه رضي الله عنه ستجد حبًا عميقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، دفعه إلى اليقين بصدق ما قال، ودفعه أيضًا إلى الإقتداء به في كل الأفعال والأقوال، ومع ذلك فإن هذا الحب العميق لم يدفعه إلى الظلم أبدًا. وأكتفي كدليل على ذلك بحادثة واحدة في حياة الصديق رضي الله عنه فقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة أبي بكر عائشة حين ذكرتها خوله بنت حكيم، وكان المطعم بن عدي قد خطبها قبل ذلك لابنه فقال أبو بكر لزوجه أم رومان:

    إن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، والله ما أخلف أبو بكر وعدًا قط.

    ثم أتى مطعمًا وعنده امرأته فسأله:

    ما تقول في أمر هذه الجارية؟

    فأقبل الرجل على امرأته ليسألها ما تقولين؟

    فأقبلت هي على أبي بكر تقول: لعلنا إن أعطينا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه.

    فلم يجيبها أبو بكر، فسأل المطعم بن عدي: ما تقول أنت؟





    فكان جوابه: إنها تقول ما تسمع.

    فتحلل أبو بكر عند ذلك من وعده، وقَبِلَ خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان علقها على موافقة المطعم بن عدي مع رغبة نفسه الأكيدة في مصاهرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، طراز نادر من الرجال رضي الله عنه.

  9. #9
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    ثانيا:عمرو بن الخطاب

    إنَّ حياة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه صفحة مُشْرقة من التاريخ الإسلامي، الذي بهر كل تاريخ وفَاقَه، والذي لم يحو تاريخ الأمم مجتمعة بعض ما حوى من الشرف والمجد والإخلاص والجهاد والدعوة في سبيل الله... (عمر بن الخطاب د/ علي الصلابي)

    إن حياة الفاروق عمر رضي الله عنه إنما هي قدوة للدعاة، والعلماء، والساسة، ورجال الفكر، وقادة الجيوش، وحكام الأمة، وطلاب العلم، وعامة الناس، لعلهم يستفيدون بها في حياتهم، ويقتدون بها في أعمالهم، فيكرمهم الله بالفوز في الدارَيْن....

    صاحبنا اليوم- كما قيل عنه- (كان طويلًا جسيمَا أصلع صلعة عرف بها، فكان يقال له: أصلع قريش أو الأصيلع. شديد الحمرة.... كان يَفْرَع الناسَ طولًا كأنَّه على دابة. ويصفه ابنه عبد الله فيقول: كان أبي أبيض لا يتزوج النساء لشهوة إلا لطلب الولد، أعسر يعمل بكلتا يديه، كأنَّه من رجال بني سَدُوس....

    وإذا ذهب إنسان مع خياله مُجسدًا هذه الأوصاف، تراءت له صورة من أجمل صور الرجال ملاحةً ومَهابةً وجلالًا....) (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 47)

    إنّ حياة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تُمثل نموذجًا في غاية الروعة لمن يريد أن يصنع مَجدا، أو يحقق هدفا، أو يغيّر من حياته إلى الأحسن، ونحن إذ نعيش دقائق من حياتنا مع هذا العملاق العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يجدر بنا أن نضع نصب أعيينا هدفا واضحا نحاول تحقيقه، بل وننتقل من حياة الترف والبذخ والتنافس في الدون؛ إلى حياة الجد والاجتهاد والتسابق إلى النعيم الدائم، والعيش الرغد " فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ".





    التعريف به رضي الله عنه
    ولا تقتصر الاستفادة من تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المسلمين فحسب، بل تعم الفائدة الجميع، مسلمين وغير مسلمين، ولا ننس أن نقول: إنه رضي الله عنه صاحب الفضل في ابتكار الكثير من الوسائل التي ما زال الناس ينتفعون بها إلي اليوم فهو:

    * " أول من دوّن الديوان وعمل فيه؛ والديوان سِجِل أو كتاب تُدوّن فيه وتُسجَّل أسماء أفراد الجيش والذين يُعطَون والعمال... " (تاريخ دمشق جزء 57 ص 404)

    * " وهو أول من اتخذ الدِّرة.

    * وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين... " (أسد الغابة جزء 1 ص832)

    * " وهو أول من جمع القرآن في الصحف.

    * وهو أول من سَنِّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة.

    * وهو أول من ضرب في الخَمْر.

    * وهو أول من فتح الفتوح وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء، فتح العراق كله السواد والجبال، وأذربيجان، وكور البصرة وأرضها، وكور الأهواز، وفارس، وكور الشام ما خلا أجنادين فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق رحمه الله، وفتح عمر كور الجزيرة، والموصل، ومصر، والإسكندرية، وقتل رحمه الله وخيله على الرَّي وقد فتحوا عامَّتها.

    * وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل، ووضع الخراج على الأرضين، والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهمَا، وعلى الفقير اثني عشر درهمًا، وقال: لا يعوز رجلا منهم درهم في شهر. فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم ودانقين ونصف.

    * وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل وأنزلها العرب، وخَطَّ الكوفة والبصرة خططا للقبائل.

    * وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

    * وهو أول من كتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسم القسوم في الناس، وفرض لأهل بدر وفضّلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدمهم في الإسلام.

    * وهو أول من حمل الطعام في السفن من مصر في البحر حتى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة... " (الطبقات الكبرى جزء 3 صفحة 281، 282)

    نسبه وقبيلته

    عمر بن الخطاب في عداد أشراف مكة نسبًا، ومن أرفعها قدرًا، وأعلاها منزلة، فهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي.

    " وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وقيل: حنتمة بنت هشام بن المغيرة. فعلى هذا تكون أخت أبي جهل وعلى الأول تكون ابنة عمه، قال أبو عمر: ومن قال ذلك- يعني بنت هشام- فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل والحارث ابني هشام، وليس كذلك وإنما هي ابنة عمهما؛ لأن هشامًا وهاشمًا ابني المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة وهشام والد الحارث وأبي جهل.

    وكان يقال لهاشم جد عمر: ذو الرمحين.

    وقال ابن منده: أم عمر أخت أبي جهل. وقال أبو نعيم: هي بنت هشام أخت أبي جهل وأبو جهل خاله... " (أسد الغابة جزء 1 صفحة 814)

    مولده

    وُلد رضي الله عنه في السنة الثالثة عشرة من ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، وذلك بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة.

    دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له

    روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. "

    لماذا أحد هذين الرجلين؟

    كان أهل الإسلام يجتمعون في بدء الإسلام سرًّا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، لقلة عددهم، وشدة قريش عليهم.

    وكان ممن عرف بالشدة على المسلمين عمر بن الخطاب، وأبو جهل، وكان لهما من المكانة الشيء الكبير، وفي هذا الوقت كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوقع خيرًا للإسلام والمسلمين، بإسلام أحد هذين الرجلين.

    أما عمر بن الخطاب، فكان من أشراف قريش، لا من الأشراف اللاهين العابثين تفاهة وانغماسا في الملذات، فما كانت أيام شبابه لهوًا وعبثًا، ولكن كان يأخذ نفسه بمعالي الأمور ويدع سفاسفها، لا يرضى الدنية، دقيق الحس فصيح اللسان، قوي العارضة، عرفت قريش عنه كل ما يشرفها، ويجعله في الصدارة مع إخوانه فأعطته المكانة التي شرفت بتقلده إياها فإن عمر كان سفير قريش في الجاهلية، وما أعلى السفارة قدرا عند ذوي الفصاحة والحجى، وكانت قريش أفصح العرب وبلغتها نزل القرآن فأين عمر وهو سفيرها في هذا المجال ! وهل أرضى للمرء عند نفسه، وأكرم عند قومه من أن يكون المقدم إذا حق اللقاء، والمفوه المنشود إذا كان المجال الحجة والكلام؟ (شهيد المحراب عمر بن الخطاب أ / عمر التلمساني ص 48)

    ولعل أبا جهل كان يتصف بصفات عديدة من قوةِ جسدٍ، وثروة كبيرة وعائلة عريقة، غير أن كليهما يشترك في صفة عزيزة الوجود في الرجال، في حين كان الإسلام في حاجة شديدة إليها، ألا وهي صفة القيادة، ولعل هذا كان سر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعز الله الإسلام بأحدهما.

    " فبالرغم من الحرب العنيفة التي يشنّها الرجلان على الإسلام، لم تكن تخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقومات الزعامة والقيادة فيهما، وأن وجود أحدهما في الصف الإسلامي يعني قوة هذا الصف واعتزازه، وإن وراء الكفر المتبجح قلوبا لم تصطدم بعدُ بتيار الإسلام القوي، ولم تصل لها القوة الكهربية الضخمة. إنها حين تكون الصدمة قوية قد تغير الكيان كله، وهذا ما وقع في قدر الله، ودفع إلى إسلام عظيم الرجال عمر بن الخطاب... " (المنهج الحركي للسيرة النبوية أ/ منير الغضبان)

    ولا ننس هذه الرواية التي معنا وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لعمر خاصة بأن يسلم فيروي ابن ماجه بسنده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَاصَّةً. (المقدمة باب فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث رقم 102)

    وقد استجاب الحق تبارك وتعالى لتلك الدعوة النبوية، فقر الإسلام بالفاروق، وعز به أهل الإسلام.

    ولقد بلغ عمرأوجًا شاهقًا في محراب الإيمان والتقوى، والتبتل والتخشع، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرى رؤيا عجيبة ورؤيا الأنبياء حق فيقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهُمْ مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمْرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينُ.

    وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ ". وفي لفظ آخر: " أَقْوَاهُمْ فِي اللَّهِ عُمَرُ ".

    وقال صلى الله عليه وسلم في مدحه للفاروق وعدم حبه للباطل: " هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، هَذَا رَجُلٌ لَا يُحِبُّ الْبَاطِلَ ".

    (مسند أحمد حديث رقم 15033)

    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ". (الترمذي 3619)

    وقال ابن حجر العسقلاني: السبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الموافقات التي نزل القرآن الكريم مطابقًا لها، ووقع له بعد النبي صلى الله عليه وسلم عدة إصابات.

    الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد بعبقرية الفاروق رضي الله عنه

    روى البخاري بسنده عمن سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ ". (البخاري- حديث رقم 3391)

    معاني بعض الكلمات:

    استحالت غربا: تحولت إلى دلو كبيرة كناية عن قوة أخذه وعمله.

    ضرب الناس بعطن: أي رووا ورويت إبلهم فأقامت على الماء.

    من أطاعه رشد

    عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ أَرْشَدُوا ".

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح (صحيح ابن حبان جزء 15 ص327)

    ويدعو له بالشهادة

    ويروي ابن ماجه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمٍيصًا أَبْيَضَ، فَقَالَ: ثَوْبُكُ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟ قَالَ: لَا بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ: الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمِتْ شَهِيدًا " (سنن ابن ماجه، كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث رقم 3548)

    ولله در علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما أبلغه عندما قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر.





    أقوال الصحابة رضي الله عنهم في الفاروق:
    1- عائشة أم المؤمنين

    عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: من رأى ابن الخطاب، علم أنه غناء للإسلام، كان والله أحوذيًا. نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا ذكرتم عمر طاب المجلس.

    2- سعيد بن زيد.

    روى عن سعيد بن زيد أنه بكى عند موت عمر فقيل له ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا تُرتق إلى يوم القيامة.

    3- أبو طلحة الأنصاري.

    والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.

    4- حذيفة بن اليمان.

    إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل مقبل لم يزل في إقبال فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار.

    5- عبد الله بن سلام.

    جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه بعد أن صلى على عمر رضي الله عنه فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه، فلن تسبقوني بالثناء عليه، ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادًا بالحق، بخيلًا بالباطل، ترضى من الرضا، وتسخط من السخط، لم تكن مداحًا ولا معيابًا، طيب العرف، عفيف الطرف.

    6-العباس بن عبد المطلب..

    كنت جارًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه. فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس.

    7- علي بن الحسين.

    عن ابن أبي حازم عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومنزلتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كمنزلتهما اليوم، وهما ضجيعاه.





    آراء بعض المستشرقين في عمر الفاروق
    1- قال موير في كتابه (الخلافة): كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر وأظهر ما اتصفت به إدارته عدم التحيز والتقيد، وكان يقدر المسئولية حق قدرها، وكان شعوره بالعدل قويًا، ولم يحارب أحدًا في اختيار عماله، ومع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال، حتى قيل إن درة عمر أشد من سيف غيره، إلا أنه كان رقيق القلب، وكانت له أعمال سجلت له شفقته، ومن ذلك شفقته على الأرامل والأيتام.

    2- وقالت عنه دائرة المعارف البريطانية: كان عمر حاكمًا عاقلًا، بعيد النظر، وقد أدى للإسلام خدمة عظيمة.

    3- وقال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتابه (محمد وخلفاؤه): إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلًا ذا مواهب عقلية عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية، ونفذ رغبات النبي صلى الله عليه وسلم وثبتها، وآزر أبا بكر بنصائحه في أثناء خلافته القصيرة، ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلدان التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصارهم لَأكَبر دليل على كفاءته الخارقة لإدارة الحكم، وكان ببساطة أخلاقه، واحتقاره للأبهة والترف، مقتديًا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وقد سار على أَثَرهما في كتبه وتعليماته للقواد.

    الإسلام هو الذي صنع من عمر الفاروق

    الجاهلية والإسلام في حياة عمر وجها لوجه

    " إن الإنسان هذا الكائن العجيب، يعتبر سيدا لعناصر الكون كلها، يوازن أعتاها وأقساها فيرجحه ويربو عليه، يوم يكون شخصًا فاضلًا، ولكنه يلعن في الأرض والسماء ويَرْجَحه الذر والهباء يوم يكون شخصًا ساقطًا " (محمد الغزالي/ خلق المسلم).

    هذا ما حدث تماما مع عمر بن الخطاب، بون شاسع وفرق كبير بين عمر بن الخطاب قبل إسلامه، وأبي حفص عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه بعد إسلامه.

    مشاهد من حياته في الجاهلية

    كان يدافع عن كل ما أَلِفته قريش من عادات وعبادات ونظم وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عما يؤمن به، وبهذه الطبيعة التي جعلته يشتد في الدفاع عما يؤمن به قاوم عمر الإسلام في اللحظات الأولى، ووقف بالمرصاد أمام الدعوة في بدايتها، وخشى عمر أن يهز هذا الدين النظام المكي الذي استقر، والذي يجعل لمكة بين العرب مكانة، والذي أعطى لمكة ثروتها الروحية، وثروتها المادية، فهو سبب ازدهارها وغنى سراتها؛ ولذلك قاوم سراة مكة هذا الدين، وبطشوا بالمستضعفين من معتنقيه وكان عمر من أشد أهل مكة بهؤلاء الضعفاء.

    ولقد ظل يضرب جارية أسلمت، حتى عيت يده، ووقع السوط من يده، فتوقف إعياءً، ومر أبو بكر فرآه يعذب الجارية فاشتراها منه وأعتقها.

    وفي الجاهلية كان له صنم يعبده، فعندما جاع أكله ـ ويبدو أن الجوع كافر كما يقولون ـ كيف يأكل العابد معبوده! إنه لسفه عظيم، وضلال مبين.

    ها هو الفاروق الذي كان يعبد الأصنام، ويتصدى لكل من يحاول إهانة هذه الأحجار ويصب العذاب صبًا في وجه من يحاول تنزيلها عن مكانتها العالية في ظنه.

    ومع ذلك كان رجلًا بليغا، حصيفًا، قويا، حليمًا، شريفًا، قوي الحجة، واضح البيان، مما أهّلهُ لأن يكون سفيرًا لقريش، ومفاخرًا ومنافرًا لها مع القبائل، قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب، إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرًا، أو نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرًا ومفاخرًا، ورضوا به متحدثا بلسانهم وهم أفصح الناس، وسفيرا لهم وهم أعرق الناس نسبا وأعظمهم جاها...

    وكما نرى في هذه المشاهد التي توحي لنا بتناقض غريب وعجيب خلّفته الجاهلية بغبارها وركامها في هذا التاريخ العمري، نرى صفات إيجابية وأخرى سلبية، ولا شك أن كل إنسان يحمل بين جنبيه ألوانًا متعددة من الصفات والخصائص منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي، ولكن عمر بن الخطاب به من الإيجابيات الكثير الذي يميزه عن غيره من الناس، وقد استفاد الإسلام بشكل واضح من أخلاق عمر الإيجابية وأكّد عليها ونمّاها بشكل أوضح.

    فمن الصفات الإيجابية البارزة لدى عمر بن الخطاب صفة القيادة، وما زال الإسلام ينمي فيه هذه الصفة ويؤكد عليها إلى أن وصل بعمر أن يكون يوما ما أميرًا للمؤمنين، وخليفة للصديق أبي بكر رضي الله عنهما.

    وقد استفاد الإسلام أيضا من صفة الشدة عند عمر وجعلها بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي هيبة الإسلام أمام من تُسول له نفسه المساس بقدسية هذا الصرح العظيم- الإسلام- ففي كثير من المواقف نجد الفاروق يشهر سيفه قائلا: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله.

    لقد عاش عمر في الجاهلية وعرف حقيقتها، وتقاليدها، وأعرافها، ودافع عنها بكل ما يملك من قوة، ولذلك عندما دخل الإسلام عرف جماله وحقيقته وتيقن الفرق الهائل بين الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والحق والباطل، ولذلك قال قولته المشهورة: إِنَّمَا تُنْقَصُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ.

    وهذه هي شهادة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الإسلام وعزته: إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ.

    رغم السيادة التي كان فيها عمر في جاهليته من قيامه بأمر السفارة في قريش، ومكانته المرموقة بين القوم، إلا أنه أدرك بعد إسلامه البون الشاسع بين من يؤمن بالله وبين من يعبد الأحجار والأوثان والأنصاب والأزلام التي لا تنفع ولا تضر.

    يخاف الفاروق رضي الله عنه من ربه خوفًا صادقًا، أدى به إلى الاجتهاد في عبادة الله عز وجل، والتفاني في مرضاته.

    وهذا هو الخوف الإيجابي الذي يعين المرء على المزيد من طاعة الله، فليس الخائف من يبكي وتسيل دموعه، ثم يمضي قدمًا في معاصي الله، وإنما الخائف هو من يترك معصية الله خوفا منه.

    هذا هو الفاروق الذي ملك إمارة المسلمين وورث كسرى وقيصر، يخاف من الدنيا ومن غرورها، ومن المال وفتنته يقول المِسْور بن مَخْرمة رضي الله عنه: أُتِي بمال فوُضع في المسجد، فخرج عمر إليه ليتصفحه وينظر إليه، ثم هملت عيناه.

    فما أحرانا أن نقتدي بالفاروق في البكاء من خشية الله تعالى.

    فماذا عساه أن يكون عمر لو لم يدخل في هذا الدين العظيم، كان سيمحى من ذاكرة التاريخ والإنسانية، ويتساوى مع أساطين الكفر، وأئمة الضلالة كأبي جهل بن هشام، وأُبي بن خلف، وأبي لهب بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة، ولكنه بإسلامه سطر اسمه في سجل العظماء الذين نصروا الله في كل المواطن التي شهدوها، ,هكذا ينصر الحق تبارك وتعالى من يقوم بنصره، ومن يتحمل المتاعب من أجل الدعوة ومن أجل الدفاع عن الحق.

    لقد تبوأ عمر بالإسلام مكانة لم ينلها إلا عدد قليل ممن اصطفاه الله في هذه الحياة الدنيا، مكانة سامقة، تجعل الرجل علامة بارزة في جبين الإنسانية، وكفى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَوْ كَانَ نَبِيٌّ بَعْدِي لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. " ( (حسن)انظر حديث رقم‏: 5284 في صحيح الجامع)

    لقد كان الفاروق رجلًا ربانيًّا بحق، لا يخشى إلا الله عز وجل فكان دائمًا الحق على لسانه وقلبه، ودائمًا الصواب معه، والرأي الراجح له، إنهم رجال رباهم الرسول عليه الصلاة والسلام على مبادئ الإسلام العالية، فكانوا رجالًا كما وصفهم الله في كتابه العزيز: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب: 23}.





    لماذا لم يتول الخلافة قبل أبي بكر مع قوته وعلمه؟
    الصفات والفضائل والأعمال التي انفرد بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    وفي ذلك تروي السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: " لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بَلَالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ". (‏ (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏: 5866 في صحيح الجامع‏.) ‏

    فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَّى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبُ مِنْكِ خَيْرًا.

    تَقُولُ عَائِشَةُ: لَقَدْ رَاجَعْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى مَرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا.

    فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ـ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا ـ: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ وَالْآخَرُ عَلِيٌّ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ. فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَلَى يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.

    قال ابن حبان رحمه الله هذا الخبر فيه دليل على أن الخليفة بعد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    ويدل هذا الخبر على فضل أبي بكر على جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن مناقب الصديق رضي الله عنه إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين أنهم يأبون عقد الخلافة لغير أبي بكر. فتروي عائشة رضي الله عنها " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ادْعِ لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكَ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ. "

    ففي الحديث إخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المسلمين لا يرضون بغير أبي بكر خليفة لهم.

    ومن الأحاديث التي تدل على حب الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر هذا الحديث يرويه لنا عمرو بن العاص رضي الله عنه فيقول: " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَبُّ النِّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عُمَرُ. فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ.

    أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ عَائِشَةُ وَمِنَ الرِّجَالِ أَبُوهَا. (‏ (‏صحيح‏)‏ انظر حديث رقم‏: 177 في صحيح الجامع‏).

    وفي هذا الحديث نرى مكانة أبي بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما، وبيان فضل عمر رضي الله عنه إذ تأتي منزلته بعد منزلة الصديق رضي الله عنهم جميعا.

    وأي منزلة تلك التي وصل إليها أبو بكر الصديق وعندها تتضاءل كل منازل الدنيا، فإن من أحبه النبي صلى الله عليه وسلم أحبه الله تعالى ومن أحبه الله تعالى فقد فاز بالدنيا والآخرة، وذلك هو الفوز المبين.

    ومن فضائل الصديق رضي الله عنه:

    دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة أن تقتدي بالصديق، وإن شاركه عمر بن الخطاب إلا أنه ذكر بعده، فقد ذُكر أبو بكر أولًا لفضله وعلمه.

    يروي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".

    وفي رواية أخرى: " إِنِّي لَا أَدْرِي كَمْ قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".

    وفيه ذكر لفضائل عمر ولكن بعد الصديق رضي الله عنه.

    وأبو بكر أفضل من عمر رضي الله عنهما بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وبشهادة عمر نفسه وبما نرى من مواقف كثيرة تؤيد هذا الأمر

    " وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي وُزِنْتُ بِأُمَّتِي فَرَجَحْتُ، ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ فَرَجَحَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ فَرَجَحَ. " وفي هذا بيان واضح في فضله على عمر. وقال عمر رضي الله عنه: مَا سَابَقْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقَنِي إِلَيْهِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي شَعَرَةٌ فِي صَدْرِ أَبِي بَكْرٍ... " (الاستيعاب جزء 1 صفحة 356).

    مكانته في الآخرة

    روى البخاري بسنده أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، قُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ. (البخاري- حديث رقم 6505)

  10. #10
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    ثالثا: فضل وتضحيات الصحابة رضوان الله عليهم اجميعن


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد : -
    فقد روى الواقدي في المغازي انه لما اشتد القتال في معركة احد انبرت فرقة من المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من لهذه الفرقة )؟ فقال وهب بن قابوس المُزني : أنا يا رسول الله ! فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثم رجع . فانفرقت فرقة ثانية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لهذه الكتيبة ؟) فقال وهب المزني : انا يا رسول الله !! فقام فذبها بالسيف حتى ولوا ، ثم رجع المزني . ثم طلعت كتيبة ثالثة ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( من لهؤلاء ؟) فقال المزني : انا يا رسول الله !! فقال صلى الله عليه وسلم : ( قم وأبشر بالجنة ) فقام المزني مسرورا وهو يقول : (( والله لا أقيل ، و لا أستقيل )) !! فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف ورسول الله ينظر الى المسلمين حتى خرج من اقصاهم ! ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( اللهم ارحمه ) ، ثم يرجع فيهم فما زال كذلك وهم محدقون به، حتى اشتملت عليه اسيافهم ورماحهم فقتلوه ، فوجد به يومئذ عشرون طعنة برمح كلها قد خلصت الى مقتل ! ومُثل به أقبح مثلة يومئذ،! فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : ( إن أحب ميتة أموت لما مات عليها المزني ) . هكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم فرسانا في النهار رهبانا في الليل ، لقد ساروا وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في درب الجهاد والتضحية في سبيل الله ، فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا عن الجهاد الذي اصابهم منه ، وما استكانوا للعدو بل ظلوا صابرين ثابتين في جهادهم قال تعالى : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23) ،
    اخوتي في الله ان المتأمل لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم واصحابه يجد العجب العجاب ، والله انه بقراءتنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه تخف الجراح وترتفع العزائم ، فقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه لأنواع الاذى فصبروا وثبتوا ، ان قراءة تاريخنا المجيد يعيد للنفسوس العزيمة والصبر ، في زمن أصاب تلك النفوس الوهن والضعف والخوف ، ان قراءتنا لتأريخنا يبين لنا درسا عظيما وهو ان للجنة ثمنا ، يبين لنا أن الابتلاء سنة الله في عباده ، يبين لنا أن المبادئ لا تعيش الا بالتضحيات ، ويبين لنا درسا عظيما الا وهو ان خير جيل وهم الصحابة قد سقطوا شهداء وتركوا الدنيا وراء ظهورهم ، وكانوا يتنافسون لنيل الشهادة ولخوض المعارك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا عبدالله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه يصر على الخروج يوم احد فخاطب ابنه جابرا وقال له : ( يا جابر ! لا عليك أن تكون في نظاري المدينة حتى تعلم الى ما يصير أمرنا ، فإني والله لولا أني اترك بنات لى بعدي : لأحببت أن تُقتل بين يدي ) رواه احمد ، الله اكبر،، والله انه في كل كلمة من كلماته دروس وعبر ، دروس تيقظ النائمين اللاهين ، دروس للاباء والابناء ، دروس للعلماء والخطباء ، دروس تبين لنا قيمة هذه الحياة (( فإني والله لولا أني اترك بنات لى بعدي : لأحببت أن تُقتل بين يدي )) ، دروس تبين لنا معنى التضحية ، انهم رجال قرأوا قوله تعالى ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:169) فجعلوا هذه الاية واقعا في حياتهم ،
    خرج ذلك الشيخ عبدالله بن حرام رضي الله عنه ونال وسام الشهادة في سبيل الله ، وهذا ابنه جابرا رضي الله عنه يقول : ( لما قتل ابي يوم احد جعلت اكشف عن وجهه ، وابكي وجعل اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني وهو لا ينهاني وجعلت عمتي تبكيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( تبكين او لاتبكين ! ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه )) رواه البخاري ، نعم انها اوسمة الشهادة ، نعم انها ثمن الشهادة : (( تبكين او لاتبكين ! ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه )) ، نعم لقد صدقوا عندما قالوا (( لا نقيل ولا نستقيل ))!!
    نعم لا نقيل ولا نستقيل ،، لقد ربح بيعهم فباعوا الأرواح وقبضوا ثمنا لها الجنة.
    لقد كان كل واحد من اؤلئك الاخيار أُمة نعم أُمة ، فهذا سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه يقول : ان عبدالله بن جحش رضي الله عنه قال له يوم احد : الا تدعوا الله ، فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال يارب اذا لقيت العدو فلقني رجلا شديدا باسه شديدا حرده اقاتله ويقاتلني ثم ارزقني الظفر عليه حتى اقتله ! فأمن عبدالله بن جحش ثم قال : ( اللهم ارزقني رجلا شديدا باسه شديدا حرده اقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع انفي واذني !!، فأذا لقيتك غدا ، قلت : من جدع انفك واذنك ؟! فأقول : فيك وفي رسولك, فتقول صدقت .! قال سعد : يا بني كانت دعوة عبدالله بن جحش خيرا من دعوتي ، لقد رايته اخر النهار وإن انفه واذنه لمعلقان في خيط ) (زاد المعاد ) . انهم رجال ابادوا عروش الشرك انهم رجال طهروا بدمائهم ارض الاسلام ، انهم رجال التحفوا ثياب الصبر عند القتال وبين اصوات الخيول وصليل السيوف وتناثر الغبار والرؤوس ،


    فهذه حرمات الله تنتهك وبيوت الله تدنس ، واعراض المسلمات تنتهك ، وكلام ربنا يدنس ، والفساد منتشر ، والمنكرات تزدهر ، فماذا قدمنا وماذا فعلنا ! من جلد ظهره في سبيل الله ليبلغ دين الله ! من منا أدميت قدما ليبلغ دين الله ! من منا رفع يداه و أتعبها يدعوا ربه في ظلمة الليل لينصر اخوانه المجاهدين والمستضعفين ! واصبح الواحد منا يخاف ان يقول بأعلى صوته وهو يأم المسلمين ((اللهم انصر المجاهدين في ؟؟ )) !!، يخاف ان يقول ذلك وهو واقف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم !!، يخاف ان يقول ذلك وهو امام المحراب وفي بيت الله !! يخاف ان يقول ذلك في بيت الله العتيق ! فلا عذر لنا وحرمات الله تنتهك وفينا عين تطرف واسمعوا لسعد بن الربيع رضي الله عنه وهو في سكرات الموت ماذا يقول ، فقد روى ابن هشام في السيرة انه بعد معركة احد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع في الأحياء هو أم في الاموات فقال رجل من الانصار أنا انظر لك يا رسول الله ما فعل سعد فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق قال فقلت له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن انظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات قال أنا في الأموات فابلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك خير ما جزى نبيا عن أمته وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم (( إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف)) قال ثم لم أبرح حتى مات قال فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره ) ،، نعم : (( إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف)) فهل بعد هذا كله تطمس انوار الجهاد بعد ان كان مقمرا في جيل الصحابة ! وهل بعد هذا كله يظلم نهار الجهاد بعد ان كان نيرا ! وهل بعد هذا كله يذبل غصن الجهاد بعد ان كان مورقا ! وهل بعد هذا كله يطفأ حسن الجهاد بعد ان كان مشرقا ! وهل بعد هذا كله تقفل ابواب الجهاد ولا تطرق ، وتوقفت خيوله فلا تركض ، وامتدت ايدي الكفرة الاذلاء الى المسلمين فلا تقطع ! واغمدت السيوف فلا تشهر على اعداء الملة والدين ، او بعد هذا كله تخرس الالسنة عن قول الحق فلا تصيح ! اللهم ثبتنا على الايمان ، اللهم ثبت الايمان في قلوبنا ، .
    فطوبى لمن سار اليوم على ذلك الدرب : درب الجهاد والتضحية : درب الصبر على المصائب ، طوبى لكم ايها الفرسان ، يامن تقاتلون اهل الكفر من اليهود والصليبيين وهم يحتلون بلادكم ، طوبى لكم : فأنا نراكم تسيرون وترددون (( لا نقيل ولا نستقيل )) طوبى لكم هناك فتحت من الجنة ابوابها وارتفعت فرشها ووضعت اكوابها ، وبرزت الحور العين ، طوبى لكم ولقد بعتم الحياة الفانية بالعيش الباق . طوبى لمن نالوا شرف الشهادة : فوردوا مورد الشهادة منهلا لم يظمئوا بعده ابدا وربحت تجارتهم فكانوا اسعد السعداء قال تعالى ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران:170) .
    اللهم نصرك ، اللهم نصرك ،اللهم انصر المجاهدين في كل مكان ،اللهم عليك باليهود والصليبيين ، على ثبتنا على الحق ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين .

    تضحية أنس بن النضر



    هذا أنس بن النضر رضي الله عنه يسمع في غزوة أحد أن رسول الله قد مات، وأن رسول الله قد قتل، فيمر على قوم من المسلمين قد ألقوا السلاح من أيديهم، فيقول لهم: ما بالكم قد ألقيتم السلاح؟! فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أنس : فما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. واندفع أنس بن النضر في صفوف القتال، فلقي سعد بن معاذ ، فقال أنس : يا سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وانطلق في صفوف القتال فقاتل حتى قتل، وما عرفته إلا أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم.







    تضحية سعد بن الربيع



    وهذا سعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـزيد بن ثابت : (يا زيد ! ابحث عن سعد بن الربيع بين القتلى في أحد) يقول النبي لـزيد: (فإن أدركته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟) أي: كيف حالك؟ وانطلق زيد بن ثابت ليبحث عن سعد بن الربيع الأنصاري فوجده في آخر رمق من الحياة، فقال له: يا سعد ! رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول لك: كيف تجدك؟ فقال سعد بن الربيع لـزيد بن ثابت : وعلى رسول الله وعليك السلام، وقل له: إني والله لأجد ريح الجنة، ثم التفت سعد وهو يحتضر إلى زيد بن ثابت ، وقال: يا زيد بلغ قومي من الأنصار السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكروه وفيكم عين تطرف! يا شباب! الرجل يفكر في رسول الله في آخر لحظات عمره: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكروه وفيكم عين تطرف!







    تضحية عمرو بن الجموح



    وهذا عمرو بن الجموح رجل أعرج لا جهاد عليه، قد أسقط الله عنه الجهاد، لكنه يسمع النداء: يا خيل الله اركبي، حي على الجهاد، ويريد أن ينطلق للجهاد في سبيل الله جل وعلا، فيقول أبناؤه الأربعة الذين ما تركوا غزوة مع رسول الله؛ يقولون لأبيهم: يا أبانا لقد أسقط الله عنك الجهاد، ونحن نكفيك، فيبكي عمرو بن الجموح وينطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشتكي لرسول الله وهو يقول: يا رسول الله! إن أبنائي يمنعوني من الخروج للجهاد في سبيل الله، ووالله إني لأريد أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فيلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو ويقول: يا عمرو فقد أسقط الله عنك الجهاد، فقد عذرك الله جل وعلا، ومع ذلك يرى النبي رغبة عارمة في قلب عمرو بن الجموح للجهاد في سبيل الله، فيلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبنائه الأربعة ويقول لهم: (لا تمنعوه! لعل الله أن يرزقه الشهادة في سبيله). وينطلق عمرو بن الجموح ، لا أقول يبحث عن النصر، بل يبحث عن الشهادة في سبيل الله جل وعلا، ويرزقه الله الشهادة في سبيله، صدق الله فصدقه الله جل وعلا. ويمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قتل فيقول: (والله لكأني أنظر إليك تمشي برجلك في الجنة وهي صحيحة) .







    تضحية عمير بن الحمام



    وهذا عمير بن الحمام شاب كريم مبارك، يسمع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر يقول: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) -إي ورب الكعبة يا شباب! إنها جنة عرضها السماوات والأرض! فقال عمير بن الحمام: جنة عرضها السماوات والأرض! بخ بخ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخ بخ يا عمير ، فيقول عمير: لا والله يا رسول الله إلا أني أرجو الله أن أكون من أهلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت من أهلها) فأخرج عمير بن الحمام تمرات ليتقوى بهن على القتال، فأكل تمرة، ثم قال لنفسه: والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ويلقي بالتمرات ويندفع في صفوف القتال فيقتل؛ لأنه صدق الله جل وعلا فصدقه الله تبارك وتعالى.







    تضحية أطفال الصحابة



    أيها المسلمون! حتى الصبيان، حتى الأطفال، حتى الغلمان ضحوا لله ولدين الله جل وعلا! ومن أروع وأعجب ما قرأت ما رواه البخاري و مسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف ، قال عبد الرحمن بن عوف : بينما أن واقف في الصف يوم بدر إذ التفت عن يميني وعن شمالي فرأيت غلامين من الأنصار، يقول: فلم آمن بمكانهما. خاف الرجل لوجود هذين الغلامين الصغيرين، يقول عبد الرحمن : فغمزني أحدهما سراً من صاحبه وقال لي: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ فقال له عبد الرحمن : نعم، وماذا تصنع بـأبي جهل يا ابن أخي! فقال له: لقد سمعت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، يقول عبد الرحمن بن عوف : فتعجبت لذلك! يقول: فغمزني الغلام الآخر وقال لي سراً من صاحبه: ياعم! هل تعرف أبا جهل ؟ فقلت: نعم يا ابن أخي، وماذا تصنع بـأبي جهل ! فقال: لقد سمعت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد عاهدت الله جل وعلا إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، يقول: فتعجبت! والله ما يسرني أني بين رجلين مكانهما، يقول: فنظرت في القوم فرأيت أبا جهل يجول في الناس، فقلت لهما: انظرا هل تريان هذا، قالا: نعم، قال: هذا صاحبكما الذي تسألان عنه! يقول: فانقضا عليه مثل الصقرين فقتلاه! انقض عليه غلامان، تربى هذا الغلام الكريم هو وأخوه في بيت عرفهم كيف تكون التضحية، وكيف يكون البذل لدين الله جل وعلا؛ فانقضا عليه مثل الصقرين فقتلاه، وجرى كل منهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله قتلته، والآخر يقول: بل أنا الذي قتلت أبا جهل ، فقال النبي لهما: (هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعطني سيفك، وقال للآخر: أعطني سيفك، ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فوجد دم أبي جهل على السيفين، فالتفت إليهما وقال: كلاكما قتله) والبطلان هما معاذ بن عمرو بن الجموح ولد ذلكم الرجل الأعرج، ومعاذ بن عفراء . حتى النساء أيتها الأخوات الفاضلات، نريد الآن من النساء التضحية لدين الله جل وعلا، حتى النساء ضحين لدين الله. فهذه خديجة ، وهذه سمية أم عمار، وهذه أم عمارة ، وهذه أسماء، كلهن وغيرهن قد ضحين لدين الله جل وعلا!



    محمد بن صالح العثيمين

    أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا ما أبلاه سلف هذه الأمة من بلاء حسن في نصرة هذا الدين وما صبروا عليه من الشدائد في إعلاء كلمة رب العالمين فإنهم جاهدوا في سبيل الله لم يجاهدوا لعصبية ولا لوطنية ولا لفخر وخيلاء، وفي شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة أحد وهو الجبل الذي حول المدينة والذي قال فيه : ((أحد جبل يحبنا ونحبه)) وذلك أن المشركين لما أصيبوا بفادحتهم الكبرى يوم بدر خرجوا ليأخذوا بالثأر من النبي وأصحابه في ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس مجنبة فلما علم بهم رسول الله استشار أصحابه في الخروج إليهم فخرج بنحو ألف رجل فلما كانوا في أثناء الطريق انخذل عبد الله بن أبَي رأس المنافقين بمن اتبعه من أهل النفاق والريب وقالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم فتعبأ رسول الله للقتال في سبعمائة رجل فقط ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وأمر على الرماة عبد الله بن جبير

    وقال: انضحوا عنا الخيل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبتوا مكانكم فأنزل الله نصره على المؤمنين وصدقهم وعده فكشفوا المشركين عن المعسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها ولكن الله قضى وحكم ولا معقب لحكمه وهو السميع العليم، فإن الرماة لما رأوا هزيمة الكفار ظنوا أنهم لا رجعة لهم فتركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله بلزومه فكر فرسان المشركين ودخلوا من ثغر الرماة ففاجئوا المسلمين من خلفهم واختلطوا بهم حتى وصلوا إلى النبي فجرحوا وجهه وكسروا رباعيته اليمنى السفلى وهشموا البيضة بيضة السلاح على رأسه ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فعض عليهما أبو عبيدة فنزعهما وسقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجه النبي ونادى الشيطان بأعلى صوته أن محمدا قد قتل فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين وفر أكثرهم فبقي النبي في سبعة من الأنصار ورجلين من المهاجرين فقال النبي : ((من يردهم عنا وله الجنة)). فتقدم الأنصار واحدا واحدا حتى قُتلوا وترس أبو دجانة في ظهره على النبي والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك واستشهد في هذه الغزوة سبعون رجلا من أصحاب النبي منهم أَسَد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب عم النبي وسيد الشهداء ومنهم عبد الله بن جحش دفن هو وحمزة في قبر واحد ومنهم مصعب بن عمير صاحب اللواء ومنهم سعد بن الربيع بعث إليه النبي زيد بن ثابت يقرئه السلام فوجده في آخر رمق وفيه سبعون ضربة فقال له : إن الرسول يقرأ عليك السلام ويقول كيف تجدك قال: وعلى رسول الله السلام قل له أجد ريح الجنة وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف ثم فاضت نفسه


    ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا ما بأيديهم فقال ما تنتظرون قالوا: قتل رسول الله فقال: ما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم لقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد إني لأجد ريح الجنة من دون أحد فقاتل حتى قتل ووجد به نحو من سبعين ضربة فلما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان وكان رئيس المشركين يومئذ ثم أسلم بعد أشرف على الجبل يسأل عن النبي وأبي بكر وعمر فلم يجيبوه إهانة له واحتقارا قال أبو سفيان لأصحابه أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال: ((كذبت يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك ما يسوؤك)) ثم قال أبو سفيان مفتخرا بصنمه اعل هبل فقال النبي قولوا: ((الله أعلى وأجل)) ثم قال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي : ((قولوا الله مولانا ولا مولى لكم)) ثم انصرف أبو سفيان بأصحابه فلما كانوا في أثناء الطريق تلاوموا فيما بينهم ليرجعوا إلى النبي وأصحابه فيستأصلونهم فبلغ ذلك النبي فنادى في الناس ليخرجوا إلى عدوهم وقال: ((لا يخرج معنا إلا من شهد القتال في أحد)) فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح والبلاء المبين حتى بلغوا حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة فأنزل الله فيهم: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم [آل عمران:173-174

  11. #11
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    سابعا


    كيف كان الرسول صلى الله علية وسلم يعامل زوجاتة



    شكلنا نتساءل كيف كان حال الرسول مع زوجاته، كيف كان يتعامل معهن؟ كيف كان يعدل بينهن؟

    لقد حقق صلى الله عليه و سلم السعادة لكل منهن و ذلك لأنه عرف كيف يتعامل مع المرأة و توغل فى أعماق نفسها الرقيقة و أخذ يناجيها بدفء العاطفة و يعينها على العمل لدينها ودنياها

    و ماذا عن زوجاته الكريمات.. أمهاتنا المؤمنات... إذا فتحنا كتب السيرة و الكتب التى تتحدث عن زوجات الرسول صلى الله عليه و سلم سوف نجد بأن أكثر تلك الكتب قد وصفت زوجات الرسول بصفة مشتركة فيهن جميعا... الصوّامة القوّامة.. إذن فهن كن يتمتعن بقرب شديد من الله و بمناجاته فى الليل و لذلك استحققن هذا الشرف العظيم.. استحققن أن يكنّ أمهات المؤمنين، زوجات الحبيب المصطفى فى الدنيا والاّخرة.. أصلحن ما بينهن و بين الله فأصلح الله لهن أمر دنياهم و اّخرتهم

    و ماذا عنّا نحن أخوتنا؟؟

    أعلم أن الكثير ممن يقرأ رسالتى تلك متزوج, أو حتى إن كان غير متزوج فهو يلحظ الحياة الزوجية بدقائقها من خلال والديه أو أصدقاؤه.. لم ندرت السعادة الزوجية فى يومنا هذا؟ هل العيب فى زماننا؟؟ لا.. بل العيب فى أنفسنا -رجالا و نساء- و التى أفسدناها بالمادية الحضارية و نسينا ديننا و حضارتنا الإسلامية, و ابتعدنا عن تعاليم رسولنا و حبيبنا... و ابتعدنا عن حب الله.. و ارتكبنا معاصيه جهرا و علانية, و توارينا من الخلق عند فعل المعصية و لم تطرف أعيننا أو قلوبنا لحظة لنظر الإله اٍلينا

    إذن ماذا نفعل الاّن و نحن نبغى عودة الحب فى حياتنا الزوجية؟

    طريق واحد فقط... طريق الله و رسوله.... عندها سوف ينعم كل زوج بزوجته و يستشعرا معنى السعادة الزوجية التى أوجدها الله تعالى و لكننا بجهلنا حدنا عنها و تركناها

    و من هنا جاء تفكيرى يا أخوتى فى تلك السلسلة "فى بيت الرسول", أهديها لكل زوج و زوجة تباعدت بينهما المسافات و يريدان استعادة الحب مرة أخرى... أرجو أن يتابعا سلسلتى.. و جزاكم الله خيرا

    و صلّى اللهم على سيدنا محمد و على اّله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.




    من صور الملاطفة والدلال نداء الزوجة بأحب الأسماء إليها أو بتصغير اسمها للتلميح أو ترخيمه يعني تسهيله وتليينه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لـ[عائشة] :" يا عائش ، يا عائش هذا جبريل يقرؤك السلام ".
    والحديث متفق عليه.

    وكان يقول لعائشة أيضا: يا حميراء
    والحميراء تصغير حمراء يراد بها البيضاء كما قال ذلك [ابن كثير] في النهاية وقال [الذهبي]: الحمراء في لسان أهل الحجاز البيضاء بحمرة وهذا نادر فيهم .
    إذاً فقد كان صلى الله عليه وسلم يلاطف عائشة ويناديها بتلك الأسماء مصغرة مرخمة .
    وأخرج [مسلم] من حديث عائشة في الصيام قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل إحدى نسائه وهو صائم ثم تضحك رضي الله تعالى عنها"
    وفي حديث عائشة أيضا أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ذكر كلمة معناها أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله"
    من خلال هذه الأحاديث يتبين لنا ملاحظة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه وحسن التعامل معها أي مع عائشة رضي الله تعالى عنها

    ومن صور المداعبة والملاطفة أيضا إطعام الطعام فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى فِي امرأتك"
    حتى اللقمة التي ترفعها بيدك إلى فم امرأتك هي صدقة ليست فقط كسباً للقلب وليست فقط حسن تعاون مع الزوجة بل هي صدقة تؤجر بها من الله عز وجل .

    إذاً فمن صور المداعبة والملاطفة للزوجة إطعامها الطعام .
    وكم لذلك من أثر نفسي على الزوجة.
    وإني أسألك أيها الأخ.. أيها الرجل.. ماذا يكلفك مثل هذا التعامل؟
    لا شيء إلا حسن التأسي والاقتداء وطلب المثوبة وحسن التعاون وبناء النفس فالملاطفة والدلال والملاعبة مأمور أنت بها شرعا بما تفضي إليه من جمع القلوب والتآلف .

    كثيرا ما كنا نقرأ عن سيرة الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المجال التربوي أو الإيماني أو السياسي أو العسكري أو الاقتصادي... ولكن قليلا ما كتب أو نشر عن سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيته وطبيعة علاقته مع نسائه.

    إن المدقق في مجال العلاقات الأسرية لحياة الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجد أن هناك معاني كثيرة نحن بأمس الحاجة لها في واقعنا المعاصر، ولو عملنا بها لساهمت في استقرار بيوتنا وتقوية علاقتنا الزوجية, ونضرب بعض الأمثلة في هذا المقال عن احترام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمشاعر الزوجة وتقديرها وبيان حبه لزوجاته. فقد سألت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كيف حبك لي؟! فقال عليه السلام: "كعقدة الحبل" ثم سألته: كيف العقدة؟! فقال: على حالها... أي لم تتغير والنبي ـ صلى الله عليه وسلم وصف لعائشة ـ رضي الله عنها ـ حبه لها كعقدة الحبل أي أن الحب مازال مربوطا في قلبه وهذه الكلمات لا شك أنها أدخلت السرور على الزوجة عندما استمعت إلى مشاعر زوجها بالوصف المذكور ولنتخيل مشاعر عائشة ـ رضي الله عنها ـ ودرجة سعادتها عندما استمعت إلى هذه الكلمات، وهي تعلم مسبقا أنها هي المحببة إلى زوجها الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فكم من مرة استمعت إليه وهو يقول لها بأنها فضلت على النساء كتفضيل الثريد على باقي الطعام.

    إن للرجل طبيعته الخاصة في التعبير عن مشاعره بخلاف المرأة وطبيعتها، لأن المرأة إذا أرادت أن تعبر عن مشاعرها فإنها تتكلم وتقول أنا أحبك أو إني اشتقت إليك.. وأنا بحاجة إليك واني أفتقدك، وهذه الكلمات كثيرا ما ترددها الزوجة على زوجها، ولكن الرجل من طبيعته أنها إذا أراد أن يعبر عن مشاعره فانه يعبر بالعمل والإنتاج وقليلا ما يعبر بالكلام، فإذا أراد الرجل أن يخبر زوجته أنه يحبها فانه يشتري لها ما تريد مثلا أو أن يجلب بعض المأكولات أو المشروبات للمنزل أو بعض قطع الأثاث.. فهذا العمل بالنسبة للرجل تعبير عن الحب.

    وهذه بالتأكيد طبيعة سلبية في الرجل تجاوزها الرسول الكريم. فكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصف حبه وعاطفته لعائشة ـ رضي الله عنها ـ فمعنى هذا أنه يلاطفها ويدللها ويعطي الزوجة ما تتمنى سماعه من زوجها وحبيبها وهذا مقام عال في التعامل بين الزوجين، ولهذا روى ابن عساكر عن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: "ما أبالي بالموت بعد أن عرفت أنك زوجتي بالجنة".. كيف ستكون نفسية عائشة ـ رضي الله عنها ـ ومشاعرها عندما تسمع هذه الكلمات التي تعطيها الأمن والأمان بالحب والمودة بالدنيا والآخرة؟


    فهذا العاص بن الربيع زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة فرارا من الإسلام فتبعث إليه ليرجع إلى مكة ويدخل في الإسلام، فيبعث إليها برسالة هذا بعض نصها: "والله ما أبوك عندي بمتهم وليس أحب إلي من أن أسلك معك يا حبيبة في شعب واحد، ولكنني أكره لك أن يقال إن زوجك خذل قومه فهلا عذرت وقدرت". وواضح من الرسالة أن العاص كان يحب زينب بدليل أنه يود ويحب أن يكون معها في طريق واحد أيا ما كان هذا الطريق كما أنه كره لها أن يقال فيها ما يضايقها ثم إنه يطلب منها في النهاية أن تعذر وتقدر, ومن أجل هذا الحب فان زينب استطاعت أن تذهب إليه وتأتي به مسلماً.


    بعض الكتاب يدلل على احترام الغرب للمرأة، ويضرب مثلا بفتح الزوج باب السيارة لزوجته، وإن كان هذا في ظاهره احترام، إلا أن هنالك جوانب كثيرة يكتشف فيها الناضج أنهم يهينون المرأة ولا يحترمونها، ونحن المسلمين ليس لدينا قضية صراع بين الرجل والمرأة، وإنما كل واحد منهما يكمل الآخر، ولهذا فأننا نقول بإن الاحترام واجب من كلا الطرفين ولكل منهما، ونضرب مثلا في ذلك وهو حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام، عندما جاءته زوجته السيدة صفية تزوره في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لتذهب، فقام النبي عليه الصلاة والسلام معها ليودعها إلى الباب، وفي رواية أخرى أنه قال لها: لا تعجلي حتى أنصرف معك، وكان بيتها في دار أسامة فخرج معها.
    ولهذا فإننا نتمنى أن يسود الاحترام بين الزوجين، لأن الاحترام سر دوام المحبة الزوجية واستمرار الاستقرار العائلي

    كم هي جميلة الحياة الزوجية لو يتعامل الزوجان بهذه النفسية؟! وما أحوجنا إلى فتح صفحات التاريخ النبوي والإسلامي لنكتشف أجمل النظريات في الفنون الزوجية



    من فنون صناعة الحب عند رسول الله


    - التزين والتجمل والتطيب للزوجة


    سُئِلَتْ عائشة: "بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك"
    والحديث أخرجه مسلم، ذكر بعض أهل العلم فائدة ونكتة علمية دقيقة قالوا: فَلَعَلَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ليستقبل زوجاته بالتقبيل
    وعند البخاري أن عائشة قالت: "كنت أُطَيِّبُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأطيب ما أجد حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته"


    وفي البخاري أيضا أن عائشة قالت: "كنت أُرَجِّلُ رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض"

    وكنت أُرَجِّلُ يعني أسرح شعره


    في هذه الأحاديث كلها وغيرها بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التجمل والتزين الشرعي الذي يحبه الله بخلاف ما عليه بعض الرجال اليوم من إفراط في قضية الزينة أو حتى من تفريط في قضية الزينة والتجمل للمرأة ومن مبالغة في التجمل وعجيب للمتناقضات التي يعيشها بعض الرجال، ثم تشم منه رائحة كريهة عفنة وهي رائحة التدخين فأين أنت والتجمل أيها الأخ الحبيب؟ وآخر وقع في تفريط عظيم وتقصير عجيب في قضية التجمل والزينة تبذل في اللباس وإهمال للشعر وترك للأظافر والشوارب والآباط وروائح كريهة والخير كل الخير في امتثال المنهج النبوي في التجمل والتزين والاهتمام بالمظهر وهو حق شرعي للمرأة وسبب أكيد في كسب قلبها وحبها, فالنفس جُبِلَتْ على حب الأفضل والأنظف والأجمل. وتعال واسمع لحال السلف رضوان الله تعالى عليهم جميعا وكيف كانوا في هذا الباب.


    قال [ابن عباس]: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لى وما أحب أن أستطف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عليَّ لأن الله تعالى يقول: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وقد دخل على الخليفة عمر زوج أشعت أغبر ومعه امرأته وهي تقول: لا أنا ولا هذا لا تريده ، لا أنا ولا هذا، ما هو السبب ؟ اسمع فعرف كراهية المرأة لزوجها فأرسل الزوج ليستحم ويأخذ من شعر رأسه ويقلم أظافره فلما حضر أمره أن يتقدم من زوجته فاستغربته ونفرت منه ثم عرفته فقبلت به ورجعت عن دعواها. تراجعت إذن عن طلب الطلاق فقال عمر: وهكذا فاصنعوا لهن فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم، وقال [يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي]: أتيت [محمد بن الحنفية] فخرج إلى في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية ، والغالية هي خليط الأطياب بل خليط أفضل الأطياب، ولحيته تقطر من الغالية، يقول يحيى فقلت له: ما هذا ؟ قال محمد : إن هذه الملحفة ألقتها على امرأتى ودهنتنى بالطيب وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن، ذكر ذلك القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن
    إذن فالمرأة تريد منك كما تريد أنت منها في التجمل والتزين.. فلنتعلم فنون صناعة الحب من رسولنا الحبيب و من زوجاته و صحابته و التابعين.

    وللحديث بقية ان شاء الله

  12. #12
    الصورة الرمزية afroto_m
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    933
    البقية

    لم تعرف المرأة عشرة زوجية بالمعروف -كما تعنيه هذه العشرة من كمال لأحد من البشر- كما عرفته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، المبين للقرآن بحاله وقوله وأفعاله.
    حيث " كان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم معهن أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها - في البرية في بعض سفراته يتودد إليها بذلك، قالت: " سابقني رسول الله فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني فقال: "هذه بتلك " وكان يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤنسهم بذلك صلى الله عليه وسلم " قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى "

    ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم معيار خيرية الرجال في حسن عشرة الزوجات فقال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي " الترمذى .
    وذلك لأن التَّصنُّع والتظاهر بمكارم الأخلاق يضعف حين يشعر الإنسان بأن له سلطة ونفوذاً ثم يشتد ضعفاً حينما تطول معاشرته لمن له عليه السلطة، فإذا ظل الإنسان محافظًا على كماله الخُلقي في مجتمع له عليه سلطة، وله معه معاشرة دائمة ومعاملة مادية وأدبية، فذلك من خيار الناس أخلاقًا.

    فإن كان النبي صلى الله عليه سلم خير الناس لأهله، فإن معاشرته لهم لا بد أن تكون مثالية حقًا، في كل ما تعنيه الخيرية من كمال خُلُقي في السًّلوك، والتَّعامل الأدبي، والتعاملي؛ من محبة وملاعبة، وعدل ورحمة، ووفاء، وغير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية في جميع أحوالها وأيامها، كما أوضحت ذلك كتب السنة والشمائل والسيرة، وذلك هو ما دلت عليه السنة المشرفة بأحاديثها الكثيرة من سلوكه صلى الله عليه وسلم معهن ومعاملته لهن.

    (أ) فعن محبته لهن يحدِّث أنس بن مالك - رضي الله عنه - فيقول:
    1- " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساء والطيب وجعل قرة عيني فـــــي الصلاة" أحمد وغيره .
    2- وسأله عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قائلا: " يا رسول الله من أحـــــــبَّ الناس إليك ؟ قال: " عائشة " قال: من الرجال؟ قال: " أبوها " الترمذي .

    (ب) وأما ملاعبته أهله فتحدثنا عنها عائشة - رضي الله عنها - فتقول:
    1- كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحبُ يلعبن معي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن - أي يتغيَّبن - منه فيُسرِّبُهن إلي فيلعبن معي " البخاري في الأدب .
    2- وقالت عائشة -رضي الله عنها - رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر - رضي الله عنه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم " دعهم، أمنًا بني أرفِدة " يعني من الأمن. البخارى .

    وفي لفظ قالت: " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم علـى باب حِجرتي، - والحبشة يلعبون بِحِرابهم، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - يسترني بردائه، لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكونَ أنا الَّتي أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو " .

    3- وقد مر حديث مسابقته صلى الله عليه وسلم لعائشة - رضي الله عنها - الدال على لعبه صلى الله عليه وسلم مع نسائه بنفسه الشريفة تلطُّفًا بهن، وتأنيسًا لهن، لكريم عشرته وعظيم رأفته ورحمته.
    4- ومن حسن عشرته وكريم خُلقه صلى الله عليه وسلم ما أفادته السيدة عائشة - رضي الله عنها - بقولها: "كنتُ أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرق العَرْقَ وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِيَّ ." مسلم.

    وفي رواية: " كنت أتعرق العَرْق وأنا حائض فأعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وكنت أشرب من القدح فأناوله إياه فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب". أبو داود.

    وأما حلمه صلى الله عليه وسلم عن إساءتهن وصبره على أذيتهن فهو في ذلك المثل البشري الأعلى، بحيث لم يسمع بأحد كان أحلم عن نسائه كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك مع عظيم جنابه، ورفيع قدره، وسُموِّ منزلته عند الله تعالى وعند الناس، ولقد مرَّ بك من الدلائل على ذلك في مبحثي الصبر والحلم ما فيه الكفاية للاستدلال على ما قلت عمومًا، لكني أزيد هنا ما هو أمس في الدلالة على الموضوع فمن ذلك ما يلي:

    1- عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: " كنا معشر قريش نغلبُ النساء، فلمَّا قدمنا على الأنصار، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، قال : فصخَبتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني ، قالت : ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم إلـــى الليل، قال: فأفزعني ذلك وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن، قال: ثم جمعت عليَّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أي حفصة، أتغاضب إحداكُنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، قال: فقلت: قد خبتِ وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي ؟ ... " الحديث - البخاري.

    فانظر كيف انزعج عمر -رضي الله عنه- من مراجعة بسيطة راجعته بها زوجته، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل مراجعة نسائه، بل ويتحمل غضبهن عليه، حتى يَهجرنه من الكلام، وهو النبي الكريم والإمام العظيم، وما ذلك إلا لعظيم حلمه وبالغ صبره صلى الله عليه وسلم.

    2- والأعجب من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان مع ذلك الحال يلاطفهن في القول ، وكأنه لم يصدر منهن شيء ذو بال، فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إني لأعلم إذا كنتِ عنِّي راضية ، وإذا كنت علي غضبى " قالت : فقلت : من أين تعرف ذلك ؟ فقال: [ أما إذا كنتِ عنِّي راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم " قالت: قلتُ أجل والله يا رســـــول الله، ما أهجر إلا اسمك“ البخاري.

    3- وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمُّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: "غارت أمُّكم " ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت . البخاري.

    فانظر إلى مبلغ حلمه صلى الله عليه وسلم على أزواجه، حيث تظلُّ إحداهن هاجرة له اليوم كله حتى تهجر اسمه الشريف، وتستطيل إحداهن بيدها بين يديه على ما يخالف الواجب في حقه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فهو يُغضي عن ذلك ويحلم ويصبر ويصفح، وهو القادر على أن يفارقهن، فيبدله ربه خيرًا منهن مسلمات مؤمنات قانتات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً، كما وعده ربه سبحانه إن هو طلَّقهن، ولكنه كان رؤوفًا رحيمًا، يعفو ويصفح ولا يزيده كثرة الجهل عليه إلا حلمًا.



    أما الوفاء لهن.. فلعله قد علم مما تقدم عن خلق الوفاء، وتطبيق النبي صلى الله عليه وسلم له في بابه، لا سيما مع زوجه خديجة - رضي الله عنها- ، حتى بلغ من وفائه أن غارت منها عائشة -رضي الله عنها- وهي لم تدركها ولم تضارها حتى قالت : 1- " ما غِرت على امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما غرت على خديجة لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها وثنائه عليها" البخاري .

    2- ومن صور وفائه معهن أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت آية التخيير ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ) ( الأحزاب: 28 ) بدأ بعائشة وقال لها: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك... " ( البخاري ) . خشية منه أن تختار زينة الحياة الدنيا لصغر سنها، فتخسر الخير الكثير في الدنيا والآخرة، لكنها كانت أحرص على خير نفسها من أبويها، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: " أفي هذا أستأمر أبويَّ؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ".

    ثم استقرأ الحُجَر (البيوت) يخبر نساءه ويقول لهن: "إن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كذا وكذا فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة -رضي الله عنهن كلهن
    وكانت عائشة -رضي الله عنها- قد قالت له بعد ما أختارت الله ورسوله: وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترتُ، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله لم يبعثني مُعَنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً، لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتهـا " متفق عليه.

    فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وذلك يدل على أنهن -رضي الله عنهن- كنَّ قد تخلَّقن بأخلاق النبوة، فأصبحن يخترن ما اختاره صلى الله عليه وسلم لنفسه من الزهادة في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وذلك لبالغ تأثرهن بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت محل العظمة والكمال.


    أما عدله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه، فهو على نحو ما قلت من حبه وملاعبته وحلمه ووفائه، وعدله ناشئ عن الشعور بالمسؤولية، ومن فِطرة الله تعالى له على الحق والعدل وبعثه بهما.

    1- فقد كان صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة - رضي الله عنها - : " لا يفضِّل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قلَّ يوم يأتي إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبغ إلى التي هو يومُها فيبيت عندها " أبوداود .

    2- ولم يكن يتغير حاله صلى الله عليه وسلم في العدل تبعًا لتغير أحواله سفرًا وحضرًا، بل لقد كان يعدل في سفره كما يعدل في حضَره، كما قالت عائشة - رضي الله عنها - : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيَّتهُن خرج سهمُها خرج بها معه، قالت: وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة - رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم " البخارى.
    تعني بذلك لمَّا كبرت، وأضحت لا إربة لها في الرجال.


    3- وكان من عدله صلى الله عليه وسلم بينهن أنه كان إذا تزوج ثيِّبًا أقام عندها ثلاثًا لإيناسها، ثم يقسم لها كسائر نسائه، كما روت أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام عندها ثلاثًا، وقال لها : "إنه ليس بك على أهلك هوان، إن شئتِ سبَّعت لك - أي : أقمت عندك سبعاً - وإن سبَّعت لك سبَّعت لنسائي " قالت: " ثلِّث " مسلم .

    4- ولقد بلغ به الحال في عدله صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرِّط فيه حتى في مرض موته، حيث كان يُطاف به عليهن في بيوتهن كل واحدة في نوبتها، قالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها-: " لمَّا ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم، واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي فأذنَّ له... " الحديث - البخارى .

    5- وفي رواية قالت: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، قالت: فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت: فمات في اليوم الذي كان يدور عليَّ فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نَحْري وسَحْري وخالط ريقه ريقي“ البخاري.

    6- ومع ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من كمال العدل بين نسائه في كل ما يقدر عليه مما هو (فى يده) فإنه مع ذلك كان يعتذر إلى الله تعالى فيما لا يقدر عليه مما هو ) خارج عن نطاق التكليف، كما قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها-: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول: " اللَّهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" ( أبو داود ) وهو يعني بذلك القلب كما فسَّره به أبو داود، وقيل: يعني الحب والمودة، كما فسره الترمذي، والمعنى: أن القسمة الحسِّية قد كان صلى الله عليه وسلم يوفِّي بها على الوجه الأكمل لأنها بيده، لكن القلب بيد الله، وقد جعل فيه حب عائشة أكثر من غيرها، وذلك خارج عن قدرته وإرادته.

    ومع ذلك فهو يضرع إلى الله أن لا يلومه على ما ليس بيده، مع أن الأمر القلبي لا يجب العدل فيه، وإنما العدل في المبيت والنفقة، ولكن هذا من باب قول الله تعالــــــــــى: ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) المؤمنون : 60 .

    ومما يدل على أن أمر العدل بين الزوجات خطير كما بينه صلى الله عليه وسلم في حديث آخر حيث قال: " من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشِقه ساقط ". وفي رواية ( مائل ) أبو داود وغيره.


    وفي عشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه أسوة للمؤمنين، وعليهم معرفتها والتأسي بها لقول الله تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) ( الأحزاب: 21 ) لأن فعله صلى الله عليه وسلم كقوله وتقريره، تشريع لأمته، وهدى لهم ، يجب عليهم الاقتداء به ما لم يكن الفعل خاصاً به .

    حثه صلى الله عليه وسلم الرجال على حسن معاشرة أزواجهم:

    ومع ذلك فقد دل النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى ما تنبغي أن تكون عليه العشرة الزوجية بقوله، كما دلهم على ذلك بفعله، والثابت عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أحاديث كثيرة أقتطف منها ما يأتي من ذلك:
    1- ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " استوصوا بالنساء خيرًا فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج ما في الضِّلَع أعلاه، فإذا ذهبت تُقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً " .

    وفي رواية عند مسلم: " وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها " فانظر كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الوصية بهنَّ وبيان حقيقتهن، ليكون ذلك أدعى إلى قبول وصيته، لأنه إذا كان طبعها العوج، فإن من الواجب على الرجل أن يصبر عليها ولا يؤمل أن تكون مستقيمة على الصراط، فإنها تصير إلى ما جُبِلت عليه ولا بد، ولذلك كان طلب استقامتهن على النحو الأعدل مثار تعجب الشعراء حتى قال بعضهم:
    هي الضِّلَعُ العوجاء لست تُقيمها ألا إنَّ تقويم الضُّلوع انكسارُها

    وقال آخر فيما هو أعم منه :
    ومكلِّف الأشياء غير طباعهـا متَطَلِّب في الماء جَذوة نــار

    2- وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يكرر هذه الوصية كلما حانت الفرصة ، ففي خطبة حجة الوداع أفرد لها جانبًا كبيرًا من خُطبته العظيمة حيث قال صلى الله عليه وسلم " ألا واستوصوا بالنساء خيرًا ، فإنهن عوانُ - أي: أسيرات - عندكم ، ليس تملكون شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن ذلك فاهجروهن في المضاجع ، واضربوهن ضرباً غير مبرِّح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا وإن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يوطئن فُرُشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقَّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن . مسلم.

    وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر وصيته بالنساء، لما يعلمه من حالهن الذي بينه في الحديث السابق، وهو الحال الذي قد لا يقدر على تحمُّله بعض الرجال الذين لا يملكون أنفسهم عند الغضب فيحمله عوج المرأة إلى أن يفارقها فيتفرَّق شمله، وتَتَشتَّتُ أسرته وأهله .

    ولذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج في حديث آخر إلى ما فيه صلاح حاله مع أسرته بقوله:
    3- " لا يفرك - أي: لا يبغض - مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر " مسلم.
    4- وقال لهم أيضاً: " إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً وألطفهم بأهله " الترمذي وغيره.
    5- وقال: " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ".

    6- وقال: " كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو ، أو سهو ، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغَرضين ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، وتعليم السباحة " النسائى .
    إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المعلومة الحاثة على انتهاج الأخلاق الحميدة مع الأهل والعشيرة.
    تأديبه صلى الله عليه وسلم نساءه إذا اقتضى الأمر ذلك.

    ومع تلك المعاشرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتهجها مع أهله أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن -: رحمة ورأفة وعطفاً وتلطفاً، إلا أنها لم تكن على ذلك الحال في جميع الأحوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكيمًا يضع كل تصرف في مكانه اللائق به، فحيث كانت تلك العشرة أجدى وأولى انتهجها، وإذا كان التأديب والزجر والهجرة هو الأجدر اتخذه لأنه كما قيل:

    ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يًكدَّرا
    فالنساء بما فطرن عليه من الاعوجاج، وحدة العاطفة، يحتجن حتماً إلى تقويم وتربية وتأديب، ولأجل هذا خوَّل الله تعالى الرجال هذه المسؤولية حيث قال: ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ) النساء: 34.
    والنبي صلى الله عليه وسلم في عشرته مع أهله لم يستغن عن اتخاذ هذا الأسلوب ليكون أسوة لأمته في التربية والتأديب.

    فإنه عليه الصلاة والسلام لما سأله نساؤه النفقة الخارجة عن حده، وأردن التوسع في الدنيا ولذَّاتها، خلاف ما اختاره لنفسه منها، هجرهُنَّ وآلى من الدخول عليهن شهراً، حتى أنزل الله تعالى عليه: ( يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما ) ( الأحزاب : 28 - 29 ) ، فخيَّرهن النبي صلى الله عليه وسلم في البقاء معه على الكفاف، أو المفارقة فاخترن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدمت الإشارة إلى ذلك من حديث أنس وأم سلمة وابن عباس في الصحيحين وغيرهما.

    وهكذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جد الجد في معاملته لهن، بأن أخطأن خطأ لا يمكن التغاضي عنه، وذلك بأن كان دينياً، فإنه لا تأخذه في الإنكار عليهن وزجرهن في الله لومة لائم، فكان يعظ، ويوجِّه، ويخوف، ويغضب،.. بحسب مقام كل قضية مما هو معلوم ولا يخفى أمره.
    وهذا مما يدل على تكافؤ أخلاقه صلى الله عليه وسلم وتوازنها، حيث يضع كل أمر في نصابه ومحله اللائق الذي لا ينبغي غيره

    وان شاء الله فى المرة القادمة سوف نتكلم عن زوجات الرسول الله صلى الله علية وسلم

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك