موقع الدي في دي العربي

الموقع الأكثر تطوراً في مجال الترفيه والتسلية وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب، تابع أحدث أخبار الأدب والفن الأفلام والمسلسلات، الرياضة، البرامج والألعاب، الفضائيات والاتصالات، العلوم واللغات، شاركنا آرائك مع محبي الفن والثقافة ، انضم الآن



+ الرد على الموضوع
صفحة 4 من 6 الأولىالأولى ... 2 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 86
Like Tree0Likes

الموضوع: بدائع الشرائع (منتدى الاحوال الشخصيه للمسلمين)

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    تاجير الارحام

    5 رجب 1429

    طلب فتوى


    الاستعلام عن فتوى


    آداب الفتوى


    تراث الفتاوى


    أمانة الفتوى


    فتـاوى بحثيـة


    أبحاث


    حلال وحـرام


    العلمـاء


    العقيدة الإسلامية


    الدفـاع عن الإسلام


    قضايا اسلاميـة


    فقـه المرأة


    السيرة النبـوية


    بيـانات الـدار


    المكتبة الإلكترونية


    تحـويل التاريخ




    *



    ما رأيك في شكل الموقع؟
    ممتاز
    جيد
    مقبول
    ضعيف





    *





    الرئيسة | أبحاث


    الموضوع: تأجير الأرحام
    مصدرها: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية
    التاريخ: 01/06/2008
    مع التطور العلمي الهائل في شتى المجالات العلمية صرنا نتسامع كل يوم باكتشاف جديد، والطب عمومًا من أخصب المجالات التي ظهر فيها هذا التطور، وفرع الإنجاب الصناعي خصوصًا من الفروع الطبية سريعة التطور؛ فلا تكاد تمر فترة وجيزة إلا وتحمل لنا الوسائل الإعلامية بعض الاكتشافات الطبية والعلمية الجديدة فيه.
    وكانت شرارة البدء في هذا المجال عندما ولدت أول طفلة بطريق تلقيح صناعية في أواخر السبعينات من القرن الماضي، فكان هذا الحدث هو موضوع الساعة وقتئذ. ومن ذلك الحين وطب الإنجاب الصناعي في ثورة مستمرة وتطور دائم.
    ومن طفرات هذا الفرع من فروع الطب ما يعرف بـ "الرحم البديل"، وصورته أن تلقح بويضة المرأة بماء زوجها ثم تعاد اللقيحة إلى رحم امرأة أخرى، وعندما تلد البديلة الطفل تسلمه للزوجين.
    وأسباب اللجوء إليه متعددة: كمن أزيل رحمها بعملية جراحية مع سلامة مبيضها، أو وجود عيوب خلقية شديدة فيه، أو أن الحمل يسبب لها أمراضًا شديدة، كتسمم الحمل، أو للمحافظة على تناسق جسدها، وتخلصها من أعباء ومتاعب الحمل والولادة.
    وهذه الصورة قد انتشرت مؤخرًا في الغرب بشكل ملحوظ، وصارت المرأة التي تبذل رحمها لتحمل بويضة غيرها تفعل هذا في مقابل مادي فيما عرف بـ "مؤجِّرات البطون"، وقد بدأت هذه الممارسات في محاولات للتسلل إلى عالمنا الإسلامي، وفيما يلي نعرض ما يتعلق بحكم هذه النازلة وما يترتب عليها من آثار بفرض وقوعها.


    البابالأول
    في بيان الحكم الشرعي لعملية تأجير الأرحام


    الفصل الأول
    في أدلة التحريم

    الذي تضافرت عليه الأدلة هو حرمة اللجوء إلى طريق الرحم البديل سواء كان بالتبرع أو بالأجرة، وهذا هو ما ذهب جماهير العلماء المعاصرين، وبه صدر قرار مجمع البحوث الإسلامية بمصر رقم (1) بجلسته المنعقدة بتاريخ الخميس 29 مارس 2001م، وقرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الثامنة المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 28 ربيع الآخر 1405هـ إلى يوم الإثنين 7 جمادى الأولى 1405هـ الموافق من 19-28 يناير 1985م.

    الدليل الأول:
    قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}[المؤمنون 5-7]، ولا فرق في وجوب حفظ الفرج بين الرجال والنساء، وحفظ الفرج مطلق يشمل حفظه عن فرج الآخر وكذلك عن مَنيِّه.

    الدليل الثاني:
    أن الأصل في الأبضاع التحريم، ولا يباح منها إلا ما نص عليه الشارع، والرحم تابع لبُضع المرأة، فكما أن البُضع لا يحل إلا بعقد شرعي صحيح، فكذلك الرحم لا يجوز شغله بغير بحمل الزوج، فيبقى على أصل التحريم ([1]).

    الدليل الثالث:
    أن الرحم ليس قابلا للبذل والإباحة؛ فإن الشارع حرّم استمتاع غير الزوج ببضع المرأة؛ لأنه يؤدي إلى شغل رحم هذه المرأة التي استمتع ببضعها بنطفة لا يسمح الشرع بوضعها فيها إلا في إطار علاقة زوجية يقرها الشرع، فيكون الرحم أيضًا يكون غير قابل للبذل والإباحة من باب أولى؛ وذلك للمحافظة على صحة الأنساب ونقائها ([2]).
    وما لا يقبل البذل والإباحة لا تصح هبته، وكذلك إجارته؛ لأن الإجارة: "عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم"، وقد نصَّ الفقهاء أن قولهم في التعريف: "قابلة للبذل والإباحة"؛ للاحتراز عن منفعة البُضع؛ فإنها غير قابلة للبذل والإباحة ([3]).

    الدليل الرابع:
    وجود شبهة اختلاط الأنساب؛ لاحتمال أن تفشل عملية التلقيح بعد وضع اللقيحة في الرحم المؤجر، ويحدث الحمل عن طريق مباشرة الزوج لزوجته، فيُظَنّ أن الحمل والوليد للمستأجر، مع أنه في الواقع ليس له.
    وكذلك ترد هذه الشبهة في حالة استمرار الزوج في مباشرة زوجته وهي حاملة للبويضة الملقحة؛ لأن الجنين يتغذى بماء الزوج، كما يتغذى من الأم الحامل.
    وقد ورد النهي الصريح عن وطء الحامل التي هي من هذا القبيل، فعن رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءَه زرعَ غيره"، يعني: إتيان الحبالى. وفي رواية: "فلا يسق ماءه ولد غيره" ([4]).
    قال ابن القيم: "فالصواب أنه إذا وطئها حاملا صار في الحمل جزء منه؛ فإن الوطء يزيد في تخليقه ... قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى في قوله: (لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره). ومعلوم أن الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه، ويتكون الزرع منه" اهـ ([5]).
    ولا يمكن أن نقول بمنع الزوج من وطء زوجته مدة الحمل؛ لما في هذا من منعه من واجب عليه إذا لم يكن له عذر، كما هو منصوص مذهب المالكية ([6])، والحنابلة ([7]) بل قد يكون واجبًا عليه بالإجماع إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا، والمنعُ من الواجب حرام، وما يؤدي إلى الحرام يكون حرامًا. كما أن اشتراط منع الزوج من وطء زوجته شرط باطل؛ لمخالفته لمقتضى العقد ([8]).

    الدليل الخامس:
    أن التلقيح بهذه الطريقة مستلزم لانكشاف عورة المرأة، والنظر إليها، ولمسها، والأصل في ذلك أنه محرم شرعًا، لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة شرعيتين، ولو سلمنا بقيام حالة الضرورة أو الحاجة في حق صاحبة البويضة، لم نسلمها في حق صاحبة الرحم البديل؛ لأنها ليست هي الزوجة المحتاجة للأمومة.

    الدليل السادس:
    الإجارة لا يجوز التوسع فيها بالقياس؛ لأنها شرعت على خلاف الأصل؛ فإن الأصل في التملك هو تملك الأعيان والمنافع معًا، وليس تملك المنافع دون الأعيان، والإجارة عقد على تملك المنافع فقط، فكانت مشروعيتها على خلاف الأصل.
    وما شرع على خلاف الأصل لا يجوز التوسع فيه بالقياس عليه، بل يقتصر فيه على مورد النص المجيز فقط.
    فإذا كانت الإجارة بصفة عامة لا يجوز التوسع فيها بالقياس عليها، فإجارة المرأة للرضاع لا يجوز التوسع فيها بالقياس عليها من باب أولى ([9]).

    الدليل السابع:
    يحرم بذل المرأة رحمها بالحمل للغير؛ للضرر الذي سيقع عليها، فإنها لا تخلو من أحد حالتين: إما أن تكون متزوجة، أو تكون غير متزوجة.
    فإن كانت متزوجة: جاءت شبهة اختلاط الأنساب، وإن كانت غير متزوجة: عرضت نفسها للقذف وقالَة السوء.
    كما أن القول بإجازة الحمل لحساب الغير فيه إزالة لضرر امرأة محرومة من الحمل بضرر امرأة أخرى هي التي تحمل وتلد، ثم لا تتمتع بثمرة حملها وولادتها وعنائها، والقاعدة المقَرَّرة: أن الضرر لا يزال بالضرر ([10]).

    الدليل الثامن:
    غلبة المفاسد المترتبة على هذه العملية، ومنها:
    إفساد معنى الأمومة كما فطرها الله وعرفها الناس، وصبغها بالصبغة التجارية، مما يناقض معنى الأمومة التي عظمتها الشرائع وناطت بها أحكامًا وحقوقًا عديدة، ونَوَّه بها الحكماء، وتغنى بها الأدباء، وهذا المعنى وذلك التعظيم لا يكون من مجرد بويضة أفرزها مبيض امرأة ولَقَّحَها حيوان منوي من رجل، إنما تتكون من شيء آخر بعد ذلك هو: الوحم، والغثيان، والوهن مدة الحمل..هو التوتر، والقلق، والطلق عند الولادة..هو الضعف، والهبوط، والتعب بعد الولادة، هذه الصحبة الطويلة هي التي تُوَلِّد الأمومة.
    كما أن تغطية الأمومة بهذا الحاجز الضبابي يؤدي إلى تنازع الولاء عند الطفل بعد الإنجاب، هل سيكون ولاؤه لصاحبة البويضة، أو للتي حملته وأرضعته من ثدييه؟ مما قد يعرضه لهزة نفسية عنيفة؛ إذ أنه لن يعرف إلى من ينتمي بالضبط أمه الأولى أم أمه الثانية؟، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح ([11]).


    مطلب
    في حكم الحمل عن طريق رحم الضَرَّة

    بعد أن قرر جماهير العلماء -كما تقدم- حرمة استخدام الرحم في الحمل لحساب الغير سواء بعوض أو عن تطوع، استثنى طائفة منهم صورة واحدة، وهي: ما إذا كانت الأم البديلة التي تقوم بالحمل لحساب الغير زوجة أخرى "ضَرَّة" لزوج صاحبة البويضة المخصبة، فإنه والحالة هذه يجوز -عندهم- أن تقوم بالحمل لضَرَّتها على وجه التطوع عند قيام الحاجة، كأن يكون رحم صاحبة البويضة معطَّلا أو منزوعًا، لكن مبيضها سليم.
    وبالجواز صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في دورته السابعة المنعقدة في الفترة ما بين 11-16 ربيع الآخر 1404هـ ([12]).
    وبرر ذلك بأن المرأتين زوجتان لرجل واحد، والزوجة الأخرى قد تبرعت بحمل اللقيحة لضرتها، فوحدة الأبوة متحققة، والتماسك العائلي موجود، وشبهة اختلاط الأنساب هنا منتفية ([13]).
    والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن هذه الصورة أيضًا تعتبر ممنوعة محرمة؛ وذلك لعدم نهوض ما يوجب استثناءها من الأدلة السابقة الدالة على تحريم بذل المرأة رحمها للغير.


    الفصل الثاني
    في مناقشة الرأي المبيح

    إن القول بحرمة تأجير الأرحام هو ما أطبق عليه جمهور الباحثين المعاصرين، بل وقع في كلام بعضهم دعوى الإجماع على ذلك، أو عدم العلم بخلاف في الحرمة ([14]).
    والواقع أنه قد نبت رأي شاذ بإجازة تأجير الأرحام قال به بعض المعاصرين، ولكن هذا الرأي لا يعتبر جارحًا لما قرره الجمهور؛ لضعفه الشديد، كما سيظهر في بيان أدلته ومناقشتها فيما يلي:
    الدليل الأول:
    استدلوا بقياس الرحم على الثدي بجامع التغذية في كلٍّ، فكما تتم التغذية عن طريق الفم في حالة الإرضاع، تتم في الرحم بمواد مستخلصة من الطعام المهضوم في أحشاء الأم بواسطة الحبل السري، فهي مصدر الغذاء الضروري لاستبقاء الجنين في كل منهما ([15]). وبعضهم يقول: إن الجامع الاستئجار في كلٍ؛ فهذه تؤجر رحمها، وتلك تؤجر ثدييها ([16]).
    وقد نوقش هذا الدليل بأنّ قياس الرحم على الثدي بجامع منفعة التغذية في كلٍّ لا يصح؛ لأن شرط العلة أن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا ([17])، والمنفعة وإن كانت وصفًا ظاهرًا إلا أنه ليس منضبطًا؛ لأن معنى الانضباط الوارد في تعريف العلة هو: أن تلزم العلة حالة واحدة، فلا تكون مضطربة، أي: لا تتغير بتغير الأشخاص والأزمان. والمنفعة وصف مضطرب؛ لاختلافها باختلاف الأشخاص والأزمان؛ فرُبَّ منفعة لشخص هي مَضَرَّة لشخص آخر، ورُبَّ منفعة في زمن هي مَضَرَّة في زمن آخر، فلا تصلح أن تكون علة في القياس.
    فإن قيل: إن العلة ليست مطلق المنفعة بل خصوص التغذية. قلنا: لا يصح أيضًا؛ لاضطراب التغذية وعدم انضباطها؛ فتغذية الجنين من الأم الحاضنة قد تكون منفعة ومصلحة إذا كانت الأم سليمة، ولم تتعاط أية أدوية مؤثرة على صحة الجنين، ولم يطرأ عليها مرض، وقد تكون مضرة للجنين إذا وجد شيء من ذلك.
    كذلك التغذية من ثدي المرضعة قد يكون مصلحة ومنفعة للرضيع، إذا كانت المرضعة سليمة من الأمراض ولم تتعاط أية أدوية مؤثرة على صحة الرضيع، ومضرة إذا وجد فيها شيء من ذلك ([18]).
    وأما أن يكون الجامع الاستئجار، فلا يصح أيضا، وذلك لأمرين:
    أولهما: أن العلة وصف ظاهر منضبط، يلزم من وجوده وجود الحكم، ويلزم من عدمه عدم الحكم، والإجارة ليست كذلك؛ إذ قد تنعدم ولا تنعدم إباحة الرضاع؛ لإمكان تبرع المرضعة به ([19]).
    الثاني: قيام الفارق بين المقيس والمقيس عليه؛ لأن تأجير ثدي المرأة قد أبيح للضرورة، وهي: المحافظة على حياة الرضيع، بخلاف تأجير الأرحام فهو لإنشاء حياة جديدة، ولا ضرورة فيه، وما جاز للضرورة لا يقاس عليه غيره ([20]).

    الدليل الثاني:
    وجود حالة الحاجة الشرعية؛ حيث يلجأ لهذه الطريقة عند وجود أسباب طبية غالبًا ما تمنع المرأة من الحمل، كأن تولد بدون بدون رحم، أو تكون مصابة بتشوهات أو مرض يجعل الحمل مستحيلا، أو عند إرادة الوقاية من انتقال بعض الأمراض الوراثية عن طريق الأم البيولوجية. والرغبة في تحصيل الولد حاجة لا تنكر، والحاجة تنـزَّل منزلة الضرورة ([21]).
    ونوقش هذا الدليل بعدم التسليم بتوافر حالة الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة؛ فإن دفع الحاجة إلى التنعم بالولد لمن حرم منه عن طريق استئجار الأرحام، وإن كان مصلحة، إلا أنَّ المفاسد المترتبة على وسيلة دفع هذه الحاجة أرجح منها؛ فإن هذه الطريقة تؤدي إلى التنازع بين الناس، مع ما فيه من شبهة الاختلاط في الأنساب ([22]).

    الدليل الثالث:
    قالوا: إن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص قطعي ([23]).
    وهذا الاستدلال محل نظر؛ لأن الصحيح أن الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع هو الحلّ في المنافع، والتحريم في المضار، لا الإباحة المطلقة ([24]).
    ولو سلمناها، فهي مقيدة بقاعدة أخرى، وهي أن الأصل في الأبضاع التحريم.
    أما القول بأنه لا تحريم إلا بنص قطعي، فإن أريد قطعي الثبوت: لم يُسلَّم؛ لأن خبر الواحد ظني الثبوت، ويثبت التعبد به مع قصوره عن إفادة العلم.
    وإن أريد به قطعي الدلالة: فلا يسلم أيضًا؛ فالكتاب والسنة المتواترة منها ما هو ظني الدلالة، إلا أنه يُحتج به ([25]).


    الباب الثاني
    في الآثار المترتبة على استخدام الرحم في الحمل لحساب الغير

    الفصل الأول
    في نسب المولود من ناحية الأب

    المطلب الأول
    فيما إذا كانت صاحبة الرحم البديل زوجة ثانية لصاحب النطفة

    إذا كانت صاحبة الرحم البديل زوجة أخرى لصاحب النطفة كان هو الأب الشرعي للمولود قطعًا؛ لأن النطفة المستخدمة في التلقيح هي نطفته، فالولد من صلبه قطعًا؛ لأنه هو صاحب الفراش الذي ولد فيه الولد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش" ([26]).


    المطلب الثاني
    فيما إذا كانت صاحبة الرحم البديل امرأة ذات زوج

    إذا كانت صاحبة الرحم البديل امرأة ذات زوج فإن نسب المولود يثبت لزوجها، ولا يتبع صاحب النطفة.
    ودليل ذلك حديث: "الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر" ([27])، والأحكام الشرعية مبناها على الظاهر ([28]).
    ورأى بعض العلماء المعاصرين أن المولود ينسب إلى زوج صاحبة البويضة التي لُقِّحَت بنطفته، وتثبت له كل الحقوق المترتبة على ثبوت النسب. ولا ينسب إلى زوج صاحبة الرحم البديل.
    واستدلوا بأن الجنين قد انعقد من بويضة امرأة وماء رجل بينهما نكاح شرعي صحيح، وكون هذه العملية محرمة لا يؤثر في نسبة الولد إلى أبويه؛ لأن التحريم قد عرض بعد الانعقاد بسبب استعمال رحم المرأة المتبرعة استعمالا غير مأذون فيه شرعًا، وعليه فالتحريم لم يدخل في أصل تكوين الجنين، بل من طريق تغذيته التي نتج عنها نماؤه وتكامله، فهو أشبه ما يكون بطفل غذاه أبواه من حرام حتى كبر، فهما آثمان بذلك، لكن هذا لا يقطع عنهما نسب ابنهما.
    ويُشْكِل على هذا الرأي أن الزوج المذكور لا يربطه بالمرأة صاحبة الرحم البديل أي سبب من أسباب ثبوت النسب لجهة الأب، وهي ثلاثة: الزواج -صحيحًا كان أو فاسدًا-، أو وطء الشبهة، أو المخالطة المبنية على ملك اليمين ([29]).


    المطلب الثالث
    فيما إذا كانت صاحبة الرحم البديل ليست ذات زوج

    يري بعض الباحثين المعاصرين أنه إذا كانت المرأة صاحبة الرحم البديل غير متزوجة، فإن الولد ينسب لزوج صاحبة البويضة المخصبة، وتثبت له كل الحقوق المترتبة على ثبوت النسب، وكل صلات القرابة، وما يترتب على ذلك من المحرمية الثابتة بهذه القرابات ([30]).
    ومما استندوا عليه في ذلك:
    أولا: التخريج على ما أفتى به فريق من العلماء من صحة نسب ولد الزاني إلى الزاني إذا كانت الزانية غير متزوجة. قالوا: بل ثبوته هنا أولى؛ وذلك لاحترام المائين حال الإنزال، وحال التخصيب ([31]).
    ثانيًا: التخريج على ما قاله بعض العلماء من أن النسب يشترط فيه المشروعية أثناء إنزال المني، ولا يشترط فيه المشروعية أثناء إدخاله في المرأة.
    يقول الإمام شمس الدين الرملي أثناء كلامه عن أم الولد –الجارية التي جامعها سيدها فحملت وولدت-: "لو استدخلت مني سيدها المحترم بعد موته، فإنها لا تصير أم ولد؛ لانتفاء ملكه لها حال علوقها، وإن ثبت نسب الولد وما بعده وورث منه؛ لكون المني محترمًا, ولا يعتبر كونه محترمًا حال استدخالها خلافًا لبعضهم, فقد صَرَّح بعضهم بأنه لو أنزل في زوجته، فساحقت بنته، فحبلت منه، لحقه الولد, وكذا لو مسح ذكره بحجر بعد إنزاله في زوجته، فاستجمرت به أجنبية، فحبلت منه" ([32]).
    وفي الصورة التي نتكلم عنها: كان إنزال المني مشروعًا؛ لأنه كان بين رجل وامرأة تربطهما علاقة زوجية صحيحة، فالبويضة من المرأة مُلَقَّحة من زوجها، وتلقيح البويضة من الزوج لا يعد من جملة المحرمات، وإنما عدم المشروعية هو في استخدام رحم الغير، فعدم المشروعية متعلق بإدخال البويضة الملقحة في رحم امرأة أخرى، ولا يشترط لثبوت النسب المشروعية أثناء الإدخال، كما تقدم في كلام الرملي ([33]).


    الفصل الثاني
    في نسب المولود من ناحية الأم

    إذا حدث ووقعت صورة الرحم البديل المتكلم عنها فإن الولد الناتج سينسب إلى صاحبة الرحم البديل لا إلى صاحبة البويضة المخصبة، وستترتب له كل أحكام الولد بالنسبة لأمه، والأم بالنسبة لولدها.
    ويدل على ذلك أمور:
    أولا: الآيات القرآنية الكريمة التي دلت بصريح النص أن الأم هي التي تحمل وتلد، وأن التي يتم التخليق في بطنها هي الأم، كقوله تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا..الآية}[النحل: 78]، وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ..الآية}[لقمان: 14]، وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا}[الأحقاف: 15]، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن التي ولدت وخرج منها الجنين هي التي تسمى أمًّا، وفي الآية الثانية أن التي تحمل الجنين هي التي تسمى أمًّا حقيقية، وينسب لها. وفي الآية الثالثة أن التي تحمل الولد كرهًا وتضعه كرهًا هي أمه.
    ونوقش هذا الاستدلال بأن الأم الحقيقية على مر التاريخ ووقت نزول القرآن هي مجموعة الهيئة التي هي صاحبة الحمل والوضع وهي ذاتها وفي الوقت نفسه صاحبة البويضة.
    فكل مولود له بأمه صلتان: صلة تكوين ووراثة، وأصلها البويضة. وصلة حمل وولادة وحضانة، وأصلها الرحم. فإطلاق الأم على التي حملت ووضعت فقط من غير أن تكون البويضة منها، إطلاق على غير الهيئة الكاملة لها وقت التنزيل ([34]).
    ثانيًا: أثبت القرآن الكريم صفة الأمومة للتي حملت وولدت، بأسلوب يدل على اختصاصها بها، كما في قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}[البقرة: 233]، والوالدة حقيقة في التي ولدت بالفعل. وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ}[المجادلة: 2] حيث صَرَّح تعالى أن الأم هي التي ولدت، وسلك أقوى طرق القصر، وهي: النفي والإثبات، فنفى الأمومة عن التي لم تلد الولد، وأثبتها للتي ولدت.
    ثالثًا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك"، فسمى صلى الله عليه وسلم التي يجمع الخلق في بطنها أمًّا ([35]).
    رابعًا: ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة اختصما في غلام، فقال سعد: "يا رسول الله هذا ابن أختي عتبة بن أبي وقاص عهد إلىّ أنه ابنه انظر إلى شبهه". وقال عبد بن زمعة: "هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته"، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحَجَر، واحتجبي منه يا سَودة. فلم ير سَودة قط" ([36]).
    فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الغلام ابنًا لزمعة مع ظهور أنه ليس ابنًا لزمعة، وجعل الحكم الولد للفراش، فالحقيقة العلمية ليست بالضرورة هي الحقيقة الشرعية؛ فالشرع يحكم بالظاهر والحقيقة علمها عند الله تعالى ([37]).




    مطلب
    في علاقة الولد بالمرأة صاحبة البويضة

    يتفرع على القول بأن الولد ينسب لصاحبة الرحم البديل بحث علاقته بالمرأة صاحبة البويضة، وللعلماء في حكمها قولان:
    القول الأول:
    أن المرأة صاحبة البويضة وإن لم تكن أمه شرعًا، فإنها ليست بأجنبية عنه، بل هي بمثابة الأم من الرضاع.
    وذلك؛ لأن علة التحريم في الرضاع هي: الجزئية، أو شبهتها-كما هو مقرر عند الحنفية ([38])-، فأقل ما يقال: إنّ هذا الوليد فيه جزئية من صاحبة البويضة، توجب حرمة الرضاعة.
    وممن قال بهذا الرأي: مجمع الفقه الإسلامي، في دورته السابعة، المنعقدة بمكة المكرمة عام 1404هـ/ 1984م ([39]).

    القول الثاني:
    أنه لا اعتبار للعلاقة بين الولد وبين المرأة صاحبة البويضة، وعملها هدرٌ، لا تترتب عليه أحكام.
    ويتأكد هذا بأن حرمة الزواج بالنساء تحريمًا مؤبدًا يكون لأحد أسباب ثلاثة:
    القرابة أو النسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، كما هو مقرر في مذهب الشافعية ([40])، ومشهور مذهب المالكية ([41]). فالبنوة التي تبنى عليها الأحكام هي البنوة الشرعية، وهي منتفية في الحالة السابقة.
    وممن ذهب إلى هذا الرأي: الشيخ بدر المتولي عبد الباسط –رحمه الله تعالى-، ومما يقول في ذلك: "ألا ترى أن امرأة ما لو غذت طفلا رضيعًا بدمها بالطرق المعروفة الآن، هل يثبت بين صاحبة الدم وبين هذا الطفل حرمة الرضاع؟ .. والذي أقطع به: أن هذه المرأة لا تتجاوز أن تكون زوجة أب هذا الطفل، أما ما وراء ذلك من تعلق حرمة الرضاع بها بأصولها وفروعها وحواشيها، فأمر موهوم أكثر مما هو مظنون" اهـ ([42]).








    مطلب
    في مناقشة القول بثبوت النسب لصاحبة البويضة المخصبة

    ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن النسب في حالة الرحم البديل يثبت لصاحبة البويضة المخصبة، وإلى هذا ذهب القائلون بجواز الحمل عن طرق الرحم البديل، ووافقهم في ذلك القائلون بجوازه في صورة الضَرَّة ([43]).
    وفيما يلي ذكر أدلتهم مع ما يرد عليها من ردود ونقاشات:
    الدليل الأول:
    قالوا: إن القرآن الكريم قد اهتم بالعوامل البيولوجية كأساس لثبوت النسب؛ حيث ذكر في أكثر من موضع أن الأصل في الإنسان النطفة وأنها أساس تكوينه، كما في قوله تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}[النحل: 4]، وقوله تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}[الحج: 5]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ}[غافر: 67]، وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى}[النجم: 45، 46]، وقوله تعالى: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى}[القيامة: 37].
    فدَلَّت هذه الآيات أن الإنسان خلق من نطفة، ونقل بعدها أطوارًا، إلى أن وُلِد ونشأ، مما يدل على أن الولد ينسب لصاحبة البويضة التي خُصِّبت بماء زوجها وفقًا للحقيقة البيولوجية التي ذكرها القرآن الكريم ([44]).
    ونوقش هذا الدليلبأن الماءين إن لم يكونا محترمين حال الإدخال والإخراج أو فيهما، فيصبحان هدرًا لا حرمة لهما مطلقًا؛ فالعوامل البيولوجية معتبرة إن كانت في الإطار الذي رسمه الشارع، وهذا الإطار مضبوط في ثبوت النسب بأسبابه: كالفراش والبينة، والأم البديلة ليست بفراش لزوج صاحبة البويضة المخصبة.
    والمدار كله على اعتبار الشرع، فالزاني وإن كان معلومًا أنه أب بيولوجي للمولود، لكنه ليس بأب شرعي له ([45]).

    الدليل الثاني:
    قالوا: إن المرأة المتبرعة بالحمل لا يستفيد منها الولد غير الغذاء، فأشبه ما يكون بطفل تغذَّى من غير أمه ([46]).
    ونوقش هذا الدليل بمنع أن يكون الولد لا يستفيد من المرأة المتبرعة بالحمل غير الغذاء؛ فقد ثبت أن الرحم يؤثر في الصفات الوراثية للجنين، وليس مجرد عامل مساعد كما يُدَّعَى، فأثناء نمو البيضة الملقحة يمكن أن تضاف بعض الصفات الوراثية إليها من الأم التي تغذيها عن طريق المشيمة من الرحم؛ فالحمض النووي الذي ينقل الصفات الوراثية ليس موجودًا في نواة الخلية فقط، وإنما في سيتوبلازم الخلية، وهذا الجزء من الحمض يتأثر بالبيئة المحيطة به أثناء نمو الجنين في الرحم، فالأم المستأجرة تضيف بعض الصفات الوراثية على الجنين ([47]).

    الدليل الثالث:
    القياس على الثمرة؛ فإن الثمرة بنت البذرة لا بنت الأرض، فمن يزرع برتقالا يجني برتقالا مهما كانت الأرض المزروع بها، ومن يزرع تفاحًا يجني تفاحًا. فالأرض وإن كانت تجهز البذرة بكل ما تحتاج إليه، إلا أنها لا دخل لها بنوع أو جنس النبات الذي سينمو فيها.
    وكذلك شتل الشجر بعد نموه وكبره، فينقل إلى مكان آخر، فتنسب الشجرة إلى البذرة وليس إلى التربة ([48]).
    ويناقش هذا الاستدلال من وجهين:
    الأول: أنه قياس مع قيام الفارق، فهو مردود ([49]).
    الثاني: أن هذا القياس قياس الصوري، والقياس الصوري أضعف أنواع قياس الشبه عند الأصوليين([50]).

  2. #47
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85
    الموضوع: تأجير الأرحام
    مصدرها: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية
    التاريخ: 01/06/2008
    مع التطور العلمي الهائل في شتى المجالات العلمية صرنا نتسامع كل يوم باكتشاف جديد، والطب عمومًا من أخصب المجالات التي ظهر فيها هذا التطور، وفرع الإنجاب الصناعي خصوصًا من الفروع الطبية سريعة التطور؛ فلا تكاد تمر فترة وجيزة إلا وتحمل لنا الوسائل الإعلامية بعض الاكتشافات الطبية والعلمية الجديدة فيه.
    وكانت شرارة البدء في هذا المجال عندما ولدت أول طفلة بطريق تلقيح صناعية في أواخر السبعينات من القرن الماضي، فكان هذا الحدث هو موضوع الساعة وقتئذ. ومن ذلك الحين وطب الإنجاب الصناعي في ثورة مستمرة وتطور دائم.
    ومن طفرات هذا الفرع من فروع الطب ما يعرف بـ "الرحم البديل"، وصورته أن تلقح بويضة المرأة بماء زوجها ثم تعاد اللقيحة إلى رحم امرأة أخرى، وعندما تلد البديلة الطفل تسلمه للزوجين.
    وأسباب اللجوء إليه متعددة: كمن أزيل رحمها بعملية جراحية مع سلامة مبيضها، أو وجود عيوب خلقية شديدة فيه، أو أن الحمل يسبب لها أمراضًا شديدة، كتسمم الحمل، أو للمحافظة على تناسق جسدها، وتخلصها من أعباء ومتاعب الحمل والولادة.
    وهذه الصورة قد انتشرت مؤخرًا في الغرب بشكل ملحوظ، وصارت المرأة التي تبذل رحمها لتحمل بويضة غيرها تفعل هذا في مقابل مادي فيما عرف بـ "مؤجِّرات البطون"، وقد بدأت هذه الممارسات في محاولات للتسلل إلى عالمنا الإسلامي، وفيما يلي نعرض ما يتعلق بحكم هذه النازلة وما يترتب عليها من آثار بفرض وقوعها.


    البابالأول
    في بيان الحكم الشرعي لعملية تأجير الأرحام


    الفصل الأول
    في أدلة التحريم

    الذي تضافرت عليه الأدلة هو حرمة اللجوء إلى طريق الرحم البديل سواء كان بالتبرع أو بالأجرة، وهذا هو ما ذهب جماهير العلماء المعاصرين، وبه صدر قرار مجمع البحوث الإسلامية بمصر رقم (1) بجلسته المنعقدة بتاريخ الخميس 29 مارس 2001م، وقرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الثامنة المنعقدة بمقر رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 28 ربيع الآخر 1405هـ إلى يوم الإثنين 7 جمادى الأولى 1405هـ الموافق من 19-28 يناير 1985م.

    الدليل الأول:
    قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}[المؤمنون 5-7]، ولا فرق في وجوب حفظ الفرج بين الرجال والنساء، وحفظ الفرج مطلق يشمل حفظه عن فرج الآخر وكذلك عن مَنيِّه.

    الدليل الثاني:
    أن الأصل في الأبضاع التحريم، ولا يباح منها إلا ما نص عليه الشارع، والرحم تابع لبُضع المرأة، فكما أن البُضع لا يحل إلا بعقد شرعي صحيح، فكذلك الرحم لا يجوز شغله بغير بحمل الزوج، فيبقى على أصل التحريم ([1]).

    الدليل الثالث:
    أن الرحم ليس قابلا للبذل والإباحة؛ فإن الشارع حرّم استمتاع غير الزوج ببضع المرأة؛ لأنه يؤدي إلى شغل رحم هذه المرأة التي استمتع ببضعها بنطفة لا يسمح الشرع بوضعها فيها إلا في إطار علاقة زوجية يقرها الشرع، فيكون الرحم أيضًا يكون غير قابل للبذل والإباحة من باب أولى؛ وذلك للمحافظة على صحة الأنساب ونقائها ([2]).
    وما لا يقبل البذل والإباحة لا تصح هبته، وكذلك إجارته؛ لأن الإجارة: "عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم"، وقد نصَّ الفقهاء أن قولهم في التعريف: "قابلة للبذل والإباحة"؛ للاحتراز عن منفعة البُضع؛ فإنها غير قابلة للبذل والإباحة ([3]).

    الدليل الرابع:
    وجود شبهة اختلاط الأنساب؛ لاحتمال أن تفشل عملية التلقيح بعد وضع اللقيحة في الرحم المؤجر، ويحدث الحمل عن طريق مباشرة الزوج لزوجته، فيُظَنّ أن الحمل والوليد للمستأجر، مع أنه في الواقع ليس له.
    وكذلك ترد هذه الشبهة في حالة استمرار الزوج في مباشرة زوجته وهي حاملة للبويضة الملقحة؛ لأن الجنين يتغذى بماء الزوج، كما يتغذى من الأم الحامل.
    وقد ورد النهي الصريح عن وطء الحامل التي هي من هذا القبيل، فعن رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءَه زرعَ غيره"، يعني: إتيان الحبالى. وفي رواية: "فلا يسق ماءه ولد غيره" ([4]).
    قال ابن القيم: "فالصواب أنه إذا وطئها حاملا صار في الحمل جزء منه؛ فإن الوطء يزيد في تخليقه ... قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى في قوله: (لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره). ومعلوم أن الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه، ويتكون الزرع منه" اهـ ([5]).
    ولا يمكن أن نقول بمنع الزوج من وطء زوجته مدة الحمل؛ لما في هذا من منعه من واجب عليه إذا لم يكن له عذر، كما هو منصوص مذهب المالكية ([6])، والحنابلة ([7]) بل قد يكون واجبًا عليه بالإجماع إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا، والمنعُ من الواجب حرام، وما يؤدي إلى الحرام يكون حرامًا. كما أن اشتراط منع الزوج من وطء زوجته شرط باطل؛ لمخالفته لمقتضى العقد ([8]).

    الدليل الخامس:
    أن التلقيح بهذه الطريقة مستلزم لانكشاف عورة المرأة، والنظر إليها، ولمسها، والأصل في ذلك أنه محرم شرعًا، لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة شرعيتين، ولو سلمنا بقيام حالة الضرورة أو الحاجة في حق صاحبة البويضة، لم نسلمها في حق صاحبة الرحم البديل؛ لأنها ليست هي الزوجة المحتاجة للأمومة.

    الدليل السادس:
    الإجارة لا يجوز التوسع فيها بالقياس؛ لأنها شرعت على خلاف الأصل؛ فإن الأصل في التملك هو تملك الأعيان والمنافع معًا، وليس تملك المنافع دون الأعيان، والإجارة عقد على تملك المنافع فقط، فكانت مشروعيتها على خلاف الأصل.
    وما شرع على خلاف الأصل لا يجوز التوسع فيه بالقياس عليه، بل يقتصر فيه على مورد النص المجيز فقط.
    فإذا كانت الإجارة بصفة عامة لا يجوز التوسع فيها بالقياس عليها، فإجارة المرأة للرضاع لا يجوز التوسع فيها بالقياس عليها من باب أولى ([9]).

    الدليل السابع:
    يحرم بذل المرأة رحمها بالحمل للغير؛ للضرر الذي سيقع عليها، فإنها لا تخلو من أحد حالتين: إما أن تكون متزوجة، أو تكون غير متزوجة.
    فإن كانت متزوجة: جاءت شبهة اختلاط الأنساب، وإن كانت غير متزوجة: عرضت نفسها للقذف وقالَة السوء.
    كما أن القول بإجازة الحمل لحساب الغير فيه إزالة لضرر امرأة محرومة من الحمل بضرر امرأة أخرى هي التي تحمل وتلد، ثم لا تتمتع بثمرة حملها وولادتها وعنائها، والقاعدة المقَرَّرة: أن الضرر لا يزال بالضرر ([10]).

    الدليل الثامن:
    غلبة المفاسد المترتبة على هذه العملية، ومنها:
    إفساد معنى الأمومة كما فطرها الله وعرفها الناس، وصبغها بالصبغة التجارية، مما يناقض معنى الأمومة التي عظمتها الشرائع وناطت بها أحكامًا وحقوقًا عديدة، ونَوَّه بها الحكماء، وتغنى بها الأدباء، وهذا المعنى وذلك التعظيم لا يكون من مجرد بويضة أفرزها مبيض امرأة ولَقَّحَها حيوان منوي من رجل، إنما تتكون من شيء آخر بعد ذلك هو: الوحم، والغثيان، والوهن مدة الحمل..هو التوتر، والقلق، والطلق عند الولادة..هو الضعف، والهبوط، والتعب بعد الولادة، هذه الصحبة الطويلة هي التي تُوَلِّد الأمومة.
    كما أن تغطية الأمومة بهذا الحاجز الضبابي يؤدي إلى تنازع الولاء عند الطفل بعد الإنجاب، هل سيكون ولاؤه لصاحبة البويضة، أو للتي حملته وأرضعته من ثدييه؟ مما قد يعرضه لهزة نفسية عنيفة؛ إذ أنه لن يعرف إلى من ينتمي بالضبط أمه الأولى أم أمه الثانية؟، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح ([11]).


    مطلب
    في حكم الحمل عن طريق رحم الضَرَّة

    بعد أن قرر جماهير العلماء -كما تقدم- حرمة استخدام الرحم في الحمل لحساب الغير سواء بعوض أو عن تطوع، استثنى طائفة منهم صورة واحدة، وهي: ما إذا كانت الأم البديلة التي تقوم بالحمل لحساب الغير زوجة أخرى "ضَرَّة" لزوج صاحبة البويضة المخصبة، فإنه والحالة هذه يجوز -عندهم- أن تقوم بالحمل لضَرَّتها على وجه التطوع عند قيام الحاجة، كأن يكون رحم صاحبة البويضة معطَّلا أو منزوعًا، لكن مبيضها سليم.
    وبالجواز صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في دورته السابعة المنعقدة في الفترة ما بين 11-16 ربيع الآخر 1404هـ ([12]).
    وبرر ذلك بأن المرأتين زوجتان لرجل واحد، والزوجة الأخرى قد تبرعت بحمل اللقيحة لضرتها، فوحدة الأبوة متحققة، والتماسك العائلي موجود، وشبهة اختلاط الأنساب هنا منتفية ([13]).
    والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن هذه الصورة أيضًا تعتبر ممنوعة محرمة؛ وذلك لعدم نهوض ما يوجب استثناءها من الأدلة السابقة الدالة على تحريم بذل المرأة رحمها للغير.


    الفصل الثاني
    في مناقشة الرأي المبيح

    إن القول بحرمة تأجير الأرحام هو ما أطبق عليه جمهور الباحثين المعاصرين، بل وقع في كلام بعضهم دعوى الإجماع على ذلك، أو عدم العلم بخلاف في الحرمة ([14]).
    والواقع أنه قد نبت رأي شاذ بإجازة تأجير الأرحام قال به بعض المعاصرين، ولكن هذا الرأي لا يعتبر جارحًا لما قرره الجمهور؛ لضعفه الشديد، كما سيظهر في بيان أدلته ومناقشتها فيما يلي:
    الدليل الأول:
    استدلوا بقياس الرحم على الثدي بجامع التغذية في كلٍّ، فكما تتم التغذية عن طريق الفم في حالة الإرضاع، تتم في الرحم بمواد مستخلصة من الطعام المهضوم في أحشاء الأم بواسطة الحبل السري، فهي مصدر الغذاء الضروري لاستبقاء الجنين في كل منهما ([15]). وبعضهم يقول: إن الجامع الاستئجار في كلٍ؛ فهذه تؤجر رحمها، وتلك تؤجر ثدييها ([16]).
    وقد نوقش هذا الدليل بأنّ قياس الرحم على الثدي بجامع منفعة التغذية في كلٍّ لا يصح؛ لأن شرط العلة أن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا ([17])، والمنفعة وإن كانت وصفًا ظاهرًا إلا أنه ليس منضبطًا؛ لأن معنى الانضباط الوارد في تعريف العلة هو: أن تلزم العلة حالة واحدة، فلا تكون مضطربة، أي: لا تتغير بتغير الأشخاص والأزمان. والمنفعة وصف مضطرب؛ لاختلافها باختلاف الأشخاص والأزمان؛ فرُبَّ منفعة لشخص هي مَضَرَّة لشخص آخر، ورُبَّ منفعة في زمن هي مَضَرَّة في زمن آخر، فلا تصلح أن تكون علة في القياس.
    فإن قيل: إن العلة ليست مطلق المنفعة بل خصوص التغذية. قلنا: لا يصح أيضًا؛ لاضطراب التغذية وعدم انضباطها؛ فتغذية الجنين من الأم الحاضنة قد تكون منفعة ومصلحة إذا كانت الأم سليمة، ولم تتعاط أية أدوية مؤثرة على صحة الجنين، ولم يطرأ عليها مرض، وقد تكون مضرة للجنين إذا وجد شيء من ذلك.
    كذلك التغذية من ثدي المرضعة قد يكون مصلحة ومنفعة للرضيع، إذا كانت المرضعة سليمة من الأمراض ولم تتعاط أية أدوية مؤثرة على صحة الرضيع، ومضرة إذا وجد فيها شيء من ذلك ([18]).
    وأما أن يكون الجامع الاستئجار، فلا يصح أيضا، وذلك لأمرين:
    أولهما: أن العلة وصف ظاهر منضبط، يلزم من وجوده وجود الحكم، ويلزم من عدمه عدم الحكم، والإجارة ليست كذلك؛ إذ قد تنعدم ولا تنعدم إباحة الرضاع؛ لإمكان تبرع المرضعة به ([19]).
    الثاني: قيام الفارق بين المقيس والمقيس عليه؛ لأن تأجير ثدي المرأة قد أبيح للضرورة، وهي: المحافظة على حياة الرضيع، بخلاف تأجير الأرحام فهو لإنشاء حياة جديدة، ولا ضرورة فيه، وما جاز للضرورة لا يقاس عليه غيره ([20]).

    الدليل الثاني:
    وجود حالة الحاجة الشرعية؛ حيث يلجأ لهذه الطريقة عند وجود أسباب طبية غالبًا ما تمنع المرأة من الحمل، كأن تولد بدون بدون رحم، أو تكون مصابة بتشوهات أو مرض يجعل الحمل مستحيلا، أو عند إرادة الوقاية من انتقال بعض الأمراض الوراثية عن طريق الأم البيولوجية. والرغبة في تحصيل الولد حاجة لا تنكر، والحاجة تنـزَّل منزلة الضرورة ([21]).
    ونوقش هذا الدليل بعدم التسليم بتوافر حالة الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة؛ فإن دفع الحاجة إلى التنعم بالولد لمن حرم منه عن طريق استئجار الأرحام، وإن كان مصلحة، إلا أنَّ المفاسد المترتبة على وسيلة دفع هذه الحاجة أرجح منها؛ فإن هذه الطريقة تؤدي إلى التنازع بين الناس، مع ما فيه من شبهة الاختلاط في الأنساب ([22]).

    الدليل الثالث:
    قالوا: إن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا تحريم إلا بنص قطعي ([23]).
    وهذا الاستدلال محل نظر؛ لأن الصحيح أن الأصل في الأشياء بعد ورود الشرع هو الحلّ في المنافع، والتحريم في المضار، لا الإباحة المطلقة ([24]).
    ولو سلمناها، فهي مقيدة بقاعدة أخرى، وهي أن الأصل في الأبضاع التحريم.
    أما القول بأنه لا تحريم إلا بنص قطعي، فإن أريد قطعي الثبوت: لم يُسلَّم؛ لأن خبر الواحد ظني الثبوت، ويثبت التعبد به مع قصوره عن إفادة العلم.
    وإن أريد به قطعي الدلالة: فلا يسلم أيضًا؛ فالكتاب والسنة المتواترة منها ما هو ظني الدلالة، إلا أنه يُحتج به ([25]).


    الباب الثاني
    في الآثار المترتبة على استخدام الرحم في الحمل لحساب الغير

    الفصل الأول
    في نسب المولود من ناحية الأب

    المطلب الأول
    فيما إذا كانت صاحبة الرحم البديل زوجة ثانية لصاحب النطفة

    إذا كانت صاحبة الرحم البديل زوجة أخرى لصاحب النطفة كان هو الأب الشرعي للمولود قطعًا؛ لأن النطفة المستخدمة في التلقيح هي نطفته، فالولد من صلبه قطعًا؛ لأنه هو صاحب الفراش الذي ولد فيه الولد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش" ([26]).


    المطلب الثاني
    فيما إذا كانت صاحبة الرحم البديل امرأة ذات زوج

    إذا كانت صاحبة الرحم البديل امرأة ذات زوج فإن نسب المولود يثبت لزوجها، ولا يتبع صاحب النطفة.
    ودليل ذلك حديث: "الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر" ([27])، والأحكام الشرعية مبناها على الظاهر ([28]).
    ورأى بعض العلماء المعاصرين أن المولود ينسب إلى زوج صاحبة البويضة التي لُقِّحَت بنطفته، وتثبت له كل الحقوق المترتبة على ثبوت النسب. ولا ينسب إلى زوج صاحبة الرحم البديل.
    واستدلوا بأن الجنين قد انعقد من بويضة امرأة وماء رجل بينهما نكاح شرعي صحيح، وكون هذه العملية محرمة لا يؤثر في نسبة الولد إلى أبويه؛ لأن التحريم قد عرض بعد الانعقاد بسبب استعمال رحم المرأة المتبرعة استعمالا غير مأذون فيه شرعًا، وعليه فالتحريم لم يدخل في أصل تكوين الجنين، بل من طريق تغذيته التي نتج عنها نماؤه وتكامله، فهو أشبه ما يكون بطفل غذاه أبواه من حرام حتى كبر، فهما آثمان بذلك، لكن هذا لا يقطع عنهما نسب ابنهما.
    ويُشْكِل على هذا الرأي أن الزوج المذكور لا يربطه بالمرأة صاحبة الرحم البديل أي سبب من أسباب ثبوت النسب لجهة الأب، وهي ثلاثة: الزواج -صحيحًا كان أو فاسدًا-، أو وطء الشبهة، أو المخالطة المبنية على ملك اليمين ([29]).


    المطلب الثالث
    فيما إذا كانت صاحبة الرحم البديل ليست ذات زوج

    يري بعض الباحثين المعاصرين أنه إذا كانت المرأة صاحبة الرحم البديل غير متزوجة، فإن الولد ينسب لزوج صاحبة البويضة المخصبة، وتثبت له كل الحقوق المترتبة على ثبوت النسب، وكل صلات القرابة، وما يترتب على ذلك من المحرمية الثابتة بهذه القرابات ([30]).
    ومما استندوا عليه في ذلك:
    أولا: التخريج على ما أفتى به فريق من العلماء من صحة نسب ولد الزاني إلى الزاني إذا كانت الزانية غير متزوجة. قالوا: بل ثبوته هنا أولى؛ وذلك لاحترام المائين حال الإنزال، وحال التخصيب ([31]).
    ثانيًا: التخريج على ما قاله بعض العلماء من أن النسب يشترط فيه المشروعية أثناء إنزال المني، ولا يشترط فيه المشروعية أثناء إدخاله في المرأة.
    يقول الإمام شمس الدين الرملي أثناء كلامه عن أم الولد –الجارية التي جامعها سيدها فحملت وولدت-: "لو استدخلت مني سيدها المحترم بعد موته، فإنها لا تصير أم ولد؛ لانتفاء ملكه لها حال علوقها، وإن ثبت نسب الولد وما بعده وورث منه؛ لكون المني محترمًا, ولا يعتبر كونه محترمًا حال استدخالها خلافًا لبعضهم, فقد صَرَّح بعضهم بأنه لو أنزل في زوجته، فساحقت بنته، فحبلت منه، لحقه الولد, وكذا لو مسح ذكره بحجر بعد إنزاله في زوجته، فاستجمرت به أجنبية، فحبلت منه" ([32]).
    وفي الصورة التي نتكلم عنها: كان إنزال المني مشروعًا؛ لأنه كان بين رجل وامرأة تربطهما علاقة زوجية صحيحة، فالبويضة من المرأة مُلَقَّحة من زوجها، وتلقيح البويضة من الزوج لا يعد من جملة المحرمات، وإنما عدم المشروعية هو في استخدام رحم الغير، فعدم المشروعية متعلق بإدخال البويضة الملقحة في رحم امرأة أخرى، ولا يشترط لثبوت النسب المشروعية أثناء الإدخال، كما تقدم في كلام الرملي ([33]).


    الفصل الثاني
    في نسب المولود من ناحية الأم

    إذا حدث ووقعت صورة الرحم البديل المتكلم عنها فإن الولد الناتج سينسب إلى صاحبة الرحم البديل لا إلى صاحبة البويضة المخصبة، وستترتب له كل أحكام الولد بالنسبة لأمه، والأم بالنسبة لولدها.
    ويدل على ذلك أمور:
    أولا: الآيات القرآنية الكريمة التي دلت بصريح النص أن الأم هي التي تحمل وتلد، وأن التي يتم التخليق في بطنها هي الأم، كقوله تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا..الآية}[النحل: 78]، وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ..الآية}[لقمان: 14]، وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا}[الأحقاف: 15]، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن التي ولدت وخرج منها الجنين هي التي تسمى أمًّا، وفي الآية الثانية أن التي تحمل الجنين هي التي تسمى أمًّا حقيقية، وينسب لها. وفي الآية الثالثة أن التي تحمل الولد كرهًا وتضعه كرهًا هي أمه.
    ونوقش هذا الاستدلال بأن الأم الحقيقية على مر التاريخ ووقت نزول القرآن هي مجموعة الهيئة التي هي صاحبة الحمل والوضع وهي ذاتها وفي الوقت نفسه صاحبة البويضة.
    فكل مولود له بأمه صلتان: صلة تكوين ووراثة، وأصلها البويضة. وصلة حمل وولادة وحضانة، وأصلها الرحم. فإطلاق الأم على التي حملت ووضعت فقط من غير أن تكون البويضة منها، إطلاق على غير الهيئة الكاملة لها وقت التنزيل ([34]).
    ثانيًا: أثبت القرآن الكريم صفة الأمومة للتي حملت وولدت، بأسلوب يدل على اختصاصها بها، كما في قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}[البقرة: 233]، والوالدة حقيقة في التي ولدت بالفعل. وكذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ}[المجادلة: 2] حيث صَرَّح تعالى أن الأم هي التي ولدت، وسلك أقوى طرق القصر، وهي: النفي والإثبات، فنفى الأمومة عن التي لم تلد الولد، وأثبتها للتي ولدت.
    ثالثًا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك"، فسمى صلى الله عليه وسلم التي يجمع الخلق في بطنها أمًّا ([35]).
    رابعًا: ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة اختصما في غلام، فقال سعد: "يا رسول الله هذا ابن أختي عتبة بن أبي وقاص عهد إلىّ أنه ابنه انظر إلى شبهه". وقال عبد بن زمعة: "هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته"، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبهًا بينًا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحَجَر، واحتجبي منه يا سَودة. فلم ير سَودة قط" ([36]).
    فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الغلام ابنًا لزمعة مع ظهور أنه ليس ابنًا لزمعة، وجعل الحكم الولد للفراش، فالحقيقة العلمية ليست بالضرورة هي الحقيقة الشرعية؛ فالشرع يحكم بالظاهر والحقيقة علمها عند الله تعالى ([37]).




    مطلب
    في علاقة الولد بالمرأة صاحبة البويضة

    يتفرع على القول بأن الولد ينسب لصاحبة الرحم البديل بحث علاقته بالمرأة صاحبة البويضة، وللعلماء في حكمها قولان:
    القول الأول:
    أن المرأة صاحبة البويضة وإن لم تكن أمه شرعًا، فإنها ليست بأجنبية عنه، بل هي بمثابة الأم من الرضاع.
    وذلك؛ لأن علة التحريم في الرضاع هي: الجزئية، أو شبهتها-كما هو مقرر عند الحنفية ([38])-، فأقل ما يقال: إنّ هذا الوليد فيه جزئية من صاحبة البويضة، توجب حرمة الرضاعة.
    وممن قال بهذا الرأي: مجمع الفقه الإسلامي، في دورته السابعة، المنعقدة بمكة المكرمة عام 1404هـ/ 1984م ([39]).

    القول الثاني:
    أنه لا اعتبار للعلاقة بين الولد وبين المرأة صاحبة البويضة، وعملها هدرٌ، لا تترتب عليه أحكام.
    ويتأكد هذا بأن حرمة الزواج بالنساء تحريمًا مؤبدًا يكون لأحد أسباب ثلاثة:
    القرابة أو النسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، كما هو مقرر في مذهب الشافعية ([40])، ومشهور مذهب المالكية ([41]). فالبنوة التي تبنى عليها الأحكام هي البنوة الشرعية، وهي منتفية في الحالة السابقة.
    وممن ذهب إلى هذا الرأي: الشيخ بدر المتولي عبد الباسط –رحمه الله تعالى-، ومما يقول في ذلك: "ألا ترى أن امرأة ما لو غذت طفلا رضيعًا بدمها بالطرق المعروفة الآن، هل يثبت بين صاحبة الدم وبين هذا الطفل حرمة الرضاع؟ .. والذي أقطع به: أن هذه المرأة لا تتجاوز أن تكون زوجة أب هذا الطفل، أما ما وراء ذلك من تعلق حرمة الرضاع بها بأصولها وفروعها وحواشيها، فأمر موهوم أكثر مما هو مظنون" اهـ ([42]).








    مطلب
    في مناقشة القول بثبوت النسب لصاحبة البويضة المخصبة

    ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن النسب في حالة الرحم البديل يثبت لصاحبة البويضة المخصبة، وإلى هذا ذهب القائلون بجواز الحمل عن طرق الرحم البديل، ووافقهم في ذلك القائلون بجوازه في صورة الضَرَّة ([43]).
    وفيما يلي ذكر أدلتهم مع ما يرد عليها من ردود ونقاشات:
    الدليل الأول:
    قالوا: إن القرآن الكريم قد اهتم بالعوامل البيولوجية كأساس لثبوت النسب؛ حيث ذكر في أكثر من موضع أن الأصل في الإنسان النطفة وأنها أساس تكوينه، كما في قوله تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}[النحل: 4]، وقوله تعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}[الحج: 5]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ}[غافر: 67]، وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى}[النجم: 45، 46]، وقوله تعالى: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى}[القيامة: 37].
    فدَلَّت هذه الآيات أن الإنسان خلق من نطفة، ونقل بعدها أطوارًا، إلى أن وُلِد ونشأ، مما يدل على أن الولد ينسب لصاحبة البويضة التي خُصِّبت بماء زوجها وفقًا للحقيقة البيولوجية التي ذكرها القرآن الكريم ([44]).
    ونوقش هذا الدليلبأن الماءين إن لم يكونا محترمين حال الإدخال والإخراج أو فيهما، فيصبحان هدرًا لا حرمة لهما مطلقًا؛ فالعوامل البيولوجية معتبرة إن كانت في الإطار الذي رسمه الشارع، وهذا الإطار مضبوط في ثبوت النسب بأسبابه: كالفراش والبينة، والأم البديلة ليست بفراش لزوج صاحبة البويضة المخصبة.
    والمدار كله على اعتبار الشرع، فالزاني وإن كان معلومًا أنه أب بيولوجي للمولود، لكنه ليس بأب شرعي له ([45]).

    الدليل الثاني:
    قالوا: إن المرأة المتبرعة بالحمل لا يستفيد منها الولد غير الغذاء، فأشبه ما يكون بطفل تغذَّى من غير أمه ([46]).
    ونوقش هذا الدليل بمنع أن يكون الولد لا يستفيد من المرأة المتبرعة بالحمل غير الغذاء؛ فقد ثبت أن الرحم يؤثر في الصفات الوراثية للجنين، وليس مجرد عامل مساعد كما يُدَّعَى، فأثناء نمو البيضة الملقحة يمكن أن تضاف بعض الصفات الوراثية إليها من الأم التي تغذيها عن طريق المشيمة من الرحم؛ فالحمض النووي الذي ينقل الصفات الوراثية ليس موجودًا في نواة الخلية فقط، وإنما في سيتوبلازم الخلية، وهذا الجزء من الحمض يتأثر بالبيئة المحيطة به أثناء نمو الجنين في الرحم، فالأم المستأجرة تضيف بعض الصفات الوراثية على الجنين ([47]).

    الدليل الثالث:
    القياس على الثمرة؛ فإن الثمرة بنت البذرة لا بنت الأرض، فمن يزرع برتقالا يجني برتقالا مهما كانت الأرض المزروع بها، ومن يزرع تفاحًا يجني تفاحًا. فالأرض وإن كانت تجهز البذرة بكل ما تحتاج إليه، إلا أنها لا دخل لها بنوع أو جنس النبات الذي سينمو فيها.
    وكذلك شتل الشجر بعد نموه وكبره، فينقل إلى مكان آخر، فتنسب الشجرة إلى البذرة وليس إلى التربة ([48]).
    ويناقش هذا الاستدلال من وجهين:
    الأول: أنه قياس مع قيام الفارق، فهو مردود ([49]).
    الثاني: أن هذا القياس قياس الصوري، والقياس الصوري أضعف أنواع قياس الشبه عند الأصوليين([50]).[/quote]

  3. #48
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    احكام محكمه النقض بشان نفقه الصغير/الاقارب

    نفقة الصغير
    =================================
    الطعن رقم 0535 لسنة 42 مكتب فنى 26 صفحة رقم 1753
    بتاريخ 31-12-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة الصغير
    فقرة رقم : 1
    إذ كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه أثبت فى سرده لأسباب الإستئناف أن الطاعن تمسك فيها بأن ما كان ينفقه على أولاده المطعون ضدهم يزيد أضعافاً على ما كان يغله العقار و أنه قام بإصلاح و تجديد العقار خلال فترة إدارته له و شيد طابقاً جديداً إحتسب الخبير ريعه و أغفل إحتساب تكاليف الإصلاح و التشييد ، كما ردد ذلك الدفاع بتفصيل فى مذكرته ، و لما كان ذلك و كان من المقرر شرعاً وفقاً للراجح فى مذهب إبن حنيفة الواجب الإتباع عملاً بنص المادة السادسة من القانون 462 لسنة 1952 بإلغاء المحاكم الشرعية و المادة 280 من لائحة ترتيب تلك المحاكم ، أن الصغير - إبناً كان أم بنتاً - إذا كان ذا مال حاضر فإن نفقته تقع فى ماله و لا تجب على أبيه ، و كان الثابت بمدونات الحكم المطعون فيه أن الطاعن قدم شهادات بتواريخ ميلاد أولاده المطعون ضدهم فى ... ... للتدليل على قصرهم غالبية الفترة المطالب بالريع عنها ، كما قدم حافظة أخرى بجلسة ... ... ضمنها أربع شهادات رسمية من قلم الضريبة على العقارات المبنية موضحاً بها حالة العقارين موضوع التداعى و ريعهما قبل شرائهما و بعده و ذلك للتدليل على تضاعف ريعهما نتيجة ما قام به من إصلاحات و إنشاءات ، لما كان ذلك ، و كان الحكم المطعون فيه قد أغفل الرد كلية عن الشق الأول من دفاع الطاعن الجوهرى الذى قد يتغير به وجه الرأى فى الدعوى و أطرح شقه الثانى بقوله " أن الطاعن لم يقدم ما يدل على الإصلاحات و التحسينات " ملتفتاً عن التحدث بشىء عن الشهادات الصادرة من قلم الضريبة على العقارات المبنية عن حالة و ربح العقارين موضوع التداعى قبل شرائهما و بعده مع ما قد يكون لهذه المستندات من دلالة فى هذا الخصوص ، فإن الحكم المطعون فيه يكون قد جاء قاصر البيان مما يتعين نقضه .

    ( الطعن رقم 535 لسنة 42 ق ، جلسة 1975/12/31




    نفقة اقارب
    =================================
    الطعن رقم 0860 لسنة 45 مكتب فنى 30 صفحة رقم 361
    بتاريخ 16-05-1979
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة اقارب
    فقرة رقم : 1
    الوالد ملتزم بحكم القانون بالإنفاق على أولاده فى سبيل رعايتهم و إحسان تربيتهم فلا يصح إعتبار ما ينفقه فى هذا السبيل خسارة تستوجب التعويض ، لما كان ما أنفقه الطاعن الأول على ولده المجنى عليه هو من قبيل القيام بالواجب ، المفروض عليه قانوناً فلا يجوز له أن يطالب بتعويض عنه ، فإن الحكم المطعون فيه إذ إلتزم فى قضائه هذا النظر يكون قد أصاب صحيح القانون .


    =================================

  4. #49
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    احكام النقض /نفقه صغير/ اقارب / زوجيه

    نفقة
    =================================
    الطعن رقم 04 لسنة 25 مكتب فنى 07 صفحة رقم 30
    بتاريخ 25-02-1956
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 1
    الحكم الصادر فى النزاع القائم على النفقة هو بطبيعته حكم مؤقت يزول أثره متى زالت دواعيه ، ذلك لأن النفقة تقدر بحسب الحاجة و لها مقوماتها القانونية فإذا زالت هذه المقومات سقط الحق فيها . و إذن فمتى صدر حكم بالنفقة على أساس قيام الزوجية بين طرفى النزاع يصح القضاء بعدئذ بالكف عن المطالبة بها متى أنحلت عقدتها بالطلاق و إنقضت سنة من تاريخ هذا الطلاق .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 36 مكتب فنى 19 صفحة رقم 1417
    بتاريخ 27-11-1968
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 1
    الرأى عند الحنفية على أن الفقير - رجلا كان أو إمرأة - غنى بغنى ولده الذى تجب عليه نفقته .

    ( الطعن رقم 29 لسنة 36 ق ، جلسة 1968/11/27 )
    =================================
    الطعن رقم 0011 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 28
    بتاريخ 03-01-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 4
    لمحكمة الموضوع تقدير نفقة للقاصر بما يتفق مع مصلحته . و إذ كان البين من القرار المطعون فيه أن محكمة الإستئناف فى حدود سلطتها الموضوعية ، عدلت القرار المستأنف و قدرت مبلغ خمسة عشر جنيهاً نفقة شهرية للقاصر و ألزمت والدته تبعاً لذلك بتقديم حساب مؤيد بالمستندات عما قبضته من معاش عن مدة سابقة ، و قررت أنها راعت فى تقديرها ظروف الدعوى و أن القاصر لم يبلغ الخامسة من عمره ، و حتى يجد فى المستقبل من المدخرات ما يكفل له الحياة الكريمة و التعليم الذى هو أهل له . لما كان ذلك ، فإن النعى على القرار المطعون فيه ، يكون فى غير محله .

    ( الطعن رقم 11 لسنة 39 ق ، جلسة 1973/1/3)
    =================================
    الطعن رقم 0007 لسنة 44 مكتب فنى 26 صفحة رقم 1786
    بتاريخ 31-12-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 3
    إذ كان البين من الإطلاع على دعوى النفقة أن الطاعنة أقامتها بطلب فرض نفقة زوجية على المطعون عليه بأنواعها الثلاثة ، و أنه على الرغم من أنها أوردت بصحيفتها أنها حامل من المطعون عليه فى شهرها الثانى ثم قررت بالجلسة أنها أنجبت من زوجها الوليد المدعى نسبه و طلبت فرض نفقة له ، إلا أن الحكم الصادر برفض دعوى النفقة لم يعرض لهذا الطلب و لم يناقشه أو يفصل فيه بعد إذ قرر المطعون عليه نفسه بالجلسة . . . أن ذلك الموضوع خارج من نطاق الطلبات المطروحة ، فإن ذلك الحكم يكون و لا مساس له بأى حق يتصل بالصغير المطلوب ثبوت نسبه بالدعوى الراهنة و لا يجوز حجبه قبله . لا يغير من ذلك القول بأن هذا القضاء قد فصل فى مسألة كلية شاملة قطع فيها بفصم العلاقة الزوجية ، إعتباراً بأن الزوجية القائمة هى الموجبة للنفقة و أن الفراش الذى تدعية الطاعنة سبباً للنسب يستلزم قيام الزوجية ، لأنه بالإضافة إلى أنه لا يحتج بذلك إلا على الخصوم الذين كانوا ممثلين فى الدعوى التى صدر فيها الحكم إعمالاً لقاعدة نسبية أثر الأحكام ، و الصغير لم يكن خصماً فى الدعوى بالنفقة على ما سلف القول ، فأن الرجعة التى تدعيها الطاعنة فى الدعوى الماثلة لم تثر على الإطلاق فى دعوى النفقة . لما كان ما تقدم ، فإن الحكم المطعون فيه إذ إتخذ مما فصل فيه الحكم الصادر فى دعوى النفقة من إنتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق و إنقضاء العدة حجة فى نفى الفراش الموجب للنسب فى الدعوى الحالية ، يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .

    ( الطعن رقم 7 لسنة 44 ق ، جلسة 1975/12/31 )
    =================================
    الطعن رقم 0378 لسنة 43 مكتب فنى 29 صفحة رقم 639
    بتاريخ 01-03-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 1
    المطلقة فى ظل الأحكام التى كان معمولاً بها بمقتضى القانون 25 لسنة 1920 كانت تستطيع أن تحصل على نفقة عدة بغير حق لمدة طويلة مما أثار الشكوى من تلاعب المطلقات و إحتيالهن ، و دعا المشرع إلى إصدار القانون 25 لسنة 1929 مقرراً فى الفقرة الأولى من المادة 17 منه أنه " لا تسمع الدعوى لنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق " . و نظراً لأن أحكام النفقة تصدر من غير تحديد مدة فقد رؤى من اللازم إستكمالاً للنص المشار إليه و مسايرة لحكمه أن يوضع حد للمدة التى تستطيع الزوجة المحكوم لها بنفقة زوجية أن تحصل خلالها على النفقة إذا ما طلقها زوجها المحكوم عليه بعد صدور الحكم المشار إليه ، فنص المشرع فى الفقرة الأولى من المادة 18 على أنه " لا يجوز تنفيذ حكم بنفقة صادر بعد العمل بهذا القانون لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق " و مع أن المشرع قد إستهل النص بعبارة " لا يجوز تنفيذ " مما قد يبعث على الإعتقاد بأن الخطاب فيه موجه إلى القائمين على التنفيذ ، إلا أن المشرع قد قصد منه تحديد حق الزوجة فى إقتضاء نفقة زوجية بموجب حكم صادر لها إبان قيام الزوجية - إذا ما طلقها زوجها بعد صدور الحكم - بمدة سنة من تاريخ الطلاق . فإذا تجاوزت المطلقة هذا الحق كان لمطلقها أن يحتج قبلها بحكم المادة المشار إليها و سبيله فى ذلك هو الدفع به فيما ترفعه ضده من دعاوى أو الإستشكال فى التنفيذ أو الإلتجاء إلى القضاء بالطلب لإستصدار حكم بكف يد مطلقته عن التنفيذ بحكم النفقة أو إبطال المقرر لها ، و يكون الحكم الصادر بذلك سنداً له فى منع التنفيذ بحكم النفقة كما يكون أيضاً - بعد إعلانه لجهة الإدارة - القائمة على تنفيذ حكم النفقة إذا لم يكن صدر قد صدر فى مواجهتها - سند لتلك الجهة فى الإمتناع عن إقتطاع النفقة للمطلقة ، و بغير ذلك لا يتأتى للمحكوم عليه بالنفقة أن يجبر جهة الإدارة المنوط بها تنفيذ الحكم على وقف تنفيذه لما فى ذلك من إهدار للحجية الواجبة للأحكام القضائية و تعليق مصيرها على مشيئة القائم على إستقطاع النفقة من مرتب الزوج و تقديره توافر شروط إعمال هذا النص أو تخلفها ، و إذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فأقام قضاءه على أن مفاد نص المادة 18 من القانون 25 لسنة 1929 أن حكم النفقة يفقد قوته كسند تنفيذى بإنقضاء سنة من تاريخ الطلاق دون حاجة إلى إستصدار حكم بذلك و أن خطاب المشرع فيه إلى الكافة بما فيهم المحكوم لها و القائمون على التنفيذ و المحجوز تحت يدهم و رتب على إستمرار الطاعن الثانى فى تنفيذ حكم النفقة بعد إنقضاء سنة من تاريخ الطلاق تحقق الخطأ الذى يدخل فى عداد الفعل غير المشروع فى جانبه ، فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون و تأويله .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 46 مكتب فنى 30 صفحة رقم 753
    بتاريخ 07-03-1979
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 5
    علة وجوب النفقة بالقرابة هو سد حاجة القريب و منعه من السؤال صلة لرحمه ، و السبب فيها هو قرابة الرحم المحرمية مع الأهلية للميراث ، و من ثم فإن موضوع النسب يكون قائماً فى الدعوى بطلب نفقة القريب بإعتباره سبب الإلتزام بها لا تتجه إلى المدعى عليه إلا به ، فيكون ماثلاً فيها و ملازماً لها و تتبعه و جوداً و عدماً ، لما كان ذلك . و كان حكم النفقة الذى إستصدرته و الدة المطعون عليه لصالحه فى الدعوى رقم ... ... صدر ضد والد المورث تأسيساً على أنه عم شقيق المطعون عليه ، فلا على الحكم المطعون فيه إن هو إستدل مما إشتمل عليه حكم النفقة من قضاء على ثبوت صلة قرابة المطعون عليه بالمورث و أنه أبن عم شقيق له بإعتبارها سبب الإلتزام بالنفقة .

    ( الطعن رقم 29 لسنة 46 ق ، جلسة 1979/3/7 )
    =================================
    الطعن رقم 0040 لسنة 54 مكتب فنى 38 صفحة رقم 752
    بتاريخ 26-05-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 2
    النص فى المادة "1" من القانون رقم 25 لسنة 1920 على أنه " لا تسمع دعوى النفقة عن مدة ماضيه لأكثر من سنة نهايتها تاريخ رفع الدعوى هو نص - و على ما ورد بالمذكرة الإيضاحية - خاص بنفقة الزوجة على زوجها لا يتعداه إلى غير هذا من الحقوق ، مما مقتضاه عدم جواز أعمال هذا النص فى شأن المتعة .


    =================================
    الطعن رقم 0087 لسنة 56 مكتب فنى 39 صفحة رقم 548
    بتاريخ 29-03-1988
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 3
    لما كان الطاعن قد قدم لمحكمة الموضوع صورة رسمية من الحكم الصادر فى الإستئناف رقم 131 لسنة 98 ق القاهرة الثابت منه أنه حكم نهائياً برفض إعتراض المطعون عليها على دعوة الطاعن لها بالدخول فى طاعته بموجب الإعلان المؤرخ 1979/8/4 و تمسك بعدم إستحقاقتها نفقتها فترة إمتناعها عن طاعته دون حق و كانت المادة 11 مكرراً ثانياً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية تقضى بأنه إذا إمتنعت الزوجة عن طاعة الزوج دون حق توقف نفقتها من تاريخ الإمتناع فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بإلزام الطاعن بنفقة المطعون عليها عن فترة إمتناعها عن طاعته دون حق على النحو الثابت من الحكم السابق صدوره بين الطرفين فى دعوى الإعتراض على الطاعة يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون بما يوجب نقضه جزئيا لهذا السبب .

    ( الطعن رقم 87 لسنة 56 ق ، جلسة 1988/3/29 )


    =================================
    الطعن رقم 0104 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 933
    بتاريخ 18-12-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 1
    النص فى المادة 11 مكرر ثانياً من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه " إذا إمتنعت الزوجة عن طاعة الزوج دون حق توقف نفقة الزوجة من تاريخ الإمتناع و تعتبر ممتنعة دون حق إذا لم تعد لمنزل الزوجية بعد دعوة الزوج إياها للعودة لإعلان على يد محضر لشخصها أو من ينوب عنها و عليه أن يبين فى هذا الإعلان المسكن و للزوجة الإعتراض على هذا أمام المحكمة الإبتدائية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ هذا الإعلان و عليها أن تبين فى صحيفة الإعتراض الأوجه الشريعة التى تستند إليها فى إمتناعها عن طاعته
    و إلا حكم بعدم قبول إعتراضها . و يعتد بوقف نفقتها من تاريخ إنتهاء ميعاد الإعتراض إذا لم تتقدم به فى الميعاد . و على المحكمة عند نظر الإعتراض أو بناء على طلب أحد الزوجين التدخل لإنهاء النزاع بينهما صلحاً بإستمرار الزوجية و حسن المعاشرة فإن بان لها أن الخلاف مستحكم و طلبت الزوجة التطليق إتخذت إجراءات التحكيم الموضح فى المواد من 7 إلى 11 من هذا القانون " يدل على أنه يشترط لتطبيق الأحكام الواردة فى هذا النص أن تكون الزوجة قد إمتنعت عن طاعة زوجها و دعاها للعودة لمنزل الزوجية على يد محضر ثم إعترضت الزوجة على هذه الدعوى فإن إستوفى الإعتراض شكله القانونى وجب على المحكمة عند نظر موضوعه التدخل لإنهاء النزاع صلحاً بين الطرفين من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحدهما فإذا بأن لها أن الخلاف مستحكم بين الزوجين و طلبت الزوجة التطليق إتخذت إجراءات التحكيم المنصوص عليها فى المواد من 7 إلى 11 من ذات القانون و كانت هذه الحالة التى يقتصر الأمر فيها على مجرد ثبوت إستحكام الخلاف بين الزوجين دون تحر لسببه أو تحديد أى من الزوجين يسأل عنه تختلف عن تلك الواردة بنص المادة السادسة من ذات القانون و التى يشترط لتحققها ثبوت تعمد الزوج إيذاء زوجته بالقول أو الفعل على نحو لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما .


    =================================
    الطعن رقم 0126 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 619
    بتاريخ 27-02-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 1
    من المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن مؤدى نص المادة 1 ، 3 من قانون المرافعات أنه إذا وجدت معاهدات بين جمهورية مصر العربية و غيرها من الدول بشأن تنفيذ الأحكام الأجنبية فإنه يتعين أعمال أحكام هذه المعاهدات . لما كان ذلك و كانت حكومتا جمهورية مصر العربية و دولة الكويت قد إنضمتا إلى إتفاقية تنفيذ الأحكام الصادرة من مجلس جامعة الدول العربية فى 1952/9/14 و صارت نافذة المفعول فى شهر أغسطس سنة 1955 فإن أحكام هذه الإتفاقية تكون هى الواجبة التطبيق على واقعة الدعوى . و قد بينت المادة الأولى من هذه الإتفاقية الأحكام القابلة للتنفيذ فى دول الجامعة العربية و منها كل حكم نهائى متعلق بالأحوال الشخصية صادر من هيئة قضائية فى إحدى دول الجامعة .


    =================================
    الطعن رقم 2270 لسنة 55 مكتب فنى 42 صفحة رقم 362
    بتاريخ 31-01-1991
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 4
    المقرر شرعاً - و حتى قبل صدور القانون 44 لسنة 1979 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية - أن نفقة الإبن واجبة على والده شرعاً بأنواعها و تشتمل أجر الحاضنه و مسكن الحضانة - و من ثم فليس هناك ما يمنع من أن يوفر الوالد مسكناً لإبنه و من يقوم على حضانته و لو لم يلزمه قانون بهذا الأمر .

    ( الطعن رقم 2270 لسنة 55 ق ، جلسة 1991/1/31 )
    =================================
    الطعن رقم 0010 لسنة 59 مكتب فنى 42 صفحة رقم 921
    بتاريخ 23-04-1991
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : نفقة
    فقرة رقم : 1
    المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن الدفاع الذى تلتزم محكمة الموضوع بالرد عليه هو الدفاع الجوهرى الذى من شأنه لو صح أن يتغير به وجه الرأى فى الدعوى ، و الذى يكون مدعيه أقام الدليل عليه أمام المحكمة أو طلب إليها وفقاً للأوضاع المقررة فى القانون تمكينه من إثباته ، أما دون ذلك من أوجه الدفاع فإنه لا يعدو أن يكون من قبيل المرسل من القول الذى لا إلزام على محكمة الموضوع بالإلتفات إليه و لا يعيب حكمها بالتالى ما تكون قد ردت به عليه أياً ما كان وجه الرأى فى ردها ، لما كان ذلك و كان الطاعن لم يضع تحت نظر محكمة الموضوع ثمه مستندات تفيد القضاء للمطعون ضدها بنفقة شاملة أجر المسكن فى الدعوى رقم . . . فلا عليها أن التفتت عن ذلك الدفاع و يكون النعى بهذا السبب على غير أساس .


    =================================

  5. #50
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    احكام النقض/دعوى المتعه

    دعوى المتعة
    =================================
    الطعن رقم 0026 لسنة 54 مكتب فنى 36 صفحة رقم 163
    بتاريخ 29-01-1985
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    و إذ خلا القانون رقم 44 لسنة 1979 من النص على الأثر الرجعى لأحكامه فإنه لا محل لتطبيق نص المادة 18 مكرراً منه على الوقائع ، و المراكز القانونية التى تمت قبل العمل به - و عملاً بالمادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية - فإن إستحقاق المطلقة بعد الدخول للمتعة لاعبرة فيه ببقاء الملك و عدم زوال الحل خلال العدة من الطلاق الرجعى لأن ذلك إنما تتعلق به حقوق و أحكام خاصة و ليس منها متعة الزوجة و إنما العبرة فى إستحقاقها هى بالطلاق ذاته أياً كان نوعه ، بإعتباره الواقعة القانونية المنشئة لإلتزام الزوج بها .

    ( الطعن رقم 26 لسنة 54 ق ، جلسة 1985/1/29)
    =================================
    الطعن رقم 0058 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 1026
    بتاريخ 23-12-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 1
    إذ كانت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية هى المرجع فى قواعد الإختصاص النوعى بمسائل الأحوال الشخصية طبقاً لنص المادة 8 من القانون رقم 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية و المحاكم الملية ، و كان النص فى المادة 10/6 من اللائحة على إختصاص المحاكم الجزئية بالمنازعات فى "... المواد المتعلقة بالزوجية غير ما سبق " إنما يقصد به المواد التى تكون الزوجية هى سبب الحق المدعى به ، و كان سبب الحق فى المتعة هو الطلاق المنصوص عليه فى المادة 18 مكرراً من القانون رقم 25 لسنة 1929 و المضافة بالقانون رقم 44 لسنة 1979 فإن المتعة بذلك تخرج من عداد المواد المتعلقة بالزوجية الواردة فى نص اللائحة المذكورة ، لما كان ذلك و كانت المادة 1/8 من اللائحة تعقد الإختصاص للمحاكم الإبتدائية بالمنازعات التى ليست من إختصاص المحاكم الجزئية بمقتضى نص المادتين 5 ، 6 منها ، و كانت المتعة ليست من المسائل المنصوص عليها فى هاتين المادتين فإن الإختصاص بالدعوى بها يكون معقوداً للمحكمة الإبتدائية .


    =================================
    الطعن رقم 0079 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 734
    بتاريخ 24-06-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    إذ كان الحكم المطعون فيه قد صدر حضورياً من محكمة إستئناف القاهرة فى 1985/5/9 و من ثم يكون قد حاز قوة الأمر المقضى تبعاً لعدم جواز الطعن فيه بطرق الطعن الإعتيادية و ذلك من قبل نشر الحكم للمحكمة الدستورية العليا القاضى بعدم دستورية القرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 فى الجريدة الرسمية فى 1985/5/16 فإن صدور هذا الحكم و نشره لا يمس بحق المطعون ضدها فى المتعة المقضى بها بالحكم المطعون فيه


    =================================
    الطعن رقم 0079 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 734
    بتاريخ 24-06-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 5
    إذ كان توجيه اليمين إلى المطعون ضدها بالصيغة التى طلبها الطاعن غير جائز قانوناً لأنها غير منتجة فى الدعوى إذ لا تنصب على حصول الطلاق برضاء من المطعون ضدها و إنما على واقعة زواجها من آخر بعد إنقضاء عدتها و هى بذاتها لا تقطع فى أن طلاق الطاعن لها كان برضاها فلا ينحسم النزاع بثبوتها ، فإنه على المحكمة إذا ما إلتفتت عن توجيه تلك اليمين .

    ( الطعن رقم 79 لسنة 55 ق ، جلسة 1986/6/24 )
    =================================
    الطعن رقم 0040 لسنة 54 مكتب فنى 38 صفحة رقم 752
    بتاريخ 26-05-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 1
    المقرر فى قضاء هذه المحكمة - أن الإختصاص بنظر دعوى المتعة معقود للمحكمة الإبتدائية لأن المتعة ليست من المسائل التى تختص بها المحكمة الجزئية و المنصوص عليها فى المادتين 5 ، 6 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية و منها نفقة الزوجة لإختلاف المتعة عنها إذ تستحق هذه النفقة مقابل إحتباس الزوج لها بينما سبب الحق فى المتعة هو الطلاق المنصوص عليه فى المادة 18 مكرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ، و الأصل فى التشريع بها - و على ما ورد بالمذكرة الإيضاحية هو جبر خاطر المطلقة ... و فيها ما يحقق المعونة التى تقيها من الناحية المادية على نتائج الطلاق .


    =================================
    الطعن رقم 0040 لسنة 54 مكتب فنى 38 صفحة رقم 752
    بتاريخ 26-05-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 3
    المشرع الإسلامى جعل للرجل أن يوقع الطلاق و يستقل بإيقاعه فإذا تدخل القاضى فى الأحوال التى يكون فيها الحكم بتطليق الزوجة على زوجها فإن فعله هذا - و على مذهب الحنفيه يضاف إلى الزوج فكأنه طلقها بنفسه مما يستوى معه فى شأن إستحقاق المتعة أن يكون الطلاق من نفس الزوج أو من القاضى و نيابة عنه ، و لا يغير من ذلك ما ورد فى نص المادة 18 مكرر من القانون رقم 25 لسنة 1929 بإستحقاق الزوجة للمتعة من عبارة " إذا طلقها زوجها لأن هذه العبارة مقررة للوضع الشرعى من أن الطلاق ملك للزوج وحده دون سواه سواء إستعمل حقه هذا بنفسه أو بمن ناب عنه نيابة شرعية مثل القاضى ، و لجوء الزوجة إلى القاضى لتطليقها على زوجها بسبب مضارته لها و ثبوت هذه المضاره فيه إكراه لها على طلب التطليق لتدفع الضرر عنها بما لا يتوافر به الرضا بالطلاق

    ( الطعن رقم 40 لسنة 54 ق ، جلسة 1987/5/26 )
    =================================
    الطعن رقم 0004 لسنة 56 مكتب فنى 38 صفحة رقم 1197
    بتاريخ 29-12-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    إذ لم تحقق محكمة الإستئناف دفاع الطاعن و لم تعرض لمستنداته المقدمة و دلالتها و اقامت قضاءها بإستحقاق المطعون عليها للمتعة على مجرد وقوع الطلاق غيابياً و هو ما لا يكفى وحده لحمل قضائها مما يعيب الحكم المطعون فيه بالقصور و يتعين نقضه .

    ( الطعن رقم 4 لسنة 56 ق ، جلسة 1987/12/29 )
    =================================
    الطعن رقم 0075 لسنة 56 مكتب فنى 39 صفحة رقم 1379
    بتاريخ 20-12-1988
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    مفاد النص فى المادة 18 مكرراً من القانون رقم 25 لسنة 1929 و المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 أن تقدير المتعة و تقسيط سداد ما هو محكوم به يدخل فى سلطة محكمة الموضوع و لا رقابة لمحكمة النقض عليها فى ذلك طالما لم ينزل الحكم بها عن الحد الأدنى فى تقديرها بنفقة سنتين على الأقل .

    ( الطعن رقم 75 لسنة 56 ق ، جلسة 1988/12/20 )
    =================================
    الطعن رقم 0051 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 1000
    بتاريخ 17-04-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 1
    لما كان المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية أخذاً بمفهوم المادة السابعة منه يسرى على المراكز القانونية التى تكونت فى ظل العمل بالقرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 الذى حكم بعدم دستوريته طالما لم يصدر بتقريرها أحكام حائزة لقوة الأمر المقضى و كان الحكم المطعون فيه إذ قضى بالمتعة للمطعون ضدها على سند من أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985 قد إلتزم هذا النظر فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقاً صحيحاً ، و يكون النعى عليه بهذا السبب على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 0051 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 1000
    بتاريخ 17-04-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    إذ كان الحكم المطعون فيه قد حصل فهم الواقع فى الدعوى تحصيلاً صحيحاً ثم أنزل عليه حكم المادة 18 مكرراً من القانون رقم 100 لسنة 1985 الذى أعطى الزوجة المدخول بها فى زواج صحيح . إذا طلقها زوجها دون رضاها و لا بسبب من قبلها - الحق فى المتعة فإن النعى عليه بهذا السبب يكون على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 0051 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 1000
    بتاريخ 17-04-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 3
    من المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - إنه ، و إن كان لا تثريب على محكمة الموضوع أن تأخذ فى معرض الإثبات بالقرائن إلا إن ذلك مشروط بأن تكون القرائن التى عولت عليها تؤدى إلى ما إنتهت إليه ، و كان الثابت من الأوراق أن الطاعن تمسك أمام محكمة الإستئناف بأن طلاقه للمطعون ضدها كان بسبب من قبلها و طلب إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات ذلك ، و إذ لم تحقق محكمة الإستئناف هذا الدفاع و أقامت قضاءها بإستحقاق المطعون ضدها للمتعة على مجرد وقوع الطلاق غيابياً و هو لا يكفى وحده لحمل قضائها مما يعيب الحكم المطعون فيه بالقصور فى التسبيب و الإخلال بحق الدفاع .

    ( الطعن رقم 51 لسنة 58 ق ، جلسة 1990/4/17 )
    =================================
    الطعن رقم 0089 لسنة 58 مكتب فنى 42 صفحة رقم 194
    بتاريخ 15-01-1991
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 3
    إقامة الحكم المطعون فيه بفرض متعة للمطعون ضدها على ما إستخلصه من أن إيقاع الطاعن طلاقه عليها غيابياً قرينة على أن هذا الطلاق قد وقع بدون رضاها و لا بسبب من قبلها و هو من الحكم إستخلاص موضوعى سائغ له أصله الثابت بالأوراق و يؤدى إلى النتيجة التى إنتهى إليها ، لما كان ذلك و كان الطاعن لم يقدم أمام أساس محكمة الموضوع - الدليل على خلاف ما إستخلصه الحكم فإن النعى عليه بهذا السبب يكون على غيرسند


    =================================

  6. #51
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    نفقه العدة/تعريفا/احوالها/ مسقطاتها

    إن المقصود من نفقة العدة هو ما تستحقه المعتدة أثناء مدة عدتها من النفقة بأنواعها، من نفقة الطعام واللباس والسكن، وقد تجب لها النفقة بجميع أنواعها، وقد لا تجب لها مطلقاً، وقد تجب لها بعض أنواعها، وهذا حسب نوع الفرقة وصحة النكاح الذي وقعت فيه الفرقة أوعدم صحته، وكون المعتدة حاملاً أوغير حامل. وفي ضوء ما تقدم ينقسم هذا الموضوع إلى:

    أولا: نفقة العدة في الفرقة من نكاح صحيح.

    ثانياً: نفقة العدة في الفرقة من نكاح فاسد.

    ثالثا: استيفاء النفقة. رابعاً: مسقطات النفقة.

    الفرقة من نكاح صحيح قد تكون في حياة الزوجين بطلاق أوغيره، أوتكون بوفاة الزوج، والزوجة في التزامها بالعدة قد تستحق النفقة كلها أوبعضها، ونبينها كما يلي :

    نفقة العدة عن طلاق رجعي
    تجب النفقة للمعتدة في عدة الطلاق الرجعي بلا خلاف بين الفقهاء، لأن الطلاق الرجعي لا يرفع النكاح ولا يزيل الحل، فتبقى مدة العدة بحكم الزوجة ولها ما لغيرها من الزوجات اللائي لم يقع عليهن أي طلاق.
    - الدليل على وجوب النفقة:
    • من الكتاب العزيز: جاء في "كشاف القناع": "ويجب عليه نفقة المطلقة الرجعية وكسوتها وسكنها كالزوجة لقوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن) "البقرة-228" ولأنها زوجة يلحقها طلاقه وظهاره أشبه ما قبل الطلاق ".
    •من السنة النبوية: "عن فاطمة بنت قيس قالت: أتيت النبي (ص وآله) فقلت: إن زوجي فلانا أرسل إليّ بالطلاق، وإني سألت أهله النفقة والسكنى فأبوا علي قالوا: يا رسول الله إنه أرسل إليها بثلاث تطليقات. قالت، فقال رسول الله (ص وآله): "إنما النفقة والسكن للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة" وفي رواية "إنما النفقة والسكن للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة ولاسكن ".

    نفقة العدة عن طلاق بائن والمعتدة حامل أجمع الفقهاء أنه تجب النفقة بجميع أنواعها للحامل في عدتها عن طلاق بائن لقوله تعالى: (وان كن أولات حملٍ فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) " الطلاق- 6 " ولأن الحمل ولده فيلزمه الإنفاق عليه ولا يمكنه ذلك إلا بالانفاق عليها، ولأنها مشغولة بمائه فهو مستمتع برحمها فصار كالمستمتع بها في حال الحياة الزوجية.

    نفقة العدة عن طلاق بائن والمعتدة حائل والمقصود بالحائل أي غير الحامل... والقول الراجح في نفقة العدة عن طلاق بائن: هو أنه لا نفقة لها ولا سكنى، لحديث فاطمة بنت قيس عن النبي (ص) في المطلقة ثلاثاً، قال: "ليس لها سكنى ولا نفقة" وهو حديث صحيح صريح في دلالته وأنه يعتبر مخصصاً لعموم آيات الإنفاق والسكن للمعتدات، وليس بمستغرب أن تكون السنة النبوية مخصصة لعموم القرآن أو مقيدة لمطلقة كما هو معروف في أصول الفقه. وقد رجح ابن القيم أن المعتدة من طلاق بائن وهي حائل لا نفقة لها ولا سكن لصحة حديث فاطمة بنت قيس.

    نفقة العدة عن غير طلاق

    أ- نفقة العدة عن فرقة من قبل الزوج:
    إذا كانت الزوجة معتدة عن فرقة بغير طلاق، أي كانت بسبب من الزوج، فلها النفقة والسكنى مدة عدتها كيف ما كانت الفرقة. أي سواء أكانت بسبب منه هو معصية أم غير معصية.
    ب- نفقة العدة عن فرقة بسبب من الزوجة:
    إن كانت العدة عن فرقة بسبب من الزوجة، ينظر: فإن كانت بسبب منها ليس بمعصية كالأمة إذا أعتقت فاختارت نفسها، وامرأة العنين إذا اختارت الفرقة، فلها النفقة والسكنى، وإن كانت الفرقة بسبب من الزوجة هو معصية مثل ردتها عن الإسلام، فلا نفقة لها ولكن لها السكنى لأن السكنى فيها حق الله تعالى وهي مسلمة مخاطبة بحقوق الله تعالى.

    نفقة عدة الوفاة
    أ- الراجح أن لا نفقة لمعتدة الوفاة إن كانت حائلاً لأن النكاح قد زال بالموت وأموال الزوج بموته انتقلت إلى الورثة فلا سبيل لإيجاب النفقة لها في أموالهم وكذلك إذا كانت حاملاً، فلا نفقة لها أيضاً في تركة زوجها المتوفي، لأن أمواله أنتقلت الى الورثة ولا سبيل إلى إيجاب النفقة عليهم فيما آل إليهم من أمواله، ولكن تكون نفقة الحمل من نصيبه في ميراثه، أما إذا لم يترك المتوفى مالاً فلا نفقة للحمل لأنه لا يمكن إيجاب النفقة في الأموال الورثة.
    ب. أما بالنسبة لسكنى المعتدة بعد الوفاة، فالراجح وجوب السكنى لها في بيتها الذي كانت تسكنه يوم وفاة زوجها، إذا كان هذا البيت ملكاً لزوجها المتوفى، وهذا مذهب المالكية، لأنه إذا لم يكن ملكاً له، فمالك البيت يستطيع إخراجها منه، وينزل منزلة الملكية للبيت الذي كانت تسكنه إذا كان زوجها المتوفى قد عجل أجرة البيت لمدة تقع فيها عدتها، فمن حقها أن تقضي فيه عدتها.
    ثانياً: نفقة العدة في الفرقة من نكاح فاسد

    أ‌- لا نفقة لمعتدة من نكاح فاسد إذا كانت حائلاً ( أي غير حامل ):
    لا تستحق المعتدة من نكاح فاسد نفقة ولا سكنى، لأن حال العدة معتبر بحال النكاح ولا سكنى ولا نفقة في النكاح الفاسد، وهذا إذا كانت المرأة حائلاً أي غير حامل.
    ب‌- المعتدة من نكاح فاسد لها نفقة إن كانت حاملاً:
    أما إذا كانت المعتدة من نكاح فاسد حاملاً، فلها النفقة وإن كان النكاح فاسداً.
    لأن نسب الحمل لا حق به – أي بالواطىء
    - والنفقة في الحقيقة هي للحمل وإن كانت المرأة هي التي تقبضها.

    ثالثاً: استيفاء نفقة العدة
    القاعدة في كيفية استيفاء نفقة العدة: نفقة العدة إذا وجبت للمعتدة هي نفقة الزوجة من حيث أنواع النفقة ومقاديرها وكيفية الحصول عليها خلال مدة العدة، فالقاعدة في كيفية استيفاء المعتدة نفقتها في العدة هي نفسها في كيفية استيفاء الزوجة نفقتها حال قيام الزوجية.

    رابعاً: مسقطات نفقة العدة

    تسقط بما تسقط به نفقة الزوجة:
    قال الشافعية: "وتجب لرجعية- أي لمطلقة رجعية- نفقة وكسوة وغيرهما، ولا يسقط ما وجب لها إلا بما يسقط به ما يجب للزوجة".
    يسقط حق السكنى بالنشوز:
    إن حق السكنى هو من جملة نفقة العدة، وهذا الحق تفقده المعتدة بنشوزها، فقد جاء في "مغني المحتاج " في فقه الشافعية "تجب سكنى لمعتدة طلاق ولو بائن إلا ناشزة سواء كان نشوزها قبل طلاقها أم في أثناء العدة، فإنها لا سكنى لها في العدة، فإن عادت إلى الطاعة عاد حق السكنى لها".
    تسقط النفقة اذا كانت عوضاً في الخلع:
    تسقط النفقة إذا كانت عوضاً في الخلع، ولكن يبقى على المعتدة ملازمة بيت العدة. فقد جاء في "البدائع": "لو اختلعت بنفقة عدتها، فبعض مشايخنا قالوا: يباح لها الخروج بالنهار للاكتساب، لأنها بمعنى المتوفى عنها زوجها" وبعضهم قال: لا يباح لها الخروج، لأنها هي التي أبطلت النفقة باختيارها.
    سقوط السكنى بالخلع: يسقط حق السكنى للمعتدة إذا كان عوضاً في الخلع فقد قال الحنفية: ولو اختلعت على أن لا سكنى لها، فإن مؤونة السكنى تسقط عن الزوج، لا يحل لها الخروج من بيت العدة.
    سقوط نفقة الحمل بالخلع:
    جاء في "المغني" لابن قدامة الحنبلي: "إذا خالعت المرأة زوجها وأبرأته من نفقة حملها وكفالته، لا يكون لها نفقة ولا للولد حتى تفطمه".
    سقوط النفقة بمضي مدة العدة:
    تسقط النفقة بمضي العدة إذا لم تقبضها، ولم نكن مقضياً بها من قبل القاضي ولا بالتراضي عليها من قبل المعتدة ومطلقها، وأما إذا كان مقضياً بها أو حصل تراضٍ عليها ومستدانة بأمر القاضي أو بأمرالمطلق، فلا تسقط النفقة. واذا لم تكن مستدانة بأمر أحدهما فقد اختلف الأحناف في ذلك، فمنهم من قال تسقط ومنهم من قال لا تسقط لأنها صارت دينا بالذمة بحكم القاضي أو بالتراضي.
    سقوط النفقة بانقضاء العدة:
    العدة هي سبب وجوب النفقة للمعتدة، فإذا انقضت العدة انعدم سبب وجوب النفقة فتسقط.


    --------------------------------------------------------------------------------
    مجلة الفرحة : العدد102/ - مارس 2005

  7. #52
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    احكام النقض/دعوى المتعه

    دعوى المتعة
    =================================
    الطعن رقم 0026 لسنة 54 مكتب فنى 36 صفحة رقم 163
    بتاريخ 29-01-1985
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    و إذ خلا القانون رقم 44 لسنة 1979 من النص على الأثر الرجعى لأحكامه فإنه لا محل لتطبيق نص المادة 18 مكرراً منه على الوقائع ، و المراكز القانونية التى تمت قبل العمل به - و عملاً بالمادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية - فإن إستحقاق المطلقة بعد الدخول للمتعة لاعبرة فيه ببقاء الملك و عدم زوال الحل خلال العدة من الطلاق الرجعى لأن ذلك إنما تتعلق به حقوق و أحكام خاصة و ليس منها متعة الزوجة و إنما العبرة فى إستحقاقها هى بالطلاق ذاته أياً كان نوعه ، بإعتباره الواقعة القانونية المنشئة لإلتزام الزوج بها .

    ( الطعن رقم 26 لسنة 54 ق ، جلسة 1985/1/29)
    =================================
    الطعن رقم 0058 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 1026
    بتاريخ 23-12-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 1
    إذ كانت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية هى المرجع فى قواعد الإختصاص النوعى بمسائل الأحوال الشخصية طبقاً لنص المادة 8 من القانون رقم 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية و المحاكم الملية ، و كان النص فى المادة 10/6 من اللائحة على إختصاص المحاكم الجزئية بالمنازعات فى "... المواد المتعلقة بالزوجية غير ما سبق " إنما يقصد به المواد التى تكون الزوجية هى سبب الحق المدعى به ، و كان سبب الحق فى المتعة هو الطلاق المنصوص عليه فى المادة 18 مكرراً من القانون رقم 25 لسنة 1929 و المضافة بالقانون رقم 44 لسنة 1979 فإن المتعة بذلك تخرج من عداد المواد المتعلقة بالزوجية الواردة فى نص اللائحة المذكورة ، لما كان ذلك و كانت المادة 1/8 من اللائحة تعقد الإختصاص للمحاكم الإبتدائية بالمنازعات التى ليست من إختصاص المحاكم الجزئية بمقتضى نص المادتين 5 ، 6 منها ، و كانت المتعة ليست من المسائل المنصوص عليها فى هاتين المادتين فإن الإختصاص بالدعوى بها يكون معقوداً للمحكمة الإبتدائية .


    =================================
    الطعن رقم 0079 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 734
    بتاريخ 24-06-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    إذ كان الحكم المطعون فيه قد صدر حضورياً من محكمة إستئناف القاهرة فى 1985/5/9 و من ثم يكون قد حاز قوة الأمر المقضى تبعاً لعدم جواز الطعن فيه بطرق الطعن الإعتيادية و ذلك من قبل نشر الحكم للمحكمة الدستورية العليا القاضى بعدم دستورية القرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 فى الجريدة الرسمية فى 1985/5/16 فإن صدور هذا الحكم و نشره لا يمس بحق المطعون ضدها فى المتعة المقضى بها بالحكم المطعون فيه


    =================================
    الطعن رقم 0079 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 734
    بتاريخ 24-06-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 5
    إذ كان توجيه اليمين إلى المطعون ضدها بالصيغة التى طلبها الطاعن غير جائز قانوناً لأنها غير منتجة فى الدعوى إذ لا تنصب على حصول الطلاق برضاء من المطعون ضدها و إنما على واقعة زواجها من آخر بعد إنقضاء عدتها و هى بذاتها لا تقطع فى أن طلاق الطاعن لها كان برضاها فلا ينحسم النزاع بثبوتها ، فإنه على المحكمة إذا ما إلتفتت عن توجيه تلك اليمين .

    ( الطعن رقم 79 لسنة 55 ق ، جلسة 1986/6/24 )
    =================================
    الطعن رقم 0040 لسنة 54 مكتب فنى 38 صفحة رقم 752
    بتاريخ 26-05-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 1
    المقرر فى قضاء هذه المحكمة - أن الإختصاص بنظر دعوى المتعة معقود للمحكمة الإبتدائية لأن المتعة ليست من المسائل التى تختص بها المحكمة الجزئية و المنصوص عليها فى المادتين 5 ، 6 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية و منها نفقة الزوجة لإختلاف المتعة عنها إذ تستحق هذه النفقة مقابل إحتباس الزوج لها بينما سبب الحق فى المتعة هو الطلاق المنصوص عليه فى المادة 18 مكرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ، و الأصل فى التشريع بها - و على ما ورد بالمذكرة الإيضاحية هو جبر خاطر المطلقة ... و فيها ما يحقق المعونة التى تقيها من الناحية المادية على نتائج الطلاق .


    =================================
    الطعن رقم 0040 لسنة 54 مكتب فنى 38 صفحة رقم 752
    بتاريخ 26-05-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 3
    المشرع الإسلامى جعل للرجل أن يوقع الطلاق و يستقل بإيقاعه فإذا تدخل القاضى فى الأحوال التى يكون فيها الحكم بتطليق الزوجة على زوجها فإن فعله هذا - و على مذهب الحنفيه يضاف إلى الزوج فكأنه طلقها بنفسه مما يستوى معه فى شأن إستحقاق المتعة أن يكون الطلاق من نفس الزوج أو من القاضى و نيابة عنه ، و لا يغير من ذلك ما ورد فى نص المادة 18 مكرر من القانون رقم 25 لسنة 1929 بإستحقاق الزوجة للمتعة من عبارة " إذا طلقها زوجها لأن هذه العبارة مقررة للوضع الشرعى من أن الطلاق ملك للزوج وحده دون سواه سواء إستعمل حقه هذا بنفسه أو بمن ناب عنه نيابة شرعية مثل القاضى ، و لجوء الزوجة إلى القاضى لتطليقها على زوجها بسبب مضارته لها و ثبوت هذه المضاره فيه إكراه لها على طلب التطليق لتدفع الضرر عنها بما لا يتوافر به الرضا بالطلاق

    ( الطعن رقم 40 لسنة 54 ق ، جلسة 1987/5/26 )
    =================================
    الطعن رقم 0004 لسنة 56 مكتب فنى 38 صفحة رقم 1197
    بتاريخ 29-12-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    إذ لم تحقق محكمة الإستئناف دفاع الطاعن و لم تعرض لمستنداته المقدمة و دلالتها و اقامت قضاءها بإستحقاق المطعون عليها للمتعة على مجرد وقوع الطلاق غيابياً و هو ما لا يكفى وحده لحمل قضائها مما يعيب الحكم المطعون فيه بالقصور و يتعين نقضه .

    ( الطعن رقم 4 لسنة 56 ق ، جلسة 1987/12/29 )
    =================================
    الطعن رقم 0075 لسنة 56 مكتب فنى 39 صفحة رقم 1379
    بتاريخ 20-12-1988
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    مفاد النص فى المادة 18 مكرراً من القانون رقم 25 لسنة 1929 و المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 أن تقدير المتعة و تقسيط سداد ما هو محكوم به يدخل فى سلطة محكمة الموضوع و لا رقابة لمحكمة النقض عليها فى ذلك طالما لم ينزل الحكم بها عن الحد الأدنى فى تقديرها بنفقة سنتين على الأقل .

    ( الطعن رقم 75 لسنة 56 ق ، جلسة 1988/12/20 )
    =================================
    الطعن رقم 0051 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 1000
    بتاريخ 17-04-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 1
    لما كان المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية أخذاً بمفهوم المادة السابعة منه يسرى على المراكز القانونية التى تكونت فى ظل العمل بالقرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 الذى حكم بعدم دستوريته طالما لم يصدر بتقريرها أحكام حائزة لقوة الأمر المقضى و كان الحكم المطعون فيه إذ قضى بالمتعة للمطعون ضدها على سند من أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985 قد إلتزم هذا النظر فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقاً صحيحاً ، و يكون النعى عليه بهذا السبب على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 0051 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 1000
    بتاريخ 17-04-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 2
    إذ كان الحكم المطعون فيه قد حصل فهم الواقع فى الدعوى تحصيلاً صحيحاً ثم أنزل عليه حكم المادة 18 مكرراً من القانون رقم 100 لسنة 1985 الذى أعطى الزوجة المدخول بها فى زواج صحيح . إذا طلقها زوجها دون رضاها و لا بسبب من قبلها - الحق فى المتعة فإن النعى عليه بهذا السبب يكون على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 0051 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 1000
    بتاريخ 17-04-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 3
    من المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - إنه ، و إن كان لا تثريب على محكمة الموضوع أن تأخذ فى معرض الإثبات بالقرائن إلا إن ذلك مشروط بأن تكون القرائن التى عولت عليها تؤدى إلى ما إنتهت إليه ، و كان الثابت من الأوراق أن الطاعن تمسك أمام محكمة الإستئناف بأن طلاقه للمطعون ضدها كان بسبب من قبلها و طلب إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات ذلك ، و إذ لم تحقق محكمة الإستئناف هذا الدفاع و أقامت قضاءها بإستحقاق المطعون ضدها للمتعة على مجرد وقوع الطلاق غيابياً و هو لا يكفى وحده لحمل قضائها مما يعيب الحكم المطعون فيه بالقصور فى التسبيب و الإخلال بحق الدفاع .

    ( الطعن رقم 51 لسنة 58 ق ، جلسة 1990/4/17 )
    =================================
    الطعن رقم 0089 لسنة 58 مكتب فنى 42 صفحة رقم 194
    بتاريخ 15-01-1991
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : دعوى المتعة
    فقرة رقم : 3
    إقامة الحكم المطعون فيه بفرض متعة للمطعون ضدها على ما إستخلصه من أن إيقاع الطاعن طلاقه عليها غيابياً قرينة على أن هذا الطلاق قد وقع بدون رضاها و لا بسبب من قبلها و هو من الحكم إستخلاص موضوعى سائغ له أصله الثابت بالأوراق و يؤدى إلى النتيجة التى إنتهى إليها ، لما كان ذلك و كان الطاعن لم يقدم أمام أساس محكمة الموضوع - الدليل على خلاف ما إستخلصه الحكم فإن النعى عليه بهذا السبب يكون على غيرسند


    =================================

  8. #53
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    رتق غشاء البكارة

    مصدرها: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء
    التاريخ: 26/06/2008
    تمهيد


    غشاء البكارة هو عبارة عن غشاء من الأنسجة يَسُدُّ فتحة المِهْبَل من الخارج، ويتكون من طبقتين من الجلد، بينهما نسيجٌ رخوٌ غنيٌ بالأوعية الدموية محافَظٌ عليه بشفتي الفرج الصغرى والكبرى، ويكون رقيقًا في الغالب، وبه فتحة تسمح بنزول دم الحيض في وقته.
    والنظرة إلى هذا الغشاء مختلفة من بيئة لأخرى بحسب أعراف الناس؛ فهو في المجتمعات الغربية مجرد حاجز تشريحي لا فائدة له، ووجوده أو عدمه غير مؤثر، بل قد يكون وجوده دليلا -عندهم- على انغلاق الفتاة، وكونها غير سويَّة من الناحية النفسية -زعموا-؛ لإشارته إلى كبتها لرغباتها، وانعدام تجربتها، وعدم خبرتها بالرجال.
    بينما هو في أعراف المجتمعات العربية والإسلامية الآن يعتبر وجوده سليمًا عند زواج الفتاة أمرًا ضروريًا؛ للتدليل على عذريتها وعفتها. وإذا وجد ممزقًا قبل الزواج كان دليلا عند الناس على فساد المرأة وارتكابها للفاحشة.
    وفي بعض هذه المجتمعات إذا علم أهل المرأة بعدم عذريتها فإنهم دون تحقق من سبب ذلك يطولون المرأة بأذى بالغ قد يصل إلى قتلها، كنوع من أنواع غسل العار، وإنقاذ شرف العائلة -في زعمهم- ([1]).
    وافتضاض هذا الغشاء لا يستلزم أن يكون عن طريق الوطء، بل قد يفتض به أو بغيره، فإذا حدث وأن افتُضَّ وأرادت المرأة إعادته إلى سابق وضعه فإنها قد تلجأ لإصلاحه طبيًا عن طريق ما يسمى "بعملية رَتْق الغِشَاء العُذْري" أو "ترقيع البكارة".
    وبمراجعة الأطباء المختصين تبين لنا أن لهذه الجراحة صورتين:
    الصورة الأولى: وفيها يكون هناك بقايا صالحة من الغشاء القديم، يُحْدِث الطبيب في كل منها جُرحًا، ثم يَضُمُّ بعضها إلى بعض بخيط نسيجي بحيث تتلاقى المواضع المجروحة، ومع مرور بعض الوقت يَتَحَلَّل ذلك الخيط النسيجي بعد أن تكون الأجزاء المنضَمَّة قد التحمت بالبناء الخَلَوي.
    الصورة الثانية: وفيها لا يكون هناك بقايا صالحة من الغشاء القديم؛ بسبب التَّهَتُّك الشديد، فيلجأ الطبيب حينئذ إلى أخذ بعض الأنسجة من أحد جداري المهبل تظل متصلة بالجسم من أحد طرفيها، ويخاط الطرف الآخر فيما يقابله من المهبل، فإذا حدث الجماع تهتكت تلك الأنسجة، وأحدثت نفس الأثر الحاصل بتهتك الغشاء الحقيقي.
    والطريقة الأولى يلجأ إليها في حالة أن يكون الغشاء حديث التمزق، أما إذا تكرر الإيلاج فيه فلا يصلح معه إلا الطريقة الأخيرة.

    وفيما يلي تفصيل الكلام على ما يتعلق بهذه المسألة من الناحية الشرعية، وذلك في ثلاثة أبواب:
    الباب الأول: في حكم رتق غشاء البكارة.
    الباب الثاني: في مناقشة اعتراضات المانعين.
    الباب الثالث: في أحكام الطبيب المباشر لجراحة الرتق.




    الباب الأول
    في حكم رتق غشاء البكارة

    الفصل الأول
    في حالة زوال البكارة بالوطء

    المبحث الأول
    في حكم الرتق عند زوال البكارة بوطء النكاح

    إذا زال غشاء البكارة وافتُضَّ بسبب وطء النكاح، ثم أرادت المرأة رتقه، فإنها تكون أحد ثلاثة: إما أن تكون متزوجة، أو تكون مطلقة، أو تكون أرملة.
    والحكم هنا هو حُرْمَة إجراء جراحة الرتق في هذه الأحوال جميعها، ولو كان الباعث عليه هو طلب الزوج في صورة المرأة المتزوجة، ويَدلُّ عليه أمران:
    أولا: أن جراحة رتق غشاء البكارة تتم بأحد طريقتين: إما عن طريق الخياطة، أو عن طريق إضافة بعض الأنسجة من أحد جداري المهبل إلى ما يقابله كما سبق بيانه، فيلزم منها على كل من الطريقتين إحداث جُرح بالجسد لا حاجة إليه؛ والأصل هو احترام الجسد الآدمي، وعدم جواز إحداث جُرح فيه بلا مُسَوِّغ شرعي من قيام حالة الضرورة أو الحاجة الشرعيين ([2])؛ لأنه حينئذ يكون ضررًا محضًا، والقاعدة الشرعيـة أنه لا ضرر ولا ضرار ([3]).
    وقد نَصَّ فقهاء الشافعية على تحريم ثقب أذن المرأة للتَّحَلِّي؛ لهذا المعنى، قال العلامة الرملي: "وأما تثقيب آذان الصبية لتعليق الحلق فحرام؛ لأنه جَرح لم تدع إليه حاجة، صَرَّح به الغزاليُّ في الإحياء وبالغ فيه مبالغة شديدة، قال: إلا أن يثبت فيه من جهة النقل رخصة، ولم تبلغنا" اهـ ([4]).
    هذا مع أن حاجة المرأة لمصلحة التزين ظاهرة، فكيف هنا ولا مصلحة؟

    ثانيًا: ما يترتب على ذلك من كشف عورة المرأة، والنظر إليها، ولمسها في حالة أن يقوم بعملية الرتق لها من لا يحل له الاطلاع على عورتها، وكلٌ من كشف العورة أمام من لا يحل له الاطلاع عليها، وما يستتبعه من النظر إليها، ولمسها لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة شرعية، ولا ضرورة تلجأ المرأة لإجراء هذه العملية، ولا حاجة تُعْوِزها كذلك.
    قال العلامة الشربيني: "لا يجوز كشف العورة..من غير ضرورة ولا مداواة" ([5])، وقد عَدَّ الإمام ابن حجر في "الزواجر" كشف العورة لغير ضرورة من جملة الكبائر ([6]).
    فلما اقترنت جراحة الرتق لهذا الصنف بما ذكر صارت مفسدتها ظاهرة لازمة فتعين القول بالمنع، لا سيما مع عدم ظهور مصلحة معتبرة في ذلك، والله تعالى أعلم.




    المبحث الثاني
    في حكم الرتق عند زوال البكارة بوطء محرم

    إذا زال غشاء البكارة عن طريق الزنا -والعياذ بالله تعالى-، فلذلك صور ثلاث:
    الأولى: أن تكون المرأة قد زُني بها رغمًا عنها على وجه الإكراه، ونحوه من قوادح الرضا.
    الثانية: أن تكون قد زنت بإرادتها، ولكن لم يعرف عنها هذا ولم يشع.
    الثالثة: أن تكون زانية مشتهرة بالزنا، قد عُلم عنها ذلك، وظهر أمره.
    وفيما يلي تفصيل الكلام على كل صورة من هذه الصور في مطلب مستقل.


    المطلب الأول
    في من زني بها على وجه الإكراه، ونحوه من قوادح الرضا

    أما الصورة الأولى، وهي التي يكون زوال العذرة فيها سببه أن المرأة قد زُنِي بها دون إرادة منها، كأن تكون مكرَهة مثلا، ومثل المكرهة: زائلة العقل بنوم ونحوه، وكذلك الصغيرة المُغَرَّر بها. وكلٌّ من المكرَه والنائم والصغير لا يتعلق به إثم؛ أما المكرَه فلقوله تعالى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}[النحل: 106]، قال الإمام الشافعي إن الله تعالى لما وضع الكُفْر عمّن تلفظ به حال الإكراه و أسقط عنه أحكام الكفر، كذلك سقط عن المكرَه ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى ([7]). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" ([8])، وأما غير المكره ممن ذكرنا؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "رُفِع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يَستيقظ، وعن الصَّبِيّ حتى يَحتَلِم، وعن المجنون حتى يَعقِل" ([9]).
    ويجوز في هذه الصورة المذكورة إجراء عملية الرتق العذري؛ لما يترتب عليه من سدٍّ لباب إساءة الظن بها، مما يحميها من مؤاخذات اجتماعية جائرة، مع ما فيه من عَوْن على الاستقامة والعفاف؛ فإرجاع عذريتها لها يُغْلِق بابًا قد ينفذ منه الشيطان لها فيُهَوِّن عليها المعصية بعد الذي ابتليت به؛ فكم من فتاة عَفيفة ابتُليت بحادث اعتداء على شرفها تَسَبَّب في زوال بكارتها، فامتنعت عن الزواج، وأورثها ما تعرضت له شعورًا بالهوان والدَنَس، ثم بدأت مبالاتها بمعاني الشرف والفضيلة في الانحسار، وأخذت حرارة المعصية في قلبها في الخفوت شيئًا فشيئًا، فبدأت في إشباع حاجاتها وشهوتها بما يغضب الله تعالى دون حساب لرقيب؛ فقد زالت العلامة التي يعتبرها المجتمع دليل الطهارة والعفاف، فصارت وسيلة فساد وإفساد في المجتمع.
    وسيأتي في المطلب التالي تقرير جواز الرتق في حق الزانية العامدة التي لم يشع زناها، فإذا ثبت ذلك لها فلأن يثبت في من غُصِبت على نفسها ولم يتعلَّق بها إثمٌ أولى، والله أعلم.
    المطلب الثاني
    في من زنت مختارة، ولم يشتهر عنها الزنا
    إذا كان زوال عُذرة المرأة سببه زنا وقعت فيه على وجه الاختيار والرضا، ولكنها لم تُعرف به ولم يَشتَهر عنها، فنَدَّعي أنه يجوز لها والحالة هذه أن تقوم بإجراء عملية الرتق العذري، ويدل على ذلك:
    أولا: ما جاءت به النصوص وتتابعت عليه من أن الستر عمومًا من أهم المقاصد الشرعية، وأن ستر الإنسان على نفسه خصوصًا من آكد المطلوبات الشرعية، ومن هذه النصوص:
    ما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يحب الحياء والسَّتر" ([10]).
    وعن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط، فجُلِد، ثم قال: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدي لنا صَفْحَته نُقِم عليه كتاب الله" ([11]).
    وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن امرأة حبلى جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنها زنت، وطلبت أن تُرجم، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "استتري بستر الله عز وجل"، فرجعت، ثم جاءت الثانية وطلبت أن ترجم، فقال لها: "استتري بستر الله تبارك وتعالى"، فرجعت، ثم جاءت الثالثة وطلبت أن تُرجم، فقال: "اذهبي حتى تَلِدِي"، فانطلقت، فولدت غلامًا ثم جاءت فكَلَّمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لها: "اذهبي فتطهري من الدم"، فانطلقت، ثم أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنها قد تطهرت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم نسوة فأمرهن أن يَسْتَبرئْن المرأة، فجئن وشهدن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بطهرها، فأمر لها بحُفَيْرة ورجمت، ثم صُلِّي عليها، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو قسم أجرها بين أهل الحجاز وسعهم" ([12]).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي مُعافَاة إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عَمَلا، ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" ([13]).
    والمرأة التي قارفت الزنا ولم يُعرف ذلك عنها، ثم أرادت رتق عذريتها؛ لئلا تنفضح بعد، يَصْدُق عليها أنها طالبة للستر؛ فعملية الرتق هذه أحد الوسائل التي يستعان بها على الستر، فمن لجأت إليها وقامت بها ، وكان حالها ما ذكرنا، كانت ممتثلة لحديث: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله" ([14])، وكانت مستصحبة أيضًا لما أسبله الله تعالى عليها من الستر، ساعية في درء ما يؤدي لكشفه وهتكه. ومُوجَب الأحاديث السابقة أن كل ما يتحقق به الستر فهو مطلوب مأمور به، والوسائل لها حكم المقاصد، فمن استثنى شيئًا مما يُحَقِّق الستر طولب بالدليل؛ لأن دعواه تخالف هذا الأصل.

    وقد فهم السلف والصحابة عظيم اعتبار معنى الستر في الشرع الشريف فظهر إعمالهم له في وقائع مختلفة؛ منها حادثة ماعز بن مالك الأسلمي لما جاء إلى أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه فأخبره بزناه، قال له الصدِّيق: "هل ذكرت هذا لأحد غيري؟" فقال: "لا". فقال له أبو بكر: "فتب إلى الله واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده". فلم تُقْرِره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له مثل ما قال
    لأبي بكر، فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر، فلم تُقْرِره نفسه حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بزناه، فأعرض عنه، فلما أكثر على النبي صلى الله عليه وسلم حَقَّق في أمره حتى استَوثَق، ثم حَدَّه ([15]).
    فهذا هو الصِّدِّيق الأكبر، ومعه الفاروق عمر رضي الله عنهما قد أرشدا المعترف بالزنا أن يستر على نفسه ويكتم أمره، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليهما ذلك، ولا حَضَّهُما على خلافه.
    قال الحافظ ابن حجر: "ويؤخذ من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد، كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، و أن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة: (لو سَتَرته بثوبك لكان خيرًا لك) ([16])، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال: أحب لمن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب. واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر" اهـ ([17]).
    وروى عبد الرزاق في مصنفه أن رجلا خطب إلى رجل ابنة له، وكانت قد أَحْدَثَت -أي ارتكبت ما يوجب حَدًّا- فجاء إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فذكر له ذلك، فقال له عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت إلا خيرًا. قال: فزوِّجها، ولا تُخْبِر ([18]).
    وعن الشعبي أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: "يا أمير المؤمنين! إني وَأَدت ابنة لي في الجاهلية، فأدركتها قبل أن تموت، فاستخرجتُها، ثم إنها أَدركَت، فحسُن إسلامها. وإنها أصابت حدًّا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح
    نفسها، فاستنقذتها وقد خرجت نفسها، فداويتها حتى برأ كَلْمها ([19])، فأقبلت إقبالا حسنًا، وإنها خطبت إليّ، فأذكر ما كان منها؟"، فقال عمر: "هاه لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يسمع بها أهل الوبر وأهل الودم" ([20]). وفي رواية: "لأعاقبنك عقوبة يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة" ([21]). وفي رواية أخرى: "أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة" ([22]).
    فهذه الآثار جميعها أفادت اعتبار عمر رضي الله عنه للستر في حق الزانية، وأن نوافذ الرحمة لا ينبغي أن تُغَلَّق أمامها، وأن يُحكم عليها وعلى أهليها بالعار الأبدي، بل يُكتم ما كان منها، ولا يشاع، وتستفتح فصلا جديدًا أولُّه التوبة، والتملص من المعصية، وتشرع في حياة العفائف الطاهرات.
    وقد نص فقهاء الشافعية أنه يستحب للزاني، وكل من ارتكب معصية الحق فيها لله تعالى أن يستر على نفسه، بأن لا يظهرها ليُحَدّ أو ليُعَزَّر ([23]).
    قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: "والمراد بقولهم: يستحب أن يستر على نفسه المعصية أن لا يظهرها ليُحَدّ أو يُعزَّر، فيكون إظهارها خلاف المستحب. أما التحدث بها تَفَكُّها أو مجاهرة فحرام قطعًا؛ للأخبار الصحيحة فيه" اهـ ([24]).

    ثانيًا: ما تقرر في قواعد الشرع من أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة قُدِّم دفع المفسدة غالبًا ([25]).
    ومعلوم أن المفاسد المترتبة -في مجتمعاتنا- على العلم بزوال بكارة المرأة في غير نكاح تَربو على مصالح ذلك، ولعلّ أدنى هذه المفاسد هو سوء الظن بها وحمل أفعالها الماضيَة والمُستَقْبَلة على المحامِل الفاسدة، فضلا عما هو فوق ذلك من هدم الأُسَر أو الإيذاء الشديد اللاحق بالمرأة الذي قد يصل إلى حد القتل في بعض البيئات، وكذلك المَعَرَّة التي تلحق ذويها وعائلتها، ولا شك أن هذه المفاسد تَرْجُح على المصلحة الحاصلة بالعلم بزوال العذرية، فتجرى عملية الرتق لدفع هذه المفاسد المذكورة وأشباهها طالما كانت هي الوسيلة المعيَّنة التي تحقق هذا الدفع.
    قال العز بن عبد السلام: "إن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}[البقرة: 219] حَرَّمَهُما؛ لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما. أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها، وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور. وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول، وما تُحْدِثه من العداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وأما مفسدة القمار فبإيقاع العداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها" اهـ ([26]).

    المطلب الثالث
    في من اشتهرت بالفاحشة، أو صدر عليه حكم قضائي بالزنا
    بقي الكلام على الصورة الثالثة، وفيها تكون المرأة التي تريد إجراء عملية الرتق قد عُلم عنها الزنى وظَهَر أمره، كالبَغِيّ المُعْلِنة بزناها المشتهرة بالفاحشة، أو من صَدَر عليها حكم بالزنا من قِبَل القضاء.

    فنقول: إنَّ البَغِيَّ المُعْلِنة بالزنا المشتهر عنها الفاحشة، تكون بذلك قد انتفى عنها معنى الستر؛ لاشتهارها، وتسامع الناس بزناها ومعرفتهم به، فافتضاحها لا يجعل في إصلاح بكارتها أيَّ معنى للستر، ولا يكون له أيُّ أثر في إشاعة حسن الظن بها بين الناس؛ لأن دوافع سوء الظن قد وجدت بشيوع أمر الفاحشة، وكذلك لا يكون لهذا الرتق أي أثر في منع ردود الفعل الاجتماعية؛ لوجود سبب آخر لإثارة هذه الردود. بالإضافة لاشتمال عملية الرتق هنا على مفاسد محضة، منها: كشف العورة بلا مبرر يقتضيه. فلا يجوز للمرأة في هذه الصورة أن تقوم بإجراء جراحة الرتق.
    ويُقَوِّي ما ذكرنا ما قرره الفقهاء من أن كون الإنسان مجاهرًا بفسقه أو بدعته من مجيزات الغيبة، فيجوز ذِكره بما يجاهر به؛ لأنه لم يُبال بما يقال فيه، وخَلَع جلباب الحياء، فلم يبق له حرمة من هذه الجهة ([27]).
    قال المناوي: " المجاهر المتظاهر بالفواحش لا غِيبة له إذا ذُكِر بما فيـه فقط؛ ليُعْرَف، فيُحْذَر" ([28]).
    على أنه ينبغي أن يُلتَفَت إلى أنه إذا كان السبب في عدم إجازة جراحة الرتق في حق البَغِيّ المعلِنة بزناها هو انتفاء معنى الستر في حقها، فهذا يعني أنها إن تلبست بحالٍ جديد يجعلها قابلة للستر، رجعنا فأعملناه معها؛ وذلك كأن ترتحل إلى مكان جديد لا يعرف فيه
    أحد بما كان منها، وتريد أن تتوب، وتبدأ فصلا جديدًا من حياتها، فإنه والحالة هذه يجوز لها إجراء جراحة الرتق؛ لأن اعتبار معنى الستر قد تَجَدَّد، فتعلَّق معه الحكم بها، فليس عدم الجواز في حقها مطلقًا بل هو دائر مع الستر، حيثما انتفى الأخير انتفى الجواز، وحيثما ثبت ثبت الجواز.

    وأما من صدر عليها حكم قَضائيٌّ بالزنا، فإنها إن كانت بكرًا فإن عقوبتها الشرعية جلد مائة، وتغريب عام. فإن كان ذلك الحكم قد اشتهر عنها، وعَلِِم به عُموم الناس -كما في الشخصيات الاجتماعية المعروفة- فإنه لا يجوز لها هي الأخرى أن تجري جراحة الرتق؛ لما عَلَّلنا به في البَغِيّ المعلنة بالزنا. أما إذا كانت غير ذلك بأن كان العلم بالحكم القضائي الذي لحقها قاصرًا على أشخاص بعينهم، فإنها والحالة هذه لها أن تكتم أمرها وتَستَسِرَّ به بعد تنفيذ العقوبة فيها، وأن تلجأ إلى الرتق إذا أرادت أن تتزوج وتبدأ حياة جديدة نظيفة، متى كان الرتق هو الوسيلة المتعينة لتحقيق الستر لها.
    ويشهد لهذا ما رواه البيهقي في سننه أن جارية فَجَرت فأُقيم عليها الحدّ، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين، فتابت الجارية، فحسنت توبتها وحالُها، فكانت تُخطب إلى عمها، فيكره أن يزوجها حتى يخبر ما كان من أمرها، وجعل يكره أن يفشي عليها ذلك، فذكر أمرها لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: "زَوِّجها كما تزوجوا صالحي فتياتكم" ([29]).
    فهذه جارية زنت فحُدَّت، ثم ارتحل أهلوها من المكان الذي عُلم فيه بأمرها، وبالرغم مما كان منها فقد أمَر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليَّها أن يستر عليها ما كان منها، وأن يزوجها كما تُزَوَّج الأبكار. ولما كان المتقرر لدى السلف أنه لا دلالة لزوال غشاء البكارة على حصول الزنا، فإن هذه الجارية التائبة متى تزوجت ووجدها زوجها زائلة البكارة فلن يَلزم من هذا في ذهنه أنها قد زنت من قبل، بل الأمر عنده سيكون مترددًا بين عدة احتمالات أغلبها حسن، فسيستصحب فيها حسن الظن، ولن يحقق في أمرها.
    وروى الطبري في تفسيره أيضًا أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة، فأمَرَّت الشفرة على أوداجها ([30])، فأُدرِكَت، فدُووي جرحها حتى برئت، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم، فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه" ([31]).
    وروى أن امرأة من همدان قد زنت، فجُلدت الحد، ثم تابت، فأتى أهلوها عمر فقالوا: "نزوجها، وبئس ما كان من أمرها". قال عمر: "لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك لأعاقبنكم عقوبة شديدة" ([32]).

    وفقهاء الحنفية عندما تعرضوا لمسألة الإجبار في النكاح، ذكروا أن البكر إذا استأذنها وليها في التزويج، فسكتت أو ضحكت أو زوَّجها فبلغها الخبر فسكتت فهو إذن، وأما الثيب فلا يُكتَفى منها بما يدل على رضاها من الأفعال، بل لابد من تصريحها بالقول. وعندهم أن من زالت بكارتها بوثبة أو حيضة أو جراحة أو تعنيس أو زنا فإذنها كالأبكار، بخلاف من تكرر زناها فإنها لا تستحي بعد التكرار عادة بل تجعله مَكسبة. قالوا: "وكذا إذا أخرجت وأقيم عليها الحد؛ لأنه ظهر بين الناس وعُرِفت به فلا تخفيه" ([33])، فجعلوا عِلَّة أنها لا تزوج كالأبكار معرفة الناس بما كان منها وظهوره، ويلزم من هذا التعليل أنه لو انعدمت معرفة الناس بحَدِّها وزناها أنها تزوج كالأبكار أيضًا، والله أعلم.

    (مسألة) ذهب بعض العلماء المعاصرين ممن تعرض لمسألة رتق البكارة في بحث مستقل ([34]) إلى حُرمة إجراء جراحة الرتق على من كان أمرها معروضًا أمام القضاء، ولم يصدر عليها بعد حكمٌ قضائي يدينها بالزنا؛ قال: "لأن وجود البكارة غير ممزقة يعتبر شبهة تدرأ العقاب عن المرأة، ولأنه إن شهد عليها أربعة رجال عدول، أمكن اتخاذ الرتق وسيلة لتكذيب الشهود أو التشكيك في شهادتهم بغير حق ، فلا يجوز" ([35]).

    والذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أن من كان أمرها معروضًا أمام القضاء ولم يُبَت فيه بعد، فإن لها أن تقوم بالرتق؛ سترًا على نفسها ودفعًا للحَدِّ عنها، وحديث: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله" ([36])، وغيره من الأحاديث الحاضَّة على الستر قد أفادت في مجموعها مشروعية أن يستتر المرء مطلقًا، ولم تُفَرِّق بين من رُفِع أمره إلى القاضي أو الحاكم، وبين من لم يُرفع، وإنما جُعلت إقامة الحَدِّ مُرَتَّبَة على ظهور أمره وثبوت فعلته باعترافه وإقراره، وفي معناه أيضًا ثبوته بالبينة، فإن كان ثمة وسيلة ليدفع الإنسان عن نفسه التهمة ويستر عليها دون إضرار بالغير، فإنّ له ذلك.
    والشهود في هذه الحالة لن يلحقهم ضرر من جَرّاء ذلك؛ فهم لن يعاقبوا بعقوبة القذف طالما أنهم قد اكتمل نِصَاب الشهادة فيهم؛ لكمال عدتهم، مع احتمال صدقهم، ولن يحصل لهم شيء إلا عدم اعتبار شهادتهم في تلك الواقعة بخصوصها؛ للاحتمال القائم، ولن تُهْدَر شهاداتهم في غيرها من الوقائع الحالَّة أو المستقبَلة.
    قال الإمام الماوردي في الحاوي: "مسألة: (قال الشافعي: ولو شهد عليها بالزنا أربعة، وشهد أربع نسوة عدول أنها عذراء فلا حَدّ)". قال الماوردي: "وهذا صحيح؛ لأن بقاء العذرة يحتمل أن يكون لعدم الزنا، ويحتمل أن يكون لعود البكارة بعد الزنا، فلما احتمل الأمرين سقط الحَدُّ عنها؛ لأن الحَدَّ يدرأ بالشبهة، ولا يجب مع الاحتمال. وأما الشهود فلا حَدَّ عليهم؛ لأن بقاء العذرة يحتمل أن يكون لعودها بعد الزنا فيكونوا صادقين، ويحتمل أن يكون لعدم الزنا فيكونوا كاذبين، فلا حَدَّ عليهم، وهُمْ على العدالة" اهـ ([37]).
    وقال ابن قدامة الحنبلي: "وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، فشهد ثقات من النساء أنها عذراء، فلا حَدَّ عليها ولا على الشهود. وبهذا قال الشَّعْبي، والثَّوْري، والشافعي، وأبو ثَور، وأصحاب الرأي" اهـ ([38]).
    ومن المتصوَّر فعلا أن يلتئم غشاء البكارة من تلقاء نفسه؛ لأنه يمكن أن يقع الزنا -والعياذ بالله تعالى- ولا يتمزق الغشاء تمامًا؛ لعدم تمام الإيلاج، فيلتئم مع الوقت شأنه في ذلك شأن أي جُرح من جراحات البدن، وظاهرٌ أن الفقهاء عندما ذكروا هذه الفرضية -كما في النصوص السابقة- قالوا: إن الحَدَّ يسقط عن المرأة وعن الشهود، ولم يأت ذكر أن المرأة مع هذا يجب عليها أن تصرح بوقوع الزنا منها، وأن تقر بالتئام بكارتها من تلقاء نفسها، وأن تفضح نفسها، بل اكتفوا بذكر سقوط الحَدّ عن الطرفين، وذلك مع اعتنائهم البالغ بالنَّصِّ على ما هو أدق من ذلك من الفروع، وحرصهم على بيان القيود والمحتَرَزات.


    وهذا الذي قررناه ينسجم مع كون حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة خلافًا لحقوق الآدميين المبنية على المشاحَحَة والمضايقة. ولأجل هذا المعنى -الذي هو تحقيق الستر، وابتناء حقوق الله على المسامحة- نص العلماء أن من عنده شهادة بحَدٍّ من حدود الله تعالى كزنى وشرب خمر فإنه يباح له إقامتها وتركها ([39])، وأن القاضي له التعريض لمن اتهم في باب الحدود بما يوجب شيئًا منها بأن ينكر ما اتهم به منها سترًا للقبيح ([40])، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لماعز بن مالك: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"، قال الحافظ ابن حجر: "فيه التعريض للمقر بأن يرجع وأنه إذا رجع قُبِل" اهـ ([41])، وبَوَّب عليه الإمام البخاري بابًا في كتاب الحدود من صحيحه، فقال: "باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت"، قال شارحه الحافظ ابن حجر: "هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الإمام المقر بالحَدِّ ما يدفعه عنه" ([42]). كما أن للقاضي أن يُعَرِّض للشهود بالتوقف عن الشهادة ([43]). وقد روي أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد على المغيرة بن شعبة بالزنا، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فاستكبر ذلك عمر، ثم جاء شاب يخطر بيديه، فقال عمر: "ما عندك يا سَلْح العُقَاب؟"، وصاح به عمر صيحة، فقال راويه أبو عثمان النهدي: "والله لقد كدت يُغْشَى عليّ". فلم يُصَرِّح الشاهد الرابع بالزنا، وقال: "يا أمير المؤمنين، رأيت أمرًا قبيحًا". ففرح عمر وحمد الله وجلد الثلاثة الأول عندما لم يكمل الرابع شهادته ([44]). والله تعالى أعلم.
    الفصل الثاني
    في حالة زوال البكارة بسبب ليس وطئًا
    عدم وجود غشاء البكارة لا يعتبر دليلا قطعيًّا على حصول الوطء؛ لأن بعض الإناث قد يولدن دون غشاء خلقةً، وقد يزول الغشاء بسبب آخر غير الوطء؛ كوثبة أو سقطة عنيفة على الموضع -كما يكون في بعض الرياضات-، أو إدخال إصبع أو جسم صلب إلى ذلك المحل، أو خطأ طبيب، أو توجيه تيار مائي شديد إلى تلك المنطقة، وقد يزول أيضًا بحيضة شديدة، وبعض النساء يحتجن لجراحة تستوجب فتح الغشاء في حالة أن يكون منسدًّا مقفلا بحيث يمنع دم الحيض من الخروج.

    وفي الأثر أن رجلا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء، كانت الحيضة أحرقت عذرتها، فأرسلت إليه عائشة رضى الله عنها: "أن الحيضة تذهب العُذرة يقينًا".
    وسُئل النخعي فى رجل دخل بامرأته فقال: لم أجدها عذراء. قال: "ليس عليه شئ؛ العُذرة تذهبها الوثبة والحِمل الثقيل".
    وقال عطاء -فيمن قال لامرأته: لم أجدك عذراء، ولا أقول ذلك من زنا-: "لا يجلد؛ لم يجلد عمر، زعموا أن العُذرة تذهبها الوضوء وأشباهه".
    وسئل الحسن في الرجل يقول لامرأته: لم أجدك عذراء، فقال: لاشيء عليه؛ العُذرة تذهبها الحيضة والوثبة"، ورُوي مثله عن سالم بن عبد الله، وطاوس، والشعبي من أئمة التابعين ([45]).

    والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن من زالت بكارتها بسببٍ مما ذكر فإنّه يجوز لها رتقها؛ لكونها بكراً، ورتق غشاء البكارة دليل على حالها التي هي متصفة به بالفعل، وليس في ذلك إضفاء صفة ليست موجودة فيها، وهي بهذا تدفع عنها الظنون السيئة التي قد تتعرض لها إذا تزوجت، مع ما في ذلك من تشجيع على الاستقامة وتثبيت على العفاف، كما سبق تقريره وبسطه في خصوص المزنيّ بها دون إرادتها بإكراه ونحوه. ويكون هذا كله مُرَخِّصًا لها في كشف عورتها لإجراء العملية؛ لقيام حالة الحاجة التي تُنَزَّل في حقها منزلة الضرورة في إباحة المحظور، والله تعالى أعلم.
    الباب الثاني
    في مناقشة اعتراضات المانعين
    ذهب جماعة من العلماء المعاصرين إلى خلاف ما قررناه من إجازة رتق غشاء البكارة في الصور التي أجزناه فيها، وجنحوا إلى المنع والتحريم المطلق لذلك، واعترضوا على القول بالجواز بمجموعة من الاعتراضات، نسردها تباعًا، ونذكر معها -على وجه التبرع- اعتراضات أُخَر قد تُوَجَّه إلينا، ونجيب عن الجميع -بمدد الله تعالى وعونه- بما يرفع الإيهام، ويزيل اللَّبْس ([46]).

    الاعتراض الأول (حصول الغش):

    وحاصل هذا الاعتراض أن زوال غشاء البكارة يعتبر عيبًا من العيوب، فإخفاؤه بالرتق نوع من الغش، والشريعة الإسلامية حَرَّمت كلا من الغش والتدليس في الزواج وفي غيره ([47])؛ وفي الحديث الصحيح: "من غَشَّنا فليس منا" ([48])، وروي أنه صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غِفَار فلما دخلت عليه رأى بكَشْحها وَضَحًا، فردَّها إلى أهلها، وقال: "دَلَّستم عَلَيّ" ([49]).
    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أَيُّما رجل تزوج امرأة، فدخل بها، ووجدها بَرصاء أو مجنونة أو مجذومة، فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غَرَّه" ([50]).
    ولنا أن ندفع هذا الاعتراض بأن نقول: إنه ليس كل عيب يعتبر إخفاؤه غِشًّا، بل العيب المؤثِّر يكون في كل شيء بحَسَبه، قال الإمام النووي -رحمه الله-: "العيب ستة أقسام: عيب في المبيع, وفي رقبة الكفارة، والغُرَّة، والأُضحية والهدي والعقيقة، وفي أحد الزوجين، وفي الإجارة. وحدودها مختلفة؛ فالعيب المؤثِّر في المبيع الذي يثبت بسببه الخيار هو: ما نقصت به الماليَّة أو الرغبة أو العين، كالخِصا. والعيب في الكفارة: ما أضر بالعمل إضرارًا بينًا. والعيب في الأضحية أو الهدي أو العقيقة هو: ما نقص به اللحم. والعيب في النكاح: ما يُنَفِّر عن الوطء ويكسر سورة التَّواق. والعيب في الإجارة: ما يؤثر في المنفعة تأثيرًا يظهر به تفاوت الأجرة، لا ما يظهر به تفاوت قيمة الرقبة؛ لأن العقد على المنفعة. فهذا تقريب ضبطها، وهي مذكورة في هذه الكتب بحقائقها وفروعها. وعيب الغُرَّة في الجنين كالمبيع" اهـ ([51]) .

    والقول بأن إخفاء مطلق العيب من الغش قول فاسد؛ لأننا لو لم نَحُدّ العيب المؤثر بحدٍّ مُعَيَّن لصار غير مُنضبِط يختلف باختلاف الأشخاص، فما يراه شخص لا بأس به يراه غيره عيبًا، وما يراه شخص عيبًا يراه غيره مناسبًا. ويَلزَم عليه كذلك أن المرأة يَلزَمها أن تخبر بكل ما فيها ولو كان ندبة أو جُرحًا صغيرًا، وكل هذا من البطلان بمكان، وهو مما تَتَنَزَّه الشريعة عنه، فتعيَّن رد العيب المؤثر لحدٍّ معين وضابط مُستقِر.

    فنقول في بيان هذا الضابط: إن ما يعتبر غشًّا في هذا الباب هو ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته، أو بإخفاء وجود عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح من الوطء والاستمتاع.
    وقولنا: "ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته". مثاله: وصل الشعر، فالمرأة به توهم وجود مفقود مقصود، فيحرم عليها ذلك؛ لما فيه من تغريـر وتدليـس على الأزواج ([52])، ولهذا المعنى أجاز فقهاء الشافعية الوصل للحُرَّة إذا كانت ذات زوج بإذن زوجها، وللأمة بإذن سيدها؛ حيث ينتفي معنى التدليس حينئذ ([53]).
    وخرج بهذا: ما إذا ما أوهم مفقودًا غير مقصود لذاته، فإنه لا أثر له.
    وقولنا: "عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح"، يقصد به ما أعاق الوطء حِسًّا، كالرَّتْق والقَرَن ([54])، أو أوجب نُفْرة تمنع من القربان والمساس، كالبَرَص والجُذَام المسْتَحكَّمان ([55])، والجنون وإن تَقَطَّع، فيُنَزَّل ذلك منزلة المانع الحسيّ، وهي جملة العيوب الخمسة التي ذكر فقهاء الشافعية أن الزوج يثبت له بها خيار الفسخ ([56])، وأما ما سوى هذه العيوب كالبَخَر، والصُّنَان ([57])، والاستحاضة، والقروح السائلة فلا خيار بها؛ لأنها لا تُفَوِّت مقصود النكاح ([58]).

    والبكارة ليست مقصودة لذاتها؛ وقد ذكرها الفقهاء في كتبهم على أنها من صفات الكمال ([59])، وكذلك فإن زوالها لا يعتبر من جملة العيوب المؤَثِّرة بالمعنى المشار إليه سابقًا؛ لأنه لا يُفَوِّت مقصود النكاح، وإخفاء مطلق العيب لا يعتبر غشًّا، بل الغش هو ما تعلق بإخفاء ما كان من العيوب على الصفة المذكورة، وإلا لم يكن غشًّا.
    قال العلامة علي العدوي المالكي: "يَلزَم من كون الشيء مُفَوِّتًا للعيب كونه مُفَوِّتًا للغش والكذب، لا العكس" ([60]).
    وقال الباجي: "ولا يلزم الولي أن يخبر من حال وليته إلا بما يلزم في ردها، وهي العيوب الأربعة : الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، وأما غيره من العيوب فلا يلزمه ذلك" ([61]).
    والنصوص التي تحض الإنسان أن يستر على نفسه عامة من جهة شمولها للأفراد، ومطلقة من جهة عدم تحديد وسيلة الستر، والخطاب إذا كان عامًا أو مطلقًا فإنه يجري على عمومه وإطلاقه طالما لم يأت ما يخصصه أو يقيده.
    وتقدَّم أثر الرجل الذي خطبت ابنته وكانت قد زنت وتابت، فقال له أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: زَوِّجها، ولا تُخْبِر".
    والآخر الذي أصابت أخته فاحشة، ثم تابت وكانت تخطب إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه".
    والآخر الذي سأل عمر في شأن ابنته التي خطبت إليه، وكانت قد زنت ثم تابت، هل يذكر لخاطبها ما كان منها؟ فقال له عمر: "تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة" ([62]).
    وأمير المؤمنين عمر هو مُحَدَّث هذه الأمة، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" ([63])، والمُحَدَّث: هو الملهم، أو المتكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب يحدثه به المَلَك عن الله ([64]).
    وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ([65]).
    والمتأمل في هذه الآثار الأخيرة يلحظ أن عمر رضي الله عنه أمر بتزويج المرأة زائلة البكارة على أنها عفيفة مسلمة، ولم يأمرها بفضح نفسها، ولا بإخبـار من أقدم على زواجها بما سلف منها، ولم يعتبر تزويجها على هذا الحال وإخفاء ما كان منها غشًّا. وكذلك يظهر أن المسلمين الأوائل ما كانوا ينظرون للمرأة التي يكتشف زوال بكارتها على أنها خاطئة أو مومسة كما يشيع الآن بين الناس؛ فالعُذرة مجرد أمارة على العفاف، ولكن لا تلازم بينهما بحيث ينعدم العفاف بانعدامها ويوجد بوجدانها؛ لتعدد أسباب زوال البكارة، ومعظمها لا إثم فيه.
    والاستدلال بهذه الآثار ليس لمجرد صدورها عن سيدنا عمر فحسب، بل لعدم إنكار الصحابة عليه ما كان منه، فصار إجماعًا سكوتيًّا على مقتضاها.

    وقد التفَت الفقهاء الحنفية إلى مُدْرَك التَّشَوُّف إلى الستر والتمسك به وتقديمه، وراعَوه في فروعهم؛ فمذهب الإمام أبي حنيفة أن من زالت بكارتها بزنا خفيٍّ زُوِّجَت كالأبكار فلا تُستَنطق في إذن النكاح بل يكفي سكوتها؛ تقديمًا لمصلحة الستر والإخفاء على المصلحة المتوهمة من علم الزوج بزوال بكارتها. قال الزيلعي في شرح الكنز: "لأن الشارع قد ندب إلى الستر، وفي إلزامها النطق إشاعة الفساد مع تفويت مصالحها" ([66]). وهذا نص صريح في تقديم الستر دون التفات إلى غياب ذلك عن الزوج؛ تحقيقًا للمصالح العامة بالحَدّ من شيوع الفساد، والمصالح الخاصة بالستر على العاصية.

    وكذلك فليس في إخفاء زوال البكارة بالرتق تفويت لحق الزوج في الفسخ؛ لأن عدم البكارة ليس من العيوب التي يثبت بها الخيار كما قدمنا، إلا إن اشتُرِط في العقد، فإن اشتُرِط فيه ثم بان خلافه ثبت الخيار عند طائفة من العلماء كالشافعية ([67]) والمالكية ([68])، ولا يثبت عند طائفة أخرى كالحنفية، بل إنهم لا يثبتون الخيار للزوج أصلا بأي عيب ([69])، وعن أحمد كلام يحتمل أمرين، أحدهما: لا خيار له؛ لأن النكاح لا يُرَدُّ فيه بعيب سوى ثمانية عيوب، فلا يُرَدُّ منه بمخالفة الشرط ([70])، ولكنّ العقد صحيح عند هؤلاء جميعًا سواء قيل بثبوت الخيار أو بعدمه.
    قال الجلال المحلي: "لأن المعقود عليه مُعَيَّن لا يتبدل بخُلْف الصِّفَة المشروطة" ([71]).
    وقال الشمس الرملي: "لأن الخُلْف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثيره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى" ([72]).

    ويُضَاف إلى هذا أن جماعة من الفقهاء قد نَصُّوا أن من زالت بكارتها بسببٍ غير وطء كدخول إصبع ونحوه، لا يرفع عنها وصف البكورة شرعًا، بل تعتبر بكرًا إما حقيقة عند بعضهم وإما حكمًا عند البعض الآخر.
    قال في مجمع الأنهر من كتب السادة الحنفية: "(ومن زالت بكارتها) أي عذرتها، وهي: الجلدة التي على المحل. وفي الظهيرية: البكر اسم لامرأة لا تجامع بنكاح ولا غيره (بوثبة، أو حيضة، أو جراحة، أو تعنيس) من عنست الجارية إذا جاوزت وقت التزوج فلم تتزوج (فهي بكر) حقيقة، أي: حكمهن حكم الأبكار، ولذا تدخل في الوصية لأبكار بني فلان؛ لأن مصيبها أول مصيب لها. منه الباكورة والبكرة لأول الثمار ولأول النهار، ولا تكون عذراء" ([73]).
    وقال الإمام البابرتي في شرح الهداية من كتبهم أيضًا: "البكر هي التي يكون مصيبها أول مصيب" ([74]).
    وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب السادة المالكية أن من أزيلت بكارتها بوثبة تعتبر بكرًا؛ لأن البكر أعم من العذراء ([75]).
    وقال العلامة البجيرمي من الشافعية في حاشيته على شرح الخطيب: "وفي معنى البكر من زالت بكارتها بنحو حيض" ([76]).

    وفي الإقناع وشرحه كَشَّاف القناع للبهوتي من كتب السادة الحنابلة: "(وزَوَال البكارة بأصبع، أو وثبة، أو شدة حيضة، ونحوه) كسقوط من شاهق (لا يغير صفة الإذن) فلها حكم البكر في الإذن؛ لأنها لم تخبر المقصود، ولا وجد وطؤها في القبل، فأشبهت من لم تزل عذرتها" ([77]).
    وعلى هذا فإن ترميم بكارة المرأة التي طرأ لها التهتُّك بسببٍ مما ذُكِر لا يُسْبِل على المرأة وصفًا هي خالية عنه، بل هو مؤكدٌ لوصف قائم بها وهو البكورة، ودارئٌ عنها الخوض في عرضها بالظنون الفاسدة والأقاويل الباطلة.

    وذهب الإمام أبو حنيفة إلى ما هو أبعد، فقال: إن من زالت بكارتها بزنا خفي لا تعتبر ثيبًا بل هي بكر، وتزوج كالأبكار.
    قال في مجمع الأنهر: "(وكذا لو زالت) بكارتها (بزنا خفي) عند الإمام -يعني تعتبر بكرًا- وفيه إشارة إلى أنها لو زنت، ثم أقيم عليها الحد أو صار الزنا عادة لها، أو جومعت بشبهة أو نكاح فاسد فحكمهن حكم الثيب، ولو خلى بها زوجها، ثم طلَّقها قبل الدخول بها، أو فرق بينهما بعنة أو جب تزوج كالأبكار وإن وجبت عليها العدة؛ لأنها بكر حقيقة، والحياء فيها موجود كما في البحر" ([78]).
    وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب المالكية: "البكر عند الفقهاء هي التي لم توطأ بعقد صحيح أو فاسد جارٍ مُجْرَى الصحيح، وأما العذراء فهي التي لم تزل بكارتها بمزيل، فلو أزيلت بكارتها بزنا أو بوثبة أو بنكاح لا يُقَرَّان عليه فهي بكر، فهي أعم من العذراء" ([79]).
    وعلى هذا الرأي فإن من زالت بكارتها بالزنا الخفيّ، ثم أجرت عملية الرتق، فهي الأخرى تؤكد وصفًا ثابتًا لها، ولا تَدَّعي ما هي خالية عنه من الأوصاف.

    وأما قول بعض الناس الآن: إن الرجل لابد أن يعلم ما كان من امرأته إن كان ثمَّ خطأ ما قد واقعته، فهو قول فاسد فيه ما فيه من الجهر بالمعصية، وهتك ما ستره الله تعالى، وتتبع لعورات الخلق، واستشراف لما نهينا عن استشرافه، وذريعة لحصول الظنون الفاسدة بعده، والشرع لم يعتبر أصلا أن هناك تلازمًا بين زوال غشاء البكارة وبين حصول الزنا -كما سلف-، وإنما الذي أوجد هذا التلازم هو الأعراف السائدة في مجتمعاتنا الشرقية. هذه الأعراف التي لا ترى عظيم شين في الرجل الفاسق ذي العلاقات المشبوهة، بينما تؤاخذ المرأة وتطعن في شرفها وعرضها بقرائن ما أنزل الله بها من سلطان.

    وقد أطلنا النفس في دفع هذا الاعتراض؛ لأنه الأكثر رواجًا من بين كل الاعتراضات الأخرى، والله أعلم.
    الاعتراض الثاني (الرتق ليس وسيلة يعتبرها الشرع للستر):
    سبق وأن قَرَّرْنا أن الستر مطلوب شرعي سواء في ذلك ستر الإنسان على نفسه أو على غيره، وأن مشروعية الرتق -في الأحوال التي أجزناه فيها- مبنيةٌ على أنه وسيلة لتحقيق هذا الستر. وهذا الذي قررناه اعتُرِض عليه من قِبَل بعض العلماء القائلين بالمنع بأن الستر المطلوب هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته، ورتق غشاء البكارة لم يتحقق فيه ذلك ([80]).

    ويُجَاب عن هذا الاعتراض بمنع القول بأن الستر المطلوب هو فقط ما شهدت نصوص الشرع باعتبار وسيلته، فلا يلزم أن يشهد الشرع لكل وسيلة تُحَقِّق مقصدًا شرعيًّا باعتبارها على وجه الانفراد؛ فالشرع يُثِيب على الوسائل إلى الطاعات كما يُثِيب على المقاصد؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكأن الملاحظ أولا هو إفضاء الوسيلة للمقصود لا هي من حيث ذاتها، لذلك نَصَّ العلماء أن "الوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلـة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل" ([81])، وأن "الوسائل تسقط بسقوط المقاصد" ([82])، وذلك كله بحسب الإفضاء إلى المقصود وعدمه، لا بحسب ذات الوسيلة.
    وكذلك فإن النصوص التي تَحُضُّ الإنسان أن يستر على نفسه أو تَحُضُّه على ستر غيره مطلقةٌ من جهة عدم تحديدها وسيلة الستر، والقول بأن المطلق لا يجري في ماصَدَقاته إلا أن يَنُص الشارع عليها فردًا فردًا لا يصح بحال.
    قال الإمام الزركشي في البحر: "الخطاب إذا ورد مطلقًا لا مُقَيِّد له حُمِل على إطلاقه" ([83])، وقال العلامة صدر الشريعة في التوضيح: "حكم المطلق أن يجري على إطلاقه" ([84]).
    ولذا كان الأدق أن يقال: إنه لا يجوز الستر بوسيلة ثَبَت نهي الشرع عنها. وفَرْقٌ بين هذه العبارة وبين أن يقال: إن الستر المطلوب هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته؛ فالعبارة الأولى تعني أن الأصل في المطلق هو إثبات حكمه لكل فردٍ فردٍ من أفراده، إلا ما دَلَّ الدليل على أن حكمه بخصوصه مخالف، فلا يجري فيه حكم المطلق حينئذ، والثانية تعني أن الأصل هو الإحجام وعدم الإقدام على إجراء حكم المطلق على جميع أفراده حتى يدل الدليل على ثبوته لها فردًا فردًا، وهو واضح. والله أعلم.
    الاعتراض الثالث (كشف العورة، وما يستتبعه):
    اعترض المانعون بأن عملية الرتق العذري يلزم منها كشف العورة المغَلَّظة لمن تُجْرَى لها، وما يَستتبع ذلك من النظر واللمس، والأصل في كلٍّ من كشف العورة والنظر إليها ولمسها الحرمة، فيَنتُج من ذلك حرمة العملية المذكورة، وليس لرتق غشاء البكارة سبب طبي حاجي يمكن أن يكون مبيحًا لكشف العورة أسوة بباقي الأسباب التي يذكرها الفقهاء ([85]).

    ونحن نُسَلِّم أن الأصل في كل من كشف العورة والنظر إليها ومسها الحرمة، لكنَّ القاعدة الشرعية أن الضرورات تبيح المحظورات، قال الزركشي: "ومن ثَمَّ أُبيحت الميتة عند المَخْمَصَة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غُصَّ ولم يجد غيرها، وأبيحت كلمة الكفر للمُكْرَه" ([86]).
    والمرأة التي ابتليت بزوال عذريتها تكون في بعض البيئات كالريف معرضة ليست فقط للأذى الشديد من ضرب ونحوه، بل يصل الأمر إلى حد القتل أحيانًا ([87])، وهذه هي حقيقة الضرورة. وإن كان الأمر في المجتمعات المدنية قد لا يصل إلى القتل في بعض الأحيان، لكن المرأة تُعرَّض للإيذاء الشديد، وللطعن في شرفها وعفتها؛ حيث ارتبط في أذهان الناس العفاف بوجود غشاء البكارة.
    وإذا كانت المرأة قد أخطأت فعلا وأرادت طيَّ ما فات، فلم تجد طريقة تستر بها ما حصل منها، لانكمشت عن الأزواج خوفًا من فضيحتها وفضيحة أهلها، أو اضطرت إلى مصارحة من رغب في الزواج منها فأدى ذلك إلى رغبته عنها كما هو الغالب، وقد يفضحها فتصبح مطمعًا للفَسَقَة وأراذِل الخلق، وقد يَسْري الضرر إلى عائلتها أيضًا، وإلى كل من ينتسب إليها فيمتنع الناس عن الزواج منهم ومصاهرتهم، وهذه المحاذير إن لم تَرْق لمرتبة الضرورات فلن تنزل عن مرتبة الحاجات بحال، والحاجة مُنَزَّلَةٌ منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، فكل منهما في إباحة المحظور سواء.

    وقد نَصَّ الفقهاء على جواز كشف العورة لما كانت الحاجة فيه أقل مما نحن بصدده، لا لشيء إلا للتوسعة على المكَلَّفين ونفي الحرج عنهم؛ ومن ذلك ما نص عليه الفقهاء الحنابلة من أن حلق العانة لمن لا يحسنه يجيز نظر الغير إلى عورته ومسها؛ ليقوم عنه بما لم يستطعه من ذلك، ولا شك أن الحاجة في العجز عن القيام بالاستحداد أخف منها في مسألتنا.
    قال في كَشَّاف القناع: "(ويجوز كشفها) أي: العورة للضرورة (و) يجوز (نظر الغير إليها لضرورة، كتداو وختان، ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبة وعيب، وولادة ونحو ذلك) كحلق عانة لا يحسنه" ([88]).
    وقال المرداوي في الإنصاف: "من ابتلي بخدمة مريض أو مريضة في وضوء أو استنجاء أو غيرهما فحكمه حكم الطبيب في النظر والمس. نص عليه. كذا لو حلق عانة من لا يحسن حلق عانته. نص عليه، وقاله أبو الوفاء، وأبو يعلى الصغير" ([89]).
    وإذا كان كشف العورة مفسدة عظيمة، فإن ما ذكرنا من المفاسد أعظم، والمُقَرَّر أنه إذا تعارض مفسدتان رُوعِي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ([90]). والله تعالى أعلم.
    الاعتراض الرابع (التشجيع على الفاحشة):
    قالوا: إن القول بجواز رتق غشاء البكارة يُسَهِّل على الفتيات ارتكاب الخطيئة والوقوع في الزنا؛ لعلمهن بإمكان رتق غشاء البكارة بعد الجماع، وهذه مفسدة متأكدة الوقوع ([91]).

    ويُرَدُّ هذا بأنه لا تلازم أصلا بين زوال غشاء البكارة، وبين عَفَاف الفتاة؛ فقد تكون الفتاة أطهر من ماء السماء، ولم يَمسَسها بَشَرٌ قَطّ، وقد زالت بكارتها بسبب مادي غير الوطء، كما سبق بيانه.
    ولذلك فإن الشرع الشريف لم يعتبر زوال غشاء البكارة دليلا على الزنا، ولو أن رجلا دخل بامرأة فوجدها لا بكارة لها، فاتَّهمها بالزنا لعُدَّ قاذفًا لها، حتى وإن كانت قد زنت في الواقع ونفس الأمر.
    وإذا كانت أعراف الناس التي تخالف ذلك المقرَّر الشرعي لها أثر زَجْريٌّ عن الوقوع في تلك المعصية، فذلك لا يُبَرِّر اعتبار تلك الأعراف، وإهدار المعاني التي ذكرناها من الستر وغيره مما حَثَّ عليه الشرع وأَلْزم به، والعُرْف متى خالف الشرع كان عرفًا فاسدًا لا اعتبار له. ويشبه ذلك ما يكون إذا قال قائل بزيادة العقاب في الحدود الشرعية إمعانًا في الردع، فإن هذا وإن أعطي أثرًا زجريًّا أقوى من مجرد الحد، إلا أن هذا المعنى الزَّجْريّ الزائد الذي يحصل مُطَّرَحٌ لا اعتبار له، ويكون اللجوء إلى ذلك محرمًا، بل هو مخالف لمَسْلَك الشرع؛ حيث تساهل في هذا الباب، وجعل الحدود مندرئة بالشبهات.
    ويَلْزم المعترض بهذا الاعتراض أن يكون مُقِرًّا لجواز العملية من حيث هي، إلا أنه قال بالمنع لأمر خارج، وهو ما ذكره من لزوم شيوع الفاحشة على الوجه المذكور.

    وفحوى اعتراض المانعين هنا حسم مادة الذرائع إلى الفساد، ولنا أن نمنع القول بسد الذرائع أصلا كما هو مذهب الشافعي وغيره، ونقول: إنه لا يثبت أمر بالشك.
    قال ابن حزم: "كل من حَكَم بتُهْمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد، فقد حكم بالظن، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل" ([92]).
    وهذا المعنى الذي ذكره المانعون لا يصح بحال أن يوصف بأنه مفسدة متأكدة الوقوع كما وقع في كلامهم؛ لأنه غير مُتَعَيِّن فلا يُناط به المنع، بل نقول: إن مفسدة التشجيع على الفاحشة المُدَّعاة مفسدة موهومة، ونعني بكونها موهومة، أي: من جهة لزوم تَرَتُّبها على القول بالجواز؛ لأن من اتخذ من النساء من عمليات الرتق العذري تَكِأَةً يَتَّكئن عليها ليَفْجُرْن ما شئن، فإذا أرادت الواحدة منهن الزواج لجأت إليها، إنما هي قد فعلت ذلك اعتمادًا على إمكان حصول العملية في الواقع لا اعتمادًا على القول بجوازها شرعًا، فمثل هذا الصنف من النسوة لن يلتفت إلى التحريم أو الجواز، والمرأة منهن فاعلة ما أضمرته غالبًا سواء قلنا بالحرمة أو قلنا بالجواز؛ فليس قولنا بالتحريم بزاجر لها عن الفاحشة، ولا قولنا بالجواز بدافع لها إلى الخطيئة.
    فثبت أن ما رتبه المانعون على القول بالجواز مفسدة موهومة، والمفاسد الموهومة لا تصلح لأن يبنى عليها تحريم حتى على قول من يعتبر سد الذرائع؛ لأن المفسدة النادرة والمتوهمة أجمعت الأمة على عدم سَدِّها كما يؤخذ من كلام القرافي وغيره ([93])، وإلا فلو قيل بسد جميع الذرائع للزم على ذلك تحريم زراعة العنب خوفًا من اتخاذه خمرًا ، والمنع من المجاورة في البيوت خوفًا من وقوع الناس في الزنا، وهو باطل لم يقل به أحد.
    والمفاسد التي ذكرنا ترتبها على عدم الستر لا شك أنها أكثر تحققًا مما ذكره المانعون لازمًا للقول بالجواز، والمفسدة المحققة مقدمة على المفسدة المتوهمة، والمصلحة المحققة لا تُتْرك للمفسدة المُتَوَهَمَة.
    وكذلك على التسليم باعتبار قطع الذرائع، فإن وسيلة المُحَرَّم تكون غير مُحَرَّمَة إذا أَفْضَت إلى مصلحة راجحة، كدَفع مالٍ لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك ([94])، والمصالح المترتبة على الرتق كالستر، وقطع الظن الفاسد، واستصلاح العاصي، والإعانة على الثبات على العفاف، والحفاظ على الأرحام من أن تقطع، وإحياء النفوس، وغيره، كلها مصالح أرجح وأكثر تَحَقُّقًا من مُجَرَّد هذه المفسدة المذكورة المظنونة المتوهمة.

    ونحن نزيد ونقول: إنَّا لا نمنع أن يكون القول بجواز الرتق مُشَجِّعًا على الفاحشة فحسب، بل نرى أن القول بالجواز على الوجه الذي قَرَّرناه يحد من ذيوع الفاحشة وانتشارها في المجتمع؛ لما فيه من ستر على من ابتليت بزوال عذريتها، ويكون في ذلك تثبيت لها على الاستقامة والعفاف؛ مع حصر الضرر في أضيق النُّطُق، بخلاف ما إذا عُرِف أمرها، وسَرَى خبرها في الناس وتناقلته ألسنتهم بحَقٍّ أو بباطل؛ لأن تناقل أخبار الفاحشة وشيوع أمرها وتَكَرُّره ذلك يُخَفِّف من وَقْع المعصية على الأسماع ويطفئ من حرارة وطأتها على النفس، ويزيد هذا كلما زاد وتكرر الحديث عن المعاصي وأخبارها وسيرة أهلها إلى أن يصل إلى ضمور الحِسِّ الاجتماعي بآثارها السيئة، فيَهُون على الناس الإقدام عليها، وهذا من الحِكَم الجليلة للنَّهْي النبوي عن الجهر بالمعصية، وهو معنى ما قاله بعض السلف: "إن المعصية إذا أخفيت لم تَضُر إلا صاحبها، وإذا أُعْلِنَت ضَرَّت العامَّة" ([95]).
    وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف: "اجتهد أن تَسْتُر العصاة؛ فإن ظهور عوراتهم وَهَنٌ في الإسلام، وأَحَقّ شيء بالستر العورة" ([96]).
    قال شيخ الإسلام التونسي العلامة محمد الطاهر بن عاشور -في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}[النور: 19]-: "ومعنى أن تشيع الفاحشة أن يشيع خبرها؛ لأن الشيوع من صفات الأخبار والأحاديث، كالفُشُوّ، وهو: اشتهار التحدث بها. فتعين تقدير مضاف، أي: أن يشيع خبرها؛ إذ الفاحشة هي الفِعْلة البالغة حَداًّ عظيماً في الشناعة" ([97]).
    وقال: "ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خَبَر سُوء، كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السُّوء عن إخوانه المؤمنين. ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية؛ فإن مما يَزَع الناس عن المفاسد تَهَيُّبهم وقوعها وتَجَهُّمهم وكراهتهم سوء سمعتها، وذلك مما يَصْرِف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويداً رويداً، حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس. فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخفَّ وقع خبرها على الأسماع، فدَبَّ بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخِفَّة وقعها على الأسماع، فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تُقْدِم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة. هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرًّا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب" اهـ ([98]).
    وهذا الذي ذكره العلامة ابن عاشور مشاهد متكرر معلوم، لا ينكره إلا ذو حس بليد..نسأل الله النجاة والعفو!
    الاعتراض الخامس (آية النور):
    قد يقول قائل إن الله تعالى أمرنا بالحيلولة دون زواج العفيفين والعفيفات بالزناة في قوله: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}[النور: 3]، والقول بجواز أن تقوم المرأة التي زنت ولم يشع زناها بالرتق ينافي هذا؛ لأنه يؤول إلى أن يرتبط رجل عفيف بامرأة زانية وبقاؤه معها؛ لأنه ظَنَّ عذريتها.

    وبعض الناس يظن أن في هذه الآية إخبارًا أن من وقع في الزنا إذا أراد أن يتزوج فلابد أن من سيُقْدِم على الزواج منها ستكون قد زنت مثله، أو أن الزاني لا يتزوج من العفيفات بل لا يحل له إلا من كانت زانية مثله، وكذلك الزانية.

    والجواب: أنّا لا نسلم دلالة الآية على ما ذُكِر؛ فقد عُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم زانية وزان من المسلمين، ولم يُعلم عنه أنه حَرَّم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان، ولا حَرَّم واحدًا منهما على زوجه؛ فقد أتاه ماعز بن مالك وأقر عنده بالزنا مرارًا ([99])، فلم يأمره صلى الله عليه وسلم في واحدة منها أن يجتنب زوجة له إن كانت، ولا زوجته أن تجتنبه، ولو كان الزنا يُحَرِّمه على زوجته لبَيَّن له أنه إن كانت له زوجة حُرِّمَت عليه، أو لم تكن فليس له أن يَنْكِح، ولم يَرِد أنه أمره بشيء من ذلك، ولا أَمَر غيره أن لا يُنْكِحَه إلا زانية. وقد ذَكَر له رجل أن امرأة زنت، وزوجها حاضر، فلم يَرِد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أَمَر زوجها باجتنابها، بل أمر أُنَيس بن الضَّحَّاك الأسلمي أن يغدو عليها، فإن اعترفت رجمها. وجَلَد ابن الأعرابي الذي زنى بها مائة وغَرَّبَه عامًا ([100])، ولم يَرِد أنه نهاه أن يَنْكِح، أو نَهَى أحدًا أن يُنْكِحَه إلا زانية. وقد رَفَع الرجل الذي قذف

    امرأته إليه أمر امرأته، وقذفها برجل، وانتفى من حملها، فلم يأمره باجتنابها حتى لاعن بينهما ([101]). وقد حَرَّم الله المشركات من أهل الأوثان على المؤمنين الزناة وغير الزناة ([102]).
    وجاء في الآثار ما يؤيد هذا؛ فرُوِي أن رجلا فَجَر بامرأة وهما بِكْران، فجَلَدهما أبو بكر، ونفاهما، ثم زَوَّجها إياه بعد الحَوْل ([103]).
    ورُوي أن رجلا تزوج امرأة، ولها ابنة من غيره، وله ابن من غيرها، ففَجَر الغلام بالجارية، فظهر بها حَمْلٌ، فلما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة رُفِع ذلك إليه، فسألهما، فاعترفا، فجَلَدهما عمر الحَدّ، وحرص أن يجمع بينهما، فأَبَى الغلام ([104]).
    وسُئِل ابن عباس رضي الله عنهما فيمن فجر بامرأة ثم تزوجها؟ قال: "أَوَّله سِفَاح وآخره نِكاح، لا بأس به" ([105]). ([106])

    والآية الكريمة قيل: إنها منسوخة؛ رُوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "نسخت هذه الآية التي بعدها {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]".
    قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفتيا يقولون: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وهو قول ابن عمر، وسالم، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاوس، ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء الله، هي منسوخة.
    وقال الشافعي: "قيل: نزلت في بغايا كانت لهن رايات وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن، فنزلت هذه الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أَعْلَنَ بمثل ما أَعْلَنَّ به، أو مُشْركًا" اهـ ([107])، ومن هذا الباب ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" ([108]).
    أو يقال: إن النكاح فيها محمولٌ على الوطء لا العقد، كما رُوي عن ابن عباس وأصحابه، فيكون معناها: الزاني لا يشاركه في فعله وقت زناه إلا زانية مثله من المسلمين، أو أَخَسّ منها كمُشْرِكة لا تُحَرِّم الزنا.
    فيكون مقصود الآية الإخبار باشتراكهما في الزنا، وأن المرأة كالرجل في ذلك، فإذا كان الرجل زانيًا فالمرأة مثله إذا طاوعته، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها، فحَكَم تعالى في ذلك بمساواتهما في الزنا، ويفيد ذلك مساواتهما في استحقاق الحد، وعقاب الآخرة، وقطع الموالاة، وما جرى مُجْرَى ذلك.
    أو تكون مَسُوقة لتشنيع الزنا، وبيان أنه مُحَرَّم على المؤمنين، وتَبشيع أمر الزاني، وأنه لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله، أو مُشْرِكة هي أسوأ منه حالاً وأقبح أفعالاً، وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنا، فلا يليق أن ينكحها من حيث أنها كذلك إلا من هو مثلها، وهو: الزاني، أو من هو أسوأ حالاً منها، وهو: المشرك. وذلك كما يقال: السلطان لا يكذب. أي: لا يليق به أن يكذب. نُزِّل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدمه، وهو كثيرٌ في الكلام. ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا، فيكون فيه من تقبيح الزنا ما فيه.
    ويَتأكَّد ما قلناه من عدم حمل الآية على تحريم نكاح من وقع منها الزنى بأن الشرع الشريف قد حَثَّ العاصي أن يستر على نفسه، وتَوَعَده بسَلْب العافية عنه، وعليه فمن ابتليت بالزنا فليس لها أن تفضح نفسها؛ بمقتضى الشرع، وهذا لا يحول دون أن يتزوجها عفيف، ومع قيام هذا الاحتمال القوي الراجح، فإن الشرع لم يلتفت إليه أو يعتبره.
    وأما حَمْل الآية على ظاهرها من الإخبار المَحْض فلا يصح؛ لما فيه من مخالفة للواقع؛ فالزاني قد ينكح الحصينة، والمشرك قد ينكح الحصينة، وأيضاً الزانية قد يَنْكحها المسلم العفيف؛ رغبة في جمالها أو إنقاذًا لها من عُهْر الزنى وما هو بزانٍ ولا مُشْرك، فلا يستقيم، بل الآية محمولة على الإنشاء والتشريع دون الإخبار؛ وقد قال الله تعالى في آخرها: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}، ولأنها نزلت جواباً عن سؤال مَرثَد تزويجه عَنَاق وهي زانية ومشركة، ومَرثَد مسلم تقي ([109])، ولكن حكمها عام لمرثَـد وغيره من المسلمين؛ بحق عمـوم لفظ: "المؤمنين" ([110]).
    ثم إن هذا الاعتراض إنما هو خاص بمن قامت برتق البكارة التي تمزقت عن زنا -والعياذ بالله-، ولا يَتَوَجَّه على من فقدتها بسبب آخر غير وطء. والله تعالى أعلم.
    الاعتراض السادس (إلحاق الضرر بالزوج):
    قالوا: إن من القواعد الشرعية المتفق عليها بين العلماء أن "الضرر لا يزال بالضرر"، ومن فروع هذه القاعدة: أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره.

    ومثل ذلك أيضًا، أنه لا يجوز أن تزيل الفتاة أو أمها ضررًا عن نفسها لتلحق ضررًا بزوجها المنتظر.
    وكذلك فإن من القواعد الشرعية المتَّفَق عليها أيضًا أنه يُتَحَمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، ومن فروعه: أنه يُقْتَل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم ([111]).

    ونحن نمنع أن يكون ثَمَّ ضررٌ معتبر يَلْحَق الزوج لخصوص رتق البكارة، وقررنا في غير موضع أن دلالة زوال الغشاء على وقوع الزنا منتفية، وأن من رمى امرأته بالزنا؛ لمجرد ذلك، كان قاذفًا لها، حتى وإن كانت كذلك في نفس الأمر؛ وقد افتضت امرأة جارية بأصبعها، وقالت: إنها زنت. فرُفِعت إلى عليّ رضي الله عنه، فغرمها العُقْر ([112])، وضربها ثمانين لقذفها إياها ([113]).
    والضرر المتصَوَّر هو ترويج المرأة على الزوج بالغش، وسبق تفنيد هذا بما لا مزيد عليه، وبيان أن الغش المؤثر هو ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته، أو بإخفاء وجود عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح من الوطء والاستمتاع، وأن من افتُضَّت بسبب غير الوطء كدخول إصبع ونحوه، لا يُرْفع عنها وصف البكورة شرعًا، بل هي بكر إما حقيقة وإما حكمًا، وزاد أبو حنيفة فذهب إلى أن من زالت بكارتها بزنا خفي لا تعتبر ثيبًا، بل هي بكر، وتزوج كالأبكار. وذلك كله مُتَّسِقٌ مع حض الشرع للعاصي أن يكتم معصيته.

    أما قولهم: إن الضرر الخاص يُتَحَمَّل لأجل دفع الضرر العام، فلا يظهر أن له مدخلية فيما نحن فيه، ولم يفصح المانعون عن ماهيَّة هذا الضرر العام المُدَّعَى حصوله من رتق البكارة. والله تعالى أعلم.
    الاعتراض السابع (غلبة المفاسد):
    قالوا: إن فتح الباب لرتق غشاء البكارة؛ بحجة الستر ودفع المََضَرَّة، يَجُرُّ إلى مفاسد أكثر خطورة وأعمق آثارًا، ويفتح أبوابًا من الشر لابد من التَّنَبُّه لها، ومن ذلك:

    1- ; أن الفتاة قد تكون حاملا عند رتق غشاء البكارة، فتكتم ما في رحمها، وتتحمل إثم الكتمان؛ في سبيل خلاصها من الفضيحة، وبعد أيام من إجراء العملية تتزوج، فيُلْحَق الولد إلى فراش الزوج، وفي ذلك اختلاط الأنساب، وتَعَدٍّ على الحرمات، وأكل للأموال بالباطل نفقة كانت أم ميراثًا.
    2- ; فتح الأبواب أمام الأطباء أو بعض الأطباء أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة؛ بحجة الستر، أو بحجة أنها نتيجة الخطيئة.
    3- ; في رتق الغشاء اطِّلاع على المنكر وعون على الخبث، قالت أم سلمة: "يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟"، قال: "نعم، إذا كثر الخبث". وفَسَّرَه العلماء بأولاد الزنى.
    4- ; فتح أبواب الكذب للفتيات وأهاليهن؛ لإخفاء حقيقة السبب، والكذب ممنوع ومُحَرَّم في شريعة الله.
    والقاعدة أنه إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك. وإن تَعَذَّر الدَّرْء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة لا نبالي بفوات المصلحة ([114]).

    ونحن بحول الله نَكِرُّ على هذه المفاسد المدَّعاة جميعًا بالنقض فيما يلي، فنقول:
    أما أن الفتاة قد تكون حاملا عند رتق غشاء البكارة، فتكتم ذلك وتُجْري العملية، ثم تتزوج، فيلحق الولد إلى فراش الزوج، فذلك ليس مُوجِبًا للقول بحرمة الرتق؛ لأنه لا تلازم بين ثبوت النسب وبين وجود البكارة؛ فالمرأة قد تكتم ولا ترتق، ولا سبيل للزوج شرعًا أو قانونًا لرميها بالزنى لذلك، ويلحق به الولد؛ لأن الولد للفراش.
    ولو سَلَّمنا بأن ثَمَّ ارتباطًا بين وجود غشاء البكارة وبين ثبـوت النسب -ولا نُسلِّم-، لكان القول بتحريم الرتق على الإطلاق غير صحيح أيضًا؛ لأن التحريم هنا سيكون في الحالات التي يتحقق فيها اختلاط الأنساب؛ لسبق حمل المرأة قبل زواجها، وليس لذات الرتق، وهو ما يسميه الأصوليون بالحرام لغيره؛ فالحرام نوعان: حرام لذاته أو لعينه، وحرام لغيره. فالحرام لذاته: هو ما كان منشأ الحرمة فيه هو ذات الشيء، كشرب الخمر والزنا وأكل الميتة ونحو ذلك، فالحرمة فيه منتسبة إلى المحل؛ لتدل على عدم صلاحيته للفعل، فالمحل أَصْلٌ والفعل تَبَع.
    والحرام لغيره: هو ما كان منشأ الحرمة فيه غير ذلك المحل، وأمثلته كثيرة، منها: حرمة أكل مال الغير، فإنها ليست لنفس ذلك المال، بل لكونه ملك الغير، فالأكل مُحَرَّم ممنوع، لكن المحل قابل للأكل في الجملة، بأن يأكله مالكه، بخلاف الأول، ومنها: الوطء في الحيض؛ فإن المُحَرَّم ليس الوطء في نفسه، بل المُحَرَّم إيقاعه في هذا الحال. ومنها: من ملك عينًا وعلم بها عيبًا، فلا يجوز له أن يبيعها حتى يُبَيِّن عيبها، لا لحرمة البيع في نفسه، وإنما لما اقترن به من الغش والتدليس ([115]).

    وأما قولهم: إن رتق غشاء البكارة يفتح الأبواب أمام بعض الأطباء أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة؛ بحجة الستر، أو بحجة أنها نتيجة الخطيئة.
    فهذا منهم تَوَسُّعٌ في إعمال قاعدة سد الذرائع، حتى على قول من يقول بسَدِّها، كالمالكية؛ لأنها مفسدة نادرة متوهمة، لا يؤدي السبب فيها إلى المسبَّب لا قطعًا ولا غالبًا، وما كان من هذا الباب فلا يقال بمنعه، وسبق تفصيل الكلام على مسألة الذرائع قبل ذلك. والكلام على الإجهاض أصلا فيه تفصيل ليس هذا محله، فحتى هذا الإطلاق في منع الإجهاض محل كلام وأخذ ورد.

    وأما القول بأن في رتق الغشاء اطلاعًا على المنكر وعونًا على الخبث، فمردود؛ لأن ليس كل حالات زوال العذرية نتيجة فعل المنكر، وما كان منها نتيجة لذلك فمفسدة مجرد الاطلاع لا تقوى على الرجحان أمام باقي المفاسد التي يتم دفعها بالرتق. وأما أنه عون على الخبث، فإن قصد بالخبث: أولاد الزنا كما جاء في التفسير الذي نقلوه للحديث، فلا مدخل له معنا أصلا، وإن أريد بالخبث غير ذلك فلا وجه لإيراد حديث أم سلمة والتنبيه على تفسيره بما ذُكِر؛ لعدم تعلق ذلك كله بمقام الاستدلال، ونحن نمنع أن يكون فيه عَوْنٌ على الخبث بالمعنى المتبادر في الحالات التي أجزناه فيها؛ لما سبق تقريره وتكراره، من كونه بابًا من أبواب الستر، وسببًا من أسباب انكماش الفاحشة في المجتمع.

    وأما أنه يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهاليهن؛ لإخفاء حقيقة السبب، والكذب مُحَرَّم، فنحن نمنع أصلا اللزوم بين الكذب وبين الرتق؛ لأن الكذب هو الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه ([116])، ومجرد الرتق لا يلزم عنه الإخبار بخلاف الواقع، فالإخبار فعل زائد على مجرد الرتق، قد يقترن به، وقد يتجرد الرتق عنه.
    على أن الصدق ليس واجبًا في كل مقام، بل يجوز تركه في مواضع؛ قال السَّفَّاريني في شرح منظومة الآداب -بعد أن ذكر ما نقله ابن حزم من الاتفاق على تحريم الكذب في غير الحرب، وغير مُداراة الرجل امرأته، أو إصلاح بين اثنين، أو دَفْع مظلمة-: "هذا ما ورد فيه النص، ويقاس عليه ما في معناه، ككذبه لستر مال غيره عن ظالم، وإنكاره المعصية؛ للستر عليه أو على غيره ما لم يجاهر الغير بها، بل يلزمه الستر على نفسه وإلا كان مجاهرًا، اللهم إلا أن يريد إقامة الحد على نفسه كقصة ماعز، ومع ذلك فالستر أولى ويتوب بينه وبين الله تعالى. وكل ذلك يرجع إلى دفع المَضَرَّات" ([117]).
    وقال الإمام ابن الجوزي: "كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح، وإن كان ذلك المقصود واجبًا فهو واجب" ([118]).
    وقال السيوطي في قواعده: "الكذب مفسدة محرمة ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز، كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها. وهذا النوع راجِعٌ إلى ارتكاب أَخَفِّ المفسدتين في الحقيقة" ([119]).
    وقال المُحَقِّق ابن حَجَر في التُّحْفة -عند قول المنهاج: "من أقر بعقوبة لله تعالى فالصحيح أن للقاضي أن يُعَرِّض له بالرجوع"-: "وأفهم قوله: (بالرجوع) أنه لا يُعَرِّض له بالإنكار؛ لأن فيه حَمْلا على الكذب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لما مر في الزنا أن إنكاره بعد الإقرار كالرجوع عنه. ثم رأيتهم صَرَّحوا بأن له التعريض بالإنكار وبالرجوع. ويجاب عما علل به بأن تَشَوُّف الشارع إلى درء الحدود ألغى النظر إلى تضمن الإنكار للكذب، على أنه ليس صريحًا فيه فخَفَّ أمره" اهـ ([120])
    ولا ريب أن المرأة إذا أجرت الرتق؛ لئلا تنفضح مستعينة بذلك على استدامة الاستقامة أو استئنافها كان ذلك منها مقصدًا محمودًا، ومصلحة محققة، وارتكابًا لأخف المفسدتين. ومنعها من ذلك، وإلجاءها إلى طريق الفضيحة من أخطر أسباب الانحراف إلى الرَّذيلة وارتكاب الموبقات.
    فبان بهذا تهافت الاستدلال بحصول هذه المفاسد المُدَّعاة، وأنها مفاسد نادرة أو موهومة، فلا اعتبار لها، والله أعلم.
    الاعتراض الثامن ( الاكتفاء بالشهادة الطبية ):
    قالوا: إن مفسدة التُّهْمة في حق المرأة التي زالت بكارتها بغير زنا منها يمكن إزالتها عن طريق شهادة طبية بعد الحادثة تثبت براءة المرأة، وهذا السبيل هو أمثل السبل، وعن طريقه تزول الحاجة إلى فعل جراحة الرتق ([121]).

    ونقول في الجواب عن هذا: إن تقريرنا جواز إجراء عملية الرتق مبنيٌ على نظرة المجتمع للمرأة التي ذهبت بكارتها؛ فالعرف الاجتماعي الحالي في كثير من بلاد المسلمين قد أعطى لغشاء البكارة اعتبارًا فوق ما أعطاه الشرع، واعتبره دليلا على فِسْق المرأة ودَنَسها دون الشرع، وفي ظلِّ هذا العرف فإنه لا يكفي مجرد تحرير شهادة طبية يُبَيَّن فيها أن التمزق سببه جراحة أو حادث أو غير ذلك مما لا يشِين عرض المرأة؛ لأن ذلك في الأغلب الأعم لا يطفئ نار الشك في نفس زوج المستقبل، ولا يكفي أيضًا لإقناع من يعلم بهذا من أهله أو غيرهم؛ لأنه يقال: إن هذه الشهادة قد تكون حُرِّرت مخالفة للحقيقة عن طريق رِشْوة المختص.
    ولو أننا استعملنا سد الذرائع كما استعمله المانعون، لقلنا: إن القول بجواز اللجوء لتحرير شهادة طبيّة للمرأة التي زالت بكارتها يفتح الباب للمومسات ومحترفات الدعارة أن يلجأن لأخذ شهادات طبيَّة مماثلة عن طريق الرشوة وبذل المال، ومعلوم أن كتابة التقارير الطبية أسهل وأيسر من إجراء عمليّة الرتق، ولن يعدم هؤلاء النسوة من يقوم لهن بهذا.

    ولكن ينبغي أن ننبه أن الأعراف لو تغيرت في زمن ما أو في مكان ما، وصارت نظرة الناس لغشاء البكارة موافقة لنظرة الشرع، فلم يجعل عدمه دليلا على الفاحشة، وسببًا للطعن في العرض، وذريعة لسوء الظن والتهمة، بل كان أمر المرأة محمولا على الصلاح وعدم التهمة، فيَرتَدّ حينئذ إجراء عملية الرتق إلى أصل المنع؛ لانتفاء معنى الستر المراد، وللزوم كشف العورة للاحاجة أو ضرورة حينئذ، مع غلبة المفاسد.
    وكذلك لو وجدت وسيلة أخرى جائزة تدفع التهمة عن المرأة وتحقق الستر بيقين، فلا يُلْجَأ هنا أيضًا لعملية الرتق؛ لأنها لا تصير مُتَعيِّنة حينئذ لتحقيق مصلحة الستر، ودفع مفسدة الفضيحة وسوء الظن ونحو ذلك مما سبق ذكره.



    الباب الثالث
    في أحكام الطبيب المباشر لجراحة الرتق


    الفصل الأول
    في حكم إجراء الطبيب جراحة الرتق
    أصل مشروعية الإقدام على إجراء عملية رتق غشاء البكارة ثابت للطبيب في الحالات التي أجزناها فيها؛ وذلك لما في فعله هذا من تحقيق مقاصد الشرع الشريف في الستر على الخلق، وتفريج الكُرَب عن أصحابها.
    وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المُسْلِم أخو المُسْلِم لا يَظْلِمه ولا يُسْلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرَّج عن مُسْلِم كُرْبة فَرَّج الله عنه كُرْبة من كُرُبات يوم القيامة، ومن سَتَر مسلمًا سَتَره الله يَوم القيامة" ([122]).
    وقال: "من نَفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعْسِر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سَتَر مُسْلمًا سَتَره الله في الدنيا والآخرة، والله في عَوْن العَبْد ما كان العَبْد في عَوْن أخيه" ([123]).
    وقال: "من سَتَر عَوْرة أخيه المُسْلِم سَتَر الله عَورته يوم القيامة، ومن كشف عَوْرة أخيه المُسْلِم كَشَف الله عَوْرته حتى يَفْضَحه بها في بيته" ([124]).

    وعن عُقْبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سَتَر مؤمنًا كان كمن أحيا مَوءودة من قبرها" ([125]).
    وفي رواية: "من رأى عَوْرة فسَتَرها كان كمن أحيا مَوءودة" ([126]).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أطفأ عن مؤمن سَيِّئة كان خيرًا ممن أحيا موءودة" ([127]).
    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرى امرؤ من أخيه عَوْرة فيسترها إلا سَتَره الله وأدخله الجَنَّة" ([128]).
    وعن نُعَيم بن هَزَّال رضي الله عنه عن أبيه أن ماعز بن مالك رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "أقم عَلَيّ كتاب الله فأعرض عنه أربع مرات، ثم أمر برجمه، فلما مسته الحجارة جزع، فخرج، فهرب، فاستقبله رجل فضربه بشيء معه فقتله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بأمره، فقال: "هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه، ثم قال: يا هَزَّال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا لك" ([129]).
    ولا شك أن قيام الطبيب بقيامه بعملية الرتق يُحَقِّق كل ما حَضَّت عليه الأحاديث السالفة من ستر العورات، وتفريج الكرب عن المكروبين، والقيام في حوائج الناس، وإعانة الغير.
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَقِيلوا ذَوي الهَيْئات عَثَراتهم"، وفي رواية: " أَقِيلوا ذَوي الهَيْئات زَلاتهم" ([130])، فمن كانت مُسْلمة عفيفة مستقيمة، ثم عَرَضَت لها معصية كالزنا -والعياذ بالله تعالى-، فإن الستر عليها وكتمان أمرها وإرجاعها إلى جادَّة العفاف يعتبر من إقالة العَثَرات، وقيام الطبيب بإجراء تلك العملية لها مُحَقِّقٌ لذلك كله؛ فهو من وسائل تحقيق تلك الإقالة.
    وما جاء في سير الصحابة والسلف الصالح وسلوكهم العملي يَدْعَم هذا كلَّه، ويؤكد عدم تَشَوُّفِهم لهَتْك الناس، أو التَّشَفِّي في العصاة، وسعيهم لسترهم حتى في موجبات الحدود، ومن ذلك:
    ما جاء عن دخين بن عامر كاتب عقبة بن عامر رضي الله عنهما قال: "كان لنا جيران يشربون الخمر فنهيتهم فلم ينتهوا، فقلت لعقبة بن عامر: إن جيراننا هؤلاء يشربون الخمر، وإني نهيتهم فلم ينتهوا، فأنا داع لهم الشُرَط". فقال: "دَعْهُم!" ثم رجعت إلى عقبة مرة أخرى، فقلت: "إن جيراننا قد أَبَوْا أن ينتهوا عن شرب الخمر، وأنا داع لهم الشُرَط". قال: "وَيْحَك دَعْهم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معنى حديث: من رأى عَوْرة فسترها كان كمن أحيا مَوءودة" ([131]).

    وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله" ([132]).
    وعن أبي الزبير المكي أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت -أي أصابت ما يوجب عليها حد الزنا-، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فضربه أو كاد يضربه ([133]).
    وعن طارق بن شهاب أن رجلا خطب إليه ابنة له، وكانت قد أحدثت، فجاء إلى عمر فذكر ذلك له، فقال له عمر: "ما رأيت منها؟"، قال: "ما رأيت إلا خيرًا". قال: "فزَوِّجْها، ولاتُخْبِِر".
    وعن الشَّعْبي أن جارية فَجَرَت فأقيم عليها الحد، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين، فتابت الجارية، فحسنت توبتها وحالها، فكانت تُخْطَب إلى عمها فَيَكْره أن يزوجها حتى يُخْبِر ما كان من أمرها، وجعل يَكْره أن يُفْشي عليها ذلك، فذكر أمرها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: "زَوِّجْها كما تزوجوا صالحي فتياتكم".
    وعنه أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: "يا أمير المؤمنين! إني وأدت ابنة لي في الجاهلية، فأدركتها قبل أن تموت، فاستخرجتها، ثم إنها أَدْرَكت، فحَسُن إسلامها. وإنها أصابت حدًّا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح نفسها فاستَنْقَذتها وقد خرجت نفسها، فداويتها حتى برأ كَلْمُها، فأقبلت إقبالا حسنًا، وإنها خُطِبت إليَّ، فأذكر ما كان منها؟"، فقال عمر: "هاه لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يسمع بها أهل الوَبَر وأهل الودم". وفي رواية: "يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة". وفي رواية: "أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكَالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة".

    ورُوي أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة، فأمَرَّت الشفرة على أوداجها، فأُدرِكت، فدووي جرحها حتى برئت، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم، فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسَها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه" ([134]).
    وأُتِي عمر بسارق قد اعترف، فقال عمر : "إني لأرى يد رجل ما هي بيد سارق"، فقال الرجل: "والله ما أنا بسارق"، فأرسله عمر ولم يقطعه.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أتي له بسارق وهو يومئذ أمير، فقال: "أسرقت؟ أسرقت؟ قل: لا. قل: لا". مرتين أو ثلاثًا.
    وأُتِي برجل أقر بسرقة، فقال له الحسن بن عليٍّ: "لعلك اختلست"؛ لكي يقول: لا.
    وعن ابن جريج أن عطاء قال: "كان من مضى يؤتى بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا". قال ابن جريج: "ولا أعلم إلا سَمَّى أبا بكر وعمر".
    وروي أن عليًّا رضي الله عنه أتي له برجل وامرأة وجدا في خَرِبَة، فقال له عليٌّ: "أقربتها؟" فجعل أصحاب عليٍّ يقولون له: "قل: لا"، فقال: "لا", فخَلَّى سبيله ([135]).
    وسُرِقت عَيبة لعمار رضي الله عنه بالمزدلفة فوضع في أثرها حِقَّته ودعا القافَة ([136]) فقالوا: حبشي، واتبعوا أثره حتى انتهى إلى حائط وهو يُقَلِّبُها، فأخذها وتركه، فقيل له، فقال: "أسترُ عليه؛ لعلَّ الله أن يستر عَلَيَّ" ([137]).
    وقال الفُضَيْل بن عِيَاض -رحمه الله تعالى-: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يَهْتِك ويُعَيِّر" ([138]).

    وقيام الطبيب بإجراء عملية الرتق لمن احتاجتها فيه إمعان في الستر؛ لأن الستر عليها بمجرد السكوت وعدم فضح أمرها والإخبار عنها وإن كان فيه أيضًا نوع ستر، إلا أنه ستر ناقص مؤقت، لأنه يزول إذا تزوجت مثلا فبان زوال عذريتها، أما القيام بإجراء العملية لها فيه تحقيق للستر الأكثر ديمومة. كما أن الستر بالسكوت ستر بالترك، والترك المقصود وإن كان فعلا كما هو مقرر في الأصول ([139])، إلا أن الستر بإجراء العملية فيه مزيد فعل فيُقَدَّم أيضًا من هذا الجانب.

    وقيام الطبيب بهذه الجراحة له أَثَرٌ عامٌّ مطلوب، وهو إخفاء المعصية وعدم إشاعتها في المجتمع وقَتْل ذكرها بين الناس كما سبق بيانه، وله أََثَرٌ آخر خاص؛ ففي حالة رتق البكارة الزائلة بغير وطء، يَقي صاحبتها أن يُظَنَّ بها ظَنَّ السوء، قال ابن عمر رضي الله عنه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حُرْمتك والذي نَفْس محمد بيده لحُرْمَة المؤمن أعظم عند الله حُرْمة منك ماله ودمه وأن نَظُنُّ به إلا خيرًا" ([140])، وكذلك يرفع الطبيب عنها -وعن أهلها، وذويها- أذى معنويًّا كان سيلحق بها، وهو يفوق في الضرر والإيلام ما يحصل من مجرد الجُرح العادي أو المرض المعتاد. مع ما في ذلك من إقامة لهذه المرأة على العفاف؛ لأنه في بعض الحالات قد تهوي المرأة في حَبَائل الرذيلة بعد أن فَقَدت عذريتها بما لا يشِين شرفها أصلا؛ لأنها فقدت العلامة التي يعتبرها العُرْف شرط الطهارة والعفاف، ولا تستطيع التصريح بذلك خوفًا من التُّهْمة فتَرفض الخطاب والأزواج، ولا تستطيع دفع غائِلَة الشَّهْوة المرَكَّبة في بني آدم بمقتضى الجِبِلَّة والطَّبْع، فتُشْرف على مواقعة المحظور أو تقع فيه لا سِيَّما وقد فقدت الرادِع الاجتماعي، فإن فُقِد الرادع الديني والوازع الخلقي كذلك فلا شيء يمنعها ساعتئذ من مواقعة المحظور.

    وفي حالة من زالت بكارتها بزنا خفي فإن في قيام الطبيب بجراحة الرتق تحضيضًا لهذه المرأة على التوبة، وعلى طَيِّ صفحة ملوثة من الماضي، لو ظلت شاخصة أمامها لأورثتها يأسًا من استصلاح نفسها وتطهير ذاتها، بخلاف ما إذا رُفِع عنها أَثَرُ زَلَّتها، ومُنِحَت فرصة جديدة تستئنف بها حياتها كما الطاهرات، فإن ذلك لا نحسبه إلا كمن أحيا نفسًا، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[المائدة: 32].



    الفصل الثاني
    فيما يلزم الطبيب إزاء ما يرد إليه من حالات


    الطبيب له ثلاثة أحوال أمام من تريد إجراء جراحة الرتق:
    الأولى: أن يعلم أن المرأة التي تريد إجراء جراحة الرتق لا يجوز لها الإقدام عليها؛ بأن كان سبب افتضاض عذريتها وطئًا في نكاح، كذات زوج، أو مطلقة، أو أرملة، فإنه والحالة هذه لا يجوز له أن يُجري لها الجراحة المطلوبة؛ لأن ذلك إجارة على فِعْل المُحَرَّم، ولِمَا فيه من عَوْن على المعصية، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

    الثانية: أن يعلم أنها ممن يجوز لهن إجراء جراحة الرتق؛ بأن كان سبب افتضاضها ليس وطئًا، أو كان وطئًا مع إكراه ونحوه، أو وطئًا في زنا خفي لم يشتهر عنها ولم تُعْرف به، فلا إشكال في مشروعية قيامه بإجراء هذه الجراحة لها.

    الثالثة: أن يجهل حالها، ولا يعلم من أي صِنْف هي، فله حينئذ أن يقدم على إجراء الجراحة لها، وليس عليه أن يُفَتِّش عن حالها أو أن يسألها عن أمرها؛ تقديمًا لإحسان الظن بها؛ فزَوَال البكارة له أسباب متعددة، وليس زوالها متعينًا في سبب الزنا، فيَحْمِل الطبيب حالها على الصلاح وعدم المعصية؛ لأنه هو الأصل، لاسِيَّما وأن زوال البكارة لا يعتبر دليلا لإثبات الزنا؛ ولا تلازم أصلا بين زوالها وبين حصول الفاحشة ووقوع الزنا.
    وقد قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الذينَ آَمَنُوا اجتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، وفي هذا نهي للمؤمنين عن كثير من الظن، وهو التُّهْمة والتَّخَوُّن للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا مَحْضًا، فليجتنب كثيرًا منه احتياطًا ([141]).

    قال الإمام القرطبي: "ومحل التحذير والنهي إنما هو تُهْمة لا سبب لها يوجبها، كمن يُتَّهَم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك... وإن شئت قلت: والذي يُمَيِّز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأُونِسَت منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة مُحَرَّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الرِّيَب والمجاهرة بالخبائث" اهـ ([142]).
    وقال تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا}[الحجرات: 12]، أي: ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تَفَعُّلٌ من الجَسِّ لما فيهِ منْ مَعْنى الطلب ([143]). قال القرطبي: "ومعنى الآية: خذوا ما ظَهَر ولا تَتَّبعوا عورات المسلمين، أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يَطَّلع عليه بعد أن ستره الله" ([144]).
    وقال تعالى: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ}. قال الإمام أبو بكر بن العربي: "هذا أصل في أن درجة الإيمان التي حازَها الإنسان، ومنزلة الصلاح التي حَلَّها المرء، ولُبْسَة العفاف التي تَسَتَّر بها المسلم لا يُزِيلها عنه خَبَرٌ مُحْتَمَل، وإن شاع، إذا كان أصله فاسدًا أو مجهولا" ([145]) اهـ.
    وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكُم والظَّنّ فإنَّ الظَّنّ أَكْذَبَ الحديث، ولا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَنَافَسُوا ولا تَحَاسَدوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا وكونوا عِبَاد الله إخوانًا" ([146]).

    وعن حارثة بن النعمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثٌ لازمات لأمتي: الطِيَرة، والحَسَد، وسوء الظنّ". فقال رجل: "ما يذهبهن يا رسول الله ممن هو فيه؟"، قال: "إذا حَسَدتَ فاستغفر الله، وإذا ظَنَنتَ فلا تحقق، وإذا تَطَيَّرت فامض" ([147]). فقوله: "إذا ظننت فلا تحقق" يقتضي من المؤمن أن يَكُفَّ عن مجاراة ظنه، وألا يجتهد في البحث والتحقيق ليكتشف عورة المظنون فيه ([148]).
    وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنك إن اتبعت عَوْرات الناس أو عَثَرات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" ([149]).
    وفي رواية: "أعرضوا عن الناس ألم تر أنك إن اتَّبَعت الرِّيبة في الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم" ([150]).
    قال المناوي في فيض القدير: "(أعرضوا) بهمزة مقطوعة مفتوحة وراء مكسورة من الإعراض، يقال: أعرضت عنه: أضربت ووليت، أي: وَلُّوا عن الناس، أي: لا تتبعوا أحوالهم، ولا تبحثوا عن عوراتهم. (ألم تر) استفهام إنكاري، أي: ألم تعلم. (أنك إن ابتغيت) بهمزة وصل فموحدة ساكنة فمثناة فوق فمعجمة كذا بخط المصنف في الصغير، وجعله في الكبير اتبعت بفوقية فموحدة فمهملة من الاتباع، والمعنى واحد، ولعلهما روايتان. (الريبة) بكسر الراء وسكون المثناة التحتية (في الناس) أي: التُّهْمة فيهم؛ لتَعْلَمها وتظهرها (أفسدتهم) أي أوقعتهم في الفساد. (أو كدت) أي: قاربت أن تفسدهم؛ لوقوع بعضهم في بعض بنحو غِيبة، أو لحصول تهمة لا أصل لها، أو هتك عرض ذوي الهَيْئات المأمور بإقالة عثراتهم، وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يراد إزالتها، والحاصل أن الشارع ناظرٌ إلى الستر مهما أمكن" اهـ ([151]).
    وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لابنه:"يا بني إذا سمعت كلمة من امرىء مُسْلِم فلا تحملها على شيء من الشَّر ما وجدتَ لها محملا من الخَيْر" ([152]).
    وعن زيد بن وهب قال أُتِيَ ابن مسعود رضي الله عنه، فقيل: "هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال عبد الله: إنا قد نُهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" ([153]).

    فالظن الذي يَبنيه الطبيب على زوال الغشاء، ظنٌّ مَبْنيٌّ على أمارة فاسدة، وهو داخل في الظنِّ المنهي عنه، فينبغي أن يحجم عنه. فإن لم يمكنه التخلص منه نفسيًّا فلا أقل من أن لا يرتب عليه شيئًا عمليًّا، ويعامل المرأة بمقتضى حسن الظن، ويحمل أمرها على الصلاح، ويلبي طلبها إن كان ذلك في مقدوره ([154]).
    والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

  9. #54
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    رتق غشاء البكارة

    مصدرها: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء
    التاريخ: 26/06/2008
    تمهيد


    غشاء البكارة هو عبارة عن غشاء من الأنسجة يَسُدُّ فتحة المِهْبَل من الخارج، ويتكون من طبقتين من الجلد، بينهما نسيجٌ رخوٌ غنيٌ بالأوعية الدموية محافَظٌ عليه بشفتي الفرج الصغرى والكبرى، ويكون رقيقًا في الغالب، وبه فتحة تسمح بنزول دم الحيض في وقته.
    والنظرة إلى هذا الغشاء مختلفة من بيئة لأخرى بحسب أعراف الناس؛ فهو في المجتمعات الغربية مجرد حاجز تشريحي لا فائدة له، ووجوده أو عدمه غير مؤثر، بل قد يكون وجوده دليلا -عندهم- على انغلاق الفتاة، وكونها غير سويَّة من الناحية النفسية -زعموا-؛ لإشارته إلى كبتها لرغباتها، وانعدام تجربتها، وعدم خبرتها بالرجال.
    بينما هو في أعراف المجتمعات العربية والإسلامية الآن يعتبر وجوده سليمًا عند زواج الفتاة أمرًا ضروريًا؛ للتدليل على عذريتها وعفتها. وإذا وجد ممزقًا قبل الزواج كان دليلا عند الناس على فساد المرأة وارتكابها للفاحشة.
    وفي بعض هذه المجتمعات إذا علم أهل المرأة بعدم عذريتها فإنهم دون تحقق من سبب ذلك يطولون المرأة بأذى بالغ قد يصل إلى قتلها، كنوع من أنواع غسل العار، وإنقاذ شرف العائلة -في زعمهم- ([1]).
    وافتضاض هذا الغشاء لا يستلزم أن يكون عن طريق الوطء، بل قد يفتض به أو بغيره، فإذا حدث وأن افتُضَّ وأرادت المرأة إعادته إلى سابق وضعه فإنها قد تلجأ لإصلاحه طبيًا عن طريق ما يسمى "بعملية رَتْق الغِشَاء العُذْري" أو "ترقيع البكارة".
    وبمراجعة الأطباء المختصين تبين لنا أن لهذه الجراحة صورتين:
    الصورة الأولى: وفيها يكون هناك بقايا صالحة من الغشاء القديم، يُحْدِث الطبيب في كل منها جُرحًا، ثم يَضُمُّ بعضها إلى بعض بخيط نسيجي بحيث تتلاقى المواضع المجروحة، ومع مرور بعض الوقت يَتَحَلَّل ذلك الخيط النسيجي بعد أن تكون الأجزاء المنضَمَّة قد التحمت بالبناء الخَلَوي.
    الصورة الثانية: وفيها لا يكون هناك بقايا صالحة من الغشاء القديم؛ بسبب التَّهَتُّك الشديد، فيلجأ الطبيب حينئذ إلى أخذ بعض الأنسجة من أحد جداري المهبل تظل متصلة بالجسم من أحد طرفيها، ويخاط الطرف الآخر فيما يقابله من المهبل، فإذا حدث الجماع تهتكت تلك الأنسجة، وأحدثت نفس الأثر الحاصل بتهتك الغشاء الحقيقي.
    والطريقة الأولى يلجأ إليها في حالة أن يكون الغشاء حديث التمزق، أما إذا تكرر الإيلاج فيه فلا يصلح معه إلا الطريقة الأخيرة.

    وفيما يلي تفصيل الكلام على ما يتعلق بهذه المسألة من الناحية الشرعية، وذلك في ثلاثة أبواب:
    الباب الأول: في حكم رتق غشاء البكارة.
    الباب الثاني: في مناقشة اعتراضات المانعين.
    الباب الثالث: في أحكام الطبيب المباشر لجراحة الرتق.




    الباب الأول
    في حكم رتق غشاء البكارة

    الفصل الأول
    في حالة زوال البكارة بالوطء

    المبحث الأول
    في حكم الرتق عند زوال البكارة بوطء النكاح

    إذا زال غشاء البكارة وافتُضَّ بسبب وطء النكاح، ثم أرادت المرأة رتقه، فإنها تكون أحد ثلاثة: إما أن تكون متزوجة، أو تكون مطلقة، أو تكون أرملة.
    والحكم هنا هو حُرْمَة إجراء جراحة الرتق في هذه الأحوال جميعها، ولو كان الباعث عليه هو طلب الزوج في صورة المرأة المتزوجة، ويَدلُّ عليه أمران:
    أولا: أن جراحة رتق غشاء البكارة تتم بأحد طريقتين: إما عن طريق الخياطة، أو عن طريق إضافة بعض الأنسجة من أحد جداري المهبل إلى ما يقابله كما سبق بيانه، فيلزم منها على كل من الطريقتين إحداث جُرح بالجسد لا حاجة إليه؛ والأصل هو احترام الجسد الآدمي، وعدم جواز إحداث جُرح فيه بلا مُسَوِّغ شرعي من قيام حالة الضرورة أو الحاجة الشرعيين ([2])؛ لأنه حينئذ يكون ضررًا محضًا، والقاعدة الشرعيـة أنه لا ضرر ولا ضرار ([3]).
    وقد نَصَّ فقهاء الشافعية على تحريم ثقب أذن المرأة للتَّحَلِّي؛ لهذا المعنى، قال العلامة الرملي: "وأما تثقيب آذان الصبية لتعليق الحلق فحرام؛ لأنه جَرح لم تدع إليه حاجة، صَرَّح به الغزاليُّ في الإحياء وبالغ فيه مبالغة شديدة، قال: إلا أن يثبت فيه من جهة النقل رخصة، ولم تبلغنا" اهـ ([4]).
    هذا مع أن حاجة المرأة لمصلحة التزين ظاهرة، فكيف هنا ولا مصلحة؟

    ثانيًا: ما يترتب على ذلك من كشف عورة المرأة، والنظر إليها، ولمسها في حالة أن يقوم بعملية الرتق لها من لا يحل له الاطلاع على عورتها، وكلٌ من كشف العورة أمام من لا يحل له الاطلاع عليها، وما يستتبعه من النظر إليها، ولمسها لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة شرعية، ولا ضرورة تلجأ المرأة لإجراء هذه العملية، ولا حاجة تُعْوِزها كذلك.
    قال العلامة الشربيني: "لا يجوز كشف العورة..من غير ضرورة ولا مداواة" ([5])، وقد عَدَّ الإمام ابن حجر في "الزواجر" كشف العورة لغير ضرورة من جملة الكبائر ([6]).
    فلما اقترنت جراحة الرتق لهذا الصنف بما ذكر صارت مفسدتها ظاهرة لازمة فتعين القول بالمنع، لا سيما مع عدم ظهور مصلحة معتبرة في ذلك، والله تعالى أعلم.




    المبحث الثاني
    في حكم الرتق عند زوال البكارة بوطء محرم

    إذا زال غشاء البكارة عن طريق الزنا -والعياذ بالله تعالى-، فلذلك صور ثلاث:
    الأولى: أن تكون المرأة قد زُني بها رغمًا عنها على وجه الإكراه، ونحوه من قوادح الرضا.
    الثانية: أن تكون قد زنت بإرادتها، ولكن لم يعرف عنها هذا ولم يشع.
    الثالثة: أن تكون زانية مشتهرة بالزنا، قد عُلم عنها ذلك، وظهر أمره.
    وفيما يلي تفصيل الكلام على كل صورة من هذه الصور في مطلب مستقل.


    المطلب الأول
    في من زني بها على وجه الإكراه، ونحوه من قوادح الرضا

    أما الصورة الأولى، وهي التي يكون زوال العذرة فيها سببه أن المرأة قد زُنِي بها دون إرادة منها، كأن تكون مكرَهة مثلا، ومثل المكرهة: زائلة العقل بنوم ونحوه، وكذلك الصغيرة المُغَرَّر بها. وكلٌّ من المكرَه والنائم والصغير لا يتعلق به إثم؛ أما المكرَه فلقوله تعالى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}[النحل: 106]، قال الإمام الشافعي إن الله تعالى لما وضع الكُفْر عمّن تلفظ به حال الإكراه و أسقط عنه أحكام الكفر، كذلك سقط عن المكرَه ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى ([7]). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" ([8])، وأما غير المكره ممن ذكرنا؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "رُفِع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يَستيقظ، وعن الصَّبِيّ حتى يَحتَلِم، وعن المجنون حتى يَعقِل" ([9]).
    ويجوز في هذه الصورة المذكورة إجراء عملية الرتق العذري؛ لما يترتب عليه من سدٍّ لباب إساءة الظن بها، مما يحميها من مؤاخذات اجتماعية جائرة، مع ما فيه من عَوْن على الاستقامة والعفاف؛ فإرجاع عذريتها لها يُغْلِق بابًا قد ينفذ منه الشيطان لها فيُهَوِّن عليها المعصية بعد الذي ابتليت به؛ فكم من فتاة عَفيفة ابتُليت بحادث اعتداء على شرفها تَسَبَّب في زوال بكارتها، فامتنعت عن الزواج، وأورثها ما تعرضت له شعورًا بالهوان والدَنَس، ثم بدأت مبالاتها بمعاني الشرف والفضيلة في الانحسار، وأخذت حرارة المعصية في قلبها في الخفوت شيئًا فشيئًا، فبدأت في إشباع حاجاتها وشهوتها بما يغضب الله تعالى دون حساب لرقيب؛ فقد زالت العلامة التي يعتبرها المجتمع دليل الطهارة والعفاف، فصارت وسيلة فساد وإفساد في المجتمع.
    وسيأتي في المطلب التالي تقرير جواز الرتق في حق الزانية العامدة التي لم يشع زناها، فإذا ثبت ذلك لها فلأن يثبت في من غُصِبت على نفسها ولم يتعلَّق بها إثمٌ أولى، والله أعلم.
    المطلب الثاني
    في من زنت مختارة، ولم يشتهر عنها الزنا
    إذا كان زوال عُذرة المرأة سببه زنا وقعت فيه على وجه الاختيار والرضا، ولكنها لم تُعرف به ولم يَشتَهر عنها، فنَدَّعي أنه يجوز لها والحالة هذه أن تقوم بإجراء عملية الرتق العذري، ويدل على ذلك:
    أولا: ما جاءت به النصوص وتتابعت عليه من أن الستر عمومًا من أهم المقاصد الشرعية، وأن ستر الإنسان على نفسه خصوصًا من آكد المطلوبات الشرعية، ومن هذه النصوص:
    ما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يحب الحياء والسَّتر" ([10]).
    وعن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط، فجُلِد، ثم قال: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدي لنا صَفْحَته نُقِم عليه كتاب الله" ([11]).
    وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن امرأة حبلى جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنها زنت، وطلبت أن تُرجم، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "استتري بستر الله عز وجل"، فرجعت، ثم جاءت الثانية وطلبت أن ترجم، فقال لها: "استتري بستر الله تبارك وتعالى"، فرجعت، ثم جاءت الثالثة وطلبت أن تُرجم، فقال: "اذهبي حتى تَلِدِي"، فانطلقت، فولدت غلامًا ثم جاءت فكَلَّمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لها: "اذهبي فتطهري من الدم"، فانطلقت، ثم أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنها قد تطهرت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم نسوة فأمرهن أن يَسْتَبرئْن المرأة، فجئن وشهدن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بطهرها، فأمر لها بحُفَيْرة ورجمت، ثم صُلِّي عليها، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو قسم أجرها بين أهل الحجاز وسعهم" ([12]).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي مُعافَاة إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عَمَلا، ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" ([13]).
    والمرأة التي قارفت الزنا ولم يُعرف ذلك عنها، ثم أرادت رتق عذريتها؛ لئلا تنفضح بعد، يَصْدُق عليها أنها طالبة للستر؛ فعملية الرتق هذه أحد الوسائل التي يستعان بها على الستر، فمن لجأت إليها وقامت بها ، وكان حالها ما ذكرنا، كانت ممتثلة لحديث: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله" ([14])، وكانت مستصحبة أيضًا لما أسبله الله تعالى عليها من الستر، ساعية في درء ما يؤدي لكشفه وهتكه. ومُوجَب الأحاديث السابقة أن كل ما يتحقق به الستر فهو مطلوب مأمور به، والوسائل لها حكم المقاصد، فمن استثنى شيئًا مما يُحَقِّق الستر طولب بالدليل؛ لأن دعواه تخالف هذا الأصل.

    وقد فهم السلف والصحابة عظيم اعتبار معنى الستر في الشرع الشريف فظهر إعمالهم له في وقائع مختلفة؛ منها حادثة ماعز بن مالك الأسلمي لما جاء إلى أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه فأخبره بزناه، قال له الصدِّيق: "هل ذكرت هذا لأحد غيري؟" فقال: "لا". فقال له أبو بكر: "فتب إلى الله واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده". فلم تُقْرِره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له مثل ما قال
    لأبي بكر، فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر، فلم تُقْرِره نفسه حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بزناه، فأعرض عنه، فلما أكثر على النبي صلى الله عليه وسلم حَقَّق في أمره حتى استَوثَق، ثم حَدَّه ([15]).
    فهذا هو الصِّدِّيق الأكبر، ومعه الفاروق عمر رضي الله عنهما قد أرشدا المعترف بالزنا أن يستر على نفسه ويكتم أمره، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليهما ذلك، ولا حَضَّهُما على خلافه.
    قال الحافظ ابن حجر: "ويؤخذ من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد، كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، و أن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة: (لو سَتَرته بثوبك لكان خيرًا لك) ([16])، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال: أحب لمن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب. واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر" اهـ ([17]).
    وروى عبد الرزاق في مصنفه أن رجلا خطب إلى رجل ابنة له، وكانت قد أَحْدَثَت -أي ارتكبت ما يوجب حَدًّا- فجاء إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فذكر له ذلك، فقال له عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت إلا خيرًا. قال: فزوِّجها، ولا تُخْبِر ([18]).
    وعن الشعبي أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: "يا أمير المؤمنين! إني وَأَدت ابنة لي في الجاهلية، فأدركتها قبل أن تموت، فاستخرجتُها، ثم إنها أَدركَت، فحسُن إسلامها. وإنها أصابت حدًّا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح
    نفسها، فاستنقذتها وقد خرجت نفسها، فداويتها حتى برأ كَلْمها ([19])، فأقبلت إقبالا حسنًا، وإنها خطبت إليّ، فأذكر ما كان منها؟"، فقال عمر: "هاه لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يسمع بها أهل الوبر وأهل الودم" ([20]). وفي رواية: "لأعاقبنك عقوبة يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة" ([21]). وفي رواية أخرى: "أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة" ([22]).
    فهذه الآثار جميعها أفادت اعتبار عمر رضي الله عنه للستر في حق الزانية، وأن نوافذ الرحمة لا ينبغي أن تُغَلَّق أمامها، وأن يُحكم عليها وعلى أهليها بالعار الأبدي، بل يُكتم ما كان منها، ولا يشاع، وتستفتح فصلا جديدًا أولُّه التوبة، والتملص من المعصية، وتشرع في حياة العفائف الطاهرات.
    وقد نص فقهاء الشافعية أنه يستحب للزاني، وكل من ارتكب معصية الحق فيها لله تعالى أن يستر على نفسه، بأن لا يظهرها ليُحَدّ أو ليُعَزَّر ([23]).
    قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: "والمراد بقولهم: يستحب أن يستر على نفسه المعصية أن لا يظهرها ليُحَدّ أو يُعزَّر، فيكون إظهارها خلاف المستحب. أما التحدث بها تَفَكُّها أو مجاهرة فحرام قطعًا؛ للأخبار الصحيحة فيه" اهـ ([24]).

    ثانيًا: ما تقرر في قواعد الشرع من أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة قُدِّم دفع المفسدة غالبًا ([25]).
    ومعلوم أن المفاسد المترتبة -في مجتمعاتنا- على العلم بزوال بكارة المرأة في غير نكاح تَربو على مصالح ذلك، ولعلّ أدنى هذه المفاسد هو سوء الظن بها وحمل أفعالها الماضيَة والمُستَقْبَلة على المحامِل الفاسدة، فضلا عما هو فوق ذلك من هدم الأُسَر أو الإيذاء الشديد اللاحق بالمرأة الذي قد يصل إلى حد القتل في بعض البيئات، وكذلك المَعَرَّة التي تلحق ذويها وعائلتها، ولا شك أن هذه المفاسد تَرْجُح على المصلحة الحاصلة بالعلم بزوال العذرية، فتجرى عملية الرتق لدفع هذه المفاسد المذكورة وأشباهها طالما كانت هي الوسيلة المعيَّنة التي تحقق هذا الدفع.
    قال العز بن عبد السلام: "إن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}[البقرة: 219] حَرَّمَهُما؛ لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما. أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها، وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور. وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول، وما تُحْدِثه من العداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وأما مفسدة القمار فبإيقاع العداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها" اهـ ([26]).

    المطلب الثالث
    في من اشتهرت بالفاحشة، أو صدر عليه حكم قضائي بالزنا
    بقي الكلام على الصورة الثالثة، وفيها تكون المرأة التي تريد إجراء عملية الرتق قد عُلم عنها الزنى وظَهَر أمره، كالبَغِيّ المُعْلِنة بزناها المشتهرة بالفاحشة، أو من صَدَر عليها حكم بالزنا من قِبَل القضاء.

    فنقول: إنَّ البَغِيَّ المُعْلِنة بالزنا المشتهر عنها الفاحشة، تكون بذلك قد انتفى عنها معنى الستر؛ لاشتهارها، وتسامع الناس بزناها ومعرفتهم به، فافتضاحها لا يجعل في إصلاح بكارتها أيَّ معنى للستر، ولا يكون له أيُّ أثر في إشاعة حسن الظن بها بين الناس؛ لأن دوافع سوء الظن قد وجدت بشيوع أمر الفاحشة، وكذلك لا يكون لهذا الرتق أي أثر في منع ردود الفعل الاجتماعية؛ لوجود سبب آخر لإثارة هذه الردود. بالإضافة لاشتمال عملية الرتق هنا على مفاسد محضة، منها: كشف العورة بلا مبرر يقتضيه. فلا يجوز للمرأة في هذه الصورة أن تقوم بإجراء جراحة الرتق.
    ويُقَوِّي ما ذكرنا ما قرره الفقهاء من أن كون الإنسان مجاهرًا بفسقه أو بدعته من مجيزات الغيبة، فيجوز ذِكره بما يجاهر به؛ لأنه لم يُبال بما يقال فيه، وخَلَع جلباب الحياء، فلم يبق له حرمة من هذه الجهة ([27]).
    قال المناوي: " المجاهر المتظاهر بالفواحش لا غِيبة له إذا ذُكِر بما فيـه فقط؛ ليُعْرَف، فيُحْذَر" ([28]).
    على أنه ينبغي أن يُلتَفَت إلى أنه إذا كان السبب في عدم إجازة جراحة الرتق في حق البَغِيّ المعلِنة بزناها هو انتفاء معنى الستر في حقها، فهذا يعني أنها إن تلبست بحالٍ جديد يجعلها قابلة للستر، رجعنا فأعملناه معها؛ وذلك كأن ترتحل إلى مكان جديد لا يعرف فيه
    أحد بما كان منها، وتريد أن تتوب، وتبدأ فصلا جديدًا من حياتها، فإنه والحالة هذه يجوز لها إجراء جراحة الرتق؛ لأن اعتبار معنى الستر قد تَجَدَّد، فتعلَّق معه الحكم بها، فليس عدم الجواز في حقها مطلقًا بل هو دائر مع الستر، حيثما انتفى الأخير انتفى الجواز، وحيثما ثبت ثبت الجواز.

    وأما من صدر عليها حكم قَضائيٌّ بالزنا، فإنها إن كانت بكرًا فإن عقوبتها الشرعية جلد مائة، وتغريب عام. فإن كان ذلك الحكم قد اشتهر عنها، وعَلِِم به عُموم الناس -كما في الشخصيات الاجتماعية المعروفة- فإنه لا يجوز لها هي الأخرى أن تجري جراحة الرتق؛ لما عَلَّلنا به في البَغِيّ المعلنة بالزنا. أما إذا كانت غير ذلك بأن كان العلم بالحكم القضائي الذي لحقها قاصرًا على أشخاص بعينهم، فإنها والحالة هذه لها أن تكتم أمرها وتَستَسِرَّ به بعد تنفيذ العقوبة فيها، وأن تلجأ إلى الرتق إذا أرادت أن تتزوج وتبدأ حياة جديدة نظيفة، متى كان الرتق هو الوسيلة المتعينة لتحقيق الستر لها.
    ويشهد لهذا ما رواه البيهقي في سننه أن جارية فَجَرت فأُقيم عليها الحدّ، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين، فتابت الجارية، فحسنت توبتها وحالُها، فكانت تُخطب إلى عمها، فيكره أن يزوجها حتى يخبر ما كان من أمرها، وجعل يكره أن يفشي عليها ذلك، فذكر أمرها لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: "زَوِّجها كما تزوجوا صالحي فتياتكم" ([29]).
    فهذه جارية زنت فحُدَّت، ثم ارتحل أهلوها من المكان الذي عُلم فيه بأمرها، وبالرغم مما كان منها فقد أمَر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليَّها أن يستر عليها ما كان منها، وأن يزوجها كما تُزَوَّج الأبكار. ولما كان المتقرر لدى السلف أنه لا دلالة لزوال غشاء البكارة على حصول الزنا، فإن هذه الجارية التائبة متى تزوجت ووجدها زوجها زائلة البكارة فلن يَلزم من هذا في ذهنه أنها قد زنت من قبل، بل الأمر عنده سيكون مترددًا بين عدة احتمالات أغلبها حسن، فسيستصحب فيها حسن الظن، ولن يحقق في أمرها.
    وروى الطبري في تفسيره أيضًا أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة، فأمَرَّت الشفرة على أوداجها ([30])، فأُدرِكَت، فدُووي جرحها حتى برئت، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم، فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه" ([31]).
    وروى أن امرأة من همدان قد زنت، فجُلدت الحد، ثم تابت، فأتى أهلوها عمر فقالوا: "نزوجها، وبئس ما كان من أمرها". قال عمر: "لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك لأعاقبنكم عقوبة شديدة" ([32]).

    وفقهاء الحنفية عندما تعرضوا لمسألة الإجبار في النكاح، ذكروا أن البكر إذا استأذنها وليها في التزويج، فسكتت أو ضحكت أو زوَّجها فبلغها الخبر فسكتت فهو إذن، وأما الثيب فلا يُكتَفى منها بما يدل على رضاها من الأفعال، بل لابد من تصريحها بالقول. وعندهم أن من زالت بكارتها بوثبة أو حيضة أو جراحة أو تعنيس أو زنا فإذنها كالأبكار، بخلاف من تكرر زناها فإنها لا تستحي بعد التكرار عادة بل تجعله مَكسبة. قالوا: "وكذا إذا أخرجت وأقيم عليها الحد؛ لأنه ظهر بين الناس وعُرِفت به فلا تخفيه" ([33])، فجعلوا عِلَّة أنها لا تزوج كالأبكار معرفة الناس بما كان منها وظهوره، ويلزم من هذا التعليل أنه لو انعدمت معرفة الناس بحَدِّها وزناها أنها تزوج كالأبكار أيضًا، والله أعلم.

    (مسألة) ذهب بعض العلماء المعاصرين ممن تعرض لمسألة رتق البكارة في بحث مستقل ([34]) إلى حُرمة إجراء جراحة الرتق على من كان أمرها معروضًا أمام القضاء، ولم يصدر عليها بعد حكمٌ قضائي يدينها بالزنا؛ قال: "لأن وجود البكارة غير ممزقة يعتبر شبهة تدرأ العقاب عن المرأة، ولأنه إن شهد عليها أربعة رجال عدول، أمكن اتخاذ الرتق وسيلة لتكذيب الشهود أو التشكيك في شهادتهم بغير حق ، فلا يجوز" ([35]).

    والذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أن من كان أمرها معروضًا أمام القضاء ولم يُبَت فيه بعد، فإن لها أن تقوم بالرتق؛ سترًا على نفسها ودفعًا للحَدِّ عنها، وحديث: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله" ([36])، وغيره من الأحاديث الحاضَّة على الستر قد أفادت في مجموعها مشروعية أن يستتر المرء مطلقًا، ولم تُفَرِّق بين من رُفِع أمره إلى القاضي أو الحاكم، وبين من لم يُرفع، وإنما جُعلت إقامة الحَدِّ مُرَتَّبَة على ظهور أمره وثبوت فعلته باعترافه وإقراره، وفي معناه أيضًا ثبوته بالبينة، فإن كان ثمة وسيلة ليدفع الإنسان عن نفسه التهمة ويستر عليها دون إضرار بالغير، فإنّ له ذلك.
    والشهود في هذه الحالة لن يلحقهم ضرر من جَرّاء ذلك؛ فهم لن يعاقبوا بعقوبة القذف طالما أنهم قد اكتمل نِصَاب الشهادة فيهم؛ لكمال عدتهم، مع احتمال صدقهم، ولن يحصل لهم شيء إلا عدم اعتبار شهادتهم في تلك الواقعة بخصوصها؛ للاحتمال القائم، ولن تُهْدَر شهاداتهم في غيرها من الوقائع الحالَّة أو المستقبَلة.
    قال الإمام الماوردي في الحاوي: "مسألة: (قال الشافعي: ولو شهد عليها بالزنا أربعة، وشهد أربع نسوة عدول أنها عذراء فلا حَدّ)". قال الماوردي: "وهذا صحيح؛ لأن بقاء العذرة يحتمل أن يكون لعدم الزنا، ويحتمل أن يكون لعود البكارة بعد الزنا، فلما احتمل الأمرين سقط الحَدُّ عنها؛ لأن الحَدَّ يدرأ بالشبهة، ولا يجب مع الاحتمال. وأما الشهود فلا حَدَّ عليهم؛ لأن بقاء العذرة يحتمل أن يكون لعودها بعد الزنا فيكونوا صادقين، ويحتمل أن يكون لعدم الزنا فيكونوا كاذبين، فلا حَدَّ عليهم، وهُمْ على العدالة" اهـ ([37]).
    وقال ابن قدامة الحنبلي: "وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، فشهد ثقات من النساء أنها عذراء، فلا حَدَّ عليها ولا على الشهود. وبهذا قال الشَّعْبي، والثَّوْري، والشافعي، وأبو ثَور، وأصحاب الرأي" اهـ ([38]).
    ومن المتصوَّر فعلا أن يلتئم غشاء البكارة من تلقاء نفسه؛ لأنه يمكن أن يقع الزنا -والعياذ بالله تعالى- ولا يتمزق الغشاء تمامًا؛ لعدم تمام الإيلاج، فيلتئم مع الوقت شأنه في ذلك شأن أي جُرح من جراحات البدن، وظاهرٌ أن الفقهاء عندما ذكروا هذه الفرضية -كما في النصوص السابقة- قالوا: إن الحَدَّ يسقط عن المرأة وعن الشهود، ولم يأت ذكر أن المرأة مع هذا يجب عليها أن تصرح بوقوع الزنا منها، وأن تقر بالتئام بكارتها من تلقاء نفسها، وأن تفضح نفسها، بل اكتفوا بذكر سقوط الحَدّ عن الطرفين، وذلك مع اعتنائهم البالغ بالنَّصِّ على ما هو أدق من ذلك من الفروع، وحرصهم على بيان القيود والمحتَرَزات.


    وهذا الذي قررناه ينسجم مع كون حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة خلافًا لحقوق الآدميين المبنية على المشاحَحَة والمضايقة. ولأجل هذا المعنى -الذي هو تحقيق الستر، وابتناء حقوق الله على المسامحة- نص العلماء أن من عنده شهادة بحَدٍّ من حدود الله تعالى كزنى وشرب خمر فإنه يباح له إقامتها وتركها ([39])، وأن القاضي له التعريض لمن اتهم في باب الحدود بما يوجب شيئًا منها بأن ينكر ما اتهم به منها سترًا للقبيح ([40])، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لماعز بن مالك: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"، قال الحافظ ابن حجر: "فيه التعريض للمقر بأن يرجع وأنه إذا رجع قُبِل" اهـ ([41])، وبَوَّب عليه الإمام البخاري بابًا في كتاب الحدود من صحيحه، فقال: "باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت"، قال شارحه الحافظ ابن حجر: "هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الإمام المقر بالحَدِّ ما يدفعه عنه" ([42]). كما أن للقاضي أن يُعَرِّض للشهود بالتوقف عن الشهادة ([43]). وقد روي أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد على المغيرة بن شعبة بالزنا، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فاستكبر ذلك عمر، ثم جاء شاب يخطر بيديه، فقال عمر: "ما عندك يا سَلْح العُقَاب؟"، وصاح به عمر صيحة، فقال راويه أبو عثمان النهدي: "والله لقد كدت يُغْشَى عليّ". فلم يُصَرِّح الشاهد الرابع بالزنا، وقال: "يا أمير المؤمنين، رأيت أمرًا قبيحًا". ففرح عمر وحمد الله وجلد الثلاثة الأول عندما لم يكمل الرابع شهادته ([44]). والله تعالى أعلم.
    الفصل الثاني
    في حالة زوال البكارة بسبب ليس وطئًا
    عدم وجود غشاء البكارة لا يعتبر دليلا قطعيًّا على حصول الوطء؛ لأن بعض الإناث قد يولدن دون غشاء خلقةً، وقد يزول الغشاء بسبب آخر غير الوطء؛ كوثبة أو سقطة عنيفة على الموضع -كما يكون في بعض الرياضات-، أو إدخال إصبع أو جسم صلب إلى ذلك المحل، أو خطأ طبيب، أو توجيه تيار مائي شديد إلى تلك المنطقة، وقد يزول أيضًا بحيضة شديدة، وبعض النساء يحتجن لجراحة تستوجب فتح الغشاء في حالة أن يكون منسدًّا مقفلا بحيث يمنع دم الحيض من الخروج.

    وفي الأثر أن رجلا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء، كانت الحيضة أحرقت عذرتها، فأرسلت إليه عائشة رضى الله عنها: "أن الحيضة تذهب العُذرة يقينًا".
    وسُئل النخعي فى رجل دخل بامرأته فقال: لم أجدها عذراء. قال: "ليس عليه شئ؛ العُذرة تذهبها الوثبة والحِمل الثقيل".
    وقال عطاء -فيمن قال لامرأته: لم أجدك عذراء، ولا أقول ذلك من زنا-: "لا يجلد؛ لم يجلد عمر، زعموا أن العُذرة تذهبها الوضوء وأشباهه".
    وسئل الحسن في الرجل يقول لامرأته: لم أجدك عذراء، فقال: لاشيء عليه؛ العُذرة تذهبها الحيضة والوثبة"، ورُوي مثله عن سالم بن عبد الله، وطاوس، والشعبي من أئمة التابعين ([45]).

    والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن من زالت بكارتها بسببٍ مما ذكر فإنّه يجوز لها رتقها؛ لكونها بكراً، ورتق غشاء البكارة دليل على حالها التي هي متصفة به بالفعل، وليس في ذلك إضفاء صفة ليست موجودة فيها، وهي بهذا تدفع عنها الظنون السيئة التي قد تتعرض لها إذا تزوجت، مع ما في ذلك من تشجيع على الاستقامة وتثبيت على العفاف، كما سبق تقريره وبسطه في خصوص المزنيّ بها دون إرادتها بإكراه ونحوه. ويكون هذا كله مُرَخِّصًا لها في كشف عورتها لإجراء العملية؛ لقيام حالة الحاجة التي تُنَزَّل في حقها منزلة الضرورة في إباحة المحظور، والله تعالى أعلم.
    الباب الثاني
    في مناقشة اعتراضات المانعين
    ذهب جماعة من العلماء المعاصرين إلى خلاف ما قررناه من إجازة رتق غشاء البكارة في الصور التي أجزناه فيها، وجنحوا إلى المنع والتحريم المطلق لذلك، واعترضوا على القول بالجواز بمجموعة من الاعتراضات، نسردها تباعًا، ونذكر معها -على وجه التبرع- اعتراضات أُخَر قد تُوَجَّه إلينا، ونجيب عن الجميع -بمدد الله تعالى وعونه- بما يرفع الإيهام، ويزيل اللَّبْس ([46]).

    الاعتراض الأول (حصول الغش):

    وحاصل هذا الاعتراض أن زوال غشاء البكارة يعتبر عيبًا من العيوب، فإخفاؤه بالرتق نوع من الغش، والشريعة الإسلامية حَرَّمت كلا من الغش والتدليس في الزواج وفي غيره ([47])؛ وفي الحديث الصحيح: "من غَشَّنا فليس منا" ([48])، وروي أنه صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غِفَار فلما دخلت عليه رأى بكَشْحها وَضَحًا، فردَّها إلى أهلها، وقال: "دَلَّستم عَلَيّ" ([49]).
    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أَيُّما رجل تزوج امرأة، فدخل بها، ووجدها بَرصاء أو مجنونة أو مجذومة، فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غَرَّه" ([50]).
    ولنا أن ندفع هذا الاعتراض بأن نقول: إنه ليس كل عيب يعتبر إخفاؤه غِشًّا، بل العيب المؤثِّر يكون في كل شيء بحَسَبه، قال الإمام النووي -رحمه الله-: "العيب ستة أقسام: عيب في المبيع, وفي رقبة الكفارة، والغُرَّة، والأُضحية والهدي والعقيقة، وفي أحد الزوجين، وفي الإجارة. وحدودها مختلفة؛ فالعيب المؤثِّر في المبيع الذي يثبت بسببه الخيار هو: ما نقصت به الماليَّة أو الرغبة أو العين، كالخِصا. والعيب في الكفارة: ما أضر بالعمل إضرارًا بينًا. والعيب في الأضحية أو الهدي أو العقيقة هو: ما نقص به اللحم. والعيب في النكاح: ما يُنَفِّر عن الوطء ويكسر سورة التَّواق. والعيب في الإجارة: ما يؤثر في المنفعة تأثيرًا يظهر به تفاوت الأجرة، لا ما يظهر به تفاوت قيمة الرقبة؛ لأن العقد على المنفعة. فهذا تقريب ضبطها، وهي مذكورة في هذه الكتب بحقائقها وفروعها. وعيب الغُرَّة في الجنين كالمبيع" اهـ ([51]) .

    والقول بأن إخفاء مطلق العيب من الغش قول فاسد؛ لأننا لو لم نَحُدّ العيب المؤثر بحدٍّ مُعَيَّن لصار غير مُنضبِط يختلف باختلاف الأشخاص، فما يراه شخص لا بأس به يراه غيره عيبًا، وما يراه شخص عيبًا يراه غيره مناسبًا. ويَلزَم عليه كذلك أن المرأة يَلزَمها أن تخبر بكل ما فيها ولو كان ندبة أو جُرحًا صغيرًا، وكل هذا من البطلان بمكان، وهو مما تَتَنَزَّه الشريعة عنه، فتعيَّن رد العيب المؤثر لحدٍّ معين وضابط مُستقِر.

    فنقول في بيان هذا الضابط: إن ما يعتبر غشًّا في هذا الباب هو ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته، أو بإخفاء وجود عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح من الوطء والاستمتاع.
    وقولنا: "ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته". مثاله: وصل الشعر، فالمرأة به توهم وجود مفقود مقصود، فيحرم عليها ذلك؛ لما فيه من تغريـر وتدليـس على الأزواج ([52])، ولهذا المعنى أجاز فقهاء الشافعية الوصل للحُرَّة إذا كانت ذات زوج بإذن زوجها، وللأمة بإذن سيدها؛ حيث ينتفي معنى التدليس حينئذ ([53]).
    وخرج بهذا: ما إذا ما أوهم مفقودًا غير مقصود لذاته، فإنه لا أثر له.
    وقولنا: "عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح"، يقصد به ما أعاق الوطء حِسًّا، كالرَّتْق والقَرَن ([54])، أو أوجب نُفْرة تمنع من القربان والمساس، كالبَرَص والجُذَام المسْتَحكَّمان ([55])، والجنون وإن تَقَطَّع، فيُنَزَّل ذلك منزلة المانع الحسيّ، وهي جملة العيوب الخمسة التي ذكر فقهاء الشافعية أن الزوج يثبت له بها خيار الفسخ ([56])، وأما ما سوى هذه العيوب كالبَخَر، والصُّنَان ([57])، والاستحاضة، والقروح السائلة فلا خيار بها؛ لأنها لا تُفَوِّت مقصود النكاح ([58]).

    والبكارة ليست مقصودة لذاتها؛ وقد ذكرها الفقهاء في كتبهم على أنها من صفات الكمال ([59])، وكذلك فإن زوالها لا يعتبر من جملة العيوب المؤَثِّرة بالمعنى المشار إليه سابقًا؛ لأنه لا يُفَوِّت مقصود النكاح، وإخفاء مطلق العيب لا يعتبر غشًّا، بل الغش هو ما تعلق بإخفاء ما كان من العيوب على الصفة المذكورة، وإلا لم يكن غشًّا.
    قال العلامة علي العدوي المالكي: "يَلزَم من كون الشيء مُفَوِّتًا للعيب كونه مُفَوِّتًا للغش والكذب، لا العكس" ([60]).
    وقال الباجي: "ولا يلزم الولي أن يخبر من حال وليته إلا بما يلزم في ردها، وهي العيوب الأربعة : الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، وأما غيره من العيوب فلا يلزمه ذلك" ([61]).
    والنصوص التي تحض الإنسان أن يستر على نفسه عامة من جهة شمولها للأفراد، ومطلقة من جهة عدم تحديد وسيلة الستر، والخطاب إذا كان عامًا أو مطلقًا فإنه يجري على عمومه وإطلاقه طالما لم يأت ما يخصصه أو يقيده.
    وتقدَّم أثر الرجل الذي خطبت ابنته وكانت قد زنت وتابت، فقال له أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: زَوِّجها، ولا تُخْبِر".
    والآخر الذي أصابت أخته فاحشة، ثم تابت وكانت تخطب إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه".
    والآخر الذي سأل عمر في شأن ابنته التي خطبت إليه، وكانت قد زنت ثم تابت، هل يذكر لخاطبها ما كان منها؟ فقال له عمر: "تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة" ([62]).
    وأمير المؤمنين عمر هو مُحَدَّث هذه الأمة، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" ([63])، والمُحَدَّث: هو الملهم، أو المتكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب يحدثه به المَلَك عن الله ([64]).
    وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ([65]).
    والمتأمل في هذه الآثار الأخيرة يلحظ أن عمر رضي الله عنه أمر بتزويج المرأة زائلة البكارة على أنها عفيفة مسلمة، ولم يأمرها بفضح نفسها، ولا بإخبـار من أقدم على زواجها بما سلف منها، ولم يعتبر تزويجها على هذا الحال وإخفاء ما كان منها غشًّا. وكذلك يظهر أن المسلمين الأوائل ما كانوا ينظرون للمرأة التي يكتشف زوال بكارتها على أنها خاطئة أو مومسة كما يشيع الآن بين الناس؛ فالعُذرة مجرد أمارة على العفاف، ولكن لا تلازم بينهما بحيث ينعدم العفاف بانعدامها ويوجد بوجدانها؛ لتعدد أسباب زوال البكارة، ومعظمها لا إثم فيه.
    والاستدلال بهذه الآثار ليس لمجرد صدورها عن سيدنا عمر فحسب، بل لعدم إنكار الصحابة عليه ما كان منه، فصار إجماعًا سكوتيًّا على مقتضاها.

    وقد التفَت الفقهاء الحنفية إلى مُدْرَك التَّشَوُّف إلى الستر والتمسك به وتقديمه، وراعَوه في فروعهم؛ فمذهب الإمام أبي حنيفة أن من زالت بكارتها بزنا خفيٍّ زُوِّجَت كالأبكار فلا تُستَنطق في إذن النكاح بل يكفي سكوتها؛ تقديمًا لمصلحة الستر والإخفاء على المصلحة المتوهمة من علم الزوج بزوال بكارتها. قال الزيلعي في شرح الكنز: "لأن الشارع قد ندب إلى الستر، وفي إلزامها النطق إشاعة الفساد مع تفويت مصالحها" ([66]). وهذا نص صريح في تقديم الستر دون التفات إلى غياب ذلك عن الزوج؛ تحقيقًا للمصالح العامة بالحَدّ من شيوع الفساد، والمصالح الخاصة بالستر على العاصية.

    وكذلك فليس في إخفاء زوال البكارة بالرتق تفويت لحق الزوج في الفسخ؛ لأن عدم البكارة ليس من العيوب التي يثبت بها الخيار كما قدمنا، إلا إن اشتُرِط في العقد، فإن اشتُرِط فيه ثم بان خلافه ثبت الخيار عند طائفة من العلماء كالشافعية ([67]) والمالكية ([68])، ولا يثبت عند طائفة أخرى كالحنفية، بل إنهم لا يثبتون الخيار للزوج أصلا بأي عيب ([69])، وعن أحمد كلام يحتمل أمرين، أحدهما: لا خيار له؛ لأن النكاح لا يُرَدُّ فيه بعيب سوى ثمانية عيوب، فلا يُرَدُّ منه بمخالفة الشرط ([70])، ولكنّ العقد صحيح عند هؤلاء جميعًا سواء قيل بثبوت الخيار أو بعدمه.
    قال الجلال المحلي: "لأن المعقود عليه مُعَيَّن لا يتبدل بخُلْف الصِّفَة المشروطة" ([71]).
    وقال الشمس الرملي: "لأن الخُلْف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثيره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى" ([72]).

    ويُضَاف إلى هذا أن جماعة من الفقهاء قد نَصُّوا أن من زالت بكارتها بسببٍ غير وطء كدخول إصبع ونحوه، لا يرفع عنها وصف البكورة شرعًا، بل تعتبر بكرًا إما حقيقة عند بعضهم وإما حكمًا عند البعض الآخر.
    قال في مجمع الأنهر من كتب السادة الحنفية: "(ومن زالت بكارتها) أي عذرتها، وهي: الجلدة التي على المحل. وفي الظهيرية: البكر اسم لامرأة لا تجامع بنكاح ولا غيره (بوثبة، أو حيضة، أو جراحة، أو تعنيس) من عنست الجارية إذا جاوزت وقت التزوج فلم تتزوج (فهي بكر) حقيقة، أي: حكمهن حكم الأبكار، ولذا تدخل في الوصية لأبكار بني فلان؛ لأن مصيبها أول مصيب لها. منه الباكورة والبكرة لأول الثمار ولأول النهار، ولا تكون عذراء" ([73]).
    وقال الإمام البابرتي في شرح الهداية من كتبهم أيضًا: "البكر هي التي يكون مصيبها أول مصيب" ([74]).
    وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب السادة المالكية أن من أزيلت بكارتها بوثبة تعتبر بكرًا؛ لأن البكر أعم من العذراء ([75]).
    وقال العلامة البجيرمي من الشافعية في حاشيته على شرح الخطيب: "وفي معنى البكر من زالت بكارتها بنحو حيض" ([76]).

    وفي الإقناع وشرحه كَشَّاف القناع للبهوتي من كتب السادة الحنابلة: "(وزَوَال البكارة بأصبع، أو وثبة، أو شدة حيضة، ونحوه) كسقوط من شاهق (لا يغير صفة الإذن) فلها حكم البكر في الإذن؛ لأنها لم تخبر المقصود، ولا وجد وطؤها في القبل، فأشبهت من لم تزل عذرتها" ([77]).
    وعلى هذا فإن ترميم بكارة المرأة التي طرأ لها التهتُّك بسببٍ مما ذُكِر لا يُسْبِل على المرأة وصفًا هي خالية عنه، بل هو مؤكدٌ لوصف قائم بها وهو البكورة، ودارئٌ عنها الخوض في عرضها بالظنون الفاسدة والأقاويل الباطلة.

    وذهب الإمام أبو حنيفة إلى ما هو أبعد، فقال: إن من زالت بكارتها بزنا خفي لا تعتبر ثيبًا بل هي بكر، وتزوج كالأبكار.
    قال في مجمع الأنهر: "(وكذا لو زالت) بكارتها (بزنا خفي) عند الإمام -يعني تعتبر بكرًا- وفيه إشارة إلى أنها لو زنت، ثم أقيم عليها الحد أو صار الزنا عادة لها، أو جومعت بشبهة أو نكاح فاسد فحكمهن حكم الثيب، ولو خلى بها زوجها، ثم طلَّقها قبل الدخول بها، أو فرق بينهما بعنة أو جب تزوج كالأبكار وإن وجبت عليها العدة؛ لأنها بكر حقيقة، والحياء فيها موجود كما في البحر" ([78]).
    وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب المالكية: "البكر عند الفقهاء هي التي لم توطأ بعقد صحيح أو فاسد جارٍ مُجْرَى الصحيح، وأما العذراء فهي التي لم تزل بكارتها بمزيل، فلو أزيلت بكارتها بزنا أو بوثبة أو بنكاح لا يُقَرَّان عليه فهي بكر، فهي أعم من العذراء" ([79]).
    وعلى هذا الرأي فإن من زالت بكارتها بالزنا الخفيّ، ثم أجرت عملية الرتق، فهي الأخرى تؤكد وصفًا ثابتًا لها، ولا تَدَّعي ما هي خالية عنه من الأوصاف.

    وأما قول بعض الناس الآن: إن الرجل لابد أن يعلم ما كان من امرأته إن كان ثمَّ خطأ ما قد واقعته، فهو قول فاسد فيه ما فيه من الجهر بالمعصية، وهتك ما ستره الله تعالى، وتتبع لعورات الخلق، واستشراف لما نهينا عن استشرافه، وذريعة لحصول الظنون الفاسدة بعده، والشرع لم يعتبر أصلا أن هناك تلازمًا بين زوال غشاء البكارة وبين حصول الزنا -كما سلف-، وإنما الذي أوجد هذا التلازم هو الأعراف السائدة في مجتمعاتنا الشرقية. هذه الأعراف التي لا ترى عظيم شين في الرجل الفاسق ذي العلاقات المشبوهة، بينما تؤاخذ المرأة وتطعن في شرفها وعرضها بقرائن ما أنزل الله بها من سلطان.

    وقد أطلنا النفس في دفع هذا الاعتراض؛ لأنه الأكثر رواجًا من بين كل الاعتراضات الأخرى، والله أعلم.
    الاعتراض الثاني (الرتق ليس وسيلة يعتبرها الشرع للستر):
    سبق وأن قَرَّرْنا أن الستر مطلوب شرعي سواء في ذلك ستر الإنسان على نفسه أو على غيره، وأن مشروعية الرتق -في الأحوال التي أجزناه فيها- مبنيةٌ على أنه وسيلة لتحقيق هذا الستر. وهذا الذي قررناه اعتُرِض عليه من قِبَل بعض العلماء القائلين بالمنع بأن الستر المطلوب هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته، ورتق غشاء البكارة لم يتحقق فيه ذلك ([80]).

    ويُجَاب عن هذا الاعتراض بمنع القول بأن الستر المطلوب هو فقط ما شهدت نصوص الشرع باعتبار وسيلته، فلا يلزم أن يشهد الشرع لكل وسيلة تُحَقِّق مقصدًا شرعيًّا باعتبارها على وجه الانفراد؛ فالشرع يُثِيب على الوسائل إلى الطاعات كما يُثِيب على المقاصد؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكأن الملاحظ أولا هو إفضاء الوسيلة للمقصود لا هي من حيث ذاتها، لذلك نَصَّ العلماء أن "الوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلـة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل" ([81])، وأن "الوسائل تسقط بسقوط المقاصد" ([82])، وذلك كله بحسب الإفضاء إلى المقصود وعدمه، لا بحسب ذات الوسيلة.
    وكذلك فإن النصوص التي تَحُضُّ الإنسان أن يستر على نفسه أو تَحُضُّه على ستر غيره مطلقةٌ من جهة عدم تحديدها وسيلة الستر، والقول بأن المطلق لا يجري في ماصَدَقاته إلا أن يَنُص الشارع عليها فردًا فردًا لا يصح بحال.
    قال الإمام الزركشي في البحر: "الخطاب إذا ورد مطلقًا لا مُقَيِّد له حُمِل على إطلاقه" ([83])، وقال العلامة صدر الشريعة في التوضيح: "حكم المطلق أن يجري على إطلاقه" ([84]).
    ولذا كان الأدق أن يقال: إنه لا يجوز الستر بوسيلة ثَبَت نهي الشرع عنها. وفَرْقٌ بين هذه العبارة وبين أن يقال: إن الستر المطلوب هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته؛ فالعبارة الأولى تعني أن الأصل في المطلق هو إثبات حكمه لكل فردٍ فردٍ من أفراده، إلا ما دَلَّ الدليل على أن حكمه بخصوصه مخالف، فلا يجري فيه حكم المطلق حينئذ، والثانية تعني أن الأصل هو الإحجام وعدم الإقدام على إجراء حكم المطلق على جميع أفراده حتى يدل الدليل على ثبوته لها فردًا فردًا، وهو واضح. والله أعلم.
    الاعتراض الثالث (كشف العورة، وما يستتبعه):
    اعترض المانعون بأن عملية الرتق العذري يلزم منها كشف العورة المغَلَّظة لمن تُجْرَى لها، وما يَستتبع ذلك من النظر واللمس، والأصل في كلٍّ من كشف العورة والنظر إليها ولمسها الحرمة، فيَنتُج من ذلك حرمة العملية المذكورة، وليس لرتق غشاء البكارة سبب طبي حاجي يمكن أن يكون مبيحًا لكشف العورة أسوة بباقي الأسباب التي يذكرها الفقهاء ([85]).

    ونحن نُسَلِّم أن الأصل في كل من كشف العورة والنظر إليها ومسها الحرمة، لكنَّ القاعدة الشرعية أن الضرورات تبيح المحظورات، قال الزركشي: "ومن ثَمَّ أُبيحت الميتة عند المَخْمَصَة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غُصَّ ولم يجد غيرها، وأبيحت كلمة الكفر للمُكْرَه" ([86]).
    والمرأة التي ابتليت بزوال عذريتها تكون في بعض البيئات كالريف معرضة ليست فقط للأذى الشديد من ضرب ونحوه، بل يصل الأمر إلى حد القتل أحيانًا ([87])، وهذه هي حقيقة الضرورة. وإن كان الأمر في المجتمعات المدنية قد لا يصل إلى القتل في بعض الأحيان، لكن المرأة تُعرَّض للإيذاء الشديد، وللطعن في شرفها وعفتها؛ حيث ارتبط في أذهان الناس العفاف بوجود غشاء البكارة.
    وإذا كانت المرأة قد أخطأت فعلا وأرادت طيَّ ما فات، فلم تجد طريقة تستر بها ما حصل منها، لانكمشت عن الأزواج خوفًا من فضيحتها وفضيحة أهلها، أو اضطرت إلى مصارحة من رغب في الزواج منها فأدى ذلك إلى رغبته عنها كما هو الغالب، وقد يفضحها فتصبح مطمعًا للفَسَقَة وأراذِل الخلق، وقد يَسْري الضرر إلى عائلتها أيضًا، وإلى كل من ينتسب إليها فيمتنع الناس عن الزواج منهم ومصاهرتهم، وهذه المحاذير إن لم تَرْق لمرتبة الضرورات فلن تنزل عن مرتبة الحاجات بحال، والحاجة مُنَزَّلَةٌ منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، فكل منهما في إباحة المحظور سواء.

    وقد نَصَّ الفقهاء على جواز كشف العورة لما كانت الحاجة فيه أقل مما نحن بصدده، لا لشيء إلا للتوسعة على المكَلَّفين ونفي الحرج عنهم؛ ومن ذلك ما نص عليه الفقهاء الحنابلة من أن حلق العانة لمن لا يحسنه يجيز نظر الغير إلى عورته ومسها؛ ليقوم عنه بما لم يستطعه من ذلك، ولا شك أن الحاجة في العجز عن القيام بالاستحداد أخف منها في مسألتنا.
    قال في كَشَّاف القناع: "(ويجوز كشفها) أي: العورة للضرورة (و) يجوز (نظر الغير إليها لضرورة، كتداو وختان، ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبة وعيب، وولادة ونحو ذلك) كحلق عانة لا يحسنه" ([88]).
    وقال المرداوي في الإنصاف: "من ابتلي بخدمة مريض أو مريضة في وضوء أو استنجاء أو غيرهما فحكمه حكم الطبيب في النظر والمس. نص عليه. كذا لو حلق عانة من لا يحسن حلق عانته. نص عليه، وقاله أبو الوفاء، وأبو يعلى الصغير" ([89]).
    وإذا كان كشف العورة مفسدة عظيمة، فإن ما ذكرنا من المفاسد أعظم، والمُقَرَّر أنه إذا تعارض مفسدتان رُوعِي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ([90]). والله تعالى أعلم.
    الاعتراض الرابع (التشجيع على الفاحشة):
    قالوا: إن القول بجواز رتق غشاء البكارة يُسَهِّل على الفتيات ارتكاب الخطيئة والوقوع في الزنا؛ لعلمهن بإمكان رتق غشاء البكارة بعد الجماع، وهذه مفسدة متأكدة الوقوع ([91]).

    ويُرَدُّ هذا بأنه لا تلازم أصلا بين زوال غشاء البكارة، وبين عَفَاف الفتاة؛ فقد تكون الفتاة أطهر من ماء السماء، ولم يَمسَسها بَشَرٌ قَطّ، وقد زالت بكارتها بسبب مادي غير الوطء، كما سبق بيانه.
    ولذلك فإن الشرع الشريف لم يعتبر زوال غشاء البكارة دليلا على الزنا، ولو أن رجلا دخل بامرأة فوجدها لا بكارة لها، فاتَّهمها بالزنا لعُدَّ قاذفًا لها، حتى وإن كانت قد زنت في الواقع ونفس الأمر.
    وإذا كانت أعراف الناس التي تخالف ذلك المقرَّر الشرعي لها أثر زَجْريٌّ عن الوقوع في تلك المعصية، فذلك لا يُبَرِّر اعتبار تلك الأعراف، وإهدار المعاني التي ذكرناها من الستر وغيره مما حَثَّ عليه الشرع وأَلْزم به، والعُرْف متى خالف الشرع كان عرفًا فاسدًا لا اعتبار له. ويشبه ذلك ما يكون إذا قال قائل بزيادة العقاب في الحدود الشرعية إمعانًا في الردع، فإن هذا وإن أعطي أثرًا زجريًّا أقوى من مجرد الحد، إلا أن هذا المعنى الزَّجْريّ الزائد الذي يحصل مُطَّرَحٌ لا اعتبار له، ويكون اللجوء إلى ذلك محرمًا، بل هو مخالف لمَسْلَك الشرع؛ حيث تساهل في هذا الباب، وجعل الحدود مندرئة بالشبهات.
    ويَلْزم المعترض بهذا الاعتراض أن يكون مُقِرًّا لجواز العملية من حيث هي، إلا أنه قال بالمنع لأمر خارج، وهو ما ذكره من لزوم شيوع الفاحشة على الوجه المذكور.

    وفحوى اعتراض المانعين هنا حسم مادة الذرائع إلى الفساد، ولنا أن نمنع القول بسد الذرائع أصلا كما هو مذهب الشافعي وغيره، ونقول: إنه لا يثبت أمر بالشك.
    قال ابن حزم: "كل من حَكَم بتُهْمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد، فقد حكم بالظن، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل" ([92]).
    وهذا المعنى الذي ذكره المانعون لا يصح بحال أن يوصف بأنه مفسدة متأكدة الوقوع كما وقع في كلامهم؛ لأنه غير مُتَعَيِّن فلا يُناط به المنع، بل نقول: إن مفسدة التشجيع على الفاحشة المُدَّعاة مفسدة موهومة، ونعني بكونها موهومة، أي: من جهة لزوم تَرَتُّبها على القول بالجواز؛ لأن من اتخذ من النساء من عمليات الرتق العذري تَكِأَةً يَتَّكئن عليها ليَفْجُرْن ما شئن، فإذا أرادت الواحدة منهن الزواج لجأت إليها، إنما هي قد فعلت ذلك اعتمادًا على إمكان حصول العملية في الواقع لا اعتمادًا على القول بجوازها شرعًا، فمثل هذا الصنف من النسوة لن يلتفت إلى التحريم أو الجواز، والمرأة منهن فاعلة ما أضمرته غالبًا سواء قلنا بالحرمة أو قلنا بالجواز؛ فليس قولنا بالتحريم بزاجر لها عن الفاحشة، ولا قولنا بالجواز بدافع لها إلى الخطيئة.
    فثبت أن ما رتبه المانعون على القول بالجواز مفسدة موهومة، والمفاسد الموهومة لا تصلح لأن يبنى عليها تحريم حتى على قول من يعتبر سد الذرائع؛ لأن المفسدة النادرة والمتوهمة أجمعت الأمة على عدم سَدِّها كما يؤخذ من كلام القرافي وغيره ([93])، وإلا فلو قيل بسد جميع الذرائع للزم على ذلك تحريم زراعة العنب خوفًا من اتخاذه خمرًا ، والمنع من المجاورة في البيوت خوفًا من وقوع الناس في الزنا، وهو باطل لم يقل به أحد.
    والمفاسد التي ذكرنا ترتبها على عدم الستر لا شك أنها أكثر تحققًا مما ذكره المانعون لازمًا للقول بالجواز، والمفسدة المحققة مقدمة على المفسدة المتوهمة، والمصلحة المحققة لا تُتْرك للمفسدة المُتَوَهَمَة.
    وكذلك على التسليم باعتبار قطع الذرائع، فإن وسيلة المُحَرَّم تكون غير مُحَرَّمَة إذا أَفْضَت إلى مصلحة راجحة، كدَفع مالٍ لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك ([94])، والمصالح المترتبة على الرتق كالستر، وقطع الظن الفاسد، واستصلاح العاصي، والإعانة على الثبات على العفاف، والحفاظ على الأرحام من أن تقطع، وإحياء النفوس، وغيره، كلها مصالح أرجح وأكثر تَحَقُّقًا من مُجَرَّد هذه المفسدة المذكورة المظنونة المتوهمة.

    ونحن نزيد ونقول: إنَّا لا نمنع أن يكون القول بجواز الرتق مُشَجِّعًا على الفاحشة فحسب، بل نرى أن القول بالجواز على الوجه الذي قَرَّرناه يحد من ذيوع الفاحشة وانتشارها في المجتمع؛ لما فيه من ستر على من ابتليت بزوال عذريتها، ويكون في ذلك تثبيت لها على الاستقامة والعفاف؛ مع حصر الضرر في أضيق النُّطُق، بخلاف ما إذا عُرِف أمرها، وسَرَى خبرها في الناس وتناقلته ألسنتهم بحَقٍّ أو بباطل؛ لأن تناقل أخبار الفاحشة وشيوع أمرها وتَكَرُّره ذلك يُخَفِّف من وَقْع المعصية على الأسماع ويطفئ من حرارة وطأتها على النفس، ويزيد هذا كلما زاد وتكرر الحديث عن المعاصي وأخبارها وسيرة أهلها إلى أن يصل إلى ضمور الحِسِّ الاجتماعي بآثارها السيئة، فيَهُون على الناس الإقدام عليها، وهذا من الحِكَم الجليلة للنَّهْي النبوي عن الجهر بالمعصية، وهو معنى ما قاله بعض السلف: "إن المعصية إذا أخفيت لم تَضُر إلا صاحبها، وإذا أُعْلِنَت ضَرَّت العامَّة" ([95]).
    وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف: "اجتهد أن تَسْتُر العصاة؛ فإن ظهور عوراتهم وَهَنٌ في الإسلام، وأَحَقّ شيء بالستر العورة" ([96]).
    قال شيخ الإسلام التونسي العلامة محمد الطاهر بن عاشور -في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}[النور: 19]-: "ومعنى أن تشيع الفاحشة أن يشيع خبرها؛ لأن الشيوع من صفات الأخبار والأحاديث، كالفُشُوّ، وهو: اشتهار التحدث بها. فتعين تقدير مضاف، أي: أن يشيع خبرها؛ إذ الفاحشة هي الفِعْلة البالغة حَداًّ عظيماً في الشناعة" ([97]).
    وقال: "ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خَبَر سُوء، كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السُّوء عن إخوانه المؤمنين. ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية؛ فإن مما يَزَع الناس عن المفاسد تَهَيُّبهم وقوعها وتَجَهُّمهم وكراهتهم سوء سمعتها، وذلك مما يَصْرِف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويداً رويداً، حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس. فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخفَّ وقع خبرها على الأسماع، فدَبَّ بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخِفَّة وقعها على الأسماع، فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تُقْدِم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة. هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرًّا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب" اهـ ([98]).
    وهذا الذي ذكره العلامة ابن عاشور مشاهد متكرر معلوم، لا ينكره إلا ذو حس بليد..نسأل الله النجاة والعفو!
    الاعتراض الخامس (آية النور):
    قد يقول قائل إن الله تعالى أمرنا بالحيلولة دون زواج العفيفين والعفيفات بالزناة في قوله: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}[النور: 3]، والقول بجواز أن تقوم المرأة التي زنت ولم يشع زناها بالرتق ينافي هذا؛ لأنه يؤول إلى أن يرتبط رجل عفيف بامرأة زانية وبقاؤه معها؛ لأنه ظَنَّ عذريتها.

    وبعض الناس يظن أن في هذه الآية إخبارًا أن من وقع في الزنا إذا أراد أن يتزوج فلابد أن من سيُقْدِم على الزواج منها ستكون قد زنت مثله، أو أن الزاني لا يتزوج من العفيفات بل لا يحل له إلا من كانت زانية مثله، وكذلك الزانية.

    والجواب: أنّا لا نسلم دلالة الآية على ما ذُكِر؛ فقد عُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم زانية وزان من المسلمين، ولم يُعلم عنه أنه حَرَّم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان، ولا حَرَّم واحدًا منهما على زوجه؛ فقد أتاه ماعز بن مالك وأقر عنده بالزنا مرارًا ([99])، فلم يأمره صلى الله عليه وسلم في واحدة منها أن يجتنب زوجة له إن كانت، ولا زوجته أن تجتنبه، ولو كان الزنا يُحَرِّمه على زوجته لبَيَّن له أنه إن كانت له زوجة حُرِّمَت عليه، أو لم تكن فليس له أن يَنْكِح، ولم يَرِد أنه أمره بشيء من ذلك، ولا أَمَر غيره أن لا يُنْكِحَه إلا زانية. وقد ذَكَر له رجل أن امرأة زنت، وزوجها حاضر، فلم يَرِد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أَمَر زوجها باجتنابها، بل أمر أُنَيس بن الضَّحَّاك الأسلمي أن يغدو عليها، فإن اعترفت رجمها. وجَلَد ابن الأعرابي الذي زنى بها مائة وغَرَّبَه عامًا ([100])، ولم يَرِد أنه نهاه أن يَنْكِح، أو نَهَى أحدًا أن يُنْكِحَه إلا زانية. وقد رَفَع الرجل الذي قذف

    امرأته إليه أمر امرأته، وقذفها برجل، وانتفى من حملها، فلم يأمره باجتنابها حتى لاعن بينهما ([101]). وقد حَرَّم الله المشركات من أهل الأوثان على المؤمنين الزناة وغير الزناة ([102]).
    وجاء في الآثار ما يؤيد هذا؛ فرُوِي أن رجلا فَجَر بامرأة وهما بِكْران، فجَلَدهما أبو بكر، ونفاهما، ثم زَوَّجها إياه بعد الحَوْل ([103]).
    ورُوي أن رجلا تزوج امرأة، ولها ابنة من غيره، وله ابن من غيرها، ففَجَر الغلام بالجارية، فظهر بها حَمْلٌ، فلما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة رُفِع ذلك إليه، فسألهما، فاعترفا، فجَلَدهما عمر الحَدّ، وحرص أن يجمع بينهما، فأَبَى الغلام ([104]).
    وسُئِل ابن عباس رضي الله عنهما فيمن فجر بامرأة ثم تزوجها؟ قال: "أَوَّله سِفَاح وآخره نِكاح، لا بأس به" ([105]). ([106])

    والآية الكريمة قيل: إنها منسوخة؛ رُوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "نسخت هذه الآية التي بعدها {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]".
    قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفتيا يقولون: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وهو قول ابن عمر، وسالم، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاوس، ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء الله، هي منسوخة.
    وقال الشافعي: "قيل: نزلت في بغايا كانت لهن رايات وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن، فنزلت هذه الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أَعْلَنَ بمثل ما أَعْلَنَّ به، أو مُشْركًا" اهـ ([107])، ومن هذا الباب ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" ([108]).
    أو يقال: إن النكاح فيها محمولٌ على الوطء لا العقد، كما رُوي عن ابن عباس وأصحابه، فيكون معناها: الزاني لا يشاركه في فعله وقت زناه إلا زانية مثله من المسلمين، أو أَخَسّ منها كمُشْرِكة لا تُحَرِّم الزنا.
    فيكون مقصود الآية الإخبار باشتراكهما في الزنا، وأن المرأة كالرجل في ذلك، فإذا كان الرجل زانيًا فالمرأة مثله إذا طاوعته، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها، فحَكَم تعالى في ذلك بمساواتهما في الزنا، ويفيد ذلك مساواتهما في استحقاق الحد، وعقاب الآخرة، وقطع الموالاة، وما جرى مُجْرَى ذلك.
    أو تكون مَسُوقة لتشنيع الزنا، وبيان أنه مُحَرَّم على المؤمنين، وتَبشيع أمر الزاني، وأنه لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله، أو مُشْرِكة هي أسوأ منه حالاً وأقبح أفعالاً، وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنا، فلا يليق أن ينكحها من حيث أنها كذلك إلا من هو مثلها، وهو: الزاني، أو من هو أسوأ حالاً منها، وهو: المشرك. وذلك كما يقال: السلطان لا يكذب. أي: لا يليق به أن يكذب. نُزِّل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدمه، وهو كثيرٌ في الكلام. ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا، فيكون فيه من تقبيح الزنا ما فيه.
    ويَتأكَّد ما قلناه من عدم حمل الآية على تحريم نكاح من وقع منها الزنى بأن الشرع الشريف قد حَثَّ العاصي أن يستر على نفسه، وتَوَعَده بسَلْب العافية عنه، وعليه فمن ابتليت بالزنا فليس لها أن تفضح نفسها؛ بمقتضى الشرع، وهذا لا يحول دون أن يتزوجها عفيف، ومع قيام هذا الاحتمال القوي الراجح، فإن الشرع لم يلتفت إليه أو يعتبره.
    وأما حَمْل الآية على ظاهرها من الإخبار المَحْض فلا يصح؛ لما فيه من مخالفة للواقع؛ فالزاني قد ينكح الحصينة، والمشرك قد ينكح الحصينة، وأيضاً الزانية قد يَنْكحها المسلم العفيف؛ رغبة في جمالها أو إنقاذًا لها من عُهْر الزنى وما هو بزانٍ ولا مُشْرك، فلا يستقيم، بل الآية محمولة على الإنشاء والتشريع دون الإخبار؛ وقد قال الله تعالى في آخرها: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}، ولأنها نزلت جواباً عن سؤال مَرثَد تزويجه عَنَاق وهي زانية ومشركة، ومَرثَد مسلم تقي ([109])، ولكن حكمها عام لمرثَـد وغيره من المسلمين؛ بحق عمـوم لفظ: "المؤمنين" ([110]).
    ثم إن هذا الاعتراض إنما هو خاص بمن قامت برتق البكارة التي تمزقت عن زنا -والعياذ بالله-، ولا يَتَوَجَّه على من فقدتها بسبب آخر غير وطء. والله تعالى أعلم.
    الاعتراض السادس (إلحاق الضرر بالزوج):
    قالوا: إن من القواعد الشرعية المتفق عليها بين العلماء أن "الضرر لا يزال بالضرر"، ومن فروع هذه القاعدة: أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره.

    ومثل ذلك أيضًا، أنه لا يجوز أن تزيل الفتاة أو أمها ضررًا عن نفسها لتلحق ضررًا بزوجها المنتظر.
    وكذلك فإن من القواعد الشرعية المتَّفَق عليها أيضًا أنه يُتَحَمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، ومن فروعه: أنه يُقْتَل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم ([111]).

    ونحن نمنع أن يكون ثَمَّ ضررٌ معتبر يَلْحَق الزوج لخصوص رتق البكارة، وقررنا في غير موضع أن دلالة زوال الغشاء على وقوع الزنا منتفية، وأن من رمى امرأته بالزنا؛ لمجرد ذلك، كان قاذفًا لها، حتى وإن كانت كذلك في نفس الأمر؛ وقد افتضت امرأة جارية بأصبعها، وقالت: إنها زنت. فرُفِعت إلى عليّ رضي الله عنه، فغرمها العُقْر ([112])، وضربها ثمانين لقذفها إياها ([113]).
    والضرر المتصَوَّر هو ترويج المرأة على الزوج بالغش، وسبق تفنيد هذا بما لا مزيد عليه، وبيان أن الغش المؤثر هو ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته، أو بإخفاء وجود عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح من الوطء والاستمتاع، وأن من افتُضَّت بسبب غير الوطء كدخول إصبع ونحوه، لا يُرْفع عنها وصف البكورة شرعًا، بل هي بكر إما حقيقة وإما حكمًا، وزاد أبو حنيفة فذهب إلى أن من زالت بكارتها بزنا خفي لا تعتبر ثيبًا، بل هي بكر، وتزوج كالأبكار. وذلك كله مُتَّسِقٌ مع حض الشرع للعاصي أن يكتم معصيته.

    أما قولهم: إن الضرر الخاص يُتَحَمَّل لأجل دفع الضرر العام، فلا يظهر أن له مدخلية فيما نحن فيه، ولم يفصح المانعون عن ماهيَّة هذا الضرر العام المُدَّعَى حصوله من رتق البكارة. والله تعالى أعلم.
    الاعتراض السابع (غلبة المفاسد):
    قالوا: إن فتح الباب لرتق غشاء البكارة؛ بحجة الستر ودفع المََضَرَّة، يَجُرُّ إلى مفاسد أكثر خطورة وأعمق آثارًا، ويفتح أبوابًا من الشر لابد من التَّنَبُّه لها، ومن ذلك:

    1- ; أن الفتاة قد تكون حاملا عند رتق غشاء البكارة، فتكتم ما في رحمها، وتتحمل إثم الكتمان؛ في سبيل خلاصها من الفضيحة، وبعد أيام من إجراء العملية تتزوج، فيُلْحَق الولد إلى فراش الزوج، وفي ذلك اختلاط الأنساب، وتَعَدٍّ على الحرمات، وأكل للأموال بالباطل نفقة كانت أم ميراثًا.
    2- ; فتح الأبواب أمام الأطباء أو بعض الأطباء أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة؛ بحجة الستر، أو بحجة أنها نتيجة الخطيئة.
    3- ; في رتق الغشاء اطِّلاع على المنكر وعون على الخبث، قالت أم سلمة: "يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟"، قال: "نعم، إذا كثر الخبث". وفَسَّرَه العلماء بأولاد الزنى.
    4- ; فتح أبواب الكذب للفتيات وأهاليهن؛ لإخفاء حقيقة السبب، والكذب ممنوع ومُحَرَّم في شريعة الله.
    والقاعدة أنه إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك. وإن تَعَذَّر الدَّرْء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة لا نبالي بفوات المصلحة ([114]).

    ونحن بحول الله نَكِرُّ على هذه المفاسد المدَّعاة جميعًا بالنقض فيما يلي، فنقول:
    أما أن الفتاة قد تكون حاملا عند رتق غشاء البكارة، فتكتم ذلك وتُجْري العملية، ثم تتزوج، فيلحق الولد إلى فراش الزوج، فذلك ليس مُوجِبًا للقول بحرمة الرتق؛ لأنه لا تلازم بين ثبوت النسب وبين وجود البكارة؛ فالمرأة قد تكتم ولا ترتق، ولا سبيل للزوج شرعًا أو قانونًا لرميها بالزنى لذلك، ويلحق به الولد؛ لأن الولد للفراش.
    ولو سَلَّمنا بأن ثَمَّ ارتباطًا بين وجود غشاء البكارة وبين ثبـوت النسب -ولا نُسلِّم-، لكان القول بتحريم الرتق على الإطلاق غير صحيح أيضًا؛ لأن التحريم هنا سيكون في الحالات التي يتحقق فيها اختلاط الأنساب؛ لسبق حمل المرأة قبل زواجها، وليس لذات الرتق، وهو ما يسميه الأصوليون بالحرام لغيره؛ فالحرام نوعان: حرام لذاته أو لعينه، وحرام لغيره. فالحرام لذاته: هو ما كان منشأ الحرمة فيه هو ذات الشيء، كشرب الخمر والزنا وأكل الميتة ونحو ذلك، فالحرمة فيه منتسبة إلى المحل؛ لتدل على عدم صلاحيته للفعل، فالمحل أَصْلٌ والفعل تَبَع.
    والحرام لغيره: هو ما كان منشأ الحرمة فيه غير ذلك المحل، وأمثلته كثيرة، منها: حرمة أكل مال الغير، فإنها ليست لنفس ذلك المال، بل لكونه ملك الغير، فالأكل مُحَرَّم ممنوع، لكن المحل قابل للأكل في الجملة، بأن يأكله مالكه، بخلاف الأول، ومنها: الوطء في الحيض؛ فإن المُحَرَّم ليس الوطء في نفسه، بل المُحَرَّم إيقاعه في هذا الحال. ومنها: من ملك عينًا وعلم بها عيبًا، فلا يجوز له أن يبيعها حتى يُبَيِّن عيبها، لا لحرمة البيع في نفسه، وإنما لما اقترن به من الغش والتدليس ([115]).

    وأما قولهم: إن رتق غشاء البكارة يفتح الأبواب أمام بعض الأطباء أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة؛ بحجة الستر، أو بحجة أنها نتيجة الخطيئة.
    فهذا منهم تَوَسُّعٌ في إعمال قاعدة سد الذرائع، حتى على قول من يقول بسَدِّها، كالمالكية؛ لأنها مفسدة نادرة متوهمة، لا يؤدي السبب فيها إلى المسبَّب لا قطعًا ولا غالبًا، وما كان من هذا الباب فلا يقال بمنعه، وسبق تفصيل الكلام على مسألة الذرائع قبل ذلك. والكلام على الإجهاض أصلا فيه تفصيل ليس هذا محله، فحتى هذا الإطلاق في منع الإجهاض محل كلام وأخذ ورد.

    وأما القول بأن في رتق الغشاء اطلاعًا على المنكر وعونًا على الخبث، فمردود؛ لأن ليس كل حالات زوال العذرية نتيجة فعل المنكر، وما كان منها نتيجة لذلك فمفسدة مجرد الاطلاع لا تقوى على الرجحان أمام باقي المفاسد التي يتم دفعها بالرتق. وأما أنه عون على الخبث، فإن قصد بالخبث: أولاد الزنا كما جاء في التفسير الذي نقلوه للحديث، فلا مدخل له معنا أصلا، وإن أريد بالخبث غير ذلك فلا وجه لإيراد حديث أم سلمة والتنبيه على تفسيره بما ذُكِر؛ لعدم تعلق ذلك كله بمقام الاستدلال، ونحن نمنع أن يكون فيه عَوْنٌ على الخبث بالمعنى المتبادر في الحالات التي أجزناه فيها؛ لما سبق تقريره وتكراره، من كونه بابًا من أبواب الستر، وسببًا من أسباب انكماش الفاحشة في المجتمع.

    وأما أنه يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهاليهن؛ لإخفاء حقيقة السبب، والكذب مُحَرَّم، فنحن نمنع أصلا اللزوم بين الكذب وبين الرتق؛ لأن الكذب هو الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه ([116])، ومجرد الرتق لا يلزم عنه الإخبار بخلاف الواقع، فالإخبار فعل زائد على مجرد الرتق، قد يقترن به، وقد يتجرد الرتق عنه.
    على أن الصدق ليس واجبًا في كل مقام، بل يجوز تركه في مواضع؛ قال السَّفَّاريني في شرح منظومة الآداب -بعد أن ذكر ما نقله ابن حزم من الاتفاق على تحريم الكذب في غير الحرب، وغير مُداراة الرجل امرأته، أو إصلاح بين اثنين، أو دَفْع مظلمة-: "هذا ما ورد فيه النص، ويقاس عليه ما في معناه، ككذبه لستر مال غيره عن ظالم، وإنكاره المعصية؛ للستر عليه أو على غيره ما لم يجاهر الغير بها، بل يلزمه الستر على نفسه وإلا كان مجاهرًا، اللهم إلا أن يريد إقامة الحد على نفسه كقصة ماعز، ومع ذلك فالستر أولى ويتوب بينه وبين الله تعالى. وكل ذلك يرجع إلى دفع المَضَرَّات" ([117]).
    وقال الإمام ابن الجوزي: "كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح، وإن كان ذلك المقصود واجبًا فهو واجب" ([118]).
    وقال السيوطي في قواعده: "الكذب مفسدة محرمة ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز، كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها. وهذا النوع راجِعٌ إلى ارتكاب أَخَفِّ المفسدتين في الحقيقة" ([119]).
    وقال المُحَقِّق ابن حَجَر في التُّحْفة -عند قول المنهاج: "من أقر بعقوبة لله تعالى فالصحيح أن للقاضي أن يُعَرِّض له بالرجوع"-: "وأفهم قوله: (بالرجوع) أنه لا يُعَرِّض له بالإنكار؛ لأن فيه حَمْلا على الكذب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لما مر في الزنا أن إنكاره بعد الإقرار كالرجوع عنه. ثم رأيتهم صَرَّحوا بأن له التعريض بالإنكار وبالرجوع. ويجاب عما علل به بأن تَشَوُّف الشارع إلى درء الحدود ألغى النظر إلى تضمن الإنكار للكذب، على أنه ليس صريحًا فيه فخَفَّ أمره" اهـ ([120])
    ولا ريب أن المرأة إذا أجرت الرتق؛ لئلا تنفضح مستعينة بذلك على استدامة الاستقامة أو استئنافها كان ذلك منها مقصدًا محمودًا، ومصلحة محققة، وارتكابًا لأخف المفسدتين. ومنعها من ذلك، وإلجاءها إلى طريق الفضيحة من أخطر أسباب الانحراف إلى الرَّذيلة وارتكاب الموبقات.
    فبان بهذا تهافت الاستدلال بحصول هذه المفاسد المُدَّعاة، وأنها مفاسد نادرة أو موهومة، فلا اعتبار لها، والله أعلم.
    الاعتراض الثامن ( الاكتفاء بالشهادة الطبية ):
    قالوا: إن مفسدة التُّهْمة في حق المرأة التي زالت بكارتها بغير زنا منها يمكن إزالتها عن طريق شهادة طبية بعد الحادثة تثبت براءة المرأة، وهذا السبيل هو أمثل السبل، وعن طريقه تزول الحاجة إلى فعل جراحة الرتق ([121]).

    ونقول في الجواب عن هذا: إن تقريرنا جواز إجراء عملية الرتق مبنيٌ على نظرة المجتمع للمرأة التي ذهبت بكارتها؛ فالعرف الاجتماعي الحالي في كثير من بلاد المسلمين قد أعطى لغشاء البكارة اعتبارًا فوق ما أعطاه الشرع، واعتبره دليلا على فِسْق المرأة ودَنَسها دون الشرع، وفي ظلِّ هذا العرف فإنه لا يكفي مجرد تحرير شهادة طبية يُبَيَّن فيها أن التمزق سببه جراحة أو حادث أو غير ذلك مما لا يشِين عرض المرأة؛ لأن ذلك في الأغلب الأعم لا يطفئ نار الشك في نفس زوج المستقبل، ولا يكفي أيضًا لإقناع من يعلم بهذا من أهله أو غيرهم؛ لأنه يقال: إن هذه الشهادة قد تكون حُرِّرت مخالفة للحقيقة عن طريق رِشْوة المختص.
    ولو أننا استعملنا سد الذرائع كما استعمله المانعون، لقلنا: إن القول بجواز اللجوء لتحرير شهادة طبيّة للمرأة التي زالت بكارتها يفتح الباب للمومسات ومحترفات الدعارة أن يلجأن لأخذ شهادات طبيَّة مماثلة عن طريق الرشوة وبذل المال، ومعلوم أن كتابة التقارير الطبية أسهل وأيسر من إجراء عمليّة الرتق، ولن يعدم هؤلاء النسوة من يقوم لهن بهذا.

    ولكن ينبغي أن ننبه أن الأعراف لو تغيرت في زمن ما أو في مكان ما، وصارت نظرة الناس لغشاء البكارة موافقة لنظرة الشرع، فلم يجعل عدمه دليلا على الفاحشة، وسببًا للطعن في العرض، وذريعة لسوء الظن والتهمة، بل كان أمر المرأة محمولا على الصلاح وعدم التهمة، فيَرتَدّ حينئذ إجراء عملية الرتق إلى أصل المنع؛ لانتفاء معنى الستر المراد، وللزوم كشف العورة للاحاجة أو ضرورة حينئذ، مع غلبة المفاسد.
    وكذلك لو وجدت وسيلة أخرى جائزة تدفع التهمة عن المرأة وتحقق الستر بيقين، فلا يُلْجَأ هنا أيضًا لعملية الرتق؛ لأنها لا تصير مُتَعيِّنة حينئذ لتحقيق مصلحة الستر، ودفع مفسدة الفضيحة وسوء الظن ونحو ذلك مما سبق ذكره.



    الباب الثالث
    في أحكام الطبيب المباشر لجراحة الرتق


    الفصل الأول
    في حكم إجراء الطبيب جراحة الرتق
    أصل مشروعية الإقدام على إجراء عملية رتق غشاء البكارة ثابت للطبيب في الحالات التي أجزناها فيها؛ وذلك لما في فعله هذا من تحقيق مقاصد الشرع الشريف في الستر على الخلق، وتفريج الكُرَب عن أصحابها.
    وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المُسْلِم أخو المُسْلِم لا يَظْلِمه ولا يُسْلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرَّج عن مُسْلِم كُرْبة فَرَّج الله عنه كُرْبة من كُرُبات يوم القيامة، ومن سَتَر مسلمًا سَتَره الله يَوم القيامة" ([122]).
    وقال: "من نَفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعْسِر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سَتَر مُسْلمًا سَتَره الله في الدنيا والآخرة، والله في عَوْن العَبْد ما كان العَبْد في عَوْن أخيه" ([123]).
    وقال: "من سَتَر عَوْرة أخيه المُسْلِم سَتَر الله عَورته يوم القيامة، ومن كشف عَوْرة أخيه المُسْلِم كَشَف الله عَوْرته حتى يَفْضَحه بها في بيته" ([124]).

    وعن عُقْبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سَتَر مؤمنًا كان كمن أحيا مَوءودة من قبرها" ([125]).
    وفي رواية: "من رأى عَوْرة فسَتَرها كان كمن أحيا مَوءودة" ([126]).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أطفأ عن مؤمن سَيِّئة كان خيرًا ممن أحيا موءودة" ([127]).
    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرى امرؤ من أخيه عَوْرة فيسترها إلا سَتَره الله وأدخله الجَنَّة" ([128]).
    وعن نُعَيم بن هَزَّال رضي الله عنه عن أبيه أن ماعز بن مالك رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "أقم عَلَيّ كتاب الله فأعرض عنه أربع مرات، ثم أمر برجمه، فلما مسته الحجارة جزع، فخرج، فهرب، فاستقبله رجل فضربه بشيء معه فقتله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بأمره، فقال: "هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه، ثم قال: يا هَزَّال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا لك" ([129]).
    ولا شك أن قيام الطبيب بقيامه بعملية الرتق يُحَقِّق كل ما حَضَّت عليه الأحاديث السالفة من ستر العورات، وتفريج الكرب عن المكروبين، والقيام في حوائج الناس، وإعانة الغير.
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَقِيلوا ذَوي الهَيْئات عَثَراتهم"، وفي رواية: " أَقِيلوا ذَوي الهَيْئات زَلاتهم" ([130])، فمن كانت مُسْلمة عفيفة مستقيمة، ثم عَرَضَت لها معصية كالزنا -والعياذ بالله تعالى-، فإن الستر عليها وكتمان أمرها وإرجاعها إلى جادَّة العفاف يعتبر من إقالة العَثَرات، وقيام الطبيب بإجراء تلك العملية لها مُحَقِّقٌ لذلك كله؛ فهو من وسائل تحقيق تلك الإقالة.
    وما جاء في سير الصحابة والسلف الصالح وسلوكهم العملي يَدْعَم هذا كلَّه، ويؤكد عدم تَشَوُّفِهم لهَتْك الناس، أو التَّشَفِّي في العصاة، وسعيهم لسترهم حتى في موجبات الحدود، ومن ذلك:
    ما جاء عن دخين بن عامر كاتب عقبة بن عامر رضي الله عنهما قال: "كان لنا جيران يشربون الخمر فنهيتهم فلم ينتهوا، فقلت لعقبة بن عامر: إن جيراننا هؤلاء يشربون الخمر، وإني نهيتهم فلم ينتهوا، فأنا داع لهم الشُرَط". فقال: "دَعْهُم!" ثم رجعت إلى عقبة مرة أخرى، فقلت: "إن جيراننا قد أَبَوْا أن ينتهوا عن شرب الخمر، وأنا داع لهم الشُرَط". قال: "وَيْحَك دَعْهم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معنى حديث: من رأى عَوْرة فسترها كان كمن أحيا مَوءودة" ([131]).

    وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله" ([132]).
    وعن أبي الزبير المكي أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت -أي أصابت ما يوجب عليها حد الزنا-، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فضربه أو كاد يضربه ([133]).
    وعن طارق بن شهاب أن رجلا خطب إليه ابنة له، وكانت قد أحدثت، فجاء إلى عمر فذكر ذلك له، فقال له عمر: "ما رأيت منها؟"، قال: "ما رأيت إلا خيرًا". قال: "فزَوِّجْها، ولاتُخْبِِر".
    وعن الشَّعْبي أن جارية فَجَرَت فأقيم عليها الحد، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين، فتابت الجارية، فحسنت توبتها وحالها، فكانت تُخْطَب إلى عمها فَيَكْره أن يزوجها حتى يُخْبِر ما كان من أمرها، وجعل يَكْره أن يُفْشي عليها ذلك، فذكر أمرها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: "زَوِّجْها كما تزوجوا صالحي فتياتكم".
    وعنه أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: "يا أمير المؤمنين! إني وأدت ابنة لي في الجاهلية، فأدركتها قبل أن تموت، فاستخرجتها، ثم إنها أَدْرَكت، فحَسُن إسلامها. وإنها أصابت حدًّا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح نفسها فاستَنْقَذتها وقد خرجت نفسها، فداويتها حتى برأ كَلْمُها، فأقبلت إقبالا حسنًا، وإنها خُطِبت إليَّ، فأذكر ما كان منها؟"، فقال عمر: "هاه لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يسمع بها أهل الوَبَر وأهل الودم". وفي رواية: "يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة". وفي رواية: "أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكَالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة".

    ورُوي أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة، فأمَرَّت الشفرة على أوداجها، فأُدرِكت، فدووي جرحها حتى برئت، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم، فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسَها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه" ([134]).
    وأُتِي عمر بسارق قد اعترف، فقال عمر : "إني لأرى يد رجل ما هي بيد سارق"، فقال الرجل: "والله ما أنا بسارق"، فأرسله عمر ولم يقطعه.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أتي له بسارق وهو يومئذ أمير، فقال: "أسرقت؟ أسرقت؟ قل: لا. قل: لا". مرتين أو ثلاثًا.
    وأُتِي برجل أقر بسرقة، فقال له الحسن بن عليٍّ: "لعلك اختلست"؛ لكي يقول: لا.
    وعن ابن جريج أن عطاء قال: "كان من مضى يؤتى بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا". قال ابن جريج: "ولا أعلم إلا سَمَّى أبا بكر وعمر".
    وروي أن عليًّا رضي الله عنه أتي له برجل وامرأة وجدا في خَرِبَة، فقال له عليٌّ: "أقربتها؟" فجعل أصحاب عليٍّ يقولون له: "قل: لا"، فقال: "لا", فخَلَّى سبيله ([135]).
    وسُرِقت عَيبة لعمار رضي الله عنه بالمزدلفة فوضع في أثرها حِقَّته ودعا القافَة ([136]) فقالوا: حبشي، واتبعوا أثره حتى انتهى إلى حائط وهو يُقَلِّبُها، فأخذها وتركه، فقيل له، فقال: "أسترُ عليه؛ لعلَّ الله أن يستر عَلَيَّ" ([137]).
    وقال الفُضَيْل بن عِيَاض -رحمه الله تعالى-: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يَهْتِك ويُعَيِّر" ([138]).

    وقيام الطبيب بإجراء عملية الرتق لمن احتاجتها فيه إمعان في الستر؛ لأن الستر عليها بمجرد السكوت وعدم فضح أمرها والإخبار عنها وإن كان فيه أيضًا نوع ستر، إلا أنه ستر ناقص مؤقت، لأنه يزول إذا تزوجت مثلا فبان زوال عذريتها، أما القيام بإجراء العملية لها فيه تحقيق للستر الأكثر ديمومة. كما أن الستر بالسكوت ستر بالترك، والترك المقصود وإن كان فعلا كما هو مقرر في الأصول ([139])، إلا أن الستر بإجراء العملية فيه مزيد فعل فيُقَدَّم أيضًا من هذا الجانب.

    وقيام الطبيب بهذه الجراحة له أَثَرٌ عامٌّ مطلوب، وهو إخفاء المعصية وعدم إشاعتها في المجتمع وقَتْل ذكرها بين الناس كما سبق بيانه، وله أََثَرٌ آخر خاص؛ ففي حالة رتق البكارة الزائلة بغير وطء، يَقي صاحبتها أن يُظَنَّ بها ظَنَّ السوء، قال ابن عمر رضي الله عنه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حُرْمتك والذي نَفْس محمد بيده لحُرْمَة المؤمن أعظم عند الله حُرْمة منك ماله ودمه وأن نَظُنُّ به إلا خيرًا" ([140])، وكذلك يرفع الطبيب عنها -وعن أهلها، وذويها- أذى معنويًّا كان سيلحق بها، وهو يفوق في الضرر والإيلام ما يحصل من مجرد الجُرح العادي أو المرض المعتاد. مع ما في ذلك من إقامة لهذه المرأة على العفاف؛ لأنه في بعض الحالات قد تهوي المرأة في حَبَائل الرذيلة بعد أن فَقَدت عذريتها بما لا يشِين شرفها أصلا؛ لأنها فقدت العلامة التي يعتبرها العُرْف شرط الطهارة والعفاف، ولا تستطيع التصريح بذلك خوفًا من التُّهْمة فتَرفض الخطاب والأزواج، ولا تستطيع دفع غائِلَة الشَّهْوة المرَكَّبة في بني آدم بمقتضى الجِبِلَّة والطَّبْع، فتُشْرف على مواقعة المحظور أو تقع فيه لا سِيَّما وقد فقدت الرادِع الاجتماعي، فإن فُقِد الرادع الديني والوازع الخلقي كذلك فلا شيء يمنعها ساعتئذ من مواقعة المحظور.

    وفي حالة من زالت بكارتها بزنا خفي فإن في قيام الطبيب بجراحة الرتق تحضيضًا لهذه المرأة على التوبة، وعلى طَيِّ صفحة ملوثة من الماضي، لو ظلت شاخصة أمامها لأورثتها يأسًا من استصلاح نفسها وتطهير ذاتها، بخلاف ما إذا رُفِع عنها أَثَرُ زَلَّتها، ومُنِحَت فرصة جديدة تستئنف بها حياتها كما الطاهرات، فإن ذلك لا نحسبه إلا كمن أحيا نفسًا، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[المائدة: 32].



    الفصل الثاني
    فيما يلزم الطبيب إزاء ما يرد إليه من حالات


    الطبيب له ثلاثة أحوال أمام من تريد إجراء جراحة الرتق:
    الأولى: أن يعلم أن المرأة التي تريد إجراء جراحة الرتق لا يجوز لها الإقدام عليها؛ بأن كان سبب افتضاض عذريتها وطئًا في نكاح، كذات زوج، أو مطلقة، أو أرملة، فإنه والحالة هذه لا يجوز له أن يُجري لها الجراحة المطلوبة؛ لأن ذلك إجارة على فِعْل المُحَرَّم، ولِمَا فيه من عَوْن على المعصية، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

    الثانية: أن يعلم أنها ممن يجوز لهن إجراء جراحة الرتق؛ بأن كان سبب افتضاضها ليس وطئًا، أو كان وطئًا مع إكراه ونحوه، أو وطئًا في زنا خفي لم يشتهر عنها ولم تُعْرف به، فلا إشكال في مشروعية قيامه بإجراء هذه الجراحة لها.

    الثالثة: أن يجهل حالها، ولا يعلم من أي صِنْف هي، فله حينئذ أن يقدم على إجراء الجراحة لها، وليس عليه أن يُفَتِّش عن حالها أو أن يسألها عن أمرها؛ تقديمًا لإحسان الظن بها؛ فزَوَال البكارة له أسباب متعددة، وليس زوالها متعينًا في سبب الزنا، فيَحْمِل الطبيب حالها على الصلاح وعدم المعصية؛ لأنه هو الأصل، لاسِيَّما وأن زوال البكارة لا يعتبر دليلا لإثبات الزنا؛ ولا تلازم أصلا بين زوالها وبين حصول الفاحشة ووقوع الزنا.
    وقد قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الذينَ آَمَنُوا اجتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، وفي هذا نهي للمؤمنين عن كثير من الظن، وهو التُّهْمة والتَّخَوُّن للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا مَحْضًا، فليجتنب كثيرًا منه احتياطًا ([141]).

    قال الإمام القرطبي: "ومحل التحذير والنهي إنما هو تُهْمة لا سبب لها يوجبها، كمن يُتَّهَم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك... وإن شئت قلت: والذي يُمَيِّز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأُونِسَت منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة مُحَرَّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الرِّيَب والمجاهرة بالخبائث" اهـ ([142]).
    وقال تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا}[الحجرات: 12]، أي: ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تَفَعُّلٌ من الجَسِّ لما فيهِ منْ مَعْنى الطلب ([143]). قال القرطبي: "ومعنى الآية: خذوا ما ظَهَر ولا تَتَّبعوا عورات المسلمين، أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يَطَّلع عليه بعد أن ستره الله" ([144]).
    وقال تعالى: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ}. قال الإمام أبو بكر بن العربي: "هذا أصل في أن درجة الإيمان التي حازَها الإنسان، ومنزلة الصلاح التي حَلَّها المرء، ولُبْسَة العفاف التي تَسَتَّر بها المسلم لا يُزِيلها عنه خَبَرٌ مُحْتَمَل، وإن شاع، إذا كان أصله فاسدًا أو مجهولا" ([145]) اهـ.
    وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكُم والظَّنّ فإنَّ الظَّنّ أَكْذَبَ الحديث، ولا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَنَافَسُوا ولا تَحَاسَدوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا وكونوا عِبَاد الله إخوانًا" ([146]).

    وعن حارثة بن النعمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثٌ لازمات لأمتي: الطِيَرة، والحَسَد، وسوء الظنّ". فقال رجل: "ما يذهبهن يا رسول الله ممن هو فيه؟"، قال: "إذا حَسَدتَ فاستغفر الله، وإذا ظَنَنتَ فلا تحقق، وإذا تَطَيَّرت فامض" ([147]). فقوله: "إذا ظننت فلا تحقق" يقتضي من المؤمن أن يَكُفَّ عن مجاراة ظنه، وألا يجتهد في البحث والتحقيق ليكتشف عورة المظنون فيه ([148]).
    وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنك إن اتبعت عَوْرات الناس أو عَثَرات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" ([149]).
    وفي رواية: "أعرضوا عن الناس ألم تر أنك إن اتَّبَعت الرِّيبة في الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم" ([150]).
    قال المناوي في فيض القدير: "(أعرضوا) بهمزة مقطوعة مفتوحة وراء مكسورة من الإعراض، يقال: أعرضت عنه: أضربت ووليت، أي: وَلُّوا عن الناس، أي: لا تتبعوا أحوالهم، ولا تبحثوا عن عوراتهم. (ألم تر) استفهام إنكاري، أي: ألم تعلم. (أنك إن ابتغيت) بهمزة وصل فموحدة ساكنة فمثناة فوق فمعجمة كذا بخط المصنف في الصغير، وجعله في الكبير اتبعت بفوقية فموحدة فمهملة من الاتباع، والمعنى واحد، ولعلهما روايتان. (الريبة) بكسر الراء وسكون المثناة التحتية (في الناس) أي: التُّهْمة فيهم؛ لتَعْلَمها وتظهرها (أفسدتهم) أي أوقعتهم في الفساد. (أو كدت) أي: قاربت أن تفسدهم؛ لوقوع بعضهم في بعض بنحو غِيبة، أو لحصول تهمة لا أصل لها، أو هتك عرض ذوي الهَيْئات المأمور بإقالة عثراتهم، وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يراد إزالتها، والحاصل أن الشارع ناظرٌ إلى الستر مهما أمكن" اهـ ([151]).
    وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لابنه:"يا بني إذا سمعت كلمة من امرىء مُسْلِم فلا تحملها على شيء من الشَّر ما وجدتَ لها محملا من الخَيْر" ([152]).
    وعن زيد بن وهب قال أُتِيَ ابن مسعود رضي الله عنه، فقيل: "هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال عبد الله: إنا قد نُهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" ([153]).

    فالظن الذي يَبنيه الطبيب على زوال الغشاء، ظنٌّ مَبْنيٌّ على أمارة فاسدة، وهو داخل في الظنِّ المنهي عنه، فينبغي أن يحجم عنه. فإن لم يمكنه التخلص منه نفسيًّا فلا أقل من أن لا يرتب عليه شيئًا عمليًّا، ويعامل المرأة بمقتضى حسن الظن، ويحمل أمرها على الصلاح، ويلبي طلبها إن كان ذلك في مقدوره ([154]).
    والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

  10. #55
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    رتق غشاء البكارة

    مصدرها: قسم الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء
    التاريخ: 26/06/2008
    تمهيد


    غشاء البكارة هو عبارة عن غشاء من الأنسجة يَسُدُّ فتحة المِهْبَل من الخارج، ويتكون من طبقتين من الجلد، بينهما نسيجٌ رخوٌ غنيٌ بالأوعية الدموية محافَظٌ عليه بشفتي الفرج الصغرى والكبرى، ويكون رقيقًا في الغالب، وبه فتحة تسمح بنزول دم الحيض في وقته.
    والنظرة إلى هذا الغشاء مختلفة من بيئة لأخرى بحسب أعراف الناس؛ فهو في المجتمعات الغربية مجرد حاجز تشريحي لا فائدة له، ووجوده أو عدمه غير مؤثر، بل قد يكون وجوده دليلا -عندهم- على انغلاق الفتاة، وكونها غير سويَّة من الناحية النفسية -زعموا-؛ لإشارته إلى كبتها لرغباتها، وانعدام تجربتها، وعدم خبرتها بالرجال.
    بينما هو في أعراف المجتمعات العربية والإسلامية الآن يعتبر وجوده سليمًا عند زواج الفتاة أمرًا ضروريًا؛ للتدليل على عذريتها وعفتها. وإذا وجد ممزقًا قبل الزواج كان دليلا عند الناس على فساد المرأة وارتكابها للفاحشة.
    وفي بعض هذه المجتمعات إذا علم أهل المرأة بعدم عذريتها فإنهم دون تحقق من سبب ذلك يطولون المرأة بأذى بالغ قد يصل إلى قتلها، كنوع من أنواع غسل العار، وإنقاذ شرف العائلة -في زعمهم- ([1]).
    وافتضاض هذا الغشاء لا يستلزم أن يكون عن طريق الوطء، بل قد يفتض به أو بغيره، فإذا حدث وأن افتُضَّ وأرادت المرأة إعادته إلى سابق وضعه فإنها قد تلجأ لإصلاحه طبيًا عن طريق ما يسمى "بعملية رَتْق الغِشَاء العُذْري" أو "ترقيع البكارة".
    وبمراجعة الأطباء المختصين تبين لنا أن لهذه الجراحة صورتين:
    الصورة الأولى: وفيها يكون هناك بقايا صالحة من الغشاء القديم، يُحْدِث الطبيب في كل منها جُرحًا، ثم يَضُمُّ بعضها إلى بعض بخيط نسيجي بحيث تتلاقى المواضع المجروحة، ومع مرور بعض الوقت يَتَحَلَّل ذلك الخيط النسيجي بعد أن تكون الأجزاء المنضَمَّة قد التحمت بالبناء الخَلَوي.
    الصورة الثانية: وفيها لا يكون هناك بقايا صالحة من الغشاء القديم؛ بسبب التَّهَتُّك الشديد، فيلجأ الطبيب حينئذ إلى أخذ بعض الأنسجة من أحد جداري المهبل تظل متصلة بالجسم من أحد طرفيها، ويخاط الطرف الآخر فيما يقابله من المهبل، فإذا حدث الجماع تهتكت تلك الأنسجة، وأحدثت نفس الأثر الحاصل بتهتك الغشاء الحقيقي.
    والطريقة الأولى يلجأ إليها في حالة أن يكون الغشاء حديث التمزق، أما إذا تكرر الإيلاج فيه فلا يصلح معه إلا الطريقة الأخيرة.

    وفيما يلي تفصيل الكلام على ما يتعلق بهذه المسألة من الناحية الشرعية، وذلك في ثلاثة أبواب:
    الباب الأول: في حكم رتق غشاء البكارة.
    الباب الثاني: في مناقشة اعتراضات المانعين.
    الباب الثالث: في أحكام الطبيب المباشر لجراحة الرتق.




    الباب الأول
    في حكم رتق غشاء البكارة

    الفصل الأول
    في حالة زوال البكارة بالوطء

    المبحث الأول
    في حكم الرتق عند زوال البكارة بوطء النكاح

    إذا زال غشاء البكارة وافتُضَّ بسبب وطء النكاح، ثم أرادت المرأة رتقه، فإنها تكون أحد ثلاثة: إما أن تكون متزوجة، أو تكون مطلقة، أو تكون أرملة.
    والحكم هنا هو حُرْمَة إجراء جراحة الرتق في هذه الأحوال جميعها، ولو كان الباعث عليه هو طلب الزوج في صورة المرأة المتزوجة، ويَدلُّ عليه أمران:
    أولا: أن جراحة رتق غشاء البكارة تتم بأحد طريقتين: إما عن طريق الخياطة، أو عن طريق إضافة بعض الأنسجة من أحد جداري المهبل إلى ما يقابله كما سبق بيانه، فيلزم منها على كل من الطريقتين إحداث جُرح بالجسد لا حاجة إليه؛ والأصل هو احترام الجسد الآدمي، وعدم جواز إحداث جُرح فيه بلا مُسَوِّغ شرعي من قيام حالة الضرورة أو الحاجة الشرعيين ([2])؛ لأنه حينئذ يكون ضررًا محضًا، والقاعدة الشرعيـة أنه لا ضرر ولا ضرار ([3]).
    وقد نَصَّ فقهاء الشافعية على تحريم ثقب أذن المرأة للتَّحَلِّي؛ لهذا المعنى، قال العلامة الرملي: "وأما تثقيب آذان الصبية لتعليق الحلق فحرام؛ لأنه جَرح لم تدع إليه حاجة، صَرَّح به الغزاليُّ في الإحياء وبالغ فيه مبالغة شديدة، قال: إلا أن يثبت فيه من جهة النقل رخصة، ولم تبلغنا" اهـ ([4]).
    هذا مع أن حاجة المرأة لمصلحة التزين ظاهرة، فكيف هنا ولا مصلحة؟

    ثانيًا: ما يترتب على ذلك من كشف عورة المرأة، والنظر إليها، ولمسها في حالة أن يقوم بعملية الرتق لها من لا يحل له الاطلاع على عورتها، وكلٌ من كشف العورة أمام من لا يحل له الاطلاع عليها، وما يستتبعه من النظر إليها، ولمسها لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة شرعية، ولا ضرورة تلجأ المرأة لإجراء هذه العملية، ولا حاجة تُعْوِزها كذلك.
    قال العلامة الشربيني: "لا يجوز كشف العورة..من غير ضرورة ولا مداواة" ([5])، وقد عَدَّ الإمام ابن حجر في "الزواجر" كشف العورة لغير ضرورة من جملة الكبائر ([6]).
    فلما اقترنت جراحة الرتق لهذا الصنف بما ذكر صارت مفسدتها ظاهرة لازمة فتعين القول بالمنع، لا سيما مع عدم ظهور مصلحة معتبرة في ذلك، والله تعالى أعلم.




    المبحث الثاني
    في حكم الرتق عند زوال البكارة بوطء محرم

    إذا زال غشاء البكارة عن طريق الزنا -والعياذ بالله تعالى-، فلذلك صور ثلاث:
    الأولى: أن تكون المرأة قد زُني بها رغمًا عنها على وجه الإكراه، ونحوه من قوادح الرضا.
    الثانية: أن تكون قد زنت بإرادتها، ولكن لم يعرف عنها هذا ولم يشع.
    الثالثة: أن تكون زانية مشتهرة بالزنا، قد عُلم عنها ذلك، وظهر أمره.
    وفيما يلي تفصيل الكلام على كل صورة من هذه الصور في مطلب مستقل.


    المطلب الأول
    في من زني بها على وجه الإكراه، ونحوه من قوادح الرضا

    أما الصورة الأولى، وهي التي يكون زوال العذرة فيها سببه أن المرأة قد زُنِي بها دون إرادة منها، كأن تكون مكرَهة مثلا، ومثل المكرهة: زائلة العقل بنوم ونحوه، وكذلك الصغيرة المُغَرَّر بها. وكلٌّ من المكرَه والنائم والصغير لا يتعلق به إثم؛ أما المكرَه فلقوله تعالى: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}[النحل: 106]، قال الإمام الشافعي إن الله تعالى لما وضع الكُفْر عمّن تلفظ به حال الإكراه و أسقط عنه أحكام الكفر، كذلك سقط عن المكرَه ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى ([7]). وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" ([8])، وأما غير المكره ممن ذكرنا؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "رُفِع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يَستيقظ، وعن الصَّبِيّ حتى يَحتَلِم، وعن المجنون حتى يَعقِل" ([9]).
    ويجوز في هذه الصورة المذكورة إجراء عملية الرتق العذري؛ لما يترتب عليه من سدٍّ لباب إساءة الظن بها، مما يحميها من مؤاخذات اجتماعية جائرة، مع ما فيه من عَوْن على الاستقامة والعفاف؛ فإرجاع عذريتها لها يُغْلِق بابًا قد ينفذ منه الشيطان لها فيُهَوِّن عليها المعصية بعد الذي ابتليت به؛ فكم من فتاة عَفيفة ابتُليت بحادث اعتداء على شرفها تَسَبَّب في زوال بكارتها، فامتنعت عن الزواج، وأورثها ما تعرضت له شعورًا بالهوان والدَنَس، ثم بدأت مبالاتها بمعاني الشرف والفضيلة في الانحسار، وأخذت حرارة المعصية في قلبها في الخفوت شيئًا فشيئًا، فبدأت في إشباع حاجاتها وشهوتها بما يغضب الله تعالى دون حساب لرقيب؛ فقد زالت العلامة التي يعتبرها المجتمع دليل الطهارة والعفاف، فصارت وسيلة فساد وإفساد في المجتمع.
    وسيأتي في المطلب التالي تقرير جواز الرتق في حق الزانية العامدة التي لم يشع زناها، فإذا ثبت ذلك لها فلأن يثبت في من غُصِبت على نفسها ولم يتعلَّق بها إثمٌ أولى، والله أعلم.
    المطلب الثاني
    في من زنت مختارة، ولم يشتهر عنها الزنا
    إذا كان زوال عُذرة المرأة سببه زنا وقعت فيه على وجه الاختيار والرضا، ولكنها لم تُعرف به ولم يَشتَهر عنها، فنَدَّعي أنه يجوز لها والحالة هذه أن تقوم بإجراء عملية الرتق العذري، ويدل على ذلك:
    أولا: ما جاءت به النصوص وتتابعت عليه من أن الستر عمومًا من أهم المقاصد الشرعية، وأن ستر الإنسان على نفسه خصوصًا من آكد المطلوبات الشرعية، ومن هذه النصوص:
    ما جاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يحب الحياء والسَّتر" ([10]).
    وعن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط، فجُلِد، ثم قال: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدي لنا صَفْحَته نُقِم عليه كتاب الله" ([11]).
    وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن امرأة حبلى جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنها زنت، وطلبت أن تُرجم، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "استتري بستر الله عز وجل"، فرجعت، ثم جاءت الثانية وطلبت أن ترجم، فقال لها: "استتري بستر الله تبارك وتعالى"، فرجعت، ثم جاءت الثالثة وطلبت أن تُرجم، فقال: "اذهبي حتى تَلِدِي"، فانطلقت، فولدت غلامًا ثم جاءت فكَلَّمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لها: "اذهبي فتطهري من الدم"، فانطلقت، ثم أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنها قد تطهرت، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم نسوة فأمرهن أن يَسْتَبرئْن المرأة، فجئن وشهدن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بطهرها، فأمر لها بحُفَيْرة ورجمت، ثم صُلِّي عليها، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو قسم أجرها بين أهل الحجاز وسعهم" ([12]).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل أمتي مُعافَاة إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عَمَلا، ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" ([13]).
    والمرأة التي قارفت الزنا ولم يُعرف ذلك عنها، ثم أرادت رتق عذريتها؛ لئلا تنفضح بعد، يَصْدُق عليها أنها طالبة للستر؛ فعملية الرتق هذه أحد الوسائل التي يستعان بها على الستر، فمن لجأت إليها وقامت بها ، وكان حالها ما ذكرنا، كانت ممتثلة لحديث: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله" ([14])، وكانت مستصحبة أيضًا لما أسبله الله تعالى عليها من الستر، ساعية في درء ما يؤدي لكشفه وهتكه. ومُوجَب الأحاديث السابقة أن كل ما يتحقق به الستر فهو مطلوب مأمور به، والوسائل لها حكم المقاصد، فمن استثنى شيئًا مما يُحَقِّق الستر طولب بالدليل؛ لأن دعواه تخالف هذا الأصل.

    وقد فهم السلف والصحابة عظيم اعتبار معنى الستر في الشرع الشريف فظهر إعمالهم له في وقائع مختلفة؛ منها حادثة ماعز بن مالك الأسلمي لما جاء إلى أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه فأخبره بزناه، قال له الصدِّيق: "هل ذكرت هذا لأحد غيري؟" فقال: "لا". فقال له أبو بكر: "فتب إلى الله واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده". فلم تُقْرِره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له مثل ما قال
    لأبي بكر، فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر، فلم تُقْرِره نفسه حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بزناه، فأعرض عنه، فلما أكثر على النبي صلى الله عليه وسلم حَقَّق في أمره حتى استَوثَق، ثم حَدَّه ([15]).
    فهذا هو الصِّدِّيق الأكبر، ومعه الفاروق عمر رضي الله عنهما قد أرشدا المعترف بالزنا أن يستر على نفسه ويكتم أمره، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر عليهما ذلك، ولا حَضَّهُما على خلافه.
    قال الحافظ ابن حجر: "ويؤخذ من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد، كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، و أن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة: (لو سَتَرته بثوبك لكان خيرًا لك) ([16])، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال: أحب لمن أصاب ذنبًا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب. واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر" اهـ ([17]).
    وروى عبد الرزاق في مصنفه أن رجلا خطب إلى رجل ابنة له، وكانت قد أَحْدَثَت -أي ارتكبت ما يوجب حَدًّا- فجاء إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فذكر له ذلك، فقال له عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت إلا خيرًا. قال: فزوِّجها، ولا تُخْبِر ([18]).
    وعن الشعبي أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: "يا أمير المؤمنين! إني وَأَدت ابنة لي في الجاهلية، فأدركتها قبل أن تموت، فاستخرجتُها، ثم إنها أَدركَت، فحسُن إسلامها. وإنها أصابت حدًّا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح
    نفسها، فاستنقذتها وقد خرجت نفسها، فداويتها حتى برأ كَلْمها ([19])، فأقبلت إقبالا حسنًا، وإنها خطبت إليّ، فأذكر ما كان منها؟"، فقال عمر: "هاه لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يسمع بها أهل الوبر وأهل الودم" ([20]). وفي رواية: "لأعاقبنك عقوبة يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة" ([21]). وفي رواية أخرى: "أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة" ([22]).
    فهذه الآثار جميعها أفادت اعتبار عمر رضي الله عنه للستر في حق الزانية، وأن نوافذ الرحمة لا ينبغي أن تُغَلَّق أمامها، وأن يُحكم عليها وعلى أهليها بالعار الأبدي، بل يُكتم ما كان منها، ولا يشاع، وتستفتح فصلا جديدًا أولُّه التوبة، والتملص من المعصية، وتشرع في حياة العفائف الطاهرات.
    وقد نص فقهاء الشافعية أنه يستحب للزاني، وكل من ارتكب معصية الحق فيها لله تعالى أن يستر على نفسه، بأن لا يظهرها ليُحَدّ أو ليُعَزَّر ([23]).
    قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: "والمراد بقولهم: يستحب أن يستر على نفسه المعصية أن لا يظهرها ليُحَدّ أو يُعزَّر، فيكون إظهارها خلاف المستحب. أما التحدث بها تَفَكُّها أو مجاهرة فحرام قطعًا؛ للأخبار الصحيحة فيه" اهـ ([24]).

    ثانيًا: ما تقرر في قواعد الشرع من أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة قُدِّم دفع المفسدة غالبًا ([25]).
    ومعلوم أن المفاسد المترتبة -في مجتمعاتنا- على العلم بزوال بكارة المرأة في غير نكاح تَربو على مصالح ذلك، ولعلّ أدنى هذه المفاسد هو سوء الظن بها وحمل أفعالها الماضيَة والمُستَقْبَلة على المحامِل الفاسدة، فضلا عما هو فوق ذلك من هدم الأُسَر أو الإيذاء الشديد اللاحق بالمرأة الذي قد يصل إلى حد القتل في بعض البيئات، وكذلك المَعَرَّة التي تلحق ذويها وعائلتها، ولا شك أن هذه المفاسد تَرْجُح على المصلحة الحاصلة بالعلم بزوال العذرية، فتجرى عملية الرتق لدفع هذه المفاسد المذكورة وأشباهها طالما كانت هي الوسيلة المعيَّنة التي تحقق هذا الدفع.
    قال العز بن عبد السلام: "إن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}[البقرة: 219] حَرَّمَهُما؛ لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما. أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها، وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور. وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول، وما تُحْدِثه من العداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وأما مفسدة القمار فبإيقاع العداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها" اهـ ([26]).

    المطلب الثالث
    في من اشتهرت بالفاحشة، أو صدر عليه حكم قضائي بالزنا
    بقي الكلام على الصورة الثالثة، وفيها تكون المرأة التي تريد إجراء عملية الرتق قد عُلم عنها الزنى وظَهَر أمره، كالبَغِيّ المُعْلِنة بزناها المشتهرة بالفاحشة، أو من صَدَر عليها حكم بالزنا من قِبَل القضاء.

    فنقول: إنَّ البَغِيَّ المُعْلِنة بالزنا المشتهر عنها الفاحشة، تكون بذلك قد انتفى عنها معنى الستر؛ لاشتهارها، وتسامع الناس بزناها ومعرفتهم به، فافتضاحها لا يجعل في إصلاح بكارتها أيَّ معنى للستر، ولا يكون له أيُّ أثر في إشاعة حسن الظن بها بين الناس؛ لأن دوافع سوء الظن قد وجدت بشيوع أمر الفاحشة، وكذلك لا يكون لهذا الرتق أي أثر في منع ردود الفعل الاجتماعية؛ لوجود سبب آخر لإثارة هذه الردود. بالإضافة لاشتمال عملية الرتق هنا على مفاسد محضة، منها: كشف العورة بلا مبرر يقتضيه. فلا يجوز للمرأة في هذه الصورة أن تقوم بإجراء جراحة الرتق.
    ويُقَوِّي ما ذكرنا ما قرره الفقهاء من أن كون الإنسان مجاهرًا بفسقه أو بدعته من مجيزات الغيبة، فيجوز ذِكره بما يجاهر به؛ لأنه لم يُبال بما يقال فيه، وخَلَع جلباب الحياء، فلم يبق له حرمة من هذه الجهة ([27]).
    قال المناوي: " المجاهر المتظاهر بالفواحش لا غِيبة له إذا ذُكِر بما فيـه فقط؛ ليُعْرَف، فيُحْذَر" ([28]).
    على أنه ينبغي أن يُلتَفَت إلى أنه إذا كان السبب في عدم إجازة جراحة الرتق في حق البَغِيّ المعلِنة بزناها هو انتفاء معنى الستر في حقها، فهذا يعني أنها إن تلبست بحالٍ جديد يجعلها قابلة للستر، رجعنا فأعملناه معها؛ وذلك كأن ترتحل إلى مكان جديد لا يعرف فيه
    أحد بما كان منها، وتريد أن تتوب، وتبدأ فصلا جديدًا من حياتها، فإنه والحالة هذه يجوز لها إجراء جراحة الرتق؛ لأن اعتبار معنى الستر قد تَجَدَّد، فتعلَّق معه الحكم بها، فليس عدم الجواز في حقها مطلقًا بل هو دائر مع الستر، حيثما انتفى الأخير انتفى الجواز، وحيثما ثبت ثبت الجواز.

    وأما من صدر عليها حكم قَضائيٌّ بالزنا، فإنها إن كانت بكرًا فإن عقوبتها الشرعية جلد مائة، وتغريب عام. فإن كان ذلك الحكم قد اشتهر عنها، وعَلِِم به عُموم الناس -كما في الشخصيات الاجتماعية المعروفة- فإنه لا يجوز لها هي الأخرى أن تجري جراحة الرتق؛ لما عَلَّلنا به في البَغِيّ المعلنة بالزنا. أما إذا كانت غير ذلك بأن كان العلم بالحكم القضائي الذي لحقها قاصرًا على أشخاص بعينهم، فإنها والحالة هذه لها أن تكتم أمرها وتَستَسِرَّ به بعد تنفيذ العقوبة فيها، وأن تلجأ إلى الرتق إذا أرادت أن تتزوج وتبدأ حياة جديدة نظيفة، متى كان الرتق هو الوسيلة المتعينة لتحقيق الستر لها.
    ويشهد لهذا ما رواه البيهقي في سننه أن جارية فَجَرت فأُقيم عليها الحدّ، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين، فتابت الجارية، فحسنت توبتها وحالُها، فكانت تُخطب إلى عمها، فيكره أن يزوجها حتى يخبر ما كان من أمرها، وجعل يكره أن يفشي عليها ذلك، فذكر أمرها لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: "زَوِّجها كما تزوجوا صالحي فتياتكم" ([29]).
    فهذه جارية زنت فحُدَّت، ثم ارتحل أهلوها من المكان الذي عُلم فيه بأمرها، وبالرغم مما كان منها فقد أمَر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليَّها أن يستر عليها ما كان منها، وأن يزوجها كما تُزَوَّج الأبكار. ولما كان المتقرر لدى السلف أنه لا دلالة لزوال غشاء البكارة على حصول الزنا، فإن هذه الجارية التائبة متى تزوجت ووجدها زوجها زائلة البكارة فلن يَلزم من هذا في ذهنه أنها قد زنت من قبل، بل الأمر عنده سيكون مترددًا بين عدة احتمالات أغلبها حسن، فسيستصحب فيها حسن الظن، ولن يحقق في أمرها.
    وروى الطبري في تفسيره أيضًا أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة، فأمَرَّت الشفرة على أوداجها ([30])، فأُدرِكَت، فدُووي جرحها حتى برئت، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم، فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه" ([31]).
    وروى أن امرأة من همدان قد زنت، فجُلدت الحد، ثم تابت، فأتى أهلوها عمر فقالوا: "نزوجها، وبئس ما كان من أمرها". قال عمر: "لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك لأعاقبنكم عقوبة شديدة" ([32]).

    وفقهاء الحنفية عندما تعرضوا لمسألة الإجبار في النكاح، ذكروا أن البكر إذا استأذنها وليها في التزويج، فسكتت أو ضحكت أو زوَّجها فبلغها الخبر فسكتت فهو إذن، وأما الثيب فلا يُكتَفى منها بما يدل على رضاها من الأفعال، بل لابد من تصريحها بالقول. وعندهم أن من زالت بكارتها بوثبة أو حيضة أو جراحة أو تعنيس أو زنا فإذنها كالأبكار، بخلاف من تكرر زناها فإنها لا تستحي بعد التكرار عادة بل تجعله مَكسبة. قالوا: "وكذا إذا أخرجت وأقيم عليها الحد؛ لأنه ظهر بين الناس وعُرِفت به فلا تخفيه" ([33])، فجعلوا عِلَّة أنها لا تزوج كالأبكار معرفة الناس بما كان منها وظهوره، ويلزم من هذا التعليل أنه لو انعدمت معرفة الناس بحَدِّها وزناها أنها تزوج كالأبكار أيضًا، والله أعلم.

    (مسألة) ذهب بعض العلماء المعاصرين ممن تعرض لمسألة رتق البكارة في بحث مستقل ([34]) إلى حُرمة إجراء جراحة الرتق على من كان أمرها معروضًا أمام القضاء، ولم يصدر عليها بعد حكمٌ قضائي يدينها بالزنا؛ قال: "لأن وجود البكارة غير ممزقة يعتبر شبهة تدرأ العقاب عن المرأة، ولأنه إن شهد عليها أربعة رجال عدول، أمكن اتخاذ الرتق وسيلة لتكذيب الشهود أو التشكيك في شهادتهم بغير حق ، فلا يجوز" ([35]).

    والذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أن من كان أمرها معروضًا أمام القضاء ولم يُبَت فيه بعد، فإن لها أن تقوم بالرتق؛ سترًا على نفسها ودفعًا للحَدِّ عنها، وحديث: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله" ([36])، وغيره من الأحاديث الحاضَّة على الستر قد أفادت في مجموعها مشروعية أن يستتر المرء مطلقًا، ولم تُفَرِّق بين من رُفِع أمره إلى القاضي أو الحاكم، وبين من لم يُرفع، وإنما جُعلت إقامة الحَدِّ مُرَتَّبَة على ظهور أمره وثبوت فعلته باعترافه وإقراره، وفي معناه أيضًا ثبوته بالبينة، فإن كان ثمة وسيلة ليدفع الإنسان عن نفسه التهمة ويستر عليها دون إضرار بالغير، فإنّ له ذلك.
    والشهود في هذه الحالة لن يلحقهم ضرر من جَرّاء ذلك؛ فهم لن يعاقبوا بعقوبة القذف طالما أنهم قد اكتمل نِصَاب الشهادة فيهم؛ لكمال عدتهم، مع احتمال صدقهم، ولن يحصل لهم شيء إلا عدم اعتبار شهادتهم في تلك الواقعة بخصوصها؛ للاحتمال القائم، ولن تُهْدَر شهاداتهم في غيرها من الوقائع الحالَّة أو المستقبَلة.
    قال الإمام الماوردي في الحاوي: "مسألة: (قال الشافعي: ولو شهد عليها بالزنا أربعة، وشهد أربع نسوة عدول أنها عذراء فلا حَدّ)". قال الماوردي: "وهذا صحيح؛ لأن بقاء العذرة يحتمل أن يكون لعدم الزنا، ويحتمل أن يكون لعود البكارة بعد الزنا، فلما احتمل الأمرين سقط الحَدُّ عنها؛ لأن الحَدَّ يدرأ بالشبهة، ولا يجب مع الاحتمال. وأما الشهود فلا حَدَّ عليهم؛ لأن بقاء العذرة يحتمل أن يكون لعودها بعد الزنا فيكونوا صادقين، ويحتمل أن يكون لعدم الزنا فيكونوا كاذبين، فلا حَدَّ عليهم، وهُمْ على العدالة" اهـ ([37]).
    وقال ابن قدامة الحنبلي: "وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، فشهد ثقات من النساء أنها عذراء، فلا حَدَّ عليها ولا على الشهود. وبهذا قال الشَّعْبي، والثَّوْري، والشافعي، وأبو ثَور، وأصحاب الرأي" اهـ ([38]).
    ومن المتصوَّر فعلا أن يلتئم غشاء البكارة من تلقاء نفسه؛ لأنه يمكن أن يقع الزنا -والعياذ بالله تعالى- ولا يتمزق الغشاء تمامًا؛ لعدم تمام الإيلاج، فيلتئم مع الوقت شأنه في ذلك شأن أي جُرح من جراحات البدن، وظاهرٌ أن الفقهاء عندما ذكروا هذه الفرضية -كما في النصوص السابقة- قالوا: إن الحَدَّ يسقط عن المرأة وعن الشهود، ولم يأت ذكر أن المرأة مع هذا يجب عليها أن تصرح بوقوع الزنا منها، وأن تقر بالتئام بكارتها من تلقاء نفسها، وأن تفضح نفسها، بل اكتفوا بذكر سقوط الحَدّ عن الطرفين، وذلك مع اعتنائهم البالغ بالنَّصِّ على ما هو أدق من ذلك من الفروع، وحرصهم على بيان القيود والمحتَرَزات.


    وهذا الذي قررناه ينسجم مع كون حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة خلافًا لحقوق الآدميين المبنية على المشاحَحَة والمضايقة. ولأجل هذا المعنى -الذي هو تحقيق الستر، وابتناء حقوق الله على المسامحة- نص العلماء أن من عنده شهادة بحَدٍّ من حدود الله تعالى كزنى وشرب خمر فإنه يباح له إقامتها وتركها ([39])، وأن القاضي له التعريض لمن اتهم في باب الحدود بما يوجب شيئًا منها بأن ينكر ما اتهم به منها سترًا للقبيح ([40])، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لماعز بن مالك: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت"، قال الحافظ ابن حجر: "فيه التعريض للمقر بأن يرجع وأنه إذا رجع قُبِل" اهـ ([41])، وبَوَّب عليه الإمام البخاري بابًا في كتاب الحدود من صحيحه، فقال: "باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت"، قال شارحه الحافظ ابن حجر: "هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الإمام المقر بالحَدِّ ما يدفعه عنه" ([42]). كما أن للقاضي أن يُعَرِّض للشهود بالتوقف عن الشهادة ([43]). وقد روي أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد على المغيرة بن شعبة بالزنا، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فتغير لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فاستكبر ذلك عمر، ثم جاء شاب يخطر بيديه، فقال عمر: "ما عندك يا سَلْح العُقَاب؟"، وصاح به عمر صيحة، فقال راويه أبو عثمان النهدي: "والله لقد كدت يُغْشَى عليّ". فلم يُصَرِّح الشاهد الرابع بالزنا، وقال: "يا أمير المؤمنين، رأيت أمرًا قبيحًا". ففرح عمر وحمد الله وجلد الثلاثة الأول عندما لم يكمل الرابع شهادته ([44]). والله تعالى أعلم.
    الفصل الثاني
    في حالة زوال البكارة بسبب ليس وطئًا
    عدم وجود غشاء البكارة لا يعتبر دليلا قطعيًّا على حصول الوطء؛ لأن بعض الإناث قد يولدن دون غشاء خلقةً، وقد يزول الغشاء بسبب آخر غير الوطء؛ كوثبة أو سقطة عنيفة على الموضع -كما يكون في بعض الرياضات-، أو إدخال إصبع أو جسم صلب إلى ذلك المحل، أو خطأ طبيب، أو توجيه تيار مائي شديد إلى تلك المنطقة، وقد يزول أيضًا بحيضة شديدة، وبعض النساء يحتجن لجراحة تستوجب فتح الغشاء في حالة أن يكون منسدًّا مقفلا بحيث يمنع دم الحيض من الخروج.

    وفي الأثر أن رجلا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء، كانت الحيضة أحرقت عذرتها، فأرسلت إليه عائشة رضى الله عنها: "أن الحيضة تذهب العُذرة يقينًا".
    وسُئل النخعي فى رجل دخل بامرأته فقال: لم أجدها عذراء. قال: "ليس عليه شئ؛ العُذرة تذهبها الوثبة والحِمل الثقيل".
    وقال عطاء -فيمن قال لامرأته: لم أجدك عذراء، ولا أقول ذلك من زنا-: "لا يجلد؛ لم يجلد عمر، زعموا أن العُذرة تذهبها الوضوء وأشباهه".
    وسئل الحسن في الرجل يقول لامرأته: لم أجدك عذراء، فقال: لاشيء عليه؛ العُذرة تذهبها الحيضة والوثبة"، ورُوي مثله عن سالم بن عبد الله، وطاوس، والشعبي من أئمة التابعين ([45]).

    والذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن من زالت بكارتها بسببٍ مما ذكر فإنّه يجوز لها رتقها؛ لكونها بكراً، ورتق غشاء البكارة دليل على حالها التي هي متصفة به بالفعل، وليس في ذلك إضفاء صفة ليست موجودة فيها، وهي بهذا تدفع عنها الظنون السيئة التي قد تتعرض لها إذا تزوجت، مع ما في ذلك من تشجيع على الاستقامة وتثبيت على العفاف، كما سبق تقريره وبسطه في خصوص المزنيّ بها دون إرادتها بإكراه ونحوه. ويكون هذا كله مُرَخِّصًا لها في كشف عورتها لإجراء العملية؛ لقيام حالة الحاجة التي تُنَزَّل في حقها منزلة الضرورة في إباحة المحظور، والله تعالى أعلم.
    الباب الثاني
    في مناقشة اعتراضات المانعين
    ذهب جماعة من العلماء المعاصرين إلى خلاف ما قررناه من إجازة رتق غشاء البكارة في الصور التي أجزناه فيها، وجنحوا إلى المنع والتحريم المطلق لذلك، واعترضوا على القول بالجواز بمجموعة من الاعتراضات، نسردها تباعًا، ونذكر معها -على وجه التبرع- اعتراضات أُخَر قد تُوَجَّه إلينا، ونجيب عن الجميع -بمدد الله تعالى وعونه- بما يرفع الإيهام، ويزيل اللَّبْس ([46]).

    الاعتراض الأول (حصول الغش):

    وحاصل هذا الاعتراض أن زوال غشاء البكارة يعتبر عيبًا من العيوب، فإخفاؤه بالرتق نوع من الغش، والشريعة الإسلامية حَرَّمت كلا من الغش والتدليس في الزواج وفي غيره ([47])؛ وفي الحديث الصحيح: "من غَشَّنا فليس منا" ([48])، وروي أنه صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غِفَار فلما دخلت عليه رأى بكَشْحها وَضَحًا، فردَّها إلى أهلها، وقال: "دَلَّستم عَلَيّ" ([49]).
    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أَيُّما رجل تزوج امرأة، فدخل بها، ووجدها بَرصاء أو مجنونة أو مجذومة، فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غَرَّه" ([50]).
    ولنا أن ندفع هذا الاعتراض بأن نقول: إنه ليس كل عيب يعتبر إخفاؤه غِشًّا، بل العيب المؤثِّر يكون في كل شيء بحَسَبه، قال الإمام النووي -رحمه الله-: "العيب ستة أقسام: عيب في المبيع, وفي رقبة الكفارة، والغُرَّة، والأُضحية والهدي والعقيقة، وفي أحد الزوجين، وفي الإجارة. وحدودها مختلفة؛ فالعيب المؤثِّر في المبيع الذي يثبت بسببه الخيار هو: ما نقصت به الماليَّة أو الرغبة أو العين، كالخِصا. والعيب في الكفارة: ما أضر بالعمل إضرارًا بينًا. والعيب في الأضحية أو الهدي أو العقيقة هو: ما نقص به اللحم. والعيب في النكاح: ما يُنَفِّر عن الوطء ويكسر سورة التَّواق. والعيب في الإجارة: ما يؤثر في المنفعة تأثيرًا يظهر به تفاوت الأجرة، لا ما يظهر به تفاوت قيمة الرقبة؛ لأن العقد على المنفعة. فهذا تقريب ضبطها، وهي مذكورة في هذه الكتب بحقائقها وفروعها. وعيب الغُرَّة في الجنين كالمبيع" اهـ ([51]) .

    والقول بأن إخفاء مطلق العيب من الغش قول فاسد؛ لأننا لو لم نَحُدّ العيب المؤثر بحدٍّ مُعَيَّن لصار غير مُنضبِط يختلف باختلاف الأشخاص، فما يراه شخص لا بأس به يراه غيره عيبًا، وما يراه شخص عيبًا يراه غيره مناسبًا. ويَلزَم عليه كذلك أن المرأة يَلزَمها أن تخبر بكل ما فيها ولو كان ندبة أو جُرحًا صغيرًا، وكل هذا من البطلان بمكان، وهو مما تَتَنَزَّه الشريعة عنه، فتعيَّن رد العيب المؤثر لحدٍّ معين وضابط مُستقِر.

    فنقول في بيان هذا الضابط: إن ما يعتبر غشًّا في هذا الباب هو ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته، أو بإخفاء وجود عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح من الوطء والاستمتاع.
    وقولنا: "ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته". مثاله: وصل الشعر، فالمرأة به توهم وجود مفقود مقصود، فيحرم عليها ذلك؛ لما فيه من تغريـر وتدليـس على الأزواج ([52])، ولهذا المعنى أجاز فقهاء الشافعية الوصل للحُرَّة إذا كانت ذات زوج بإذن زوجها، وللأمة بإذن سيدها؛ حيث ينتفي معنى التدليس حينئذ ([53]).
    وخرج بهذا: ما إذا ما أوهم مفقودًا غير مقصود لذاته، فإنه لا أثر له.
    وقولنا: "عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح"، يقصد به ما أعاق الوطء حِسًّا، كالرَّتْق والقَرَن ([54])، أو أوجب نُفْرة تمنع من القربان والمساس، كالبَرَص والجُذَام المسْتَحكَّمان ([55])، والجنون وإن تَقَطَّع، فيُنَزَّل ذلك منزلة المانع الحسيّ، وهي جملة العيوب الخمسة التي ذكر فقهاء الشافعية أن الزوج يثبت له بها خيار الفسخ ([56])، وأما ما سوى هذه العيوب كالبَخَر، والصُّنَان ([57])، والاستحاضة، والقروح السائلة فلا خيار بها؛ لأنها لا تُفَوِّت مقصود النكاح ([58]).

    والبكارة ليست مقصودة لذاتها؛ وقد ذكرها الفقهاء في كتبهم على أنها من صفات الكمال ([59])، وكذلك فإن زوالها لا يعتبر من جملة العيوب المؤَثِّرة بالمعنى المشار إليه سابقًا؛ لأنه لا يُفَوِّت مقصود النكاح، وإخفاء مطلق العيب لا يعتبر غشًّا، بل الغش هو ما تعلق بإخفاء ما كان من العيوب على الصفة المذكورة، وإلا لم يكن غشًّا.
    قال العلامة علي العدوي المالكي: "يَلزَم من كون الشيء مُفَوِّتًا للعيب كونه مُفَوِّتًا للغش والكذب، لا العكس" ([60]).
    وقال الباجي: "ولا يلزم الولي أن يخبر من حال وليته إلا بما يلزم في ردها، وهي العيوب الأربعة : الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، وأما غيره من العيوب فلا يلزمه ذلك" ([61]).
    والنصوص التي تحض الإنسان أن يستر على نفسه عامة من جهة شمولها للأفراد، ومطلقة من جهة عدم تحديد وسيلة الستر، والخطاب إذا كان عامًا أو مطلقًا فإنه يجري على عمومه وإطلاقه طالما لم يأت ما يخصصه أو يقيده.
    وتقدَّم أثر الرجل الذي خطبت ابنته وكانت قد زنت وتابت، فقال له أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: زَوِّجها، ولا تُخْبِر".
    والآخر الذي أصابت أخته فاحشة، ثم تابت وكانت تخطب إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه".
    والآخر الذي سأل عمر في شأن ابنته التي خطبت إليه، وكانت قد زنت ثم تابت، هل يذكر لخاطبها ما كان منها؟ فقال له عمر: "تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة" ([62]).
    وأمير المؤمنين عمر هو مُحَدَّث هذه الأمة، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" ([63])، والمُحَدَّث: هو الملهم، أو المتكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب يحدثه به المَلَك عن الله ([64]).
    وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ([65]).
    والمتأمل في هذه الآثار الأخيرة يلحظ أن عمر رضي الله عنه أمر بتزويج المرأة زائلة البكارة على أنها عفيفة مسلمة، ولم يأمرها بفضح نفسها، ولا بإخبـار من أقدم على زواجها بما سلف منها، ولم يعتبر تزويجها على هذا الحال وإخفاء ما كان منها غشًّا. وكذلك يظهر أن المسلمين الأوائل ما كانوا ينظرون للمرأة التي يكتشف زوال بكارتها على أنها خاطئة أو مومسة كما يشيع الآن بين الناس؛ فالعُذرة مجرد أمارة على العفاف، ولكن لا تلازم بينهما بحيث ينعدم العفاف بانعدامها ويوجد بوجدانها؛ لتعدد أسباب زوال البكارة، ومعظمها لا إثم فيه.
    والاستدلال بهذه الآثار ليس لمجرد صدورها عن سيدنا عمر فحسب، بل لعدم إنكار الصحابة عليه ما كان منه، فصار إجماعًا سكوتيًّا على مقتضاها.

    وقد التفَت الفقهاء الحنفية إلى مُدْرَك التَّشَوُّف إلى الستر والتمسك به وتقديمه، وراعَوه في فروعهم؛ فمذهب الإمام أبي حنيفة أن من زالت بكارتها بزنا خفيٍّ زُوِّجَت كالأبكار فلا تُستَنطق في إذن النكاح بل يكفي سكوتها؛ تقديمًا لمصلحة الستر والإخفاء على المصلحة المتوهمة من علم الزوج بزوال بكارتها. قال الزيلعي في شرح الكنز: "لأن الشارع قد ندب إلى الستر، وفي إلزامها النطق إشاعة الفساد مع تفويت مصالحها" ([66]). وهذا نص صريح في تقديم الستر دون التفات إلى غياب ذلك عن الزوج؛ تحقيقًا للمصالح العامة بالحَدّ من شيوع الفساد، والمصالح الخاصة بالستر على العاصية.

    وكذلك فليس في إخفاء زوال البكارة بالرتق تفويت لحق الزوج في الفسخ؛ لأن عدم البكارة ليس من العيوب التي يثبت بها الخيار كما قدمنا، إلا إن اشتُرِط في العقد، فإن اشتُرِط فيه ثم بان خلافه ثبت الخيار عند طائفة من العلماء كالشافعية ([67]) والمالكية ([68])، ولا يثبت عند طائفة أخرى كالحنفية، بل إنهم لا يثبتون الخيار للزوج أصلا بأي عيب ([69])، وعن أحمد كلام يحتمل أمرين، أحدهما: لا خيار له؛ لأن النكاح لا يُرَدُّ فيه بعيب سوى ثمانية عيوب، فلا يُرَدُّ منه بمخالفة الشرط ([70])، ولكنّ العقد صحيح عند هؤلاء جميعًا سواء قيل بثبوت الخيار أو بعدمه.
    قال الجلال المحلي: "لأن المعقود عليه مُعَيَّن لا يتبدل بخُلْف الصِّفَة المشروطة" ([71]).
    وقال الشمس الرملي: "لأن الخُلْف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثيره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى" ([72]).

    ويُضَاف إلى هذا أن جماعة من الفقهاء قد نَصُّوا أن من زالت بكارتها بسببٍ غير وطء كدخول إصبع ونحوه، لا يرفع عنها وصف البكورة شرعًا، بل تعتبر بكرًا إما حقيقة عند بعضهم وإما حكمًا عند البعض الآخر.
    قال في مجمع الأنهر من كتب السادة الحنفية: "(ومن زالت بكارتها) أي عذرتها، وهي: الجلدة التي على المحل. وفي الظهيرية: البكر اسم لامرأة لا تجامع بنكاح ولا غيره (بوثبة، أو حيضة، أو جراحة، أو تعنيس) من عنست الجارية إذا جاوزت وقت التزوج فلم تتزوج (فهي بكر) حقيقة، أي: حكمهن حكم الأبكار، ولذا تدخل في الوصية لأبكار بني فلان؛ لأن مصيبها أول مصيب لها. منه الباكورة والبكرة لأول الثمار ولأول النهار، ولا تكون عذراء" ([73]).
    وقال الإمام البابرتي في شرح الهداية من كتبهم أيضًا: "البكر هي التي يكون مصيبها أول مصيب" ([74]).
    وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب السادة المالكية أن من أزيلت بكارتها بوثبة تعتبر بكرًا؛ لأن البكر أعم من العذراء ([75]).
    وقال العلامة البجيرمي من الشافعية في حاشيته على شرح الخطيب: "وفي معنى البكر من زالت بكارتها بنحو حيض" ([76]).

    وفي الإقناع وشرحه كَشَّاف القناع للبهوتي من كتب السادة الحنابلة: "(وزَوَال البكارة بأصبع، أو وثبة، أو شدة حيضة، ونحوه) كسقوط من شاهق (لا يغير صفة الإذن) فلها حكم البكر في الإذن؛ لأنها لم تخبر المقصود، ولا وجد وطؤها في القبل، فأشبهت من لم تزل عذرتها" ([77]).
    وعلى هذا فإن ترميم بكارة المرأة التي طرأ لها التهتُّك بسببٍ مما ذُكِر لا يُسْبِل على المرأة وصفًا هي خالية عنه، بل هو مؤكدٌ لوصف قائم بها وهو البكورة، ودارئٌ عنها الخوض في عرضها بالظنون الفاسدة والأقاويل الباطلة.

    وذهب الإمام أبو حنيفة إلى ما هو أبعد، فقال: إن من زالت بكارتها بزنا خفي لا تعتبر ثيبًا بل هي بكر، وتزوج كالأبكار.
    قال في مجمع الأنهر: "(وكذا لو زالت) بكارتها (بزنا خفي) عند الإمام -يعني تعتبر بكرًا- وفيه إشارة إلى أنها لو زنت، ثم أقيم عليها الحد أو صار الزنا عادة لها، أو جومعت بشبهة أو نكاح فاسد فحكمهن حكم الثيب، ولو خلى بها زوجها، ثم طلَّقها قبل الدخول بها، أو فرق بينهما بعنة أو جب تزوج كالأبكار وإن وجبت عليها العدة؛ لأنها بكر حقيقة، والحياء فيها موجود كما في البحر" ([78]).
    وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير من كتب المالكية: "البكر عند الفقهاء هي التي لم توطأ بعقد صحيح أو فاسد جارٍ مُجْرَى الصحيح، وأما العذراء فهي التي لم تزل بكارتها بمزيل، فلو أزيلت بكارتها بزنا أو بوثبة أو بنكاح لا يُقَرَّان عليه فهي بكر، فهي أعم من العذراء" ([79]).
    وعلى هذا الرأي فإن من زالت بكارتها بالزنا الخفيّ، ثم أجرت عملية الرتق، فهي الأخرى تؤكد وصفًا ثابتًا لها، ولا تَدَّعي ما هي خالية عنه من الأوصاف.

    وأما قول بعض الناس الآن: إن الرجل لابد أن يعلم ما كان من امرأته إن كان ثمَّ خطأ ما قد واقعته، فهو قول فاسد فيه ما فيه من الجهر بالمعصية، وهتك ما ستره الله تعالى، وتتبع لعورات الخلق، واستشراف لما نهينا عن استشرافه، وذريعة لحصول الظنون الفاسدة بعده، والشرع لم يعتبر أصلا أن هناك تلازمًا بين زوال غشاء البكارة وبين حصول الزنا -كما سلف-، وإنما الذي أوجد هذا التلازم هو الأعراف السائدة في مجتمعاتنا الشرقية. هذه الأعراف التي لا ترى عظيم شين في الرجل الفاسق ذي العلاقات المشبوهة، بينما تؤاخذ المرأة وتطعن في شرفها وعرضها بقرائن ما أنزل الله بها من سلطان.

    وقد أطلنا النفس في دفع هذا الاعتراض؛ لأنه الأكثر رواجًا من بين كل الاعتراضات الأخرى، والله أعلم.
    الاعتراض الثاني (الرتق ليس وسيلة يعتبرها الشرع للستر):
    سبق وأن قَرَّرْنا أن الستر مطلوب شرعي سواء في ذلك ستر الإنسان على نفسه أو على غيره، وأن مشروعية الرتق -في الأحوال التي أجزناه فيها- مبنيةٌ على أنه وسيلة لتحقيق هذا الستر. وهذا الذي قررناه اعتُرِض عليه من قِبَل بعض العلماء القائلين بالمنع بأن الستر المطلوب هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته، ورتق غشاء البكارة لم يتحقق فيه ذلك ([80]).

    ويُجَاب عن هذا الاعتراض بمنع القول بأن الستر المطلوب هو فقط ما شهدت نصوص الشرع باعتبار وسيلته، فلا يلزم أن يشهد الشرع لكل وسيلة تُحَقِّق مقصدًا شرعيًّا باعتبارها على وجه الانفراد؛ فالشرع يُثِيب على الوسائل إلى الطاعات كما يُثِيب على المقاصد؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكأن الملاحظ أولا هو إفضاء الوسيلة للمقصود لا هي من حيث ذاتها، لذلك نَصَّ العلماء أن "الوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلـة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل" ([81])، وأن "الوسائل تسقط بسقوط المقاصد" ([82])، وذلك كله بحسب الإفضاء إلى المقصود وعدمه، لا بحسب ذات الوسيلة.
    وكذلك فإن النصوص التي تَحُضُّ الإنسان أن يستر على نفسه أو تَحُضُّه على ستر غيره مطلقةٌ من جهة عدم تحديدها وسيلة الستر، والقول بأن المطلق لا يجري في ماصَدَقاته إلا أن يَنُص الشارع عليها فردًا فردًا لا يصح بحال.
    قال الإمام الزركشي في البحر: "الخطاب إذا ورد مطلقًا لا مُقَيِّد له حُمِل على إطلاقه" ([83])، وقال العلامة صدر الشريعة في التوضيح: "حكم المطلق أن يجري على إطلاقه" ([84]).
    ولذا كان الأدق أن يقال: إنه لا يجوز الستر بوسيلة ثَبَت نهي الشرع عنها. وفَرْقٌ بين هذه العبارة وبين أن يقال: إن الستر المطلوب هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته؛ فالعبارة الأولى تعني أن الأصل في المطلق هو إثبات حكمه لكل فردٍ فردٍ من أفراده، إلا ما دَلَّ الدليل على أن حكمه بخصوصه مخالف، فلا يجري فيه حكم المطلق حينئذ، والثانية تعني أن الأصل هو الإحجام وعدم الإقدام على إجراء حكم المطلق على جميع أفراده حتى يدل الدليل على ثبوته لها فردًا فردًا، وهو واضح. والله أعلم.
    الاعتراض الثالث (كشف العورة، وما يستتبعه):
    اعترض المانعون بأن عملية الرتق العذري يلزم منها كشف العورة المغَلَّظة لمن تُجْرَى لها، وما يَستتبع ذلك من النظر واللمس، والأصل في كلٍّ من كشف العورة والنظر إليها ولمسها الحرمة، فيَنتُج من ذلك حرمة العملية المذكورة، وليس لرتق غشاء البكارة سبب طبي حاجي يمكن أن يكون مبيحًا لكشف العورة أسوة بباقي الأسباب التي يذكرها الفقهاء ([85]).

    ونحن نُسَلِّم أن الأصل في كل من كشف العورة والنظر إليها ومسها الحرمة، لكنَّ القاعدة الشرعية أن الضرورات تبيح المحظورات، قال الزركشي: "ومن ثَمَّ أُبيحت الميتة عند المَخْمَصَة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غُصَّ ولم يجد غيرها، وأبيحت كلمة الكفر للمُكْرَه" ([86]).
    والمرأة التي ابتليت بزوال عذريتها تكون في بعض البيئات كالريف معرضة ليست فقط للأذى الشديد من ضرب ونحوه، بل يصل الأمر إلى حد القتل أحيانًا ([87])، وهذه هي حقيقة الضرورة. وإن كان الأمر في المجتمعات المدنية قد لا يصل إلى القتل في بعض الأحيان، لكن المرأة تُعرَّض للإيذاء الشديد، وللطعن في شرفها وعفتها؛ حيث ارتبط في أذهان الناس العفاف بوجود غشاء البكارة.
    وإذا كانت المرأة قد أخطأت فعلا وأرادت طيَّ ما فات، فلم تجد طريقة تستر بها ما حصل منها، لانكمشت عن الأزواج خوفًا من فضيحتها وفضيحة أهلها، أو اضطرت إلى مصارحة من رغب في الزواج منها فأدى ذلك إلى رغبته عنها كما هو الغالب، وقد يفضحها فتصبح مطمعًا للفَسَقَة وأراذِل الخلق، وقد يَسْري الضرر إلى عائلتها أيضًا، وإلى كل من ينتسب إليها فيمتنع الناس عن الزواج منهم ومصاهرتهم، وهذه المحاذير إن لم تَرْق لمرتبة الضرورات فلن تنزل عن مرتبة الحاجات بحال، والحاجة مُنَزَّلَةٌ منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، فكل منهما في إباحة المحظور سواء.

    وقد نَصَّ الفقهاء على جواز كشف العورة لما كانت الحاجة فيه أقل مما نحن بصدده، لا لشيء إلا للتوسعة على المكَلَّفين ونفي الحرج عنهم؛ ومن ذلك ما نص عليه الفقهاء الحنابلة من أن حلق العانة لمن لا يحسنه يجيز نظر الغير إلى عورته ومسها؛ ليقوم عنه بما لم يستطعه من ذلك، ولا شك أن الحاجة في العجز عن القيام بالاستحداد أخف منها في مسألتنا.
    قال في كَشَّاف القناع: "(ويجوز كشفها) أي: العورة للضرورة (و) يجوز (نظر الغير إليها لضرورة، كتداو وختان، ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبة وعيب، وولادة ونحو ذلك) كحلق عانة لا يحسنه" ([88]).
    وقال المرداوي في الإنصاف: "من ابتلي بخدمة مريض أو مريضة في وضوء أو استنجاء أو غيرهما فحكمه حكم الطبيب في النظر والمس. نص عليه. كذا لو حلق عانة من لا يحسن حلق عانته. نص عليه، وقاله أبو الوفاء، وأبو يعلى الصغير" ([89]).
    وإذا كان كشف العورة مفسدة عظيمة، فإن ما ذكرنا من المفاسد أعظم، والمُقَرَّر أنه إذا تعارض مفسدتان رُوعِي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما ([90]). والله تعالى أعلم.
    الاعتراض الرابع (التشجيع على الفاحشة):
    قالوا: إن القول بجواز رتق غشاء البكارة يُسَهِّل على الفتيات ارتكاب الخطيئة والوقوع في الزنا؛ لعلمهن بإمكان رتق غشاء البكارة بعد الجماع، وهذه مفسدة متأكدة الوقوع ([91]).

    ويُرَدُّ هذا بأنه لا تلازم أصلا بين زوال غشاء البكارة، وبين عَفَاف الفتاة؛ فقد تكون الفتاة أطهر من ماء السماء، ولم يَمسَسها بَشَرٌ قَطّ، وقد زالت بكارتها بسبب مادي غير الوطء، كما سبق بيانه.
    ولذلك فإن الشرع الشريف لم يعتبر زوال غشاء البكارة دليلا على الزنا، ولو أن رجلا دخل بامرأة فوجدها لا بكارة لها، فاتَّهمها بالزنا لعُدَّ قاذفًا لها، حتى وإن كانت قد زنت في الواقع ونفس الأمر.
    وإذا كانت أعراف الناس التي تخالف ذلك المقرَّر الشرعي لها أثر زَجْريٌّ عن الوقوع في تلك المعصية، فذلك لا يُبَرِّر اعتبار تلك الأعراف، وإهدار المعاني التي ذكرناها من الستر وغيره مما حَثَّ عليه الشرع وأَلْزم به، والعُرْف متى خالف الشرع كان عرفًا فاسدًا لا اعتبار له. ويشبه ذلك ما يكون إذا قال قائل بزيادة العقاب في الحدود الشرعية إمعانًا في الردع، فإن هذا وإن أعطي أثرًا زجريًّا أقوى من مجرد الحد، إلا أن هذا المعنى الزَّجْريّ الزائد الذي يحصل مُطَّرَحٌ لا اعتبار له، ويكون اللجوء إلى ذلك محرمًا، بل هو مخالف لمَسْلَك الشرع؛ حيث تساهل في هذا الباب، وجعل الحدود مندرئة بالشبهات.
    ويَلْزم المعترض بهذا الاعتراض أن يكون مُقِرًّا لجواز العملية من حيث هي، إلا أنه قال بالمنع لأمر خارج، وهو ما ذكره من لزوم شيوع الفاحشة على الوجه المذكور.

    وفحوى اعتراض المانعين هنا حسم مادة الذرائع إلى الفساد، ولنا أن نمنع القول بسد الذرائع أصلا كما هو مذهب الشافعي وغيره، ونقول: إنه لا يثبت أمر بالشك.
    قال ابن حزم: "كل من حَكَم بتُهْمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد، فقد حكم بالظن، وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل" ([92]).
    وهذا المعنى الذي ذكره المانعون لا يصح بحال أن يوصف بأنه مفسدة متأكدة الوقوع كما وقع في كلامهم؛ لأنه غير مُتَعَيِّن فلا يُناط به المنع، بل نقول: إن مفسدة التشجيع على الفاحشة المُدَّعاة مفسدة موهومة، ونعني بكونها موهومة، أي: من جهة لزوم تَرَتُّبها على القول بالجواز؛ لأن من اتخذ من النساء من عمليات الرتق العذري تَكِأَةً يَتَّكئن عليها ليَفْجُرْن ما شئن، فإذا أرادت الواحدة منهن الزواج لجأت إليها، إنما هي قد فعلت ذلك اعتمادًا على إمكان حصول العملية في الواقع لا اعتمادًا على القول بجوازها شرعًا، فمثل هذا الصنف من النسوة لن يلتفت إلى التحريم أو الجواز، والمرأة منهن فاعلة ما أضمرته غالبًا سواء قلنا بالحرمة أو قلنا بالجواز؛ فليس قولنا بالتحريم بزاجر لها عن الفاحشة، ولا قولنا بالجواز بدافع لها إلى الخطيئة.
    فثبت أن ما رتبه المانعون على القول بالجواز مفسدة موهومة، والمفاسد الموهومة لا تصلح لأن يبنى عليها تحريم حتى على قول من يعتبر سد الذرائع؛ لأن المفسدة النادرة والمتوهمة أجمعت الأمة على عدم سَدِّها كما يؤخذ من كلام القرافي وغيره ([93])، وإلا فلو قيل بسد جميع الذرائع للزم على ذلك تحريم زراعة العنب خوفًا من اتخاذه خمرًا ، والمنع من المجاورة في البيوت خوفًا من وقوع الناس في الزنا، وهو باطل لم يقل به أحد.
    والمفاسد التي ذكرنا ترتبها على عدم الستر لا شك أنها أكثر تحققًا مما ذكره المانعون لازمًا للقول بالجواز، والمفسدة المحققة مقدمة على المفسدة المتوهمة، والمصلحة المحققة لا تُتْرك للمفسدة المُتَوَهَمَة.
    وكذلك على التسليم باعتبار قطع الذرائع، فإن وسيلة المُحَرَّم تكون غير مُحَرَّمَة إذا أَفْضَت إلى مصلحة راجحة، كدَفع مالٍ لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك ([94])، والمصالح المترتبة على الرتق كالستر، وقطع الظن الفاسد، واستصلاح العاصي، والإعانة على الثبات على العفاف، والحفاظ على الأرحام من أن تقطع، وإحياء النفوس، وغيره، كلها مصالح أرجح وأكثر تَحَقُّقًا من مُجَرَّد هذه المفسدة المذكورة المظنونة المتوهمة.

    ونحن نزيد ونقول: إنَّا لا نمنع أن يكون القول بجواز الرتق مُشَجِّعًا على الفاحشة فحسب، بل نرى أن القول بالجواز على الوجه الذي قَرَّرناه يحد من ذيوع الفاحشة وانتشارها في المجتمع؛ لما فيه من ستر على من ابتليت بزوال عذريتها، ويكون في ذلك تثبيت لها على الاستقامة والعفاف؛ مع حصر الضرر في أضيق النُّطُق، بخلاف ما إذا عُرِف أمرها، وسَرَى خبرها في الناس وتناقلته ألسنتهم بحَقٍّ أو بباطل؛ لأن تناقل أخبار الفاحشة وشيوع أمرها وتَكَرُّره ذلك يُخَفِّف من وَقْع المعصية على الأسماع ويطفئ من حرارة وطأتها على النفس، ويزيد هذا كلما زاد وتكرر الحديث عن المعاصي وأخبارها وسيرة أهلها إلى أن يصل إلى ضمور الحِسِّ الاجتماعي بآثارها السيئة، فيَهُون على الناس الإقدام عليها، وهذا من الحِكَم الجليلة للنَّهْي النبوي عن الجهر بالمعصية، وهو معنى ما قاله بعض السلف: "إن المعصية إذا أخفيت لم تَضُر إلا صاحبها، وإذا أُعْلِنَت ضَرَّت العامَّة" ([95]).
    وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف: "اجتهد أن تَسْتُر العصاة؛ فإن ظهور عوراتهم وَهَنٌ في الإسلام، وأَحَقّ شيء بالستر العورة" ([96]).
    قال شيخ الإسلام التونسي العلامة محمد الطاهر بن عاشور -في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}[النور: 19]-: "ومعنى أن تشيع الفاحشة أن يشيع خبرها؛ لأن الشيوع من صفات الأخبار والأحاديث، كالفُشُوّ، وهو: اشتهار التحدث بها. فتعين تقدير مضاف، أي: أن يشيع خبرها؛ إذ الفاحشة هي الفِعْلة البالغة حَداًّ عظيماً في الشناعة" ([97]).
    وقال: "ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خَبَر سُوء، كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السُّوء عن إخوانه المؤمنين. ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية؛ فإن مما يَزَع الناس عن المفاسد تَهَيُّبهم وقوعها وتَجَهُّمهم وكراهتهم سوء سمعتها، وذلك مما يَصْرِف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويداً رويداً، حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس. فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخفَّ وقع خبرها على الأسماع، فدَبَّ بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخِفَّة وقعها على الأسماع، فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تُقْدِم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة. هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرًّا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب" اهـ ([98]).
    وهذا الذي ذكره العلامة ابن عاشور مشاهد متكرر معلوم، لا ينكره إلا ذو حس بليد..نسأل الله النجاة والعفو!
    الاعتراض الخامس (آية النور):
    قد يقول قائل إن الله تعالى أمرنا بالحيلولة دون زواج العفيفين والعفيفات بالزناة في قوله: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}[النور: 3]، والقول بجواز أن تقوم المرأة التي زنت ولم يشع زناها بالرتق ينافي هذا؛ لأنه يؤول إلى أن يرتبط رجل عفيف بامرأة زانية وبقاؤه معها؛ لأنه ظَنَّ عذريتها.

    وبعض الناس يظن أن في هذه الآية إخبارًا أن من وقع في الزنا إذا أراد أن يتزوج فلابد أن من سيُقْدِم على الزواج منها ستكون قد زنت مثله، أو أن الزاني لا يتزوج من العفيفات بل لا يحل له إلا من كانت زانية مثله، وكذلك الزانية.

    والجواب: أنّا لا نسلم دلالة الآية على ما ذُكِر؛ فقد عُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم زانية وزان من المسلمين، ولم يُعلم عنه أنه حَرَّم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان، ولا حَرَّم واحدًا منهما على زوجه؛ فقد أتاه ماعز بن مالك وأقر عنده بالزنا مرارًا ([99])، فلم يأمره صلى الله عليه وسلم في واحدة منها أن يجتنب زوجة له إن كانت، ولا زوجته أن تجتنبه، ولو كان الزنا يُحَرِّمه على زوجته لبَيَّن له أنه إن كانت له زوجة حُرِّمَت عليه، أو لم تكن فليس له أن يَنْكِح، ولم يَرِد أنه أمره بشيء من ذلك، ولا أَمَر غيره أن لا يُنْكِحَه إلا زانية. وقد ذَكَر له رجل أن امرأة زنت، وزوجها حاضر، فلم يَرِد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أَمَر زوجها باجتنابها، بل أمر أُنَيس بن الضَّحَّاك الأسلمي أن يغدو عليها، فإن اعترفت رجمها. وجَلَد ابن الأعرابي الذي زنى بها مائة وغَرَّبَه عامًا ([100])، ولم يَرِد أنه نهاه أن يَنْكِح، أو نَهَى أحدًا أن يُنْكِحَه إلا زانية. وقد رَفَع الرجل الذي قذف

    امرأته إليه أمر امرأته، وقذفها برجل، وانتفى من حملها، فلم يأمره باجتنابها حتى لاعن بينهما ([101]). وقد حَرَّم الله المشركات من أهل الأوثان على المؤمنين الزناة وغير الزناة ([102]).
    وجاء في الآثار ما يؤيد هذا؛ فرُوِي أن رجلا فَجَر بامرأة وهما بِكْران، فجَلَدهما أبو بكر، ونفاهما، ثم زَوَّجها إياه بعد الحَوْل ([103]).
    ورُوي أن رجلا تزوج امرأة، ولها ابنة من غيره، وله ابن من غيرها، ففَجَر الغلام بالجارية، فظهر بها حَمْلٌ، فلما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة رُفِع ذلك إليه، فسألهما، فاعترفا، فجَلَدهما عمر الحَدّ، وحرص أن يجمع بينهما، فأَبَى الغلام ([104]).
    وسُئِل ابن عباس رضي الله عنهما فيمن فجر بامرأة ثم تزوجها؟ قال: "أَوَّله سِفَاح وآخره نِكاح، لا بأس به" ([105]). ([106])

    والآية الكريمة قيل: إنها منسوخة؛ رُوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "نسخت هذه الآية التي بعدها {وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]".
    قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفتيا يقولون: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها ولغيره أن يتزوجها. وهو قول ابن عمر، وسالم، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاوس، ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء الله، هي منسوخة.
    وقال الشافعي: "قيل: نزلت في بغايا كانت لهن رايات وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن، فنزلت هذه الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أَعْلَنَ بمثل ما أَعْلَنَّ به، أو مُشْركًا" اهـ ([107])، ومن هذا الباب ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" ([108]).
    أو يقال: إن النكاح فيها محمولٌ على الوطء لا العقد، كما رُوي عن ابن عباس وأصحابه، فيكون معناها: الزاني لا يشاركه في فعله وقت زناه إلا زانية مثله من المسلمين، أو أَخَسّ منها كمُشْرِكة لا تُحَرِّم الزنا.
    فيكون مقصود الآية الإخبار باشتراكهما في الزنا، وأن المرأة كالرجل في ذلك، فإذا كان الرجل زانيًا فالمرأة مثله إذا طاوعته، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها، فحَكَم تعالى في ذلك بمساواتهما في الزنا، ويفيد ذلك مساواتهما في استحقاق الحد، وعقاب الآخرة، وقطع الموالاة، وما جرى مُجْرَى ذلك.
    أو تكون مَسُوقة لتشنيع الزنا، وبيان أنه مُحَرَّم على المؤمنين، وتَبشيع أمر الزاني، وأنه لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة، وإنما يليق به أن ينكح زانية مثله، أو مُشْرِكة هي أسوأ منه حالاً وأقبح أفعالاً، وكذلك الزانية بعد أن رضيت بالزنا، فلا يليق أن ينكحها من حيث أنها كذلك إلا من هو مثلها، وهو: الزاني، أو من هو أسوأ حالاً منها، وهو: المشرك. وذلك كما يقال: السلطان لا يكذب. أي: لا يليق به أن يكذب. نُزِّل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدمه، وهو كثيرٌ في الكلام. ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا، فيكون فيه من تقبيح الزنا ما فيه.
    ويَتأكَّد ما قلناه من عدم حمل الآية على تحريم نكاح من وقع منها الزنى بأن الشرع الشريف قد حَثَّ العاصي أن يستر على نفسه، وتَوَعَده بسَلْب العافية عنه، وعليه فمن ابتليت بالزنا فليس لها أن تفضح نفسها؛ بمقتضى الشرع، وهذا لا يحول دون أن يتزوجها عفيف، ومع قيام هذا الاحتمال القوي الراجح، فإن الشرع لم يلتفت إليه أو يعتبره.
    وأما حَمْل الآية على ظاهرها من الإخبار المَحْض فلا يصح؛ لما فيه من مخالفة للواقع؛ فالزاني قد ينكح الحصينة، والمشرك قد ينكح الحصينة، وأيضاً الزانية قد يَنْكحها المسلم العفيف؛ رغبة في جمالها أو إنقاذًا لها من عُهْر الزنى وما هو بزانٍ ولا مُشْرك، فلا يستقيم، بل الآية محمولة على الإنشاء والتشريع دون الإخبار؛ وقد قال الله تعالى في آخرها: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ}، ولأنها نزلت جواباً عن سؤال مَرثَد تزويجه عَنَاق وهي زانية ومشركة، ومَرثَد مسلم تقي ([109])، ولكن حكمها عام لمرثَـد وغيره من المسلمين؛ بحق عمـوم لفظ: "المؤمنين" ([110]).
    ثم إن هذا الاعتراض إنما هو خاص بمن قامت برتق البكارة التي تمزقت عن زنا -والعياذ بالله-، ولا يَتَوَجَّه على من فقدتها بسبب آخر غير وطء. والله تعالى أعلم.
    الاعتراض السادس (إلحاق الضرر بالزوج):
    قالوا: إن من القواعد الشرعية المتفق عليها بين العلماء أن "الضرر لا يزال بالضرر"، ومن فروع هذه القاعدة: أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره.

    ومثل ذلك أيضًا، أنه لا يجوز أن تزيل الفتاة أو أمها ضررًا عن نفسها لتلحق ضررًا بزوجها المنتظر.
    وكذلك فإن من القواعد الشرعية المتَّفَق عليها أيضًا أنه يُتَحَمَّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، ومن فروعه: أنه يُقْتَل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم ([111]).

    ونحن نمنع أن يكون ثَمَّ ضررٌ معتبر يَلْحَق الزوج لخصوص رتق البكارة، وقررنا في غير موضع أن دلالة زوال الغشاء على وقوع الزنا منتفية، وأن من رمى امرأته بالزنا؛ لمجرد ذلك، كان قاذفًا لها، حتى وإن كانت كذلك في نفس الأمر؛ وقد افتضت امرأة جارية بأصبعها، وقالت: إنها زنت. فرُفِعت إلى عليّ رضي الله عنه، فغرمها العُقْر ([112])، وضربها ثمانين لقذفها إياها ([113]).
    والضرر المتصَوَّر هو ترويج المرأة على الزوج بالغش، وسبق تفنيد هذا بما لا مزيد عليه، وبيان أن الغش المؤثر هو ما كان بإيهام وجود مفقود مقصود لذاته، أو بإخفاء وجود عيب مُفَوِّت لمقصود النكاح من الوطء والاستمتاع، وأن من افتُضَّت بسبب غير الوطء كدخول إصبع ونحوه، لا يُرْفع عنها وصف البكورة شرعًا، بل هي بكر إما حقيقة وإما حكمًا، وزاد أبو حنيفة فذهب إلى أن من زالت بكارتها بزنا خفي لا تعتبر ثيبًا، بل هي بكر، وتزوج كالأبكار. وذلك كله مُتَّسِقٌ مع حض الشرع للعاصي أن يكتم معصيته.

    أما قولهم: إن الضرر الخاص يُتَحَمَّل لأجل دفع الضرر العام، فلا يظهر أن له مدخلية فيما نحن فيه، ولم يفصح المانعون عن ماهيَّة هذا الضرر العام المُدَّعَى حصوله من رتق البكارة. والله تعالى أعلم.
    الاعتراض السابع (غلبة المفاسد):
    قالوا: إن فتح الباب لرتق غشاء البكارة؛ بحجة الستر ودفع المََضَرَّة، يَجُرُّ إلى مفاسد أكثر خطورة وأعمق آثارًا، ويفتح أبوابًا من الشر لابد من التَّنَبُّه لها، ومن ذلك:

    1- ; أن الفتاة قد تكون حاملا عند رتق غشاء البكارة، فتكتم ما في رحمها، وتتحمل إثم الكتمان؛ في سبيل خلاصها من الفضيحة، وبعد أيام من إجراء العملية تتزوج، فيُلْحَق الولد إلى فراش الزوج، وفي ذلك اختلاط الأنساب، وتَعَدٍّ على الحرمات، وأكل للأموال بالباطل نفقة كانت أم ميراثًا.
    2- ; فتح الأبواب أمام الأطباء أو بعض الأطباء أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة؛ بحجة الستر، أو بحجة أنها نتيجة الخطيئة.
    3- ; في رتق الغشاء اطِّلاع على المنكر وعون على الخبث، قالت أم سلمة: "يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟"، قال: "نعم، إذا كثر الخبث". وفَسَّرَه العلماء بأولاد الزنى.
    4- ; فتح أبواب الكذب للفتيات وأهاليهن؛ لإخفاء حقيقة السبب، والكذب ممنوع ومُحَرَّم في شريعة الله.
    والقاعدة أنه إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد، فعلنا ذلك. وإن تَعَذَّر الدَّرْء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة لا نبالي بفوات المصلحة ([114]).

    ونحن بحول الله نَكِرُّ على هذه المفاسد المدَّعاة جميعًا بالنقض فيما يلي، فنقول:
    أما أن الفتاة قد تكون حاملا عند رتق غشاء البكارة، فتكتم ذلك وتُجْري العملية، ثم تتزوج، فيلحق الولد إلى فراش الزوج، فذلك ليس مُوجِبًا للقول بحرمة الرتق؛ لأنه لا تلازم بين ثبوت النسب وبين وجود البكارة؛ فالمرأة قد تكتم ولا ترتق، ولا سبيل للزوج شرعًا أو قانونًا لرميها بالزنى لذلك، ويلحق به الولد؛ لأن الولد للفراش.
    ولو سَلَّمنا بأن ثَمَّ ارتباطًا بين وجود غشاء البكارة وبين ثبـوت النسب -ولا نُسلِّم-، لكان القول بتحريم الرتق على الإطلاق غير صحيح أيضًا؛ لأن التحريم هنا سيكون في الحالات التي يتحقق فيها اختلاط الأنساب؛ لسبق حمل المرأة قبل زواجها، وليس لذات الرتق، وهو ما يسميه الأصوليون بالحرام لغيره؛ فالحرام نوعان: حرام لذاته أو لعينه، وحرام لغيره. فالحرام لذاته: هو ما كان منشأ الحرمة فيه هو ذات الشيء، كشرب الخمر والزنا وأكل الميتة ونحو ذلك، فالحرمة فيه منتسبة إلى المحل؛ لتدل على عدم صلاحيته للفعل، فالمحل أَصْلٌ والفعل تَبَع.
    والحرام لغيره: هو ما كان منشأ الحرمة فيه غير ذلك المحل، وأمثلته كثيرة، منها: حرمة أكل مال الغير، فإنها ليست لنفس ذلك المال، بل لكونه ملك الغير، فالأكل مُحَرَّم ممنوع، لكن المحل قابل للأكل في الجملة، بأن يأكله مالكه، بخلاف الأول، ومنها: الوطء في الحيض؛ فإن المُحَرَّم ليس الوطء في نفسه، بل المُحَرَّم إيقاعه في هذا الحال. ومنها: من ملك عينًا وعلم بها عيبًا، فلا يجوز له أن يبيعها حتى يُبَيِّن عيبها، لا لحرمة البيع في نفسه، وإنما لما اقترن به من الغش والتدليس ([115]).

    وأما قولهم: إن رتق غشاء البكارة يفتح الأبواب أمام بعض الأطباء أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة؛ بحجة الستر، أو بحجة أنها نتيجة الخطيئة.
    فهذا منهم تَوَسُّعٌ في إعمال قاعدة سد الذرائع، حتى على قول من يقول بسَدِّها، كالمالكية؛ لأنها مفسدة نادرة متوهمة، لا يؤدي السبب فيها إلى المسبَّب لا قطعًا ولا غالبًا، وما كان من هذا الباب فلا يقال بمنعه، وسبق تفصيل الكلام على مسألة الذرائع قبل ذلك. والكلام على الإجهاض أصلا فيه تفصيل ليس هذا محله، فحتى هذا الإطلاق في منع الإجهاض محل كلام وأخذ ورد.

    وأما القول بأن في رتق الغشاء اطلاعًا على المنكر وعونًا على الخبث، فمردود؛ لأن ليس كل حالات زوال العذرية نتيجة فعل المنكر، وما كان منها نتيجة لذلك فمفسدة مجرد الاطلاع لا تقوى على الرجحان أمام باقي المفاسد التي يتم دفعها بالرتق. وأما أنه عون على الخبث، فإن قصد بالخبث: أولاد الزنا كما جاء في التفسير الذي نقلوه للحديث، فلا مدخل له معنا أصلا، وإن أريد بالخبث غير ذلك فلا وجه لإيراد حديث أم سلمة والتنبيه على تفسيره بما ذُكِر؛ لعدم تعلق ذلك كله بمقام الاستدلال، ونحن نمنع أن يكون فيه عَوْنٌ على الخبث بالمعنى المتبادر في الحالات التي أجزناه فيها؛ لما سبق تقريره وتكراره، من كونه بابًا من أبواب الستر، وسببًا من أسباب انكماش الفاحشة في المجتمع.

    وأما أنه يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهاليهن؛ لإخفاء حقيقة السبب، والكذب مُحَرَّم، فنحن نمنع أصلا اللزوم بين الكذب وبين الرتق؛ لأن الكذب هو الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه ([116])، ومجرد الرتق لا يلزم عنه الإخبار بخلاف الواقع، فالإخبار فعل زائد على مجرد الرتق، قد يقترن به، وقد يتجرد الرتق عنه.
    على أن الصدق ليس واجبًا في كل مقام، بل يجوز تركه في مواضع؛ قال السَّفَّاريني في شرح منظومة الآداب -بعد أن ذكر ما نقله ابن حزم من الاتفاق على تحريم الكذب في غير الحرب، وغير مُداراة الرجل امرأته، أو إصلاح بين اثنين، أو دَفْع مظلمة-: "هذا ما ورد فيه النص، ويقاس عليه ما في معناه، ككذبه لستر مال غيره عن ظالم، وإنكاره المعصية؛ للستر عليه أو على غيره ما لم يجاهر الغير بها، بل يلزمه الستر على نفسه وإلا كان مجاهرًا، اللهم إلا أن يريد إقامة الحد على نفسه كقصة ماعز، ومع ذلك فالستر أولى ويتوب بينه وبين الله تعالى. وكل ذلك يرجع إلى دفع المَضَرَّات" ([117]).
    وقال الإمام ابن الجوزي: "كل مقصود محمود لا يمكن التوصل إليه إلا بالكذب فهو مباح، وإن كان ذلك المقصود واجبًا فهو واجب" ([118]).
    وقال السيوطي في قواعده: "الكذب مفسدة محرمة ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز، كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها. وهذا النوع راجِعٌ إلى ارتكاب أَخَفِّ المفسدتين في الحقيقة" ([119]).
    وقال المُحَقِّق ابن حَجَر في التُّحْفة -عند قول المنهاج: "من أقر بعقوبة لله تعالى فالصحيح أن للقاضي أن يُعَرِّض له بالرجوع"-: "وأفهم قوله: (بالرجوع) أنه لا يُعَرِّض له بالإنكار؛ لأن فيه حَمْلا على الكذب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لما مر في الزنا أن إنكاره بعد الإقرار كالرجوع عنه. ثم رأيتهم صَرَّحوا بأن له التعريض بالإنكار وبالرجوع. ويجاب عما علل به بأن تَشَوُّف الشارع إلى درء الحدود ألغى النظر إلى تضمن الإنكار للكذب، على أنه ليس صريحًا فيه فخَفَّ أمره" اهـ ([120])
    ولا ريب أن المرأة إذا أجرت الرتق؛ لئلا تنفضح مستعينة بذلك على استدامة الاستقامة أو استئنافها كان ذلك منها مقصدًا محمودًا، ومصلحة محققة، وارتكابًا لأخف المفسدتين. ومنعها من ذلك، وإلجاءها إلى طريق الفضيحة من أخطر أسباب الانحراف إلى الرَّذيلة وارتكاب الموبقات.
    فبان بهذا تهافت الاستدلال بحصول هذه المفاسد المُدَّعاة، وأنها مفاسد نادرة أو موهومة، فلا اعتبار لها، والله أعلم.
    الاعتراض الثامن ( الاكتفاء بالشهادة الطبية ):
    قالوا: إن مفسدة التُّهْمة في حق المرأة التي زالت بكارتها بغير زنا منها يمكن إزالتها عن طريق شهادة طبية بعد الحادثة تثبت براءة المرأة، وهذا السبيل هو أمثل السبل، وعن طريقه تزول الحاجة إلى فعل جراحة الرتق ([121]).

    ونقول في الجواب عن هذا: إن تقريرنا جواز إجراء عملية الرتق مبنيٌ على نظرة المجتمع للمرأة التي ذهبت بكارتها؛ فالعرف الاجتماعي الحالي في كثير من بلاد المسلمين قد أعطى لغشاء البكارة اعتبارًا فوق ما أعطاه الشرع، واعتبره دليلا على فِسْق المرأة ودَنَسها دون الشرع، وفي ظلِّ هذا العرف فإنه لا يكفي مجرد تحرير شهادة طبية يُبَيَّن فيها أن التمزق سببه جراحة أو حادث أو غير ذلك مما لا يشِين عرض المرأة؛ لأن ذلك في الأغلب الأعم لا يطفئ نار الشك في نفس زوج المستقبل، ولا يكفي أيضًا لإقناع من يعلم بهذا من أهله أو غيرهم؛ لأنه يقال: إن هذه الشهادة قد تكون حُرِّرت مخالفة للحقيقة عن طريق رِشْوة المختص.
    ولو أننا استعملنا سد الذرائع كما استعمله المانعون، لقلنا: إن القول بجواز اللجوء لتحرير شهادة طبيّة للمرأة التي زالت بكارتها يفتح الباب للمومسات ومحترفات الدعارة أن يلجأن لأخذ شهادات طبيَّة مماثلة عن طريق الرشوة وبذل المال، ومعلوم أن كتابة التقارير الطبية أسهل وأيسر من إجراء عمليّة الرتق، ولن يعدم هؤلاء النسوة من يقوم لهن بهذا.

    ولكن ينبغي أن ننبه أن الأعراف لو تغيرت في زمن ما أو في مكان ما، وصارت نظرة الناس لغشاء البكارة موافقة لنظرة الشرع، فلم يجعل عدمه دليلا على الفاحشة، وسببًا للطعن في العرض، وذريعة لسوء الظن والتهمة، بل كان أمر المرأة محمولا على الصلاح وعدم التهمة، فيَرتَدّ حينئذ إجراء عملية الرتق إلى أصل المنع؛ لانتفاء معنى الستر المراد، وللزوم كشف العورة للاحاجة أو ضرورة حينئذ، مع غلبة المفاسد.
    وكذلك لو وجدت وسيلة أخرى جائزة تدفع التهمة عن المرأة وتحقق الستر بيقين، فلا يُلْجَأ هنا أيضًا لعملية الرتق؛ لأنها لا تصير مُتَعيِّنة حينئذ لتحقيق مصلحة الستر، ودفع مفسدة الفضيحة وسوء الظن ونحو ذلك مما سبق ذكره.



    الباب الثالث
    في أحكام الطبيب المباشر لجراحة الرتق


    الفصل الأول
    في حكم إجراء الطبيب جراحة الرتق
    أصل مشروعية الإقدام على إجراء عملية رتق غشاء البكارة ثابت للطبيب في الحالات التي أجزناها فيها؛ وذلك لما في فعله هذا من تحقيق مقاصد الشرع الشريف في الستر على الخلق، وتفريج الكُرَب عن أصحابها.
    وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المُسْلِم أخو المُسْلِم لا يَظْلِمه ولا يُسْلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرَّج عن مُسْلِم كُرْبة فَرَّج الله عنه كُرْبة من كُرُبات يوم القيامة، ومن سَتَر مسلمًا سَتَره الله يَوم القيامة" ([122]).
    وقال: "من نَفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفَّس الله عنه كُرْبة من كُرَب يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعْسِر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سَتَر مُسْلمًا سَتَره الله في الدنيا والآخرة، والله في عَوْن العَبْد ما كان العَبْد في عَوْن أخيه" ([123]).
    وقال: "من سَتَر عَوْرة أخيه المُسْلِم سَتَر الله عَورته يوم القيامة، ومن كشف عَوْرة أخيه المُسْلِم كَشَف الله عَوْرته حتى يَفْضَحه بها في بيته" ([124]).

    وعن عُقْبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سَتَر مؤمنًا كان كمن أحيا مَوءودة من قبرها" ([125]).
    وفي رواية: "من رأى عَوْرة فسَتَرها كان كمن أحيا مَوءودة" ([126]).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أطفأ عن مؤمن سَيِّئة كان خيرًا ممن أحيا موءودة" ([127]).
    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرى امرؤ من أخيه عَوْرة فيسترها إلا سَتَره الله وأدخله الجَنَّة" ([128]).
    وعن نُعَيم بن هَزَّال رضي الله عنه عن أبيه أن ماعز بن مالك رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "أقم عَلَيّ كتاب الله فأعرض عنه أربع مرات، ثم أمر برجمه، فلما مسته الحجارة جزع، فخرج، فهرب، فاستقبله رجل فضربه بشيء معه فقتله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بأمره، فقال: "هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه، ثم قال: يا هَزَّال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا لك" ([129]).
    ولا شك أن قيام الطبيب بقيامه بعملية الرتق يُحَقِّق كل ما حَضَّت عليه الأحاديث السالفة من ستر العورات، وتفريج الكرب عن المكروبين، والقيام في حوائج الناس، وإعانة الغير.
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَقِيلوا ذَوي الهَيْئات عَثَراتهم"، وفي رواية: " أَقِيلوا ذَوي الهَيْئات زَلاتهم" ([130])، فمن كانت مُسْلمة عفيفة مستقيمة، ثم عَرَضَت لها معصية كالزنا -والعياذ بالله تعالى-، فإن الستر عليها وكتمان أمرها وإرجاعها إلى جادَّة العفاف يعتبر من إقالة العَثَرات، وقيام الطبيب بإجراء تلك العملية لها مُحَقِّقٌ لذلك كله؛ فهو من وسائل تحقيق تلك الإقالة.
    وما جاء في سير الصحابة والسلف الصالح وسلوكهم العملي يَدْعَم هذا كلَّه، ويؤكد عدم تَشَوُّفِهم لهَتْك الناس، أو التَّشَفِّي في العصاة، وسعيهم لسترهم حتى في موجبات الحدود، ومن ذلك:
    ما جاء عن دخين بن عامر كاتب عقبة بن عامر رضي الله عنهما قال: "كان لنا جيران يشربون الخمر فنهيتهم فلم ينتهوا، فقلت لعقبة بن عامر: إن جيراننا هؤلاء يشربون الخمر، وإني نهيتهم فلم ينتهوا، فأنا داع لهم الشُرَط". فقال: "دَعْهُم!" ثم رجعت إلى عقبة مرة أخرى، فقلت: "إن جيراننا قد أَبَوْا أن ينتهوا عن شرب الخمر، وأنا داع لهم الشُرَط". قال: "وَيْحَك دَعْهم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر معنى حديث: من رأى عَوْرة فسترها كان كمن أحيا مَوءودة" ([131]).

    وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله" ([132]).
    وعن أبي الزبير المكي أن رجلا خطب إلى رجل أخته، فذكر أنها قد كانت أحدثت -أي أصابت ما يوجب عليها حد الزنا-، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فضربه أو كاد يضربه ([133]).
    وعن طارق بن شهاب أن رجلا خطب إليه ابنة له، وكانت قد أحدثت، فجاء إلى عمر فذكر ذلك له، فقال له عمر: "ما رأيت منها؟"، قال: "ما رأيت إلا خيرًا". قال: "فزَوِّجْها، ولاتُخْبِِر".
    وعن الشَّعْبي أن جارية فَجَرَت فأقيم عليها الحد، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين، فتابت الجارية، فحسنت توبتها وحالها، فكانت تُخْطَب إلى عمها فَيَكْره أن يزوجها حتى يُخْبِر ما كان من أمرها، وجعل يَكْره أن يُفْشي عليها ذلك، فذكر أمرها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: "زَوِّجْها كما تزوجوا صالحي فتياتكم".
    وعنه أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: "يا أمير المؤمنين! إني وأدت ابنة لي في الجاهلية، فأدركتها قبل أن تموت، فاستخرجتها، ثم إنها أَدْرَكت، فحَسُن إسلامها. وإنها أصابت حدًّا من حدود الإسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح نفسها فاستَنْقَذتها وقد خرجت نفسها، فداويتها حتى برأ كَلْمُها، فأقبلت إقبالا حسنًا، وإنها خُطِبت إليَّ، فأذكر ما كان منها؟"، فقال عمر: "هاه لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يسمع بها أهل الوَبَر وأهل الودم". وفي رواية: "يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة". وفي رواية: "أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكَالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة".

    ورُوي أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة، فأمَرَّت الشفرة على أوداجها، فأُدرِكت، فدووي جرحها حتى برئت، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم، فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يُدَلِّسَها، ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: "لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه" ([134]).
    وأُتِي عمر بسارق قد اعترف، فقال عمر : "إني لأرى يد رجل ما هي بيد سارق"، فقال الرجل: "والله ما أنا بسارق"، فأرسله عمر ولم يقطعه.
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أتي له بسارق وهو يومئذ أمير، فقال: "أسرقت؟ أسرقت؟ قل: لا. قل: لا". مرتين أو ثلاثًا.
    وأُتِي برجل أقر بسرقة، فقال له الحسن بن عليٍّ: "لعلك اختلست"؛ لكي يقول: لا.
    وعن ابن جريج أن عطاء قال: "كان من مضى يؤتى بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا". قال ابن جريج: "ولا أعلم إلا سَمَّى أبا بكر وعمر".
    وروي أن عليًّا رضي الله عنه أتي له برجل وامرأة وجدا في خَرِبَة، فقال له عليٌّ: "أقربتها؟" فجعل أصحاب عليٍّ يقولون له: "قل: لا"، فقال: "لا", فخَلَّى سبيله ([135]).
    وسُرِقت عَيبة لعمار رضي الله عنه بالمزدلفة فوضع في أثرها حِقَّته ودعا القافَة ([136]) فقالوا: حبشي، واتبعوا أثره حتى انتهى إلى حائط وهو يُقَلِّبُها، فأخذها وتركه، فقيل له، فقال: "أسترُ عليه؛ لعلَّ الله أن يستر عَلَيَّ" ([137]).
    وقال الفُضَيْل بن عِيَاض -رحمه الله تعالى-: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يَهْتِك ويُعَيِّر" ([138]).

    وقيام الطبيب بإجراء عملية الرتق لمن احتاجتها فيه إمعان في الستر؛ لأن الستر عليها بمجرد السكوت وعدم فضح أمرها والإخبار عنها وإن كان فيه أيضًا نوع ستر، إلا أنه ستر ناقص مؤقت، لأنه يزول إذا تزوجت مثلا فبان زوال عذريتها، أما القيام بإجراء العملية لها فيه تحقيق للستر الأكثر ديمومة. كما أن الستر بالسكوت ستر بالترك، والترك المقصود وإن كان فعلا كما هو مقرر في الأصول ([139])، إلا أن الستر بإجراء العملية فيه مزيد فعل فيُقَدَّم أيضًا من هذا الجانب.

    وقيام الطبيب بهذه الجراحة له أَثَرٌ عامٌّ مطلوب، وهو إخفاء المعصية وعدم إشاعتها في المجتمع وقَتْل ذكرها بين الناس كما سبق بيانه، وله أََثَرٌ آخر خاص؛ ففي حالة رتق البكارة الزائلة بغير وطء، يَقي صاحبتها أن يُظَنَّ بها ظَنَّ السوء، قال ابن عمر رضي الله عنه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حُرْمتك والذي نَفْس محمد بيده لحُرْمَة المؤمن أعظم عند الله حُرْمة منك ماله ودمه وأن نَظُنُّ به إلا خيرًا" ([140])، وكذلك يرفع الطبيب عنها -وعن أهلها، وذويها- أذى معنويًّا كان سيلحق بها، وهو يفوق في الضرر والإيلام ما يحصل من مجرد الجُرح العادي أو المرض المعتاد. مع ما في ذلك من إقامة لهذه المرأة على العفاف؛ لأنه في بعض الحالات قد تهوي المرأة في حَبَائل الرذيلة بعد أن فَقَدت عذريتها بما لا يشِين شرفها أصلا؛ لأنها فقدت العلامة التي يعتبرها العُرْف شرط الطهارة والعفاف، ولا تستطيع التصريح بذلك خوفًا من التُّهْمة فتَرفض الخطاب والأزواج، ولا تستطيع دفع غائِلَة الشَّهْوة المرَكَّبة في بني آدم بمقتضى الجِبِلَّة والطَّبْع، فتُشْرف على مواقعة المحظور أو تقع فيه لا سِيَّما وقد فقدت الرادِع الاجتماعي، فإن فُقِد الرادع الديني والوازع الخلقي كذلك فلا شيء يمنعها ساعتئذ من مواقعة المحظور.

    وفي حالة من زالت بكارتها بزنا خفي فإن في قيام الطبيب بجراحة الرتق تحضيضًا لهذه المرأة على التوبة، وعلى طَيِّ صفحة ملوثة من الماضي، لو ظلت شاخصة أمامها لأورثتها يأسًا من استصلاح نفسها وتطهير ذاتها، بخلاف ما إذا رُفِع عنها أَثَرُ زَلَّتها، ومُنِحَت فرصة جديدة تستئنف بها حياتها كما الطاهرات، فإن ذلك لا نحسبه إلا كمن أحيا نفسًا، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[المائدة: 32].



    الفصل الثاني
    فيما يلزم الطبيب إزاء ما يرد إليه من حالات


    الطبيب له ثلاثة أحوال أمام من تريد إجراء جراحة الرتق:
    الأولى: أن يعلم أن المرأة التي تريد إجراء جراحة الرتق لا يجوز لها الإقدام عليها؛ بأن كان سبب افتضاض عذريتها وطئًا في نكاح، كذات زوج، أو مطلقة، أو أرملة، فإنه والحالة هذه لا يجوز له أن يُجري لها الجراحة المطلوبة؛ لأن ذلك إجارة على فِعْل المُحَرَّم، ولِمَا فيه من عَوْن على المعصية، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

    الثانية: أن يعلم أنها ممن يجوز لهن إجراء جراحة الرتق؛ بأن كان سبب افتضاضها ليس وطئًا، أو كان وطئًا مع إكراه ونحوه، أو وطئًا في زنا خفي لم يشتهر عنها ولم تُعْرف به، فلا إشكال في مشروعية قيامه بإجراء هذه الجراحة لها.

    الثالثة: أن يجهل حالها، ولا يعلم من أي صِنْف هي، فله حينئذ أن يقدم على إجراء الجراحة لها، وليس عليه أن يُفَتِّش عن حالها أو أن يسألها عن أمرها؛ تقديمًا لإحسان الظن بها؛ فزَوَال البكارة له أسباب متعددة، وليس زوالها متعينًا في سبب الزنا، فيَحْمِل الطبيب حالها على الصلاح وعدم المعصية؛ لأنه هو الأصل، لاسِيَّما وأن زوال البكارة لا يعتبر دليلا لإثبات الزنا؛ ولا تلازم أصلا بين زوالها وبين حصول الفاحشة ووقوع الزنا.
    وقد قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الذينَ آَمَنُوا اجتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، وفي هذا نهي للمؤمنين عن كثير من الظن، وهو التُّهْمة والتَّخَوُّن للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا مَحْضًا، فليجتنب كثيرًا منه احتياطًا ([141]).

    قال الإمام القرطبي: "ومحل التحذير والنهي إنما هو تُهْمة لا سبب لها يوجبها، كمن يُتَّهَم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك... وإن شئت قلت: والذي يُمَيِّز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأُونِسَت منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة مُحَرَّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الرِّيَب والمجاهرة بالخبائث" اهـ ([142]).
    وقال تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا}[الحجرات: 12]، أي: ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تَفَعُّلٌ من الجَسِّ لما فيهِ منْ مَعْنى الطلب ([143]). قال القرطبي: "ومعنى الآية: خذوا ما ظَهَر ولا تَتَّبعوا عورات المسلمين، أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يَطَّلع عليه بعد أن ستره الله" ([144]).
    وقال تعالى: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ}. قال الإمام أبو بكر بن العربي: "هذا أصل في أن درجة الإيمان التي حازَها الإنسان، ومنزلة الصلاح التي حَلَّها المرء، ولُبْسَة العفاف التي تَسَتَّر بها المسلم لا يُزِيلها عنه خَبَرٌ مُحْتَمَل، وإن شاع، إذا كان أصله فاسدًا أو مجهولا" ([145]) اهـ.
    وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكُم والظَّنّ فإنَّ الظَّنّ أَكْذَبَ الحديث، ولا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسَّسُوا ولا تَنَافَسُوا ولا تَحَاسَدوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا وكونوا عِبَاد الله إخوانًا" ([146]).

    وعن حارثة بن النعمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثٌ لازمات لأمتي: الطِيَرة، والحَسَد، وسوء الظنّ". فقال رجل: "ما يذهبهن يا رسول الله ممن هو فيه؟"، قال: "إذا حَسَدتَ فاستغفر الله، وإذا ظَنَنتَ فلا تحقق، وإذا تَطَيَّرت فامض" ([147]). فقوله: "إذا ظننت فلا تحقق" يقتضي من المؤمن أن يَكُفَّ عن مجاراة ظنه، وألا يجتهد في البحث والتحقيق ليكتشف عورة المظنون فيه ([148]).
    وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنك إن اتبعت عَوْرات الناس أو عَثَرات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" ([149]).
    وفي رواية: "أعرضوا عن الناس ألم تر أنك إن اتَّبَعت الرِّيبة في الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم" ([150]).
    قال المناوي في فيض القدير: "(أعرضوا) بهمزة مقطوعة مفتوحة وراء مكسورة من الإعراض، يقال: أعرضت عنه: أضربت ووليت، أي: وَلُّوا عن الناس، أي: لا تتبعوا أحوالهم، ولا تبحثوا عن عوراتهم. (ألم تر) استفهام إنكاري، أي: ألم تعلم. (أنك إن ابتغيت) بهمزة وصل فموحدة ساكنة فمثناة فوق فمعجمة كذا بخط المصنف في الصغير، وجعله في الكبير اتبعت بفوقية فموحدة فمهملة من الاتباع، والمعنى واحد، ولعلهما روايتان. (الريبة) بكسر الراء وسكون المثناة التحتية (في الناس) أي: التُّهْمة فيهم؛ لتَعْلَمها وتظهرها (أفسدتهم) أي أوقعتهم في الفساد. (أو كدت) أي: قاربت أن تفسدهم؛ لوقوع بعضهم في بعض بنحو غِيبة، أو لحصول تهمة لا أصل لها، أو هتك عرض ذوي الهَيْئات المأمور بإقالة عثراتهم، وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يراد إزالتها، والحاصل أن الشارع ناظرٌ إلى الستر مهما أمكن" اهـ ([151]).
    وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لابنه:"يا بني إذا سمعت كلمة من امرىء مُسْلِم فلا تحملها على شيء من الشَّر ما وجدتَ لها محملا من الخَيْر" ([152]).
    وعن زيد بن وهب قال أُتِيَ ابن مسعود رضي الله عنه، فقيل: "هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال عبد الله: إنا قد نُهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" ([153]).

    فالظن الذي يَبنيه الطبيب على زوال الغشاء، ظنٌّ مَبْنيٌّ على أمارة فاسدة، وهو داخل في الظنِّ المنهي عنه، فينبغي أن يحجم عنه. فإن لم يمكنه التخلص منه نفسيًّا فلا أقل من أن لا يرتب عليه شيئًا عمليًّا، ويعامل المرأة بمقتضى حسن الظن، ويحمل أمرها على الصلاح، ويلبي طلبها إن كان ذلك في مقدوره ([154]).
    والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

  11. #56
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    احكام النقض بشان النسب/ثبوته/ونفيه

    ثبوت النسب و نفيه
    =================================
    الطعن رقم 0010 لسنة 29 مكتب فنى 13 صفحة رقم 72
    بتاريخ 17-01-1962
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية أن " الولد للفراش " و قد فرع الفقهاء على هذا الأصل أن النسب يثبت بالفراش الصحيح و هو الزواج الصحيح و ملك اليمين و ما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو شبيهه ، كما فرعوا عليه أن النسب لا يثبت ما لم يثبت سببه بالحجة لأن ثبوت الحكم ينبنى على ثبوت السبب ، و رتبوا على ذلك أن الزنا لا يثبت نسباً و إختلفوا فيما تصير به الزوجة فراشاً على ثلاثة أقوال : أحدهما أنه نفس العقد و إن لم يجتمع بها بل و لو طلقها عقيبة فى المجلس ، و الثانى أنه العقد مع إمكان الوطء ، و الثالث أنه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه .


    =================================
    الطعن رقم 0025 لسنة 30 مكتب فنى 13 صفحة رقم 1046
    بتاريخ 21-11-1962
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    لئن كان الفقهاء إختلفوا فيما تصير به الزوجة فراشاً على ثلاثة أقوال : أحدهما ـــ أنه نفس العقد و إن لم يجتمع الزوج بها أو طلقها عقيبه فى المجلس ـــ و الثانى ـــ أنه العقد مع إمكان الوطء ـــ و الثالث ـــ أنه العقد مع الدخول الحقيقى لا إمكانه المشكوك فيه ،
    و كانت المادة 15 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية قد نصت على أنه " لاتسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقى بينها و بين زوجها من حين العقد " و هو مذهب وسط ، و كان ما قرره شاهد الإثبات من أنه لا يعلم أن الطاعن قد عاشر المطعون عليها أثر الزواج العرفى معاشرة الأزواج لا يفيد ثبوت عدم التلاقى بينهما فى الحكم المطعون فيه ـــ إذ لم يخالف هذا النظر ـــ لا يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 30 مكتب فنى 13 صفحة رقم 1146
    بتاريخ 19-12-1962
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    يثبت النسب بالفراش و الإقرار كما يثبت بالبينة فإذا كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بثبوت النسب على دعامات عدة من بينها شهادة الشهود الذين شهدوا بإسلام الطاعن ، و إستخلص منها ما يتفق و الثابت فى محضر التحقيق ، و كان الدليل المستمد من شهادة الشهود يكفى لحمله و كان إستخلاص الواقع منها أمراً يستقل به قاضى الموضوع لتعلقه بتقدير الدليل ، فإن النعى عليه يكون غير منتج ، و لا يغير من ذلك ما أورده الحكم بشأن ثبوت النسب مع إختلاف الدين فهو إفتراض جدلى لم يقم عليه قضاءه .

    ( الطعن رقم 29 لسنة 30 ق ، جلسة 1962/12/19 )
    =================================
    الطعن رقم 0023 لسنة 30 مكتب فنى 14 صفحة رقم 21
    بتاريخ 02-01-1963
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    إن الحمل مما يخفى على المرأة و يغتفر التناقض فيه .


    =================================
    الطعن رقم 003 لسنة 32 مكتب فنى 14 صفحة رقم 331
    بتاريخ 20-03-1963
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    متى كان الثابت فى الدعوى أن الطلاق " الحاصل سنة 1944 " نظير الابراء من مؤخر الصداق و نفقة العدة فإنه يكون طلاقا بائنا طبقا للمادة الخامسة من القانون رقم 25 لسنة 1929 التى تنص على أن " كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث و الطلاق قبل الدخول و الطلاق على مال . . . " و إذ كان ذلك و كانت دعوى المطعون عليها تقوم على ماتدعيه من حصول زواج جديد بينها و بين الطاعن بعد الطلاق المذكور بعقد و مهر جديدين و لم تقدم وثيقة زواج رسمية أو عرفية تدل على ذلك ، و كانت إقراراتها بمحضر تحقيق النيابة و أمام محكمة أول درجة و اعلانات الدعاوى التى رفعتها على الطاعن تفيد عدم حصول هذا الزواج الجديد ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بثبوت نسب الصغير " المولود سنة 1950 " إلى الطاعن يكون فضلا عن قصوره قد خالف القانون إذ تكون المطعون عليها قد أتت به لأكثر من سنه من تاريخ الطلاق .

    ( الطعن رقم 3 سنة 32 ق ، جلسة 1963/3/20 )
    =================================
    الطعن رقم 0035 لسنة 32 مكتب فنى 15 صفحة رقم 787
    بتاريخ 10-06-1964
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    إذا كان ما إستظهره الحكم لا ينبىء عن قيام زواج صحيح أو فاسد أو وطء بشبهة بين الطاعنة و المطعون عليه مما يعتبر فراشا صحيحا يثبت معه نسب الصغير إليه ، فإن النعى عليه بمخالفة القانون فيما قرره من أن الولد المطلوب إثبات نسبه إبن للمطعون عليه من الزنا يكون على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 0019 لسنة 32 مكتب فنى 16 صفحة رقم 68
    بتاريخ 20-01-1965
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    فى الدعوى بطلب نفقة للصغير يكون موضوع النسب قائماً بإعتباره سبب الإلتزام بالنفقة لا تتجه الى المدعى عليه الا به فيكون قائماً فيها وملازماً لها وتتبعه وجوداً وعدماً ، و على ذلك فمتى كان الحكم المطعون فيه قد قضى برفض الدفع بعدم جواز نظر دعوى نسب الصغير إستناداً إلى أن موضوعها يختلف عن موضوع دعوى النفقة فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأفى تطبيقه .

    ( الطعن رقم 19 لسنة 32 ق ، جلسة 1965/1/20 )
    =================================
    الطعن رقم 0032 لسنة 32 مكتب فنى 17 صفحة رقم 1480
    بتاريخ 29-06-1966
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    الأصل فى دعوى النسب أن ينظر إلى النسب المتنازع فيه ، فلو كان مما يصح إقرار المدعى عليه به و يثبت بإعترافه و ليس فيه تحميل النسب على الغير كالأبوة و البنوة فإنها تسمع مجردة أو ضمن حق آخر سواء إدعى لنفسه حقاً أو لم يدع ، و يغتفر فيها التناقض لأن مقصودها الأصل هو النسب ، و النسب يغتفر فيه التناقض للخفاء الحاصل فيه ، و لو كان مما لا يصح إقرار المدعى عليه به و لا يثبت بإعترافه وفيه تحميل النسب على الغير كالأخوة و العمومة لا تسمع إلا أن يدعى حقاً من إرث أو نفقة و يكون هو المقصود الأول فيها و لا يغتفر فيها التناقض لأنه تناقض فى دعوى مال لا فى دعوى نسب ، و دعوى المال يضرها التناقض ما دام باقياً لم يرتفع و لم يوجد ما يرفعه بإمكان حمل أحد الكلامين على الآخر أو بتصديق الخصم أو بتكذيب الحاكم أو بقول المتناقض " تركت الكلام الأول " مع إمكان التوفيق بين الكلامين و حمل أحدهما على الآخر ، و هو يتحقق متى كان الكلامان قد صدرا من شخص واحد و كان أحد الكلامين فى مجلس القاضى و الآخر خارجه و لكن يثبت أمام القاضى حصوله إذ يعتبر الكلامان و كأنهما فى مجلس القاضى .


    =================================
    الطعن رقم 014 لسنة 33 مكتب فنى 17 صفحة رقم 1811
    بتاريخ 07-12-1966
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    دعوى النسب لا تزال باقية على حكمها المقرر فى الشريعة الإسلامية ويجوز إثباتها بالبينة .


    =================================
    الطعن رقم 0016 لسنة 34 مكتب فنى 17 صفحة رقم 772
    بتاريخ 30-03-1966
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    ثبوت نسب الولد حق أصلى للأم حكق الولد لأنها تعير بولد ليس له أب معروف .


    =================================
    الطعن رقم 0016 لسنة 34 مكتب فنى 17 صفحة رقم 772
    بتاريخ 30-03-1966
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    الأصل فى دعوى النسب أنها تسمع ولو كانت مجردة وليست ضمن حق آخر متى كان المدعى عليه بالنسب حياً وليس فيها تحميل النسب على الغير .


    =================================
    الطعن رقم 0016 لسنة 34 مكتب فنى 17 صفحة رقم 772
    بتاريخ 30-03-1966
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    النسب فى جانب المرأة يثبت بالولادة ولا مرد لها وهو إذ ثبت يلزم لا يحتمل النفى أصلاً ، وفى جانب الرجل يثبت بالفراش وبالإقرار وبالبينة وهو بعد الإقرار به لا يحتمل النفى لأن النفى يكون إنكارا بعد الإقرار فلا يسمع .


    =================================
    الطعن رقم 0044 لسنة 33 مكتب فنى 18 صفحة رقم 589
    بتاريخ 08-03-1967
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 5
    يثبت النسب فى الشريعة الاسلامية ، بالإقرار ، وإذ عول الحكم المطعون فيه على إقرار المورث للمطعون عليهما بالنسب ، فإنه يكون صحيحاً فيما إنتهى إليه .


    =================================
    الطعن رقم 0022 لسنة 35 مكتب فنى 18 صفحة رقم 655
    بتاريخ 15-03-1967
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 5
    من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية أن " الولد للفراش " واختلفوا فيما تصير المرأة به فراشاً على ثلاثة أقوال أحدها أنه نفس العقد و إن لم يجتمع الزوج بها أو طلقها عقيبه فى المجلس و الثانى أنه العقد مع إمكان الوطء والثالث أنه العقد مع الدخول الحقيقى لا إمكانه المشكوك فيه ، والقول بأن معنى التلاقى هو الإتصال الجنسى يؤدى إلى أن الفراش لا يثبت إلا بالدخول الحقيقى و هو ما لم يقصده الشارع بالمادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 .
    الطعن رقم 0030 لسنة 35 مكتب فنى 18 صفحة رقم 1639
    ( الطعن رقم 22 لسنة 35 ق ، جلسة 1967/3/15 )
    =================================

    بتاريخ 08-11-1967
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    ثبوت النسب وإن كان حقاً أصلياً للأم لتدفع عن نفسها تهمة الزنا أو لأنها تعير بولد ليس له أب معروف ، إلا أنه فى نفس الوقت حق أصلى للولد لأنه يرتب له حقوقا بينها المشرع والقوانين الوضعية ، كحق النفقة والرضاع والحضانة والإرث ، ويتعلق به أيضا حق الله تعالى لإتصاله بحقوق وحرمات أوجب الله رعايتها فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها أو المساس بحقوق الله تعالى ، فإذا كانت المطعون عليها قد تركت الخصومة فى دعوى ثبوت النسب نزولا منها عن حقها فيه ، فلا ينصرف هذا النزول إلى حق الصغير أو حق الله .

    ( الطعن رقم 30 لسنة 35 ق ، جلسة 1967/11/8 )
    =================================
    الطعن رقم 0036 لسنة 35 مكتب فنى 19 صفحة رقم 522
    بتاريخ 06-03-1968
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    الوصية و الإقرار بالنسب ، كل منهما تصرف مستقل ، أحدهما بالإيصاء و ثانيهما بالإقرار بالنسب ، و بطلان أحدهما لا يستتبع حتما بطلان الآخر .


    =================================
    الطعن رقم 0004 لسنة 36 مكتب فنى 21 صفحة رقم 290
    بتاريخ 11-02-1970
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    من الأصول المقررة عند فقهاء الشريعة الإسلامية أن " الولد للفراش " و اختلفوا فيما تصير به الزوجة فراشاً على ثلاثة أقوال أحدها أنه نفس العقد و إن لم يجتمع بها ، بل لو طلقها عقيبه فى المجلس ، و الثانى أنه العقد مع إمكان الوطء و الثالث أنه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه ، و قد اختار الشارع بالمرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الرأى الثانى على ما يؤدى إليه نص المادة 15 منه . و هذا يدل على أن المناط فيما تصير به الزوجة فراشاً إنما هو العقد مع مجرد إمكان الوطء بصرف النظر عن تحقق الدخول أو عدم تحققه .


    =================================
    الطعن رقم 011 لسنة 37 مكتب فنى 21 صفحة رقم 1161
    بتاريخ 25-11-1970
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    النسب يثبت شرعا عند الإنكار بالبينة .


    =================================
    الطعن رقم 027 لسنة 38 مكتب فنى 23 صفحة رقم 1132
    بتاريخ 14-06-1972
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    النسب يثبت فى جانب الرجل ـــ و على ما قضت به هذه المحكمة ـــ بالفراش و بالإقرار و البينة .


    =================================
    الطعن رقم 0030 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 1004
    بتاريخ 11-07-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    الأصل فى دعوى النسب - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن ينظر إلى النسب المتنازع فيه ، فلو كان مما يصح إقرار المدعى به و يثبت بإعترافه و ليس فيه تحميل النسب على الغير كالأبوة و البنوة ، فإنها تسمع مجردة أو ضمن حق آخر ، سواء إدعى لنفسه حقاً أو لم يدع ، و يغتفر فيها التناقض لأن مقصودها الأصلى هو النسب ، و النسب يغتفر فيه التناقض ، للخفاء الحاصل فيه . أما لو كان مما لا يصح إقرار المدعى عليه به ، و لا يثبت بإعترافه و فيه تحميل النسب على الغير ، كالأخوة و العمومة ، فلا تسمع إلا أن يدعى حقاً من إرث أو نفقة ، و يكون هو المقصود الأول فيها و لا يغتفر فيها التناقض ، لأنه تناقض فى دعوى مال لا فى دعوى نسب ، و دعوى المال يضرها التناقض ما دام باقياً لم يرتفع ، و لم يوجد ما يرفعه بأمكان حمل الكلامين على الآخر ، أو بتصديق الخصم أو تكذيب الحاكم ، أو بقول المتناقض تركت الكلام الأول مع إمكان التوفيق بين الكلامين و حمل أحدهما على الآخر ، و التناقض يتحقق متى كان الكلامان قد صدرا من شخص واحد ، و كان أحد الكلامين فى مجلس القاضى و الآخر خارجه ، و لكن ثبت أمام القاضى حصوله ، إذ يعتبر الكلامان و كأنهما فى مجلس القاضى . و إذ كان البين من الإطلاع على محاضر جلسات الدعوى رقم 1383 لسنة 1959 مدنى بندر طنطا أن مورث المطعون عليهم الخمسة الأولين - المدعى فى دعوى النسب - دعى للإدلاء بشهادته فيها بجلسة أول ديسمبر 1960 و أقر بأنه لا تربطه بالمتوفاة صلة قرابة ، و كان هذا القول منه يتناقض مع الأساس الذى أقام عليه دعواه الماثلة فى سنة 1966 ، من أنه إبن إبن عمها و يرث نصف تركتها تعصيباً ، و كان الحكم المطعون فيه قد أطلق القول و ذهب إلى أن التناقض فى النسب عفو يغتفر ، مع أن النزاع يتعلق بدعوى العمومة ، و المقصود الأول فيها هو المال ، و لا يتعلق بدعوى أبوه أو بنوه فإن الحكم يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون . و إذ حجب الحكم نفسه بهذا التقرير القانونى الخاطئ عن بحث إمكان رفع هذا التناقض بين الكلامين فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإحالة .

    ( الطعن رقم 30 لسنة 39 ق ، جلسة 1973/7/11 )
    =================================
    الطعن رقم 019 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 677
    بتاريخ 25-04-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    من الأصول المقررة فى الشريعة الإسلامية ـ و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن " الولد للفراش " و فرع الفقهاء على هذا الأصل أن النسب يثبت بالفراش الصحيح ، و هو الزواج الصحيح و ملك اليمين و ما يلحق به ، و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو بالدعوة فى وطء بشبهة .

    ( الطعن رقم 19 لسنة 39 ق ، جلسة 1973/4/25 )

    =================================
    الطعن رقم 024 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 816
    بتاريخ 23-05-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    النسب يثبت بالفراش ، و إذ كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بأن نسب الصغيرة من الطاعن ثبت بالفراش ، و إستند فى ذلك إلى أقوال شاهدى المطعون عليها ، و أضاف إلى هذه البينة الشرعية سكوت الطاعن عن نفى النسب من تاريخ ولادة البنت فى يوليه سنة 1962 حتى سبتمبر سنة 1967 ، و إقدامه على الزواج الرسمى من المطعون عليها فى سنة 1964 بعد ولادتها للصغيرة ، و كان ما إستند إليه الحكم يكفى لحمله ، فإن النعى عليه بالقصور يكون على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 024 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 816
    بتاريخ 23-05-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أنه و إن كان ثبوت النسب حق أصلى للأم لتدفع عن نفسها تهمة الزنا ، أو لأنها تعير بولد ليس له أب معروف ، فهو فى نفس الوقت حق أصلى للولد ، لأنه يرتب له حقوقاً بينها المشرع و القوانين الوضعية كحق النفقة و الرضاع و الحضانة و الإرث ، و يتعلق به أيضاً حق الله تعالى لإتصاله بحقوق و حرمات أوجب الله رعايتها ، فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها أو المساس بحقوق الله تعالى . و إذ إلتزم الحكم المطعون فيه هذا النظر و قرر " إن الإعتراف المنسوب إلى المطعون عليها بإنكار نسب البنت ، لا يؤثر على حق الصغيرة فى ثبوت النسب و لا يدفع ما ثبت بالبينة الشرعية " ، فإن النعى عليه يكون فى غير محله .


    =================================
    الطعن رقم 026 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 1232
    بتاريخ 05-12-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    النسب يثبت بالإقرار ، و هو بعد الإقرار به لا يحتمل النفى ، لأن النفى يكون إنكاراً بعد الإقرار فلا يسمع ، و إذا أنكر الورثة نسب الصغير بعد الإقرار ، فلا يلتفت إليهم ، لأن النسب قد ثبت بإعتراف المقر و فيه تحميل لنسب على نفسه ، و هى أدرى من غيره بالنسبة لما أقر به ، فيرجع قوله على قول غيره .


    =================================
    الطعن رقم 026 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 1232
    بتاريخ 05-12-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    متى كان الحكم المطعون فيه قد رد على ما إدعاه الطاعن من أن الطفل الذى أقر المورث ببنوته هو اللقيط الذى تسلمه من المستشفى ، فإنه مع التسليم بهذا الإدعاء ، فإن المورث أقر بأن هذا الطفل هو إبنه و لم يقل أنه يتبناه ، و هو قول من الحكم لا مخالفة فيه للقانون لأن نسب اللقيط يثبت بمجرد الدعوه و هى الإقرار بنسبه ، أما التبنى و هو إستلحاق شخص معروف النسب إلى أب أو إستلحاق مجهول النسب مع التصريح بأنه يتخذه ولداً و ليس بولد حقيقى فلا يثبت أبوة و لا بنوة و لا يترتب عليه أى حق من الحقوق الثابتة بين الأبناء و الآباء .


    =================================
    الطعن رقم 026 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 1232
    بتاريخ 05-12-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    متى كان الطاعن لم يقدم ما يدل على أنه تمسك فى دفاعه أمام محكمة الموضوع بكذب الإقرار إستناداً إلى أن المقر عقيم ، و أن المطعون عليها الأولى " زوجته " بلغت سن اليأس ، و كانت الأسباب التى إستند إليها الحكم المطعون فيه فى ثبوت النسب فيها الرد الكافى و الضمنى على ما تمسك به الطاعن من قرائن و أدله على نفيه ، لما كان ذلك فإن النعى على الحكم بالخطأ فى تطبيق القانون و القصور فى التسبيب يكون فى غير محله .


    =================================
    الطعن رقم 026 لسنة 39 مكتب فنى 24 صفحة رقم 1232
    بتاريخ 05-12-1973
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    من المقرر شرعاً أن من أقر لمجهول النسب أنه ولده فهو معترف ببنوة هذا الولد بنوة حقيقية ، و أنه خلق من مائه ، سواء أكان صادقاً فى الواقع أم كاذباً فيثبت لهذا الولد شرعاً جميع أحكام البنوه ، غير أنه إذا كان كاذباً فى الواقع ، كان عليه إثم ذلك الإدعاء لما كان ذلك فلا محل للتحدى بصورية حكم النسب - الصادر فى دعوى سابقة بناء على الإقرار به - و يكون النعى الحكم المطعون فيه ، على غير أساس .

    ( الطعن رقم 26 لسنة 39 ق ، جلسة 1973/12/5 )
    =================================
    الطعن رقم 0021 لسنة 39 مكتب فنى 25 صفحة رقم 123
    بتاريخ 09-01-1974
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    النسب يثبت فى جانب الرجل بالفراش و بالإقرار و بالبينة ، و هو بعد الإقرار به لا يحتمل النفى ، لأن النفى يكون إنكارا بعد الإقرار فلا يسمع ، و الإقرار يتعلق به حق المقر له فى أن يثبت نسبه من المقر ، و ينتفى به كونه من الزنا ، و لا يصدق الزوجان فى إبطاله . و لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه إستند فى قضائة بثبوت نسب المطعون عليه من المورث إلى البينة و أن المورث أقر ببنوته فى شهادة ميلاده ، و كان الحكم لم يثبت أن المورث أقر بأن المطعون عليه إبن زنا ، و إنما إدعته الطاعنة - الزوجة الأخرى للمورث - إستنادا إلى قرائن أوردتها فى سبب النعى ، و لما كان هذا الإقرار بالبنوة قد تعلق به حق المطعون عليه فى أن يثبت نسبه من المورث و لا يبطله أن تاريخ وثيقة زواجه من والدة المطعون عليه لا حق على ولادته بثلاثة أشهر ، لما كان ذلك ، فإن النعى على الحكم يكون على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 34 لسنة 39 مكتب فنى 25 صفحة رقم 689
    بتاريخ 17-04-1974
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    الأصل فى دعوى النسب - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن ينظر إلى النسب المتنازع فيه ، فلو كان مما يصح إقرار المدعى عليه به و يثبت بإعترافه و ليس فيه تحميل النسب على الغير كالأبوه و البنوه فإنها تسمع مجردة أو ضمن حق آخر سواء إدعى لنفسه حقاً أو لم يدع ، و يغتفر فيها التناقض لأن مقصودها الأصلى هو النسب و النسب مما يغتفر فيه التناقض للخفاء الحاصل فيه ، أما لو كان مما لا يصح إقرار المدعى عليه به ، و لا يثبت بإعترافه ، و فيه تحميل النسب على الغير كالأخوة و العمومة فلا تسمع إلا أن يدعى حقاً من إرث أو نفقة ، و يكون هو المقصود الأول فيها ، و لا يغتفر فيها التناقض لأنه تناقض فى دعوى مال لا فى دعوى نسب و دعوى المال يضرها التناقض ما دام باقياً لم يرتفع ، و لم يوجد ما يرفعه بإمكان حمل أحد الكلامين على الآخر أو بتصديق الخصم أو بتكذيب الحاكم ، أو بقول المتناقض تركت الكلام الأول مع إمكان التوفيق بين الكلامين و حمل أحدهما على الأخر لما كان ذلك و كان الثابت أن المطعون عليهما الأولين بالإشتراك مع سائر المطعون عليهم أقاما الدعوى الماثلة - بإثبات الوراثة - إستنادا إلى أنهما من ورثة المتوفى بصفتهما إبنى عم لأب ، فإن التناقض بين القولين يرتفع - بين ما جاء بمحضر التحرى فى مادة الوراثة الخاصة بالمتوفى و بين الدعوى الحالية - لأنهما لم ينفيا فى محضر التحرى القرابة التى تربطهما بالمتوفى ، و إنما غم عليهما فى البداية أن هذه القرابة من شأنها أن تورثهما لبعد الصلة ، فقررا أنهما من أقاربه غير الوارثين ، و لدى وقوفهما على الحكم الشرعى الصحيح - من واقع ما أفادت به لجنة الفتوى بالجامع الأزهر - قررا فى الدعوى الحالية أنهما من ورثته و بينا جهة الإرث . و إذ إنتهى الحكم المطعون فيه إلى هذه النتيجة السليمة ، فإنه لا يعيبه ما أورده من تقريرات خاطئة بإطلاق القول بأن التنقاض فى النسب ، عفو مغتفر ، و يكون النعى عليه فى غير محله .


    =================================
    الطعن رقم 0036 لسنة 40 مكتب فنى 25 صفحة رقم 792
    بتاريخ 01-05-1974
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    التناقض يمنع من سماع الدعوى فيما لا يخفى سببه ، ما دام باقيا لم يرتفع ، فلو إرتفع بإمكان التوقيع بين الكلامين لم يمنع من سماع الدعوى . و إذ يبين من الأوراق أن دعوى الطاعنة على المطعون عليه بأنها زوجة له بالعقد الصحيح الشرعى و دخل بها و عاشرها معاشرة الأزواج و رزق منها على فراش الزوجية ببنت بتاريخ 1966/11/8 ، لا يتناقض مع ما ذكرته فى الشكوى التى قدمتها فى شهر يوليو سنة 1966 إلى الجهة الرئيسية للمطعون عليه ذلك أن الثابت فى الدعوى أن الطاعنة تقول من الأصل بأن علاقتها بالمطعون عليه هى علاقة زوجية ، و هو ما أثبتته فى إستمارة الحالة الإجتماعية التى حررتها فى سنة 1964 من أنها زوجة له و ذلك على نحو ما شهد به مدير العلاقات العامة بالشركة التى تعمل فيها و ما أثبتته فى الشكوى التى قدمتها إلى الشرطة بتاريخ 1966/6/23 ، أما عن الشكوى التى قدمتها بعد ذلك فى شهر يوليو سنة 1966 إلى الجهة الرئيسية للمطعون عليه ، فواضح أن الطاعنة تقصد منها بعد أن تنكر لها المطعون عليه و طردها من منزل الزوجية ، مساعدتها على تصحيح الوضع و أن يوثق العقد بالطريق الرسمى صيانة للحقوق و إحتراما لروابط الأسرة بدلالة ما قالته فى الشكوى من أنه " راوغ فى إتمام " العقد و هو ما يتفق مع سبق تقريرها بقيام الزوجية ، لما كان ذلك و قد أمكن التوفيق بين الكلامين و حمل أحدهما على الآخر ، فيتعين المصير إليه ، و إذ قضى الحكم المطعون فيه بعدم سماع الدعوى للتناقض بين دعوى الطاعنة و ما جاء بالشكوى التى قدمتها إلى رئاسة المطعون عليه و ما قرره شهودها ، فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون على واقعة الدعوى .

    ( الطعن رقم 36 لسنة 40 ق ، جلسة 1974/5/1)
    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 39 مكتب فنى 26 صفحة رقم 483
    بتاريخ 26-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    النص فى المادة 906 من قانون المرافعات على أنه " يتبع فى قبول دعوى إنكار النسب و إثباتها و المواعيد التى ترفع فيها و الآثار التى تترتب عليها القواعد و الأحكام التى يقررها قانون البلد الواجب التطبيق . و توجه الدعوى إلى الأب أو الأم على حسب الأحوال و إلى الولد الذى أنكر نسبه فإذا كان قاصراً تعين أن يقام وصى خصومة " يدل على أن المشرع رأى أن ثبوت النسب كما هو حق أصلى للإبن لأنه يرتب له حقوقاً بينتها القوانين و الشرائع كحق النفقة و الحضانة و الإرث ، فإنه حق أصلى أيضاً للأم لتدفع عن نفسها تهمة الزنا ، و لئلا تعير بولد ليس له أب معروف ، و الحقان فى هذا المجال متساويان و متكاملان لا يجزىء أحدهما عن الآخر ، فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها كما لا يؤثر موقف ذلك الأخير على ما تدعيه الأم .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 39 مكتب فنى 26 صفحة رقم 483
    بتاريخ 26-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    لما كان إستلزام تمثيل الوليد القاصر بوصى خصومه - فى دعوى النسب تطبيقاً للمادة 906 مرافعات - قصد به رعاية حقوق ناقصى الأهلية مخافة تعارض صوالحهم أثناء سير الدعوى مع منكر النسب أو مدعيه ، و كان البين من الإطلاع على الأوراق أن الصغيرة المنكور نسبها مثلت فى الدعوى أمام محكمة أول درجة بالمطعون عليه الأخير بإعتباره وصى خصومة إعمالاً لحكم المادة 2/906 من قانون المرافعات ، و إذ إستأنفت الطاعنة وحدها الحكم الإبتدائى و إختصمت وصى الخصومة فى مرحلة الإستئناف الذى قدم مذكرة بإنضمامه إليها فى دفاعها و طلباتها فإن مصلحة الطاعنة - الأم - فى إقامة الطعن الماثل بادية و لا يترتب على عدم مشاركة وصى الخصومة لها فى رفعه صيرورة الحكم نهائياً بالنسبة للصغيرة للإرتباط الوثيق بين حق الأم و حق الصغير ، و يكون الدفع - بعدم قبول الطعن - غير وارد .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 39 مكتب فنى 26 صفحة رقم 483
    بتاريخ 26-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 5
    لئن كان الأصل فى الدعوى بطلب نفقة للصغير أن يكون موضوع النسب قائماً فيها بإعتبار سبب الإلتزام بالنفقة لا تتجه إلى المدعى عليه إلا به فيكون قائماً فيها و ملازماً لها و تتبعه وجوداً و عدماً أخذاً بأن سبب وجوب نفقة الولاد هو الجزئية التابعة من كون الفرع من صلب الأصل ، إلا أنه يتعين للقول بحجية حكم النفقة فى موضوع النسب أن يعرض لهذه المسألة الأساسية و يمحصها بإعتبارها سبب الإلزام بها ، لما كان ذلك و كان البين من الإطلاع على حكم النفقة أنه صدر فى غيبة المدعى عليه - المطعون عليه الأول - ، و بنى قضاءه بنفقة للصغيرة على أساس القدرة المالية للمدعى عليه فيها مبيناً القاعدة العامة و شرائطها فى نفقة الفروع على الأصول وفقاً للقانون الواجب التطبيق دون أن يبحث إنعقاد الزوجية التى تدعيها الطاعنة و مدى ثبوت نسب الصغيرة بالفراش و كان لا حجية لحكم قضى بالنفقة دون أن يناقش فعلاً واقعاً - و ليس ضمناً أو قانوناً - قرابة المحكوم عليه للمحكوم له فى صدد القرابة و النسب ، فإن الدفع بسبق الفصل فى صورة الدعوى المعروضة - دعوى إنكار النسب - يقع على غير محل .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 39 مكتب فنى 26 صفحة رقم 483
    بتاريخ 26-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 6
    من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن النسب لا يثبت ما لم يثبت سببه بالحجة ، لأن ثبوت الحكم ينبنى على ثبوت السبب و أنه ، كما يثبت بالفراش حال تحقق شروطه فإنه يثبت بالإقرار به و يثبت عند الإنكار بإقامة البينة عليه .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 39 مكتب فنى 26 صفحة رقم 483
    بتاريخ 26-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 7
    متى كان الواقع فى الدعوى أن المطعون عليه الأول أقامها منكراً نسب إبنة الطاعنة إليه فدفعتها هذه الأخيرة بأنها رزقت بها منه على فراش زوجية حرر بها عقد عرفى فقد منها و لما كان الدفع فى إصطلاح الفقهاء هو دعوى من قبل المدعى عليه أو ممن ينتصب المدعى عليه خصماً عنه يقصد بها دفع الخصومة عنه أو إبطال دعوى المدعى ، بمعنى أن المدعى عليه يصير مدعياً إذا أتى بدفع و يعود المدعى الأول مدعياً ثانياً عند دفع الدفع ، فإن ما جرى عليه الحكم المطعون فيه من التحقق من ثبوت الزوجية بالفراش و من تكليف الطاعنة إثباته توصلاً لثبوت النسب بإعتبارها مدعية فيه مع أن الدعوى مقامة أصلاً بإنكار النسب من المطعون عليه الأول ، يتفق مع المنهج الشرعى السليم .


    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 39 مكتب فنى 26 صفحة رقم 483
    بتاريخ 26-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 8
    إذ يبين مما قرره الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بنفى النسب على قرائن إستخلصها من واقع الأوراق و المستندات الرسمية ، و هى تقريرات موضوعية سائغة لها سندها الثابت ، و لما كان إجماع الفقهاء على أن القاضى لا يقف مع ظواهر البينات و لا يتقيد بشهادة من تحملوا الشهادة على الحق إذا ثبت له من طريق آخر ، إعتباراً بأن القضاء فهم و من القرائن ما لا يسوغ تعطيل شهادته ، إذ منها ما هو أقوى من البينة و الإقرار و هما خبران يتطرق إليهما الصدق و الكذب ، و كانت هذه الدعامة بمجردها كافية لحمل قضاء الحكم ، فإن تعييب الحكم فى إعتداده بشهادة وحيدة لمواطن المطعون عليه الأول - و هو أحد شهود الطاعنة - و إطراح أقوال باقى شهودها و القول بعدم إستكمال نصاب الشهادة - أيا كان وجه الرأى فيه - يكون غير منتج .

    ( الطعن رقم 29 لسنة 39 ق ، جلسة 1975/2/26 )
    =================================
    الطعن رقم 0039 لسنة 40 مكتب فنى 26 صفحة رقم 1180
    بتاريخ 11-06-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    إذ يبين مما أورده الحكم أنه لم يأخذ بما جاء بمستندات المطعون عليه الأول بوصفها تحوى إقرارات بنسب هذا الأخير إلى المتوفاة سواء أكانت إقرارات بنسب مباشر أو غير مباشر ، و إنما أخذ بها بالإضافة إلى الدليل المستمد من البينة الشرعية بإعتبارها قرائن إستخلص منها الحكم قرابة المطعون عليه الأول للمتوفاة بوصفه إبن عم لأب لها ، و هو ما يجوز .


    =================================
    الطعن رقم 0041 لسنة 40 مكتب فنى 26 صفحة رقم 167
    بتاريخ 15-01-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن الأصل فى دعوى النسب ، النظر إلى النسب المتنازع فيه فلو كان مما يصح إقرار المدعى عليه به و يثبت بإعترافه و ليس فيه تحميل النسب على الغير كالأبوة و البنوة فإنها تسمع مجردة أو ضمن حق آخر سواء إدعى لنفسه حقاً أو لم يدع ، و يغتفر فيها التناقض ، لأن مقصودها الأصلى هو النسب ، و النسب يغتفر فيه التناقض للخفاء الحاصل فيه ، أما لو كان مما لا يصح إقرار المدعى عليه به و لا يثبت بإعترافه و فيه تحميل النسب على الغير كالأخوة و العمومة فلا تسمع إلى أن يدعى حقاً من إرث أو نفقة و يكون هو المقصود الأول فيها و لا يغتفر فيها التناقض لأنه تناقض فى دعوى مال لا فى دعوى نسب .


    =================================
    الطعن رقم 0041 لسنة 40 مكتب فنى 26 صفحة رقم 167
    بتاريخ 15-01-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    إذا كانت الأقوال التى أدلى بها الطاعن الأول فى تحقيقات نيابة الأحوال الشخصية ، تعد إقراراً فيه تحميل النسب على الغير إبتداء ، ثم يتعدى إلى المقر نفسه ، و إن كان لا يصلح فى الأصل سبباً لثبوت النسب ، إلا أن المقر يعامل بإقراره من ناحية الميراث و غيره من الحقوق التى ترجع إليه لأن للمقر ولاية التصرف فى مال نفسه .


    =================================
    الطعن رقم 0041 لسنة 40 مكتب فنى 26 صفحة رقم 167
    بتاريخ 15-01-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    النسب كما يثبت فى جانب الرجل بالفراش و بالبينة يثبت بالإقرار ، و يشترط لصحة الإقرار بالبنوة أن يكون الولد مجهول النسب لا يعرف له أب و أن يكون ممكناً ولادة هذا الولد لمثل المقر و أن يصدق الولد المقر فى إقراره إن كان مميزاً ، و صدور الإقرار صحيحاً مستوفياً شرائطه ينطوى على إعتراف ببنوة الولد بنوة حقيقية ، و هو بعد الإقرار به لا يحتمل النفى و لا ينفك بحال .


    =================================
    الطعن رقم 0041 لسنة 40 مكتب فنى 26 صفحة رقم 167
    بتاريخ 15-01-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 5
    القول المعتبر فى الفقه الحنفى المعمول به أن النسب يثبت بالدعوة من غير أن يبين المقر وجه النسب سواء أكان المقر صادقاً فى الواقع أم كاذباً فيكون عليه إثم إدعائه .


    =================================
    الطعن رقم 0001 لسنة 41 مكتب فنى 26 صفحة رقم 297
    بتاريخ 29-01-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    من المقرر وفقاً لحكم المادة 15 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ألا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد المطلقة إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق و إذ كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن الطاعن قد ولد فى سنة 1950 أى بعد ست سنوات من الطلاق ، و قد أنكره مورث المطعون عليهم حال حياته ، كما أنكر قيام أية علاقة زوجية جديدة بينه و بين والدة الطاعن بعد الطلاق ، و كان الحكم قد دلل على عدم قيام الزوجية بعد الطلاق على أسباب سائغة ، فإن النعى على الحكم بالخطأ فى تطبيق القانون يكون على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 0010 لسنة 41 مكتب فنى 26 صفحة رقم 348
    بتاريخ 05-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    من المقرر شرعاً أنه فى حال قيام الزوجية الصحيحة ، إذا أتى الولد لستة أشهر على الأقل من وقت عقد الزواج ، و كان يتصور الحمل من الزواج بأن كان مراهقاً أو بالغاً ثبت نسب الولد من الزوج بالفراش دون حاجة إلى إقرار أو بينة ، و إذا نفاه الزوج فلا ينتفى إلا بشرطين " أولهما " أن يكون نفيه وقت الولادة ، " و ثانيهما " أن يلاعن إمرأته ، فإذا تم اللعان بينهما مستوفياً شروطه فرق القاضى بينهما و نفى نسب الولد عن أبيه و ألحقه بأمه .


    =================================
    الطعن رقم 0010 لسنة 41 مكتب فنى 26 صفحة رقم 348
    بتاريخ 05-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    إذ ثبت نسب المطعون عليها الأولى من المتوفى بالفراش ، فإنه لا يغض من ذلك ما إدعاه الطاعنون من أن المورث كان عقيماً ، ففضلاً عن عدم ثبوته أمام محكمة الموضوع ، فإن الفقه الحنفى - المعمول به بوصفه أصلاً ما لم ينص القانون على خلافه - يكتفى فى ثبوت النسب بالفراش ، بالعقد وحده إن كان صحيحاً مع تصور الدخول و إمكانه .


    =================================
    الطعن رقم 0010 لسنة 41 مكتب فنى 26 صفحة رقم 348
    بتاريخ 05-02-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    متى ثبت نسب المطعون عليها الأولى من المتوفى بالفراش ، فما أجراه المتوفى من قيد المطعون عليها الأولى منسوبة إليه فى دفتر المواليد و ما جاء على لسان وكيله فى دعوى النفقة التى رفعتها ضده المطعون عليها الأولى تطالبه بالإنفاق عليها بوصفه إياها و ملزماً بنفقتها من مصادقة عليها ، ليس إلا إقراراً مؤيداً لثبوت النسب بالفراش ، و إقرار الأب بنسب الولد إليه يكون منه باللفظ صريحاً أو دلالة ، و بالإشارة حتى مع القدرة على العبارة و بالكتابة الخالية من مظنة التزوير ، و بالسكوت عند تهنئة الناس له بالمولود ، ما دام النسب ليس محالاً عقلاً بأن كان المقر له يولد مثله لمثل المقر ، أو باطلاً شرعاً كنسب ولد الزنا ، دون إشتراطه حصول الإقرار فى مجلس القضاء على أن يكون الولد المجهول النسب و أن يصادق على ذلك إن كان مميزاً . و لا يغير من ذلك ما جاء فى كتاب مستشفى الأطفال الجامعى من أنه ثابت فى سجلاتها الخاصة بورود الأطفال اللقطاء من أن الطفلة سلمت للمورث و إستخرجت لها شهادة ميلاد من مكتب صحة السيدة زينب ، طالما أن النسب قد ثبت بالفراش المؤيد بالإقرار .

    ( الطعن رقم 10 لسنة 41 ق ، جلسة 1975/2/5 )
    =================================
    الطعن رقم 0005 لسنة 42 مكتب فنى 26 صفحة رقم 1302
    بتاريخ 25-06-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    يشترط لصحة الإقرار - بالنسب - بوجه عام ألا يكذب ظاهر الحال المقر فى إقراره و ألا يكون المقر به محالاً عقلاً أو شرعاً و القول المعول عليه أن الإقرار بما يتفرع من أصل النسب و هو الإقرار بغير الإبوة و البنوة ، لا يثبت به نسب أصلاً و لا بد إما من تصديق من حمل عليه النسب أو إثباته بالبينة لأن الإقرار فى هذه الحالة يقتضى تحميل النسب على غير المقر و الإقرار بذاته حجة قاصرة .


    =================================
    الطعن رقم 0007 لسنة 44 مكتب فنى 26 صفحة رقم 1786
    بتاريخ 31-12-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    لئن كان ثبوت النسب - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - يتعلق بحق الأم و بحق الصغير و بحق الله تعالى ، و لا تملك الأم إسقاط حق وليدها فى هذا المجال فإن الدعوى التى ترفعها الأم أو الغير بطلب ثبوت نسب الصغير يعتبر الأخير ماثلاً فيها و إن لم يظهر فى الخصومة بإسمه لنيابة مفترضة فى جانب رافعها لما ينطوى عليه من حق للخالق يصح أن ترفع به الدعوى حسبه .


    =================================
    الطعن رقم 0009 لسنة 44 مكتب فنى 26 صفحة رقم 1692
    بتاريخ 24-12-1975
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    البيانات الواردة بشهادات الميلاد - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - بإعتبارها من إملاء صاحب القيد لا تصلح بمجردها لثبوت النسب و إن كانت تعد قرينة لا يمتنع دحضها و إقامة الدليل على عكسها .


    =================================
    الطعن رقم 002 لسنة 43 مكتب فنى 27 صفحة رقم 592
    بتاريخ 10-03-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    قيد طفلة ، وردت إلى ملجأ الرضع بإسم .. لا يفيد أنها إبنة لشخص حقيقى يحمل هذا الإسم و أنها معلومة النسب ، لما هو مقرر من إطلاق إسم على اللقطاء تمييزاً لهم و تعريفاً بشخصيتهم عملاً بالمادة 10 من القانون رقم 23 لسنة 1912 بشأن المواليد و الوفيات و التى أوجبت إطلاق إسم و لقب على حديث الولادة .


    =================================
    الطعن رقم 002 لسنة 43 مكتب فنى 27 صفحة رقم 592
    بتاريخ 10-03-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 5
    من المقرر فى قضاء هذه المحكمة ، أن النسب يثبت بالدعوة و هى الإقرار المجرد بالنسب بما ينطوى على إعتراف ببنوة الولد بنوة حقيقية و أنه تخلق من مائه ، و هو بعد الإقرار به لا يحتمل النفى و لا ينفك بحال . و الراجح فى مذهب الأحناف ثبوت النسب بهذا الطريق دون أن يقرن به ما يبين وجهه حتى لو كانت الظواهر تكذبه ، و لا يحول دون ذلك ورود الإقرار لاحقاً على التبنى لما ينم عنه من رغبة المقر فى تصحيح الأوضاع ، طالما لم يبين وقت إقراره سبب هذه البنوة .


    =================================
    الطعن رقم 002 لسنة 43 مكتب فنى 27 صفحة رقم 592
    بتاريخ 10-03-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 6
    إقرار المرأة المتزوجة بالأمومة من زوجها لا يثبت به النسب إلا إذ صدقها الزوج لأن إقرارها بالولد فى هذه الحالة فيه تحميل نسبة على الزوج ، فلا يلزم بقولها إلا عند مصادفته ، فيثبت حينذاك . نسب الولد منهما .


    =================================
    الطعن رقم 0006 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 157
    بتاريخ 07-01-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    الراجح فى مذهب الحنيفة - و هو قول الصاحبين - أنه يكتفى لإثبات الولادة من المتدة من طلاق بائن إذا أنكرها الزوج بشهادة القابلة أو أية إمراة مسلمة عدلة ، و الشهادة هنا لا تنصب على ثبوت النسب طالما أتت المعتدة بالولد فى مدة يحتمل أن يكون من مطلقها ، فهى شهادة على مجرد واقعة الولادة ، و ثبوت النسب إنما يجىء تبعاً لا قصداً ، و يكون إستلزام الشهادة الكاملة فى هذه الحالة على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 0011 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 398
    بتاريخ 04-02-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    النسب كما يثبت بالفراش الصحيح بالإقرار و بالبينة ، غير أن الفراش فيه ليس طريقاً من طرق إثباته فحسب بل يعتبر سبباً منشئاً له ، أما البينة و الإقرار فيهما أمران كاشفان له يظهران أن النسب كان ثابتاً من وقت الحمل بسبب من الفراش الصحيح أو بشبهته .


    =================================
    الطعن رقم 0011 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 398
    بتاريخ 04-02-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    إذ كان التناقض فى إدعاء الزوجية و الفراش الصحيح لا يغتفر إذ هو ليس محل خفاء فإنه لا محل لإستناد الطاعنة إلى ما هو مقرر من أن التناقض فى النسب عفو مغتفر
    و تجوز فيه الشهادة بالسماع ، لأن التناقض هنا واقع فى دعوى الفراش الصحيح الذى يراد به إثبات النسب .


    =================================
    الطعن رقم 021 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 895
    بتاريخ 07-04-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    النص فى المادة 98 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادر بها المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931على أنه " لا تسمع عند الإنكار دعوى الوصية أو الإيصاء أو الرجوع عنها أو العتق أو الإقرار بواحدة منها و كذلك بالنسب أو الشهادة على الإقرار بعد وفاة الموصى أو المعتق أو المورث فى الحوادث السابقة على سنة ألف و تسعمائة و إحدى عشر الإفرنكية إلا إذا وجدت أوراق خالية من شبهة التصنع تدل على صحة الدعوى . و أما الحوادث الواقعة من سنة ألف و تسعمائة و إحدى عشر الإفرنكية فلا تسمع فيها دعوى ما ذكر بعد وفاة الموصى أو المعتق أو المورث إلا إذا وجدت أوراق رسمية أو مكتوبة جميعها بخط المتوفى و عليها إمضاءه كذلك تدل على ما ذكر " و أن كان يواجه الحالات الواردة به التى يكون الإدعاء فيها بعد وفاة المنسوب إليه الحادث فيتوقف سماع الدعوى بها على مسوغ كتابى يختلف بإختلاف الحوادث السابقة على سنة 1911 و تلك التالية لها ، تقديراً من المشرع بأن من يحلون محل المنسوبة إليه الحادث بعد وفاته قد لا يحسنون الدفاع عن مصالحهم ، إلا أنه فى خصوص النسب فإن المادة قصرت عدم السماع على حالتى الإقرار به من الشخص المتوفى أو الشهادة على الإقرار ، فلا يستطيل إلى الدعوى بالنسب التى لا تعتمد على أى من الحالتين ، و يخضع الحكم فيها للقواعد العامة المقررة فى الشريعة الإسلامية لخروجها عن ذلك القيد ، فيثبت النسب فيها بالفراش حال تحقق شروطه ، كما يثبت عند الإنكار بإقامة البينة عليه و إذ كان البين من الحكم المطعون فيه - فى الدعوى بالنسب - أنه حصل من أقوال الشهود ثبوت نسب المطعون عليه لوالده المتوفى بالفراش ، فإن ذلك لا ينطوى على خروج على القانون .


    =================================
    الطعن رقم 021 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 895
    بتاريخ 07-04-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 5
    متى كانت دعوى المطعون عليه هى دعوى إرث بسبب البنوة ، و هى دعوى متميزة عن دعوى إثبات الزوجية أو إثبات أى حق من الحقوق التى تكون الزوجية سبباً مباشراً لها، فإن إثبات البنوة الذى هو سبب الإرث لا يخضع لما أورده المشرع فى المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية من قيد على سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها ، إذ لا تأثير لهذا المنع على دعوى النسب سواء كان السبب مقصوداً لذاته أو كان وسيلة لدعوى المال ، فإن هذه الدعوى باقية على حكمها المقرر فى الشريعة الإسلامية حتى و لو كان النسب مبناه الزوجية الصحيحة . و إذ كان إثبات البنوة و هى سبب الإرث فى النزاع الراهن بالبينة جائزاً قانوناً فلم يكن على الحكم المطعون فيه أن يعرض لغير ما هو مقصود أو مطلوب بالدعوى . لما كان ذلك ، و كان الحكم قد أقام قضاءه بنسب المطعون عليه للمتوفى و إستحقاقه الإرث فيه على البينة الشرعية التى إطمأن إليها و إستخلصت المحكمة فى نطاق سلطانها المطلق من هذه البينة قيام الزوجية الصحيحة بين المتوفى و والدة المطعون عليه ، فإن النعى على الحكم المطعون فيه بمخالفة القانون يكون فى غير محله .


    =================================
    الطعن رقم 008 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 271
    بتاريخ 21-01-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 6
    إذا كانت الدعوى المطعون عليها دعوى إرث بسبب البنوة و هى متميزة عن دعوى إثبات الزوجية ، و كان موضوع النسب مطروحاً فيها باعتباره سبب إستحقاق الإرث و كان المشرع لم يشترط لإثبات النسب وجود وثيقة زواج رسمية لأن المنع الخاص بعدم سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها فى الحوادث الواقعة من أول أغسطس 1931 لا تأثير له شرعاً على دعاوى النسب بل هى باقية على حكمها المقرر فى الشريعة الإسلامية رغم التعديل الخاص بدعوى الزوجية فى المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ، فإنه لا تثريب على الحكم إن هو أطرح ما قدمه الطاعنون من أوراق بعد قيام الدليل - البينة - على ثبوت النسب المتنازع عليه لأن قيام الحقيقة التى أقتنع بها فيه الرد الضمنى المسقط لكل حجة تخالفه .


    =================================
    الطعن رقم 028 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 1093
    بتاريخ 12-05-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    إذا كان النسب يثبت بالفراش و كان البين من الحكم الإبتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بثبوت نسب الصغيرة إلى الطاعن على سند من إقراره بالتحقيقات الإدارية المقدمة صورتها الرسمية بقبوله الزواج من المطعون عليه عرفياً و دفعه مهراً لها ثم دفعه لها مؤخر صداقها عن شهرين سابقين على تقديم الشكوى و هو إقرار صريح يفيد قيام الزوجية بينه و بين المطعون عليها بعقد صحيح شرعاً فى التاريخ الذى حددته و إلى عدم ثبوت قيام المانع من الدخول و بثبوت تمام الوضع لأكثر من ستة أشهر من عقد الزواج، و كانت هذه الأسباب تكفى لحمل هذا القضاء فإن النعى على الحكم المطعون فيه بصدد ما ساقه من قرينة مساندة إستخلصها من الإقرار - الصادر من المطعون عليها - يكون غير منتج .


    =================================
    الطعن رقم 028 لسنة 44 مكتب فنى 27 صفحة رقم 1093
    بتاريخ 12-05-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    لئن كان ثبوت النسب حقاً أصلياً للأم لتدفع عن نفسها تهمة الزنا أو لأنها تعير بولد ليس له أب معروف ، فهو فى نفس الوقت حق أصلى للولد لأنه يرتب له حقوقاً بينها المشرع و القوانين الوضعية كحق النفقة و الرضاع و الحضانة و الإرث و يتعلق به أيضاً حق الله تعالى لإتصاله بحقوق و حرمات أوجب الله رعايتها فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها أو المساس بحقوق الله تعالى و من ثم فلا يعيب الحكم و قد ثبت لديه إقرار الطاعن بالفراش أن يطرح مدلول ما جاء بالإقرار المقدم من الطاعن و المنسوب صدوره إلى المطعون عليها من أنه لم يعاشرها معاشرة الأزواج طالما أن فيه إسقاطاً لحقوق الصغيرة لا تملكه .

    ( الطعن رقم 28 لسنة 44 ق ، جلسة 1976/5/12 )
    =================================
    الطعن رقم 0003 لسنة 45 مكتب فنى 27 صفحة رقم 1834
    بتاريخ 29-12-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    النسب كما يثبت بالفراش و الإقرار يثبت بالبينة ، فإذا إدعت إمراة على رجل أنها ولدت منه و لم تكن فراشاً له فلها إثبات مدعاها بالبينة المكاملة أى بشهادة رجلين عدلين أو رجل و إمرأتين عدول و البينة فى هذه المجال أقوى من مجرد الدعوى أو الإقرار ، و الشهادة المنصبة على النسب لا يشترط فيها معاينة واقعة الولادة أو حضور مجلس العقد إن كان .


    =================================
    الطعن رقم 0003 لسنة 45 مكتب فنى 27 صفحة رقم 1834
    بتاريخ 29-12-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    لئن كان الحكم المطعون فيه قد إعتبر مجرد مساكنة المطعون عليها للطاعن دليلاً على الفراش و ثبوت النكاح بينهما و إعتد بها كشهادة عيانية بالإرتباط الزوجى ، و كان فى ذلك مخالفاً للقواعد الشرعية إلا أنه كان يبين من مدوناته أنه إستند فيما إستند إليه فى قضائه بثبوت النسب الصغير إلى البينة الشرعية و كان الحكم المطعون فيه و فى نطاق سلطته الموضوعية فى الترجيح بين البينات و إستظهار واقع الحال و وجه الحق فيها قد إنتهى بأسباب سائغة إلى ترجيح بينة المطعون عليها على بينة الطاعن ثم ساندها بقرينة إستمدها من وجود الولد مع الطاعن و المطعون عليها ، و كانت هذه الدعامة تكفى وحدها لحمل قضاء الحكم فإنه لا يعيبه ما يزيد فيه من إثبات النسب بالفراش .

    ( الطعن رقم 3 لسنة 45 ق ، جلسة 1976/12/29 )
    =================================
    الطعن رقم 0018 لسنة 45 مكتب فنى 27 صفحة رقم 1509
    بتاريخ 03-11-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية . و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة أن النسب يثبت بالفراش و هو الزواج الصحيح و ما يلحق به من مخالطة بناء على عقد فاسد أو شبيهه ، ورتب الفقهاء على ذلك أن الزنا لا يثبت نسبا ،و أساس الأخذ بهذه القاعدة هو ولادة الزوجة أو المطلقة فى زمن لا يقل عن ستة أشهر من تاريخ الزواج ، لما هو مجمع عليه من أنها أقل مدة للحمل أخذا بقوله تعالى " و حمله و فصله ثلاثون شهراً " و قوله تعالى " و فصاله فى عامين " فبإسقاط مدة الفصال الواردة فى الآية الأخيرة من مدة الحمل و الفصال الواردة فى الآية الأولى فيتبقى للحمل ستة أشهر ، و فرع الفقهاء على ذلك أنه إذا تزوج رجل إمرأة فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من زوجها لم يثبت نسبه لآن العلوق سابق على النكاح بيقين فلا يكون منه ، و من الراجح فى مذهب الحنفية سريان هذه القاعدة و لو كان الطوق من نفس الزوج نتيجة الزنا ، فيحق للزانى أن ينكح مزنيته الحبلى منه و يحل له أن يطأها فى هذا النكاح لكن لا يثبت الولد منه إذا أتت به لأقل من ستة أشهر لأنه لم يكن وليد مدة حمل تام .


    =================================
    الطعن رقم 0018 لسنة 45 مكتب فنى 27 صفحة رقم 1509
    بتاريخ 03-11-1976
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    النص أن الولد للفرا ش إنما يراد به الزوجية القائمة بين الرجل و المرأة عند إبتداء الحمل لا عند حصول الولادة ، لما كان ما تقدم و كان الحكم المطعون فيه قد أقام على سند من أن الطاعنة أتت بالبنت المدعى نسبها للمطعون عليه لأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد فلا يثبت نسبها به لتحقق قيام الوطء فى غير عصمة و تيقن العلوق قبل قيام الفراش ، فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون و يكون النعى عليه فى هذا الخصوص غير سديد .


    =================================
    الطعن رقم 0025 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 1379
    بتاريخ 31-05-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية أن النسب يثبت " بالفراش الصحيح " و هو الزواج الصحيح و ملك اليمين و ما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو شبهة و أن الوعد و الإستبعاد لا ينعقد بهما زواج بإعتبار أن الزواج لا يصح تعليقه بالشرط و لا إضافته بالمستقبل .


    =================================
    الطعن رقم 0025 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 1379
    بتاريخ 31-05-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    التناقض يمنع من سماع الدعوى و من صحتها فيما لا يخفى سببه ما دام باقياً لم يرتفع ، فإذا إرتفع بإمكان التوفيق بين الكلامين لم يمنع من سماع الدعوى و هو يتحقق متى كان الكلامان قد صدرا من شخص واحد فى مجلسي القاضى يستوى فى ذلك أن يكون التناقض من المدعى أو منه و من شهوده أو من المدعى عليه .


    =================================
    الطعن رقم 0025 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 1379
    بتاريخ 31-05-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    المقرر فى الفقه الحنفى أن الزواج الذى لا يحضره شهود هو زواج فاسد يترتب عليه آثار الزواج الصحيح و منها النسب بالدخول الحقيقى ، و القاعدة فى إثبات النسب أنه إذا إستند إلى زواج صحيح أو فاسد فيجب لثبوته أن يكون الزواج ثابتاً لا نزاع فيه سواء كان الإثبات بالفراش أو بالإقرار أو بالبينة الشرعية و هى على من إدعى .

    ( الطعن رقم 25 لسنة 46 ق ، جلسة 1978/5/31 )

    =================================
    الطعن رقم 017 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 568
    بتاريخ 22-02-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    نسب الولد يثبت من المرأة التى تقر بأمومتها له متى لم تكن له أم معروفة ، و أن يكون ممن يولد مثله لمثلها و أن يصادقها المقر على إقرارها إ ن كان فى سن التمييز دون توقف على شئء آخر و دون حاجة إلى إثبات ، سواء كانت الولادة من زواج صحيح أو فاسد ، أو من غير زواج شرعى كالسفاح و الدخول بالمرأة بشبهة ، إذ ولد الزنا يثبت نسبه من الأم بخلاف الأب طالما لم تكن المرأة ذات زوج أو معتدة ، و يجب لثبوت نسبه من زوجها أو مطلقها أن يصادقها على إقرارها أو أن تثبت أن هذا الولد جاء على فراش الزوجية ، و حينئذ يثبت نسبه منها . فإذا تحققت هذه الشروط فى إقرار الأم نفذ عليها و ثبت النسب به و تعين معاملة المقر بإقراره و المصادق بمصادقته ، و لا يجوز الرجوع عن هذا الإقرار بعد صحته ، و يترتب عليه جميع الحقوق و الأحكام الثابتة بين الأبناء و الآباء .


    =================================
    الطعن رقم 017 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 568
    بتاريخ 22-02-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    الإقرار كما يكون باللفظ الصريح يجوز - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن يستفاد من دلالة التعبير ، أو من السكوت فى بعض المواضع التى يعتبر الساكت فيها مقراً بالحق بسكوته إستثناء من قاعدة ألا ينسب لساكت قول و منها سكوت الوالد بعد تهنئة الناس له بالولد بعد ولادته ، فقد إعتبر سكوته فى هذه الحالة إقراراً منه بأنه إبنه فليس له أن ينفيه بعد ذلك ، و كان ما أورده الحكم المطعون فيه فى مقام التدليل على ثبوت نسب المطعون عليها من أمها المتوفاه يتفق و صحيح القواعد الشرعية المعمول بها فى فقه الحنفية ذلك أنه حصل فى ظروف قيد ميلادها بإعتبارها إبنة المتوفاه ، و تقديم الأخيرة طلبها لإستخراج صورة من هذا القيد فى اليوم التالى لإجرائه و تسلمها المستخرج موضحاً به أنها والدة البنت المقيدة و عدم إعتراضها على ذلك ، إقرار المتوفاه بأمومتها للمطعون عليها ، و هو تحصيل صحيح شرعاً لجواز الإستدلال على ثبوت البنوة بالسكوت المفصح عن الإقرار به

    =================================
    الطعن رقم 017 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 568
    بتاريخ 22-02-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    يقصد بالتبنى إستلحاق شخص معروف النسب أو مجهول مع التصريح بأنه يتخذه ولداً مع أنه ليس بولد حقيقى ، و لئن كان يعد حراماً و باطلاً فى الشريعة الإسلامية و لا يترتب عليه أى حكم من الأحكام الشرعية الثابتة ، إلا أن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن النسب يثبت بالدعوة و هى الإقرار المجرد بالنسب مما ينطوى عليه من إعتراف ببنوة الولد و أنه يخلق من مثله سواء كان صادقاً فى الواقع أم كاذباً ، فيثبت لهذا الولد عند ذاك شرعاً جميع أحكام البنوه إعتباراً بأنه إنه كان كاذباً وقع عليه إثم الإدعاء ، و يصح النسب بهذا الطريق طالما لم يقرن به وجهه حتى و لو كانت الظواهر تكذبه ، و لا يحول دون ذلك ورود الإقرار الصريح أو الضمنى لاحقاً على التبنى المدعى به لما يتم عنه من رغبة المقر فى تصحيح الأوضاع ما دام لم يبين وقت إقراره سبب هذه البنوة فيفرض أن المتوفاه قد تسلمت المطعون عليها من المستشفى بقصد التبنى فلا يشكل ذلك تناقضاً ، و من الميسور التوفيق بين الكلامين طالما لم يثبت نسبها إلى أخرى .


    =================================
    الطعن رقم 017 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 568
    بتاريخ 22-02-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    المستقر عليه فى قضاء هذه المحكمة أن الإقرار بما يتفرع عن أصل النسب و هو الإقرار بغير الأبوة و البنوة - كالإقرار بالخؤوله موضوع الدعوى المماثلة - و إن كان لا يثبت به النسب إلا بتصديق من حمل عليه أو البرهنة عليه بالبينة لأن فيها تحميلاً له على الغير ، إلا أن المقر يعامل بإقراره من ناحية الميراث و سائر الحقوق التى ترجع إليه كما لو كان النسب ثابتاً من المورث حقيقة ، و كان الواقع فى الدعوى على ما تفصح عنه مدونات الحكم المطعون فيه أن الطاعن الأول وقع على وثيقة زواج المطعون عليها بوصف أنه خالها و وكيلها فى عقد قرانها و أنه وقع مع الطاعنة الثابتة على محضر إحتفظ به أفاد تضمن أن المورثة توفيت عنها و عن إبنتها المطعون عليها ، كما أن الطاعنة الثانية تقدمت بطلب لإستصدار إشهاد شرعى فى المادة . . . لسنة 1969 و راثات الجيزة أقرت فيه ببنوة المطعون عليها المتوفاه ، فإن الحكم المطعون فيه إذ أقام قضاؤه بثبوت نسب المطعون عليها من أمها المتوفاه على سند من إقرار من حمل عليه النسب و هى المتوفاه طبقاً لما سلف بيانه بما ينطوى عليه من تصديق للإقرار المنسوب للطاعنين ، و الذى تأيد بالبينة التى تقدمت بها المطعون عليها فإنه يكون قد أصاب .

    ( الطعن رقم 17 لسنة 46 ق ، جلسة 1978/2/22 )
    =================================
    الطعن رقم 019 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 171
    بتاريخ 11-01-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    إذ كان مجرد إدعاء الطاعنة بعدم قابلية المطعون عليها الأولى للحمل و تكذيبها واقعة المولودة و طلبها إحالتها للكشف الطبى لا يفيد صراحة أو ضمناً إنكارها صدور الإقرار المؤرخ 1971/1/31 من زوج المطعون عليها أو طعنها عليه بأى وجه من أوجه البطلان ، و كان الإقرار المشار إليه إذ تضمن إبداء الزوج رغبته فى تسمية الجنين عند ولادته بإسم معين يستقيم قرينة على أن الزوجة كانت حاملاً فى المولود وقت صدور هذا الإقرار و يصلح التدليل به فى نطاق الدعوى فإن النعى على الحكم المطعون فيه بالإخلال بحق الدفاع و مخالفته الثابت بالأوراق و الفساد فى الإستدلال يكون على غير أساس .


    =================================
    الطعن رقم 027 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 1383
    بتاريخ 31-05-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    المستقر فى قضاء هذه المحكمة أن الشهادة فى إصطلاح الفقهاء هى إخبار صادق فى مجلس الحكم بلفظ الشهادة لإثبات حق على الغير ، فخرج بذلك الأخبار الكاذب و الأخبار الصادق فى غير مجلس الحكم أو الخالى من ذكر الشهادة .


    =================================
    الطعن رقم 027 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 1383
    بتاريخ 31-05-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    لئن كان المأثور عند الأحناف وجوب أن يقدم الشاهد قوله بلفظ أشهد بالمضارع ، فلا تقبل الشهادة بدونه و أن إشتملت على ما يفيد العلم و اليقين ، إعتباراً بأنه ركن فى الشهادة على قول ، أو مجرد شرط عام فى كل ما يشهد به أمام القاضى فى قول آخر هو الراجح ، إلا أنه لما كانت العلة فى إيثار هذا اللفظ فى مذهب الحنفية أنه أقوى فى إفادة التأكيد من غيره من الألفاظ ، و أنه يتضمن فى ذات الوقت معنى المشاهدة و القسم و الإخبار للحال فكأنه يقول " أقسم بالله لقد إطلعت على ذلك و أنا أخبر به " و هذه المعانى مفقودة فى غيره فتعين ، و كان لا دليل من الكتاب أو السنة أو من القياس و الإستنباط على إشتراط يكون الأداء بلفظ الشهادة فضلاً عن لفظ " أشهد " بالذات ، فإنه إذا وجدت صياغة تفيد هذه المعانى جميعاً ، و تكون آكد على يقين الشاهد و ما يحيطه علمه بغير تردد فإنها تغنى عن هذا اللفظ و تعتبر بديلاً عنه . و إذا كان لفظ أشهد يحمل معنى القسم و يتضمن توثيق الكلام بالحلف بإسم الله فإن إستبدال الحلف بلفظ أشهد و إستلزام أن يبدأ به قول الشاهد قبل الأدلاء بأقواله ، و إعتبار ذلك أمراً لأزماً تبطل بدونه ، هو إعتداد بجوهر مذهب الحنفية ، و تحقيقاً للعرض الذى يستهدفه من إيجابه ، بل هو إكثر عمقاً فى النفاذ إلى وجدان الشاهد و الغوص فى أعماق ضميره بتبصيرة بما ينطوى عليه الجانب بالله من وجوب إلتزام الصدق و تحرى الحقيقة . و قد سار المشرع المصرى على هذا الدرب متدرجاً فى مختلف المراحل الشريعية ، فبدأ بأن نسخت المادة 173 من اللائحة الشرعية الصادرة بالقانون رقم 25 لسنة 1909 إشتراط الشهادة متوقعة أن يقرن الشاهد بذكر اللفظ المشار إليه فخولت القاضى أن يشبهه بقوله أتشهد بذلك فإن إجابه ألا يجاب كان ذلك كافياً . و ما لبث أن ألغى هذا النص سنة 1926 و إستبدل به لمدة 174 من اللائحة الشرعية الصادر بها المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 التى شرعت وجوب أن يحلف الشاهد اليمين الشرعية و جعلتها بديلاً من إيجاب ذكر لفظ الشهادة أو تذكر الشاهد ، و إستمر الشارع فى طريقه القاصدة فألغيت هذه المادة ضمن ما ألغى بالقانون رقم 462 لسنة 1955 إكتفاء بأعمال حكم المادة 212 من قانون المرافعات السابق المقابلة للمادة 86 من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 .


    =================================
    الطعن رقم 027 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 1383
    بتاريخ 31-05-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    إن ما يشترطه بعض الفقه الإسلامى فى الشهادة على الإرث وجوب قول الشاهد " ألا وارث له سوى ما ذكر " أو " لا أعلم له وارثاً غيره " ، ليس شرطاً لصحة الشهادة و إنما هو شرط لتلوم القاضى فى قضائه ، أى تريثه و إنتظاره ، عسى أن يظهر الميت وارث آخر مزاحم له أو مقدم عليه ، متى لم يحضر الشهود الأرث فيمن شهدوا لهم به ، و مده التلوم غير محددة و مفوضه إلى رأى القاضى إن شاء تريث و إن شاء حكم دون رقابة عليه فى قضائه فى هذا الشأن ، و إذ كان الثابت فى محضر التحقيق أن شاهدى المطعون عليها قد حصرا الإرث فى الطاعنة و المطعون عليهم و كفيا القاضى مؤنه التلوم فإن النعى عليه فى قضائه غير وارد .


    =================================
    الطعن رقم 030 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 658
    بتاريخ 01-03-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    مفاد نص المادة الخامسة عشرة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية ، أن المشرع الوضعى منع سماع دعوى النسب لأى معتدة من طلاق إن جاءت بولد لأكثر من سنة شمسية من وقت الطلاق أخذاً بأن الطب الشرعى - و على ما أوردته المذكرة الإيضاحية - يعتبر أقصى مدة للحمل 365 يوماً حتى تشمل جميع الأحوال النادرة ، لما كان ما تقدم و كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه على أن المطعون عليها أقرت بما يفيد أنها طهرت من الوضع و أنها أصبحت حرثاً لزوجها و صالحة لمعاشرته بعده ، و أنها إذ طلقت طلقة رجعية فى 1970/12/7 دون أن تقر بإنقضاء عدتها منه ، و كانت ولادتها للصغيرة ثابتة الوقوع فى 1971/8/12 أى لأقل من سنة - وقت الطلاق الرجعى ، و رتب على ذلك أن نسبة الصغيرة للطاعن تكون ثابتة ، فإن هذا الذى خلص إليه الحكم لا ينطوى على مخالفة للقانون لإحتمال أن بدء الحمل كان قبل الطلاق و المطعون عليها على عصمته أو أنه كان بعده و هى فى عدته .


    =================================
    الطعن رقم 030 لسنة 46 مكتب فنى 29 صفحة رقم 658
    بتاريخ 01-03-1978
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    المقررفى قضاء هذه المحكمة أن محكمة الموضوع غير ملزمة بإجابة طلب الخصم بندب خبير فى الدعوى متى وجدت فيها ما يكفى لتكوين عقيدتها . لما كان ذلك و كان الحكم المطعون فيه قد إنتهى إلى ثبوت نسب الصغيرة من الطاعن على ما إستخلصه من البينة الشرعية و ما حصله من أوراق الدعوى و كان لهذا التحصيل ما أخذه ، و كانت أسبابه كافية لحمل قضائه فلا تثريب على المحكمة إن هى إلتفتت عن إجابة طلب تحليل دمه و دم الصغيرة للمقارنة بينهما إذ الأمر فى الإستجابة له متروك لتقديرها .

    ( الطعن رقم 30 لسنة 46 ق ، جلسة 1978/3/1 )
    =================================
    الطعن رقم 0029 لسنة 46 مكتب فنى 30 صفحة رقم 753
    بتاريخ 07-03-1979
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    النسب كما يثبت فى جانب الرجل - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة بالفراش و بالبينة يثبت بالإقرار ، و يشترط لصحة الإقرار بالبنوة أن يكون الولد مجهول النسب لا يعرف له أب ، و هو بعد الإقرار به لا يحتمل النفى و لا ينفك بحال ، كما أن الإقرار يتعلق به حق المقر له فى أن يثبت نسبه من المقر و ينتفى به كونه من الزنا . لما كان ذلك ، و كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه إستند ضمن ما إستند عليه فى قضائه بثبوت نسب المورث من والده ... ... ... إلى إقرار الأخير ببنوته فى دعوى قيده بدفاتر المواليد ، و كان هذا الإقرار بالبنوة قد تعلق به حق المورث فى أن يثبت نسبه من والده المشار إليه ، و لا يبطله أن يكون تاريخ وثيقة زواج والديه لاحقاً على تاريخ ميلاده التقديرى ، أو أن يسبق التاريخ الأخير إقرار و الدته بإنقضاء عدتها من طلاقها رجعياً من زواج سابق طالما لم يدع المذكور بنوته ، لا يقدح فى ذلك ، أن مقتضى إقرار المرأة بإنقضاء المدة أنها ليست بحامل ، و أن عدة الحامل لا تنقضى إلا بوضع الحمل ، وأن الولد الذى تأتى به بعد ذلك لا يلزم إسناده إلى حمل حادث بعد الإقرار ، لأن مفاد ما خلص إليه الحكم أنه طالما تصادق الزوجان على نسبة المورث لهما بقيده فى دفتر المواليد ، فإن إقرار و الدة المورث بإنقضاء مدتها من مطلقها يسند إلى ماقبل الولادة ، و رتب على ذلك أن المورث ولد على فراش زوجية صحيحة بالزوج الثانى ، و نسبه موصول بهذا الأخير ، و هو إستخلاص موضوعى سائغ لدلالة الإقرار يستقل به قاضى الموضوع .


    =================================
    الطعن رقم 0026 لسنة 47 مكتب فنى 30 صفحة رقم 963
    بتاريخ 28-03-1979
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    نسب الولد يثبت من المرأة التى تقر بأمومتها له متى لم تكن له أم معروفة و كان ممن يولد مثله لمثلها و صادقها المقر له على إقرارها إن كان فى سن التمييز دون توقف على شىء آخر و دون حاجة إلى إثبات سواء كانت الولادة - زواج صحيح أو فاسد أو من غير زواج شرعى كالسفاح أو الدخول بالمرأة بشبهه ، إذ ولد الزنا يثبت نسبه من الأم بخلاف الأب ، طالما لم تكن المرأة ذات زوج أو معتدة لأن إقرارها عندئذ يكون يكون قاصر الأثر عليها و لا يتعدها إلى الغير ، أما إذا كانت وقت الإقرار متزوجة أو معتدة أو أقرت بالولد و نسبته إلى كل من كان زوجاً لها ، و كان النسب لا يثبت إقرارها لما فيه من تحمل النسب على الغير و هو الزوج و يتعين لثبوته أن يصادقها زوجها أو أن تقيم الحجة الكامله على مدعاها لأن الإقرار متى حمل النسب على الغير يكون دعوى مجردة أو شهادة مفردة ، و الدعوى المجرده لا تكفى للقضاء بموجبها كما أن شهادة الفرد فيما يطلع عليه الرجال لا تقبل ، لما كان ذلك ، و كان الواقع فى الدعوى - على ما تفصح عنه مدونات الحكم المطعون فيه - أن المطعون عليها الأولى تستند فى ثبوت بنوتها للمتوفاه إلى إقرارها بإنها إبنتها من زوجها .. .. الذى زوجته بعقد عرفى و دون أن تدعى مصادفة الزوج على نسبها إليه أو الزوجة المدعاة ، فإن هذا القرار لا تكفى لإثبات البنوه لما فيه من تحمل النسب على الغير و إنما وجهت إقامة الحجة عليها و على الفراش المدعى بإعتبار أن النسب لا يثبت ما لم يثبت سببه بالحجة ثبوت الحكم ينبنى على ثبوت النسب ، لما كان ما تقدم و كانت المطعون عليها الأولى قدمت الإثبات شاهدين شهد أحدهما بالزوجة و البنوة المدعى عليها و لم يشهد بهما الآخر و إنما أنصبت شهادته الواجب شرعاً و هو إعلان رجلان عدلان أو رجل و إمراتان عدول ، و لا تقوم بشهادتهما بنية شرعية كاملة على النسب المدعى و سببه .

    (الطعن رقم 26 لسنة 47 ق ، جلسة 1979/3/28 )
    =================================
    الطعن رقم 0038 لسنة 47 مكتب فنى 31 صفحة رقم 746
    بتاريخ 05-03-1980
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    النسب كما يثبت بالفراش أو الإقرار ، يثبت بالبينة ، بل أن البينة فى هذا المجال أقوى من مجرد الدعوى أو الإقرار ، و لا يشترط لقبولها معاينة واقعة الولادة أو حضور مجلس العقد إن كان ، و إنما يكفى أن تدل على توافر الزواج و الفراش بمعناه الشرعى .

    ( الطعن رقم 38 لسنة 47 ق ، جلسة 1980/3/5 )
    =================================
    الطعن رقم 021 لسنة 47 مكتب فنى 31 صفحة رقم 1456
    بتاريخ 21-05-1980
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    المقرر فى فقه الأحناف أنه يشترط لصحة الإقرار بالأبوة أن يكون الولد المقر له مجهول النسب فإن كان معروفاً نسبة من غير المقر لا يثبت نسبه منه بمجرد الإقرار لأنه لا يمكن ثبوت نسبه من رجلين بل لابد أن ينتفى أحدهما ، و لما كان البين من مدونات الحكم المطعون فيه أن الطاعنين تمسكوا أمام محكمة الإستئناف بأن المطعون ضده معلوم النسب لأبيه ... ... إذا ألحق به فى سجلات قيد المواليد و تزوج و جند بإسمه منتسياً له ، و شهد بصحة هذا النسب كل من زوجة هذا الأب و إبنه عند سؤالهما فى التحقيقات الإدارية المقدمة صورها فى الدعوى ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قبل الإستئناف شكلاً بما ينطوى عليه هذا القضاء من رفض للدفع بنهائية الحكم المستأنف ثم تعرض للموضوع فأيد الحكم المسـتأنف فيما قضى به من ثبوت نسب المطعون ضده الآخر - مورث الطاعنين - على سند من مجرد إقراره بإبوته له ، و ذلك دون أن يقيم المطعون ضده البينه على عدم صحة نسبه لمن هو منسوب إليه حتى يتحقق لدى المحكمة أنه مجهول النسب و يصح إقرار الغير بأبوته له ، يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .

    ( الطعن رقم 21 لسنة 47 ق ، جلسة 1980/5/21 )
    =================================
    الطعن رقم 0022 لسنة 43 مكتب فنى 32 صفحة رقم 1426
    بتاريخ 12-05-1981
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    المقرر فى قضاء محكمة النقض أن شهادة الميلاد بمجردها ليست حجة فى إثبات النسب لأن القيد فى الدفاتر لا يشترط فيه أن يكون بناء على طلب الأب أو وكيله بل يصح بالإملاء من القابلة أو الأم فلا يعد نسب الطفل فيها إلى شخص معين حجة عليه ، طالما لم يقر بصحة البيانات المدونة بها .

    ( الطعن رقم 22 لسنة 43 ق ، جلسة 1981/5/12 )
    =================================
    الطعن رقم 0005 لسنة 50 مكتب فنى 32 صفحة رقم 1614
    بتاريخ 26-05-1981
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    إذا كان البين من مدونات الحكم الإبتدائى المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه - أنه إستدل على ولادة الصغير خلال سنة من تاريخ إنقضاء فراش الزوجية بقولة " إن الثابت من أقوال شاهدى المدعى عليه أنه سافر إلى دولة الكويت فى منتصف سنة 1974 و أن المدعية قد وضعت الصغير المذكور فى 17-1-1975 أى خلال السنة ... " ، فى حين أن الواضح من أقوال شهود الطاعنة فى جميع مراحل التداعى أنهم نفوا قيام الزوجية أصلاً فلم يرجعوا إنقضاء فراشها إلى تاريخ سفره إلى الخارج و إنما إنصرفت شهادتهم إلى تحديد الوقت الذى غادر فيه البلاد فحسب ، و من ثم فإن شهاداتهم لا تستقيم بينه على ما خلص إليه الحكم من أن المدة التى مضت بين إنقضاء فراش الزوجية و بين ولادة الصغير تقل عن سنة مما يثبت به نسبه إلى الطاعن . لما كان ذلك و كان البين من أقوال الشهود المطعون ضدها أن أياً منهم لم يشهد بولادة الصغير فى هذه المدة ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بثبوت نسبة على سند من تلك الشهادات يكون قد أقام قضاءه على بينة غير مقبوله شرعاً و هو ما يعيبه بالخطأ فى تطبيق القانون .

    ( الطعن رقم 5 لسنة 50 ق ، جلسة 1981/5/26 )

    =================================
    الطعن رقم 0009 لسنة 51 مكتب فنى 32 صفحة رقم 2468
    بتاريخ 29-12-1981
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    المقرر فى فقه الحنفية أن النسب كما يثبت فى جانب الرجل بالفراش و البينة فإنه يثبت بالإقرار و يشترط لصحة الإقرار بالبينة أن يكون الولد مجهول النسب و أن يكون ممكناً ولادته لمثل المقر و أن يصدق الولد المقر فى إقراره إن كان مميزاً و أنه متى صدر الإقرار مستوفياً هذه الشرائط فإنه لا يحتمل النفى و لا ينفك بحال سواء أكان المقر صادقاً فى الواقع أم كاذباً

    ( الطعن رقم 9 لسنة 51 ق ، جلسة 1981/12/29 )


    =================================
    الطعن رقم 0044 لسنة 51 مكتب فنى 33 صفحة رقم 312
    بتاريخ 16-03-1982
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    دعاوى النسب لا زالت باقية على حكمها المقرر فى المذهب الحنفى فلا يشترط لسماع الدعوى بإثبات النسب و صحتها إذا كان سببه زواج صحيح أن يكون هذا الزواج ثابتاً بوثيقة رسمية و إنما يصدق عليه هذا الوصف و يصح سبباً لإثبات النسب بإعتباره كذلك متى حضره شهود و إستوفى أركانه و سائر شروط صحته شرعاً سواء وثق رسمياً أو أثبت بمحرر عرفى أو كان بعقد غير مكتوب .


    =================================
    الطعن رقم 020 لسنة 51 مكتب فنى 33 صفحة رقم 531
    بتاريخ 18-05-1982
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    المقرر فى فقه الحنفية - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن النسب كما يثبت فى جانب الرجل بالفراش و البينة فإنه يثبت بالإقرار و أنه متى صدر الإقرار مستوفياً شرائطه فإنه لا يحتمل النفى و لا ينفك بحال سواء أكان المقر صادقاً فى الواقع أم كاذباً .

    ( الطعن رقم 20 لسنة 51 ق ، جلسة 1982/5/18 )
    =================================
    الطعن رقم 0111 لسنة 54 مكتب فنى 35 صفحة رقم 2268
    بتاريخ 27-12-1984
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    مسائل الأحوال الشخصية و منها واقعات النسب ثبوتاً و نفياً و آثار كل ذلك تحكمها قواعد الشريعة الإسلامية على الوجه المبين فى المادة 280 من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية و التى تنص على أن " تصدر الأحكام طبقاً للمدون فى هذه اللائحة و لأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ، ما عدا الأحوال التى ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة ، فيجب فيها أن تصدر الأحكام طبقاً لتلك القواعد " ، و كانت هذه اللائحة لم ترد بها أحكام خاصة بالنسب ، فإنه يتعين الرجوع فيه إلى الراجح فى مذهب أبى حنيفة ، و الراجح فيه أن أحكام النسب حجة على الكافة ، فالشريعة الإسلامية تجعل النسب من النظام العام ، فلا ينقض بالجحود ، كما لا يرتد بالرد و لا ينفسخ بعد ثبوته ، و مبدأ القضاء يقتصر على المقضى عليه ، و لا يتعدى إلى غيره إلا فى خمسة ففى أربعة يتعدى إلى كافة الناس فلا تسمع دعوى أحد فيه بعده ، فى الحرية الأصلية ، و النسب و ولاء العتاقة و النكاح .


    =================================
    الطعن رقم 0053 لسنة 54 مكتب فنى 36 صفحة رقم 856
    بتاريخ 04-06-1985
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    يشترط لقبول دعوى النسب بعد وفاة طرفيها أو أحدهما أن تكون ضمن دعوى الحق .

    ( الطعن رقم 53 لسنة 54 ق ، جلسة 1985/6/4 )
    =================================
    الطعن رقم 65 لسنة 54 مكتب فنى 36 صفحة رقم 504
    بتاريخ 26-03-1985
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    النص فى المادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد المطلقة إذا أتت به لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق إنما تندفع به الدعوى التى يكون فيها الزواج السابق سبباً لثبوت نسب الولد لما أفاد به الطبيب الشرعى - و على ما ورد بالمذكرة الإيضاحية - من إعتبار أقصى مدة للحمل 365 يوماً حتى تشمل جميع الأحوال النادرة مما مقتضاه عدم سريان حكم النص على دعوى نسب الولد الذى أتى به بعد الطلاق من فراش صحيح لاحق عليه و يثبت به النسب شرعاً و هو الزواج و ملك اليمين و ما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو شبهه .


    =================================
    الطعن رقم 65 لسنة 54 مكتب فنى 36 صفحة رقم 504
    بتاريخ 26-03-1985
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    دعوى المطعون عليها دعوى نسب و هى باقية على حكمها المقرر فى الشريعة و يجوز إثباتها بالبينة .


    =================================
    الطعن رقم 0030 لسنة 53 مكتب فنى 37 صفحة رقم 162
    بتاريخ 28-01-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    نسب الولد و أن صح ثبوته من المرأة التى تقر بأمومتها له متى لم تكن له أم معروفة و كان ممن يولد لمثله و صادقها المقر له على أقرارها و أن كان فى سن التمييز دون توقف على شئ أخر و دون حاجة إلى إثبات ، سواء كانت الولادة من زواج صحيح أو فاسد أو من وطأ بشبهة أو من غير زواج شرعى كالسفاح إذ ولد الزنا يثبت نسبه من الأم بخلاف الأب . إلا أن ذلك مشروط بألا تكون المرأة ذات زوج أو معتدة لأن إقرارها عندئذ يكون قاصر الأثر عليها و لا يتعداها إلى الغير ، أما إذا كانت وقت الإقرار متزوجة أو معتدة أو أقرت بالولد و نسبته إلى من كان زوجاً لها فإن النسب لا يثبت بإقرارها لما فيه من تحميل النسب على الغير و هو الزوج و يتعين لثبوته أن يصادقها الزوج و إلا وجبت أقامة الحجة كاملة على مدعاها لأن الإقرار متى حمل النسب فيه على الغير يكون دعوى مجردة أو شهادة مفردة . و الدعوى المجردة لا تكفى للقضاء بموجبها كما أن شهادة الفرد فيما يطلع عليه الرجال لا تقبل .


    =================================
    الطعن رقم 0005 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 200
    بتاريخ 11-02-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    التناقض فى دعوى النسب عفو مغتفر ، و لمحكمة الموضوع السلطة التامة فى تقدير الأدلة المقدمة فى الدعوى و فى إستخلاص الواقع منها ، و إذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه بأن المطعون عليها أتت بالصغيرة لأكثر من ستة أشهر من زواجها من الطاعن على سند مما إستخلصه سائغاً من أقوال شهود المطعون عليها و من الوثيقة المحررة بتاريخ 1973/3/22 بالتصادق على زواجها من الطاعن الحاصل فى 1972/4/1 فإن ما خلص إليه الحكم من ذلك يكون لا مخالفة فيه للمنهج الشرعى السليم .


    =================================
    الطعن رقم 0020 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 608
    بتاريخ 27-05-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    الدخول مع العقد على من هى فى عصمة آخر مع العلم بذلك ، لا يثبت به نسب الولد من أبيه لأنه لقاء جنسى محرم شرعاً بغير شبهة حل ، و تقدير توافر هذا العلم من مسائل الواقع التى يستقل قاضى الموضوع ببحث دلائلها و الموازنة بينها و ترجيح ما يطمئن إليه منها و إستخلاص ما يقتنع به مادام يقيم حكمة على أسباب سائغة من شأنها أن تؤدى إلى النتيجة التى ينتهى إليها .

    ( الطعن رقم 20 لسنة 55 ق ، جلسة 1986/5/27 )
    =================================
    الطعن رقم 0060 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 595
    بتاريخ 27-05-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    المقرر شرعاً أن النسب يثبت بالإقرار و أن من أقر لمجهول النسب أنه ولده و لم يصرح فى إقراره بأنه أبنه من الزنا . فهو معترف ببنوة هذا الولد بنوة حقيقية و أنه خلق من مائه ، سواء أكان صادقاً فى الواقع أو كاذباً فيثبت لهذا الولد شرعاً جميع أحكام البنوة .


    =================================
    الطعن رقم 0100 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 582
    بتاريخ 27-05-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن النسب يثبت " بالفراش الصحيح " و هو الزواج الصحيح و ملك اليمين و ما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو شبهه ، كما أن المقرر فى الفقه الحنفى أن الزواج الذى لا يحضره شهود هو زواج فاسد يترتب عليه آثار الزواج الصحيح و منها ثبوت النسب بالدخول الحقيقى .


    =================================
    الطعن رقم 0100 لسنة 55 مكتب فنى 37 صفحة رقم 582
    بتاريخ 27-05-1986
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    القاعدة فى إثبات النسب أنه إذا إستند إلى زواج صحيح أو فاسد فيجب لثبوته أن يكون الزواج ثابتاً لا نزاع فيه سواء كان الإثبات بالفراش أو بالإقرار أو بالبينة الشرعية و هى على من أدعى بل أن البينة فى هذا المجال أقوى من مجرد الدعوى أو الإقرار و لا يشترط لقبولها معاينة واقعة الولادة أو حضور مجلس العقد و إنما يكفى أن تدل على توافر الزواج أو الفراش بمعناه الشرعى .

    ( الطعن رقم 100 لسنة 55 ق ، جلسة 1986/5/27 )
    =================================
    الطعن رقم 2330 لسنة 52 مكتب فنى 38 صفحة رقم 543
    بتاريخ 02-04-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    مفاد نص المادة 30 من القانون المدنى أن الأصل أن شهادة الميلاد و شهادة الوفاة كافيتان للإثبات إلا إذا أثبت ذوو الشأن عدم صحة ما أدرج بالسجلات أو إذا لم توجد شهادة الميلاد أو شهادة الوفاة لأى سبب من الأسباب فيجوز عندئذ الإثبات بجميع الطرق .

    ( الطعن رقم 2330 لسنة 52 ق ، جلسة 1987/4/02 )
    =================================
    الطعن رقم 0080 لسنة 54 مكتب فنى 38 صفحة رقم 263
    بتاريخ 17-02-1987
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    المقرر فى قضاء هذه المحكمة - أن دعوى النسب بعد وفاة المورث لا يمكن رفعها إستقلالاً ، و بالنسب وحده ، بل يجب أن تكون ضمن حق فى التركة بطلبه المدعى مع الحكم بثبوت نسبه


    =================================
    الطعن رقم 0047 لسنة 55 مكتب فنى 39 صفحة رقم 168
    بتاريخ 26-01-1988
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    النسب يثبت فى جانب الرجل بالفراش و بالبينة و بالإقرار .


    =================================
    الطعن رقم 0047 لسنة 55 مكتب فنى 39 صفحة رقم 168
    بتاريخ 26-01-1988
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    البينة فى دعوى النسب هى شهادة رجلين أو رجل و إمرأتين .


    =================================
    الطعن رقم 0124 لسنة 56 مكتب فنى 40 صفحة رقم 897
    بتاريخ 28-03-1989
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    المقرر فى فقه الأحناف أنه إذا كان الحمل ظاهراً و صدر الإعتراف به من الزوج فإن النسب يثبت قبل الولادة لما فى البطن ، و كان نفى نسب الولد - و على ما جرى به فقه الأحناف - لا يكون معتبراً ، و لا يقطع النسب إلا بشروط منها أن يكون النفى عند الولادة
    و عند التهنئة ، و منها ألا يسبق النفى إقراراً بالنسب لا نصاً ولا دلالة ، فإن سبق لا يصح النفى ، فإذا قال الولد منى أو سكت عند التهنئة بولادته ثم نفاذه ذلك لا يقبل منه لأن النسب بعد الثبوت صار حقاً للولد فلا يمكن الرجوع فيه .

    ( الطعن رقم 124 لسنة 56 ق ، جلسة 1989/3/28 )
    =================================
    الطعن رقم 0073 لسنة 57 مكتب فنى 40 صفحة رقم 375
    بتاريخ 23-05-1989
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    من الأصول المقررة فى فقه الشريعة الإسلامية أن النسب يثبت بالفراش و هو الزواج الصحيح و ما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو يشبهه و من المقرر فى الفقه الحنفى أن الزواج الذى لا يحضره شهود زواج - فاسد يترتب عليه آثار الزواج الصحيح و منها النسب بالدخول الحقيقى .


    =================================
    الطعن رقم 0073 لسنة 57 مكتب فنى 40 صفحة رقم 375
    بتاريخ 23-05-1989
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    القاعدة فى إثبات النسب أنه إذ إستند إلى زواج صحيح أو فاسد فيجب لثبوته أن يكون الزواج ثابتاً لا نزاع فيه سواء كان الإثبات باللفظ الصريح أو يستفاد من دلالة التعبير أو السكوت فى بعض المواضع التى يعتبر الساكت فيها مقراً بالحق بسكوته إستثناء من قاعدة لا ينسب لساكت قول .


    =================================
    الطعن رقم 0008 لسنة 58 مكتب فنى 40 صفحة رقم 133
    بتاريخ 21-11-1989
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن دعوى النسب متميزة عن دعوى إثبات الزوجية و أن إثباتها لا يخضع لما أورده المشرع فى المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية من قيد على سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها إذ لا تأثير لهذا المنع من السماع على دعوى النسب التى ما زالت باقية على حكمها المقرر فى الشريعة الإسلامية .


    =================================
    الطعن رقم 0008 لسنة 58 مكتب فنى 40 صفحة رقم 133
    بتاريخ 21-11-1989
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    النسب كما يثبت بالبينة و الإقرار يثبت بالفراش الصحيح و هو الزواج الصحيح و ملك اليمين و ما يلحق به و هو المخالطة بناء على عقد فاسد أو بسببه .


    =================================
    الطعن رقم 0155 لسنة 58 مكتب فنى 40 صفحة رقم 466
    بتاريخ 30-05-1989
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن شهادة الميلاد بمفردها ليست حجة فى إثبات النسب ، و إن كانت تعد قرينة عليه ، إذ لم يقصد بها ثبوته ، و إنما جاء ذكره فيها تبعاً لما قصد منها و وضعت له ، و لأن القيد بالدفاتر لا يشترط فيه أن يكون بناء على طلب الأب أو وكيله ، بل يصح بإملاء من القابلة أو الأم ، فلا يعتبر نسبة الطفل فيها إلى شخص معين حجة عليه طالما لم يقر بصحة البيانات المدونة بها .

    ( الطعن رقم 155 لسنة 58 ق ، جلسة 1989/5/30 )
    =================================
    الطعن رقم 0015 لسنة 55 مكتب فنى 41 صفحة رقم 512
    بتاريخ 31-07-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    من المقرر وفقاً لصريح نص المادة 44 من قانون الإثبات أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضى بصحة المحرر أورده أو بسقوط الحق فى إثبات صحته و فى الموضوع معاً بل يجب أن يكون قضاؤها بذلك سابقاً على الحكم فى موضوع الدعوى إعتباراً بأنه يجمع بين هذه الحالات الثلاث فى هدف واحد و هو أن لا يحرم الخصم الذى تمسك بالمحرر و قضى بتزويره أو بسقوط الحق فى إثبات صحته أو المحكوم بصحته من أن يقدم ما عسى أن يكون لديه من أدلة قانونية أخرى أو يسوق دفاعاً متاحاً جديداً أخذاً بأن الإدعاء بالتزوير كان مقبولاً و منتجاً فى النزاع . إلا أنه لا مجال لإعمال هذه القاعدة - و على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - متى قضى بعدم قبول الإدعاء بالتزوير لأنه غير منتج إذ فى هذه الحالة تفتقد الحكمة التى ترمى إلى الفصل بين الحكم فى الإدعاء بالتزوير و الحكم فى الموضوع طالما ليس من ورائه تأثير على موضوع الدعوى الأصلية فلا يكون ثمة داع لأن يسبق الحكم بعدم قبول الإدعاء بالتزوير الحكم فى الموضوع .


    =================================
    الطعن رقم 0015 لسنة 55 مكتب فنى 41 صفحة رقم 512
    بتاريخ 31-07-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 5
    من المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن للزوجين أن يبرما زواجهما فى الشكل الذى يقتضيه قانونهما الشخصى أو يبرما زواجهما فى الشكل المقرر لقانون البلد الذى عقد فيه .


    =================================
    الطعن رقم 0062 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 168
    بتاريخ 22-05-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 2
    المقرر - فى قضاء المحكمة - أن دعوى النسب متميزة عن دعوى إثبات الزوجية ... إن إثبات البنوة لا يخضع لما أورده المشرع فى المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية من قيد على سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها إذ لا تأثير لهذا المنع على دعوى النسب و التى ما زالت باقية على حكمها المقرر فى الشريعة الإسلامية حتى و لو كان النسب مبناه الزوجية الصحيحة .


    =================================
    الطعن رقم 0062 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 168
    بتاريخ 22-05-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 3
    الحكم المطعون فيه إذ أقام قضاءه بثبوت نسب الصغير شريف للطاعن على ما إستخلصه من بنية المطعون ضدها الشرعية بأسباب سائغة تكفى لحمل قضائه فلا على الحكم المطعون فيه إن إلتفت عن طلب إحضار الصغير أمام القضاء .

    ( الطعن رقم 62 لسنة 58 ق ، جلسة 1990/5/22 )
    =================================
    الطعن رقم 0142 لسنة 58 مكتب فنى 41 صفحة رقم 625
    بتاريخ 27-02-1990
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 4
    من المقرر - فى قضاء هذه المحكمة - أن شهادة الميلاد بمفردها ليست حجة فى إثبات النسب ، و إن كانت تعد قرينة عليه ، إذ لم يقصد بها ثبوته . و إنما جاء ذكره فيها تبعاً لما قصد منها و وضعت له ، و الأن القيد بالدفاتر لا يشترط فيه أن يكون بناء على طلب الأب أو وكيله بل يصح الإملاء من القابلة . أو الأم ، فلا يعتبر نسبة الطفل فيها إلى شخص معين حجة عليه طالما لم يقر بصحة البيانات المدونة بها .


    =================================
    الطعن رقم 0104 لسنة 59 مكتب فنى 42 صفحة رقم 398
    بتاريخ 05-02-1991
    الموضوع : احوال شخصية للمسلمين
    الموضوع الفرعي : ثبوت النسب و نفيه
    فقرة رقم : 1
    المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن ثبوت النسب حق أصلى للأم ليدفع عنها نفسها تهمة إلزام أو لأنها تعير بولد ليس له أب معروف و هو فى ذات الوقت حقاً أصلياً للولد لأنه يرتب له حقوقاً بينها المشرع و القوانين الوضعية كحق النفقة و الرضاع و الحضانة و الإرث .


    =================================

  12. #57
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    اللعان

    اللعان لغة : مشتق من اللعن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ، لأن كل واحد يلعن نفسه إن كان كاذباً .

    وفي الاصطلاح : شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين مقرونة بلعن وغضب .



    الأصـل فيه :

    الكتاب والسنة والإجماع . قال تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (النور:6- 9)

    ومن السنة :

    عن سهل بن سعد الساعدي قال : أن عويمرا العجلاني جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها ) قال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري .



    عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال : إنا ليلة الجمعة في المسجد إذ جاء رجل من الأنصار فقال لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ والله لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قتل قتلتموه أو سكت سكت على غيظ فقال اللهم افتح وجعل يدعو فنزلت آية اللعان " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " هذه الآيات فابتلى به ذلك الرجل من بين الناس فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مه فأبت فلعنت فلما أدبرا قال : ( لعلها أن تجيء به أسود جعدا فجاءت به أسود جعدا ) رواه مسلم . وهناك روايات كثيرة تبين هذه الواقعة .





    شرط صحة اللعان :

    1- أن يكون من الزوجين .

    2- أن يكون الزوجين بالغين عاقلين .

    3- أن يقذفها بالزنا . يا زانية أو زنيتِ . أو رأيتك تزنين .

    4- أن تكذبه الزوجة .

    5- أن يكون اللعان بألفاظه الواردة .

    6- أن يكون بحضرة الحاكم أو من ينوبه .

    7- أن يكون باللغة العربية لم يعرفها .





    كيفية اللعان :

    قول الرجل : أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه ويشير إليها ومع غيبتها يسميها وينسبها . ثم يقول الخامسة : وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين .

    ثم تقول هي أربع مرات : أشهد بالله لقد كذب عليَّ فيما رماني به من الزنا ، ثم تقول في الخامسة : وإن غضب الله عليها إن كان من الصادقين .





    ما الأحكام التي تثبت إذا تم اللعان ؟

    إذا تم اللعان ثبتت أربعة أحكام :

    1- سقوط الحد عن الزوجة إذا كانت محصنة . أو التعزير إن لم تكن محصنة .

    2- الفرقة بين المتلاعنين .

    3- التحريم المؤبد ولو أكذب نفسه وقال إني كذبت عليها .

    4- انتفاء الولد عن الزوج إذا ذكره في اللعان . وقال ابن القيم ينتفي ولو لم يذكر .

  13. #58
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    نف النسب عن طريق البصمه الوراثيهd.n.a

    من المقرر شرعًا أنه إذا صدر الإقرار من الزوج في عقد الزواج الصحيح بنسب الطفل إليه مستوفيًا لشرائطه فإنه لا يحتمل النفي ولا ينفك بحال، وذلك سواء أكان المقر صادقًا في الواقع ونفس الأمر أم كاذبًا، فنفي النسب بعد الإقرار لا يكون معتبرًا. واطلاع الزوج على سوء سلوك زوجته الذي كان خافيًا عليه لا يمكنه من نفي النسب الثابت من قبل، أمَّا الاعتماد على البصمة الوراثية المعروفة باسم (d.n.a) في نفي النسب فإنه لا يجوز شرعًا؛ حيث إن التحاليل يعتريها الخطأ البشري المحتمل، وحتى لو دلت البصمة الوراثية في نفسها على نفي النسب أو إثباته يقينًا فإن ذلك اليقين في نفسه يقع الظن في طريق إثباته، مما يجعل تقرير البصمة الوراثية غير قادر على نفي النسب، أمَّا إثبات النسب بهذه البصمة فلا يكون إلا في عقد صحيح لا يتم اللعان فيه بين الزوجين فإن تم اللعان فاللعان أقوى من البصمة الوراثية. ويجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية: ـ حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. ـ حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب. ـ حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

  14. #59
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    نف النسب عن طريق البصمه الوراثيهd.n.a

    من المقرر شرعًا أنه إذا صدر الإقرار من الزوج في عقد الزواج الصحيح بنسب الطفل إليه مستوفيًا لشرائطه فإنه لا يحتمل النفي ولا ينفك بحال، وذلك سواء أكان المقر صادقًا في الواقع ونفس الأمر أم كاذبًا، فنفي النسب بعد الإقرار لا يكون معتبرًا. واطلاع الزوج على سوء سلوك زوجته الذي كان خافيًا عليه لا يمكنه من نفي النسب الثابت من قبل، أمَّا الاعتماد على البصمة الوراثية المعروفة باسم (d.n.a) في نفي النسب فإنه لا يجوز شرعًا؛ حيث إن التحاليل يعتريها الخطأ البشري المحتمل، وحتى لو دلت البصمة الوراثية في نفسها على نفي النسب أو إثباته يقينًا فإن ذلك اليقين في نفسه يقع الظن في طريق إثباته، مما يجعل تقرير البصمة الوراثية غير قادر على نفي النسب، أمَّا إثبات النسب بهذه البصمة فلا يكون إلا في عقد صحيح لا يتم اللعان فيه بين الزوجين فإن تم اللعان فاللعان أقوى من البصمة الوراثية. ويجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية: ـ حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. ـ حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب. ـ حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

  15. #60
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    85

    نف النسب عن طريق البصمه الوراثيهd.n.a

    من المقرر شرعًا أنه إذا صدر الإقرار من الزوج في عقد الزواج الصحيح بنسب الطفل إليه مستوفيًا لشرائطه فإنه لا يحتمل النفي ولا ينفك بحال، وذلك سواء أكان المقر صادقًا في الواقع ونفس الأمر أم كاذبًا، فنفي النسب بعد الإقرار لا يكون معتبرًا. واطلاع الزوج على سوء سلوك زوجته الذي كان خافيًا عليه لا يمكنه من نفي النسب الثابت من قبل، أمَّا الاعتماد على البصمة الوراثية المعروفة باسم (d.n.a) في نفي النسب فإنه لا يجوز شرعًا؛ حيث إن التحاليل يعتريها الخطأ البشري المحتمل، وحتى لو دلت البصمة الوراثية في نفسها على نفي النسب أو إثباته يقينًا فإن ذلك اليقين في نفسه يقع الظن في طريق إثباته، مما يجعل تقرير البصمة الوراثية غير قادر على نفي النسب، أمَّا إثبات النسب بهذه البصمة فلا يكون إلا في عقد صحيح لا يتم اللعان فيه بين الزوجين فإن تم اللعان فاللعان أقوى من البصمة الوراثية. ويجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية: ـ حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. ـ حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب. ـ حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك