موقع الدي في دي العربي

الموقع الأكثر تطوراً في مجال الترفيه والتسلية وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب، تابع أحدث أخبار الأدب والفن الأفلام والمسلسلات، الرياضة، البرامج والألعاب، الفضائيات والاتصالات، العلوم واللغات، شاركنا آرائك مع محبي الفن والثقافة ، انضم الآن



+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 21
Like Tree0Likes

الموضوع: يسرى فودة يكتب : الطريق إلى القاعدة

  1. #1
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب : الطريق إلى القاعدة

    يسرى فودة يكتب:

    الطريق إلى القاعدة

    مقالات متتابعة نشرت بجريدة المصرى اليوم


    يسرى فودة


    ....
    .

    ...

    .

  2. #2
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب:الطريق إلى القاعدة «1» دعوة إلى المجهول


    حتي بعد مرور أكثر من سبع سنوات، لاتزال قصة الحادي عشر من سبتمبر القصة الأم التي تلد لنا كل يوم قصة جديدة، من أفغانستان إلي العراق، إلي لبنان، إلي بؤرة الصراع في الشرق الأوسط، إلي قوانين مكافحة «الإرهاب»، إلي مواجهات دينية ومذهبية إلي إيران، إلي مناهج التعليم إلي مصادر الطاقة، إلي رغيف الخبز إلي عالم تغيرت ملامحه بين يوم وليلة.
    في قلب هذه القصة الأم يقع الصحفي الوحيد في العالم، الذي استطاع الوصول إلي العقول المدبرة لما يسميه تنظيم القاعدة «غزوة مانهاتن» يسري فودة، نجم قناة الجزيرة، صاحب برنامج «سري للغاية»، يخص لأول مرة صحيفة عربية بسلسلة من المقالات، يشرح فيها علي مدي عشرين حلقة كيف انتهي به الحال إلي قضاء 48 ساعة في أحد المنازل الآمنة للـ«القاعدة»، يصلي وراء منسق عملية الحادي عشر من سبتمبر، رمزي بن الشيبة، ويقتسم البيض المسلوق مع رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة، خالد شيخ محمد.
    ذات صباح، في الأسبوع الأول من شهر أبريل ـ نيسان 2002، دق هاتفي المحمول، بينما كنت أهم بالدخول إلي مكتبي الجديد، لم أكن قد استقريت بعد في المكاتب الجديدة لقناة الجزيرة في لندن التي تقع مباشرة علي الضفة الجنوبية لنهر التيمس، لكنني كنت مستمتعاً بمغازلة هذه الحقيقة الساخرة: إنني أستطيع الآن من مقعدي أن أري بكل وضوح، عبر النهر العتيق، النوافذ القابضة للمبني الغامض الذي يقبع أمامي مباشرةً علي الضفة الشمالية ولا يحمل رقماً ولا عنواناً ولا تجد له أثراً علي أي خريطة. يسمي فقط «بيت التيمس»، لكنه في الواقع مقر الذراع الداخلية لجهاز الاستخبارات البريطاني MI5.
    علي الخط كان صوت لم أتعرف عليه «السلام عليكم يا أخ يسري.. أنا فاعل خير». أتي صوت عطوف بلسان عربي فصيح عبر خط رديء موحياً لأول وهلة بأن صاحبه علي درجة من التدين، ثم لم يدخل في مقدمات كما هي غالباً عادة المتصلين من العرب، «نرجو أن يكون قد خطر ببالك أن تعد برنامجاً خاصاً للذكري الأولي» لم يشرح أي ذكري يقصد، لكنه مضي سريعاً، «إن كان الأمر كذلك فإن في استطاعتنا أن نمدك بشيء خاص، سري للغاية».
    لم يمض أكثر من عشرين ثانية تقريباً قبل أن يطلب «فاعل الخير»، الذي قررت بعد ذلك، تسهيلاً للأمور، أن اسميه «أبوبكر»، رقم جهاز الفاكس الخاص واستأذن في قطع الاتصال.
    تدافعت الأفكار في ذهني وأنا أحدق في الهاتف المحمول الذي سكت فجأة، مفسحاً المجال لصمت مطبق. يبدو شكله الآن في عيني غريباً. كثيرون من مشاهدي قناة الجزيرة تكرموا قبل ذلك باقتراح أفكار لبرنامجي التحقيقي «سري للغاية»، بل إن بعضهم تطوع بإعداد بحوث كاملة عن موضوعات بعينها توافق طبيعة البرنامج.
    غير أن معظم الاقتراحات، جاء قبل ذلك، إما بالاتصال المباشر عن طريق أناس يعرفون أنهم يعرفون يسري فودة، أو عن طريق عنوان البريد الإلكتروني المعلن عنه بعد كل حلقة من حلقات البرنامج، أو عن طريق رقم الفاكس المعروف، أو حتي عن طريق الاتصال الهاتفي علي أرقام الجزيرة في الدوحة أو مكتبها في لندن.. لم يحدث قبل ذلك أن اتصل بي شخص لا يعرفني علي رقم الهاتف المحمول دون أن يقول لي في البداية «إن الصديق الفلاني هو الذي أعطاني رقمك الخاص» قبل أن يمضي فيما اتصل من أجله.
    هذه المرة استطاع هذا «الفاعل الخير» أن يثير فضولي دون أن يتحدث عن أي شيء تقريباً. لكن الغريزة الصحفية داخلي ألقت بي إلي إطراقة طويلة عميقة، وأثارت من التساؤلات أكثر مما أثارت من الإجابات. لقد سألني أبوبكر إن كنت أفكر في إعداد برنامج خاص للذكري الأولي، وأنا الآن أخمن أنه ربما كان يقصد ذكري الحادي عشر من سبتمبر الآتية في غضون خمسة أشهر. ولكن، ما عساه ذلك الشيء الخاص الذي قال إنه يمكن أن يمدني به في المقابل؟ كيف يمكن لي أن أثق بـ«فاعل خير» هكذا بهذه البساطة؟ لقد كان التأكد من مدي مصداقية أبوبكر مسألة صعبة و مخاطرة ملفوفة بالحساسية في آن معاً، لكنني قمت علي أي حال باتصال أو اثنين للوقوف بطريقة هادئة علي ما إذا كان أحد ما علي علم بما يحدث! لم تكن تحليلات بعض من هؤلاء الذين كانت لهم خبرة مباشرة مع تنظيم القاعدة، علي درجة كبيرة من الفائدة علي أي حال.
    بينما كنت في انتظار الاتصال التالي من أبوبكر، حدثت مصادفة ساخرة. مساء تلك الليلة اتصلت بي صحفية تعمل في شبكة دولية شهيرة للأخبار التليفزيونية كي تطلب مني خدمة. «هل لديك بالصدفة رقم هاتف لأحد أعضاء تنظيم القاعدة؟» تساءلت الصحفية قبل أن تستطرد بلهجة جادة، «إننا نريد أن نتعرف علي رد فعلهم في النشرة المقبلة بشأن بعض التقارير». كنت أظن حقاً أنها تمزح، فاقترحت عليها ساخراً أن تتصل برقم 192 (الاستعلامات الهاتفية لشركة الاتصالات البريطانية)!! لولا أنها لم تكن تمزح.
    لم تكن هذه الصحفية، للأسف الشديد، استثناءً بين كثير من الصحفيين الغربيين، الذين خانتهم المعرفة الموضوعية لخلفيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر. بالنسبة لهم جميعاً، أو يكاد، بدا الأمر كله أحادي الجانب ذا وجه واحد: الحادي عشر من سبتمبر، بن لادن، الإسلام، العرب، أفغانستان، الشرق الأوسط، الإرهاب، كلها محتويات تنتمي إلي سلة واحدة، ومن ثم إلي تقرير صحفي واحد.
    لأسباب كثيرة منها هذا السبب استحوذت قناة الجزيرة علي سمعة دولية. لكن هذه السمعة الدولية، عندما أدركت الجزيرة أدركتها للأسباب الخاطئة. لقد أصيب كثيرون في الغرب، خاصةً في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين يعرفون قليلاً أو لا يعرفون شيئاً علي الإطلاق عن الشرق الأوسط و/أو الإسلام، بصدمة المفاجأة عندما علموا في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر أن قناة «عربية»، قناة «مسلمة» تسمي «الـ - شيئاً ما» هي التي ستقوم وحدها بتغطية أخبار الحرب التي كانت إدارتهم تستعد لشنها علي أفغانستان. قليل جداً منهم كان علي علم بأن شبكة الأخبار الأمريكية CNN قد عُرض عليها قبل ذلك بشهور عدة العرض نفسه الذي عُرض علي قناة الجزيرة، لكنها لم تر حينئذٍ في أفغانستان مكاناً يستحق التغطية.
    رأته بعد ذلك بعد فوات الأوان. وقليل جداً منهم استطاع، أثناء الإعداد لما سُمي «الحرب علي الإرهاب»، أن يقاوم جملةً من التساؤلات العنصرية السخيفة: «هل يستطيع العرب أن يستخدموا كاميرا تليفزيونية؟ هل يستطيعون حقاً ربطها إلي طبق فضائي كي يرسلوا إشارة في الهواء؟ بل هل يمكن أن يكون لديهم صحفيون؟! وكان هذا - للأسف - من حسن حظي كصحفي عربي يعيش في لندن، فتابعت عملي في هدوء، دون جلبة».
    اضطررت إلي الانتظار أربعة أيام، قبل أن يلفظ جهاز الفاكس رسالة مطبوعة من ثلاث صفحات، تعلو أولاها بالخط العريض عبارة «بسم الله الرحمن الرحيم». تحتها بخط أصغر: «الخطوط الرئيسية للبرنامج المقترح، سري للغاية.. صانعو أحداث سبتمبر يتحدثون».
    كان من الواضح أنها أتت من أبوبكر، رغم أنها لم تحمل توقيعاً ولا رقماً لجهاز الفاكس الذي أُرسلت منه ولا تاريخاً. ولم يكن من الواضح أيضاً إن كانت الرسالة المنمقة من بنات أفكار أبوبكر أو أنه كان مجرد وسيط، لكنّ مؤلفها لم يضع وقتاً في مقدمات أو افتراضات جدلية. كانت الرسالة ببساطة مشروعاً عملياً لفيلم تسجيلي مكون من جزءين احتفالاً بالذكري الأولي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر.
    كانت هناك نبرة إملائية بين السطور، تشتمّ من خلالها رائحةً لكاتب سيناريو أو مخرج يعتز بأفكاره، ويريد لها أن تترجَم كما يراها هو بتفاصيلها و منحنياتها علي البرنامج، كما يقترح المؤلف، أن يبدأ في جزءه الأول بصور «الأخوة التسعة عشر» مصحوبةً بصوت «الشيخ» (أسامة بن لادن) يلقي أبياتاً من الشعر:
    أيقظتم التاريخ بعد رقاده …
    وقد أقسموا بالله أن جهادهم
    سيمضي ولو تحدي كسري و قيصر
    يعقب ذلك، وفقاً للسيناريو المقترح، «قولة بوش عن الحرب الصليبية»، في إشارة إلي التصريح الخطير للرئيس الأمريكي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الذي قال فيه بالحرف الواحد: «إن هذا نوع جديد من … نوع جديد من الشر، وقد بدأ الشعب الأمريكي يفهم، إن هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب علي الإرهاب ستستغرق وقتاً».
    يؤدي ذلك بدوره، كما تقول الرسالة، إلي «تحليل تاريخي لمراحل الصراع بين المسيحيين و المسلمين» يقوم به عدد من الباحثين هم: «د. فهد محمود محمد شاكر، د. عبدالعظيم الديب، د. عبدالحليم عويس، د. جمال عبدالهادي». لم يعرف عن أي من هؤلاء الباحثين انتماء إلي تنظيم القاعدة أو غيره من تنظيمات، مثلما لم يعرف عنهم استعداد المشاركة في برنامج من هذا القبيل بناءً علي ترشيح من هذا القبيل، وهي الحقيقة نفسها التي تنسحب علي «د. عبدالله النفيسي وعبدالباري عطوان ود. محمد عباس ود. سعيد مسفر» الذين رشحهم كاتب الرسالة للحديث عن «دخول أمريكا المنطقة وجرائمها التي ارتكبتها ضد الشعوب».
    ورغم طموحها، فإن الرسالة التي كُتبت علي الكمبيوتر بشكل منظم دقيق أظهرت بين سطورها عقلاً فاهماً لآليات العمل الإعلامي وظروفه، فقد كانت سهلة ومباشرة و مرتّبة، ثم كانت من بعد ذلك مغرية. «هذا الموضوع لم يسبق لمحطة فضائية أن قامت به من قبل بشكل موسع و متكامل»، ألقي كاتب الرسالة إلي قارئها بجزرة في الفقرة الأخيرة: «وسنوافيك بعناوين أشخاص و مراكز يمكنكم الاتصال بهم لإنجاز الجزء الثاني من البرنامج، في حال توافر استعدادكم لعمل هذا التحقيق.. و تقبلوا جزيل الشكر والامتنان».
    القرار الآن متروك لي.



  3. #3
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب:الطريق إلى القاعدة «2»
    الكرة تتدحرج
    كان قد مضي علي الأحداث الدامية في نيويورك وواشنطن حوالي سبعة أشهر حتي وصول تلك الرسالة ممن بدأت أفهم أنه أحد وسطاء تنظيم القاعدة، ولم يكن أحد بعد قد أعلن مسؤوليته عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص.
    ورغم أن الإدارة الأمريكية أصدرت حكمها مباشرةً علي بن لادن، مثلما أعدت الحكومة البريطانية لائحة ادعاء ضده، فإن دليلاً واقعياً دامغاً، من نوع ذلك الذي يمكن له أن يصمد أمام محكمة، لم يقدم للناس. لكنّ غياب مثل ذلك الدليل لم يردع الولايات المتحدة عن التحرك علي أية حال؛ فبعد أقل من شهر شن الأمريكيون هجومهم علي أفغانستان وخلعوا حكومة طالبان التي كانت تستضيف بن لادن.
    صحيح أن زعيم القاعدة، أسامة بن لادن، لم يدخر وسعاً في امتداح «عمليات الثلاثاء»، ولا في الدعاء إلي الله عسي أن يتقبل «أبطالها» بين الشهداء، لكنه لم يعلن أبداً مسؤوليته المباشرة ولا مسؤولية تنظيم القاعدة عن تلك العمليات. وحتي هؤلاء الذين اعتقدوا - أو تمنوا في قلوبهم - أن يكون رجال بن لادن هم حقاً الذين جعلوا حكام أعتي دولة في العالم يدورون حول أنفسهم، وجدوا من الصعب استيعاب أن بشراً من جلدتهم خططوا ثم ناموا ثم استيقظوا كي ينفذوا أضخم عملية «إرهاب» تحفظها ذاكرة التاريخ حتي الآن وأكثرها تعقيداً.
    لكنّ أحداً لم يكن قد سمع شيئاً من أسامة بن لادن لشهور، رغم أن طيفه كان يحلّق طول الوقت في أرجاء غرف الأخبار في كل مكان علي وجه الأرض. كيف أستطيع إذن، وبأي منطق وسط هذه الأجواء أن أتأكد من أن هذه الدعوة المبطنة التي حملتها رسالة الفاكس قد أتت منه أو من أحد رجاله؟ كيف أستطيع أن أقطع الشك باليقين، إنها ليست هي الأخري «خديعة كبري»؟
    في ذلك المساء عدت إلي منزلي في وسط لندن وفي جيب سترتي الداخلي ثلاث ورقات خفيفة وفي ذهني جبل ثقيل من الأفكار. كان أمراً مغرياً دفعني بين لحظة وأخري إلي التفكير في أن أحكي ما حدث لبعض الأصدقاء، لولا أن حفيف الإغراء أتي ملفوفاً في كثير من المخاطرة.
    ولم يكن لوصولي إلي هذا الإحساس المتناقض سوي معني واحد: أنني أميل الآن إلي تصديق أن تنظيم القاعدة يريد فعلاً أن يضع بين يدي شيئاً غير عادي، وأنني أميل الآن إلي فتح يدي، وأنه إذا كان لذلك أن يحدث فلا بد له من أن يحدث في هدوء.
    لم يكد يحين وقت الاسترخاء والتفكير العميق حتي مزق رنين هاتفي المحمول صمت المنزل. أبو بكر؟! لم يظهر علي شاشة الهاتف رقم المتصل. ربما يكون هو. إذا كان هو الذي يتصل الآن من باكستان فلا بد أن الساعة لديه الآن تقترب من الثانية صباحاً.
    «ما رأيك في الحضور إلي إسلام آباد؟» تساءل الصوت البعيد الذي انتخبته أذناي من بين ضوضاء خط رديء قبل أن يستطرد مباشرةً: «سنتأكد من الترتيبات ومن أنه لن يصيبك إن شاء الله مكروه ومن أنك ستعود بما تريد».
    بدأت الكرة إذن في التدحرج. أحد ما في مكان ما اتخذ قراراً بعينه، وإذا لم أقتنص فرصتي الآن فربما لن تعود أبداً. «طبعاً، بكل تأكيد، إن شاء الله»، جاء ردي سريعاً وأنا أعلم أن أبو بكر لن يستطيع البقاء علي خط الهاتف لأكثر من ثوان معدودة. «بمجرد حصولي علي تأشيرة دخول ستجدني إن شاء الله من الصابرين».
    قطع أبو بكر اتصاله فجأةً دون أن يخبرني إلي أي مكان سيكون علي أن أتوجه في إسلام آباد، وهل سيكون هو أم أحد غيره في انتظاري وفي أي ساعة من أي يوم. لكنّ الكرة كانت علي أية حال قد بدأت في التدحرج، وكان لا بد من العبور أولاً علي جسور أخري قبل الوصول إلي جسر إسلام آباد.
    لم يكن الحصول علي تأشيرة دخول إلي باكستان مسألة صعبة علي مواطن مصري مسلم يحمل جواز سفر بريطانياً، ويعمل صحفياً مع قناة الجزيرة المحبوبة في ذلك البلد الإسلامي.
    ورغم أن قنصلية باكستان في لندن تريد دائماً التأكد من غرض الزيارة فقد كان لدي غرض وجيه يدعوني إلي العودة إلي البلد الذي زرته آخر مرة قبل أشهر معدودة وعلم جميع مشاهدي قناة الجزيرة بتلك الزيارة. كان تحقيقي الصحفي «الطريق إلي معسكر أشعة إكس» في شأن أسري طالبان والقاعدة في جوانتانامو في كوبا، الذي صُوّر جزء منه في باكستان، قد لقي استحساناً كبيراً لدي مشاهدي الجزيرة، ومن ثم كان من السهل تصديق أن الموضوع يستدعي متابعة لإنتاج جزء ثانٍ حول مصير الأسري وصدي ذلك في العالم الإسلامي.
    ولأنني لم أكن متأكداً من خطط أبو بكر فقد طلبت أن يشمل التصوير معظم أرجاء باكستان بما فيها منطقة الحدود مع أفغانستان. ولدرء ما تبقي من شكوك - ربما داخل نفسي أنا أولاً - طلبت من القنصل الصحفي المساعدة في ترتيب لقاء مع وزير الداخلية الباكستاني، معين الدين حيدر. «كذبة بيضاء» لم تضر أحداً، خفف من وقعها نصيحة الرسول - صلي الله عليه وسلم- بالاستعانة علي قضاء الحاجة بالكتمان.
    دون جلبة صدرت تأشيرة دخول مزدوجة عن قنصلية باكستان في لندن في التاسع من أبريل/نيسان 2002. وبعد سبعة أيام وجدت نفسي في مطار دبي في انتظار طائرة الخطوط الإماراتية المتوجهة إلي إسلام آباد. قبيل إقلاعها اتصلت بأمي في مصر كي أطمئن عليها، وأخبرها أنني ربما أزورها في غضون أسبوعين. تعودت هي لسنوات طويلة ألا تسأل أين أنا أو ماذا أفعل، وتعوّدت أنا علي أن كل ما لديها لي هو الحب والدعاء. لكن المشكلة كانت تكمن فيما عساي أقول لرئيسي المباشر في العمل.
    كان المدير العام لقناة الجزيرة وقتها، محمد جاسم العلي، يثق بي ثقةً عمياء؛ الأمر الذي دفع بمرارة إلي حلقومي وأنا «أكذب» عليه أثناء تلك المكالمة الهاتفية التي تعمدت أن تكون قصيرة.
    كان الأمر أخطر من أن يذكر علي الهاتف، ورغم أنه - كعادته - لم يكن لدي «أبو جاسم» في تلك اللحظة سوي الأمنيات الطيبة بالتوفيق والسلامة، فقد استغرقه الأمر دقيقةً أو دقيقتين - بعد ذلك بنحو شهرين - قبل أن ترتسم علي وجهه ابتسامة المتفهم.
    ويا لها من لحظة! في تلك اللحظة علي أية حال لم أكن أستطيع أن أقرأ في بطاقة السفر وعلي شاشات المغادرة إلا كلمة واحدة أو كلمتين: «القاعدة في انتظاري».
    وصلت إلي مطار إسلام آباد في الساعات الأولي من صباح الأربعاء، السابع عشر من أبريل/نيسان 2002، كي أجد في استقبالي مدير مكتب الجزيرة في العاصمة الباكستانية، أحمد زيدان. كان أحمد يعلم أن «الإخوة» يعدون شيئاً ما لزميله الزائر، لكنّ ذلك كان كل ما كان يعلمه، ولم يسأل.
    هيأت له خبرته في المنطقة أن يتوقع أن «لقاءً هاماً» كان يلوح في الأفق، رغم أن أياً منا لم يكن يدري تماماً كنه الخطوة التالية عندما أنزلني أحمد في فندق متواضع قرب مكتب الجزيرة.
    أستمتع الآن بحمام ساخن كنت في حاجة ماسة إليه. أتمدد علي السرير أقرأ كتاباً عن كيفية العناية بالحدائق المنزلية. أطلب طعاماً إلي الغرفة. آكله. أتمدد علي السرير لمزيد من القراءة. أتململ. أفتح جهاز التليفزيون. ثلاث قنوات، لا غير، كلها محلية. لغة الأوردو تشبه كثيراً اللغة العربية. الجو حار. أدير جهاز تكييف الهواء. لا يعمل. أحاول النوم. لا أستطيع. فجأةً يبدأ جهاز التكييف في العمل من تلقاء ذاته. ضوضاء. يبدأ صبري في النفاد. ها أنا الآن في إسلام آباد تلبيةً لدعوة من شخص لا أعرفه للحصول علي شيء ليست لدي أدني فكرة عنه في مكان وزمان لا يعلمهما إلا الله. هل هناك حماقة أكثر من ذلك؟!
    انتظار شيء ما أمر صعب، وانتظار المجهول أمر لا يحتمل، لكنّ الله مع الصابرين. هكذا بدأت أسلّم قيادي رويداً لسيناريو رسمه لي أحد ما في مكان ما.
    مرت الآن علي في ذلك الفندق اثنتا عشرة ساعة ولم يحدث شيء بعد. كم من المفترض أن أبقي قبل أن أعترف لنفسي بالفشل؟ يومين؟ ربما. أو ربما ثلاثة أيام علي الأكثر، أعود بعدها أدراجي إلي حيث لا سبيل مرة أخري إلي أن أسلم ذقني إلي مجهول.
    بينما أنا كذلك دق الهاتف. اختطفته فإذا صوت أبو بكر واضح جلي هذه المرة. «حمدالله علي السلامة». لم ينتظر رداً، بل استطرد قائلاً: «خذ طائرة المساء المتوجهة إلي كراتشي غداً». كان هذا كل ما في الأمر، وعندها فقط بدأت أسمح لنفسي بتصديق احتمال أن «خبطة» صحفية قد تكون فعلاً في انتظاري. يعلمون الآن أنني في باكستان، وأنني قد التزمت بما يخصني في أول اتفاق، وأنني من الآن فصاعداً أضع نفسي راضياً بين أيديهم.


  4. #4
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب:الطريق إلى القاعدة «3»
    القبلة الطويلة قبل النوم

    كان قد مضي علي الأحداث الدامية في نيويورك وواشنطن حوالي سبعة أشهر حتي وصول تلك الرسالة ممن بدأت أفهم أنه أحد وسطاء تنظيم القاعدة، ولم يكن أحد بعد قد أعلن مسؤوليته عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص.
    ورغم أن الإدارة الأمريكية أصدرت حكمها مباشرةً علي بن لادن، مثلما أعدت الحكومة البريطانية لائحة ادعاء ضده، فإن دليلاً واقعياً دامغاً، من نوع ذلك الذي يمكن له أن يصمد أمام محكمة، لم يقدم للناس.
    لكنّ غياب مثل ذلك الدليل لم يردع الولايات المتحدة عن التحرك علي أية حال؛ فبعد أقل من شهر شن الأمريكيون هجومهم علي أفغانستان وخلعوا حكومة طالبان التي كانت تستضيف بن لادن.
    في مطعم إيراني في إسلام آباد لم أقتسم مع زميلي مدير مكتب الجزيرة في إسلام آباد، أحمد زيدان، في تلك الليلة إلا أقل التفاصيل. كان لأحمد أن يكون الشخص الوحيد الذي يعلم وجهتي في الليلة التالية، وكانت نصيحته لي أن أنزل في فندق ماريوت Marriott في كراتشي و أن ألتزم بتعليماتهم.
    حتي ذلك اليوم من أبريل/نيسان عام 2002 كانت قد انتشرت في أرجاء العالم كله علامات الاستفهام كما تنتشر النار في الهشيم. تساؤلات في تساؤلات لا تلد أمام تعقيدات الحدث وغياب الحقائق إلا نظريات المؤامرة. في تلك الأيام لم أستطع استيعاب سيل متدفق من رسائل البريد الإلكتروني والعادي والفاكس والمكالمات الهاتفية والرسائل الهاتفية التي تدفقت علي مكاتب قناة الجزيرة تقدم تفسيرات مختلفة لما سماه رجال القاعدة فيما بعد «غزوتي واشنطن ونيويورك».
    استطاع كاتب فرنسي وسط ذلك أن يلتقط صدي المزاج العام في الشرق والغرب فضمن لنفسه ثروة صغيرة عندما زعم أن عمليات الحادي عشر من سبتمبر كانت من تدبير الإدارة الأمريكية نفسها. عندما التقينا به في باريس دافع تييري ميسون بشراسة عن نظرية «الخديعة الكبري».
    نظرية أخري، شاعت بوجه خاص في المملكة العربية السعودية، كانت قد انبثقت أساساً من حقيقة أن أحد مشاهدي برنامج «سري للغاية» قد التقط بعين حادة مشهداً من الفيلم الأمريكي The Long Kiss Goodnight «القبلة الطويلة قبل النوم» يصور أحد ضباط مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI و هو يشرح لعدد من زملائه رؤيته لعملية سرية:
    - 1993، تفجير مركز التجارة العالمي، هل تذكرون؟ أثناء المحاكمة زعم أحد المفجِّرين أن وكالة الاستخبارات المركزية CIA كان لديها علم مسبق. (يضحك ساخراً ثم يستطرد) الدبلوماسي الذي أصدر له تأشيرة الدخول كان ضابطاً في وكالة الاستخبارات المركزية. ليس الأمر بالمستحيل تصديقه أنهم هم الذين مهدوا الطريق لعملية التفجير لمجرد تبرير الحصول علي زيادة في الميزانية.
    > أتقول لي إنك ستقوم بتزييف شيء إرهابي لمجرد أن تحصل علي بعض الأموال من الكونجرس؟
    - حسناً، لسوء الحظ يا سيد هينيسي، ليست لدي فكرة عن كيفية تزييف مقتل أربعة آلاف شخص ولذلك نحن مضطرون إلي تدبيرها بشكل حقيقي، وبالطبع سنلقي باللوم فيها علي المسلمين.
    منحت حقيقة أن هذا الفيلم أُنتج في هوليوود قبل سنوات من وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر ثقلاً للمؤمنين بنظرية المؤامرة، شرقاً وغرباً، في اعتقادهم أن فكرة التفجيرات برمتها ولدت في أمريكا داخل أذهان أمريكية. «بن لادن لم يكن ليستطيع القيام بذلك»، يقطع لنا إدوارد إسبانوس، أحد أبرز كتاب مجلة Electronic Intelligence Review (EIR) ، «فلقد كانت عملية سرية في غاية التعقيد بحيث كان لابد لها من أن تُفعل من داخل الولايات المتحدة»، و الهدف؟ «الهدف كان في غاية الوضوح.. جر الولايات المتحدة إلي حرب شاملة في الشرق الأوسط، إلي صراع حضارات، وإلي حرب ضد الإسلام».
    وفيما انتشرت علي الإنترنت نظريات مبنية علي حقائق تاريخية كهذه تبحث في الدوافع في ظل غياب معلومات عن الوقائع، لم يكن من الواضح أي موقف سيتبناه «المتهم الأول» من الهجوم. اختلف الموقف في عيني بين ليلة وضحاها عندما وجدت نفسي في باكستان. لقد فتحت لي القاعدة نافذة لم تفتحها لأحد قبلي، وأنا لا أدري لماذا، غير أن فكرةً بعينها، بعيداً عن تفاصيل الرسالة التي وصلتني من أبوبكر، كانت تنبض حيةً من بين السطور: لأول مرة يعبر أحد ما من داخل تنظيم القاعدة عن قلقه من محاولات حرمان الإخوة «الشهداء» من حقهم المكتسب.
    لم أستطع النوم وأنا أدرك أن الأمر قد تعدي نقطة اللاعودة، لماذا اختاروني في المقام الأول؟ لماذا ينبغي عليهم أن يتكبدوا مشقة إحضار صحفي من لندن، بما يكتنف ذلك من مخاطر، بينما كانوا يستطيعون دعوة زميلي الذي يمثل القناة التليفزيونية نفسها علي بعد أمتار منهم؟ ولماذا لا يلجأون إلي أي من هؤلاء الصحفيين الآخرين المعروف عنهم التعاطف مع الحركات الإسلامية؟
    لم أجد إجابة.. من الآن فصاعداً علي فقط أن أركز علي أمني الشخصي، العودة إلي المنزل سالماً قفزت فجأة فأصبحت علي قمة الأولويات، إذا استطعت أن أحقق ذلك فإن أي شيء آخر أعود به سيكون فقط «إضافة» جيدة. «من الحماقة العبثية أن تتصيد قصة كبيرة ثم لا تعود بها»، هكذا كان المراسل الحربي لتليفزيون هيئة الإذاعة البريطانية، مارتن بل، ينصح زميله الصغير الغض، يسري فودة، عندما عمل هذا إلي جواره أيام حرب البوسنة.
    في ذهني لاتزال صورة مراسل صحيفة وول ستريت جورنال Wall Street Journal الأمريكية، دانييل بيرل، الذي كان اختُطف في كراتشي أواخر شهر يناير/كانون الثاني 2002 وقُطع رأسه من جذوره. كانت جثته الممزقة إرباً إرباً قد وُجدت قبل أسبوعين من وصولي مدفونة في إحدي رياض الأطفال في كراتشي.
    في اليوم التالي عدت إلي مطار إسلام آباد كي ألحق بطائرة مزدحمة كانت في طريقها إلي الجنوب - إلي كراتشي. علي متنها أطلقت أفكاري العنان مرةً أخري لنفسها، هل يمكن أن يكون علي الطائرة أحد ما يعرفني وأنا لا أعرفه؟ هل يمكن أن يكون ذلك فخاً أطير إليه بمحض إرادتي؟ دانييل بيرل ذهب أيضاً إلي هناك بمحض إرادته، من الأسلم أن أتصرف وكأنني تحت المراقبة علي أي حال، وأن أدقق في كل التفاتة.
    ولكن، ما الذي عساه يضطر بن لادن وأناسه أن يتكبدوا هذه المشقة كلها لاختطافي؟ ماذا يمكن أن يكسبوا من وراء إيذائي؟ دانييل بيرل، علي أي حال، لم يكن مثلي مسلماً، بل كان يهودياً، وكان في عيون ذابحيه صهيونياً ابن صهيوني وغد، ولم يكن بيرل قد تسلم دعوة إلي لقاء ذابحيه، بل إنه هو الذي كان يسعي إليهم، وعندما أدركوا هم ذلك اختطفوه وجعلوا منه عبرة.
    كان يريد أن يصطاد فاصطيد، وهؤلاء لا يحبون أن يكونوا في موقع الفريسة المنتظرة، بل في موقع الصائد الذي، مثلما قرر أن يذبح من يتعقبه، قرر أيضاً أن يصطاد صحفياً بعينه كي يتحدث إليه، أو هكذا أردت لدي وصول الطائرة إلي كراتشي، أن أصدق.
    انطلقت خارجاً من مطار قائد العزم كي أضع نفسي في سيارة أجرة، وقد بدأت أقنع نفسي باستنتاج أن هؤلاء الذين وجهوا دعوة إلي لن يكسبوا الكثير من وراء إيذاء «أخ مسلم» يعمل للقناة التليفزيونية العربية الوحيدة تقريباً التي تتجرأ علي انتقاد الأنظمة العربية، وتؤمن بتغطية الحدث من جميع جوانبه حتي إذا كانت بعض الدوائر الغربية لا ترتاح إلي أشرطة القاعدة.
    ثم ألم أقم أنا نفسي قبل أسابيع قليلة بانتقاد الإدارة الأمريكية نفسها لطريقتها غير الشرعية في التعامل مع من تسميهم «المقاتلين غير الشرعيين» من أسري طالبان والقاعدة في جوانتانامو بكوبا؟ وفيما كانت حرب الرئيس الأمريكي بوش، علي ما يصفه بالإرهاب، منصبةً في تلك المرحلة علي اغتيال سياسي معنوي قبل اقتلاع عسكري عملي لصوت إسلامي متشدد، وجدت راحةً في استنتاج أن هؤلاء ربما قد أدركوا أنهم الآن في حاجة إلي التعاطف أكثر من حاجتهم إلي التحدي. وحين يحدث ذلك تنشأ الحاجة إلي الإعلام والإعلاميين.
    من الأفضل إذاً أن أفكر بشكل إيجابي؛ فمن الواضح أن الرجل الذي دعاني إلي قطع آلاف الأميال من لندن إلي كراتشي كان معنياً بأن تتاح للقاعدة فرصة جيدة للحديث والشرح. لابد من أنه كان قد علم لدي تلك المرحلة أنه حتي إذا كان ثمة من أُعجبوا بجرأة الفأر الذي «هرس» قدم الفيل فإن كثيرين لم يعجَبوا بطريقة «الهرس».
    ولابد من أنه أدرك أنه إذا كان يريد لحركته الانتقال من مرحلة النشاط العنيف إلي مرحلة من الوجود السياسي، فإن عليه أن يتحدث عن الأسباب، وأن يشرح الدوافع وأن يحدد الأهداف، سواء من الناحية الدينية أو من الناحية السياسية. وحين يحدث ذلك تزداد الحاجة إلي الإعلام و الإعلاميين.
    قبل دقائق من وصول السيارة إلي فندق ماريوت دق الهاتف، كانت لدي أبو بكر تعليمات جديدة: «اطلب من السائق أن يغير مساره إلي فندق ريجينت بلازا Regent Plaza. كان الماريوت أقرب مما ينبغي إلي القنصلية الأمريكية في كراتشي، وكان يرتاده كثير من الدبلوماسيين وأعضاء البعثات الأجنبية، مثلما شرح أبوبكر فيما بعد، بالصدفة البحتة أو بغيرها، كانت واجهة الماريوت بعد أسابيع قليلة مسرحاً لانفجار سيارة مفخخة أودت بحياة أربعة عشر شخصاً، من بينهم أحد عشر مهندساً بحرياً فرنسياً كانوا يساعدون سلاح البحرية الباكستاني.



  5. #5
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب:الطريق إلى القاعدة «4»
    سيغفر لك الله
    أنا الآن في كراتشي، باكستان، في أبريل/نيسان ،2002 بناء علي دعوة ممن أظن أنه أحد وسطاء تنظيم القاعدة. كانت النصيحة من أحد زملائي في إسلام آباد أن أنزل في فندق ماريوت، وكنت الآن علي بعد دقائق معدودة منه عندما اتصل وسيط القاعدة الذي سميته «أبو بكر».
    كان مسار السيارة، الذي تغير بناءً علي تعليمات أبو بكر، يغريني بالتفكير في المسار الذي اتخذه قبل سبعة أشهر أحد المشتبه في ضلوعهم في التخطيط لعمليات الحادي عشر من سبتمبر. ففي الثالث من سبتمبر/أيلول 2001 كان سعيد بحاجي، الذي اقتسم المسكن نفسه في هامبورج مع محمد عطا ورمزي بن الشيبة، يحلق لحيته قبل أن يودع زوجته في طريقه إلي باكستان بحجة المشاركة في ندوة عن تكنولوجيا الكمبيوتر.
    نزل في مطار إسطنبول الدولي فلحق برحلة الخطوط التركية رقم 1056 المتوجهة إلي مطار قائد العزم الدولي في كراتشي. من المطار قصد بصحبة رجلين آخرين إلي فندق إمباسي Embassy ، حيث بات ليلة واحدة. في الصباح دفع حوالي 30 دولاراً ثم اختفي. تلاشي نهائياً من الوجود، علي الأقل حتي كتابة هذه السطور.
    كان مسار السيارة، الذي تغير بناءً علي تعليمات أبو بكر، يغريني بالتفكير في المسار الذي اتخذه قبل سبعة أشهر أحد المشتبه في ضلوعهم في التخطيط لعمليات الحادي عشر من سبتمبر. ففي الثالث من سبتمبر/أيلول 2001 كان سعيد بحاجي، الذي اقتسم المسكن نفسه في هامبورج مع محمد عطا ورمزي بن الشيبة، يحلق لحيته قبل أن يودع زوجته في طريقه إلي باكستان بحجة المشاركة في ندوة عن تكنولوجيا الكمبيوتر.
    فندق شبيه - وإن كان يقع في شارع فيصل الأكثر ازدحاماً وضوضاء - يحمل لوحة جانبية مضيئة، عليها اسمه باللغة الإنجليزية، ريجينت بلازا، بدا أصغر و أقل احتراماً مما يوحي به الاسم. لكن الأكثر لفتاً للانتباه كان حجم الإصلاحات التي كان يشهدها مدخله وواجهته. توقفت أمامه سيارة أجرة، نزل منها رجل في أواسط الثلاثينيات يبدو كرجل أعمال عربي في زي غربي.
    قصد إلي موظف الاستقبال، وقدم جواز سفره البريطاني، طالباً غرفة مريحة لفترة غير معلومة؛ إذ إن ذلك - كما قال للموظف - سيعتمد علي «إتمام بعض الصفقات التجارية». لم يكن «رجل الأعمال هذا» سوي يسري فودة، ولم يكن في وسع موظف الاستقبال إلا أن يرحب بهذا النزيل النادر دون أسئلة.
    بعد حوالي نصف الساعة كانت الغرفة رقم 322 مسرحاً لأول لقاء لي بأحد أعضاء تنظيم القاعدة. هرولت من الحمام عندما سمعت دقةً علي الباب. وعندما فتحته وجدت أمامي رجلاً طويلاً أسمر اللون في منتصف العمر، يبدو عربياً وإن كان يرتدي الزي الباكستاني التقليدي (سروالا وقميصا).
    لم ينتظر الرجل دعوةً وإنما اندفع مباشرةً داخل الغرفة وهو يغلق الباب في الوقت نفسه. لم يمد يده للتصافح، ولا خدّه لتبادل القبلات، بل همّ بعناق من ذلك النوع المنتشر بين السودانيين: مد ذراعه اليمني إلي كتفي اليسري، وعانقني يميناً وشمالاً. غير أن هذا الصوت، الذي عاش في أذني للأسابيع القليلة الخالية، لم يبد فيه كثير من ملامح اللهجة السودانية المميزة.
    كان من الصعب تخمين ما إذا كان انتقاله سريعاً من لهجة عربية إلي أخري يعود إلي رغبته في إخفاء جذوره، أو إلي احتمال اختلاطه لفترة طويلة بعرب ذوي أصول مختلفة. مما بدا، يمكن لأبو بكر، أن يكون يمنياً مثلما يمكن له أن يكون سودانياً أو مصرياً أو سعودياً أو حتي صومالياً.
    رغم أن عينيه، لأول وهلة، كانتا زائغتين في أرجاء الغرفة المختلفة وتفاصيلها كان ثمة إحساس فوري بالثقة بيننا. وحتي بعد دقائق معدودة، عندما طلب أبو بكر إن كان يمكن أن يستخدم الحمام، لم أتشكك كثيراً مثلما هي عادتي إذا حدث شيئ كهذا في إطار تحقيقاتي الصحفية. كان أبو بكر فعلاً، كما بدت هيئته، في حاجة ماسة إلي حمام. دعوته بلطف ثم سألته إن كان أيضاً في حاجة إلي طعام. رد أبو بكر علي الفور: «نعم، من فضلك، إن لم يكن ذلك بالشيء الثقيل، وجزاك الله خيراً».
    بعد حوالي عشرين دقيقة خرج أبو بكر من الحمام، طالباً مني أن ألتحق به لصلاة العشاء. قام أبو بكر بدور الإمام، لكنه كان سريعاً خاطفاً في صلاته بشكل ملحوظ. اختبأ الرجل في الحمام عندما وصل خادم الغرف بالطعام: حساء العدس ورغيفين بلحم الدجاج. بينما بدأ يلتهمها جميعاً في وقت واحد كانت لدي فمه الممتلئ أولي المفاجآت. «الشيخ أبو عبد الله (بن لادن)، حفظه الله، من أشد المعجبين بقناة الجزيرة.» التقطت الخيط سريعاً وألقيت بأول طعم: «ولكن كيف يشاهدها الشيخ الآن ولا أحد يدري أين هو؟».
    ابتلع أبو بكر قضمةً أخري ثم أجاب مطمئناً: «لا تقلق يا أخ يسري. الشيخ أسامة، حفظه الله، حي يرزق وبصحة جيدة والحمد لله. ما يفوته يصله علي شرائط.» بعد إطراقة قصيرة شرع أبو بكر في انتقاد قناة الجزيرة، وكان علي أن أستمع بروح رياضية. «كيف يتأتي لكم أن تستضيفوا هؤلاء الصهاينة بينما لا تعطون للإخوة المجاهدين الذين وهبوا حياتهم لإعلاء كلمة الله والأمة ما يستحقون؟»
    لم يرتح أبو بكر كثيراً لمحاولتي تجنب اختلاف في الرأي سابق للأوان بالتقاطي هاتف الغرفة، كي أطلب بعض الشاي. لكنني أجبت: «لا تنس أننا نتحمل كل يوم انتقادات لاذعة وضغوطًا شديدة بسبب قيامنا ببث شرائطكم، ورغم ذلك نؤمن بأننا نلتزم بشرف المهنة». لم يبد علي أبو بكر أنه اقتنع كثيراً، وإن كان قد أشاح بيده راضياً. انتهزتها فرصةً فاستطردت سائلاً: «بالمناسبة، من الذي كتب رسالة الفاكس التي أرسلتها إلي؟» لكن أبو بكر لم يكن ليجيب بشكل مباشر: «واحد من الإخوة.» مضيت في أسئلتي: «ولكن لماذا وقع الاختيار علي أنا بالذات؟» ابتسم أبو بكر ابتسامة الواثق وأجاب: «لقد تناقش الإخوة في هذا الأمر لبعض الوقت وهم يعتقدون أنك صحفي مهني يتمتع بسمعة طيبة». أطرق الرجل لحظةً قبل أن يلقي مفاجأة أخري:
    «الشيخ أبو عبدالله، حفظه الله، طلب منا أن نأخذ روبرت فيسك (صحفي بريطاني يعمل لجريدة الإندبندنت (The Independent) إلي أم عبد الله (زوجة بن لادن)، وأن نأخذ يسري فودة إلي الإخوة».
    وصل الشاي فيما كنت سعيداً بأن الرجل بدأ يفتح قلبه، لكن أبو بكر صبَّ الشاي في جوفه واقفاً وهو ينهي أول لقاء: «لا تقلق يا أخ يسري، ستعلم كل شيء غداً إن شاء الله». ولأن «غداً» كان يوم جمعة سألته إن كان يفضل أن يلتقي بي في مسجد بعينه. لكن أبو بكر كان له رأي آخر قاله بلهجة حاسمة: «من الأفضل ألا تتحرك من الفندق». استغربت متسائلاً: «ولكن ماذا عن صلاة الجمعة؟» وهنا أصدر أبو بكر ما يمكن وصفه بفتوي جاهزة: «سيغفر لك الله!».
    كانت الساعة قد تعدت منتصف الليل عندما استأذن وسيط القاعدة، أبو بكر، تاركاً بين يدي تساؤلات أكثر من إجابات. لقد كانت تلك فتوي لم يسمع بها من قبل: (سيغفر لك الله!). من ذا الذي يظن أن لديه تفويضاً إلهياً يخوّله استثناء مسلم قادر من أداء أهم صلاة في الإسلام؟ ما لا شك فيه أن رخصة «الضرورات تبيح المحرمات» تبرز في أدبيات القاعدة، فأين ترتسم الحدود؟ ومن ذا الذي يحق له أن يرسمها؟ ومتي؟ وفي أي ظروف؟ إذا لم تكن الإجابة في وضوح الشمس لدي أصحابها قبل غيرهم فأي فارق إذاً بين منطق أبو بكر ومنطق جورج دبليو بوش الذي يقوم - باسم محاربة «أعداء الحضارة الغربية» - بتقويض دعائم الحضارة الغربية من أساسها عن طريق إرهاب الصحفيين، وسن القوانين العنصرية، واعتقال الناس دون تهمة إلي أجل غير مسمي؟ كيف يمكن لعادل أن يصدق أياً من الجانبين؟ كيف يمكن له أن يقرر ما إذا كان الذي يراد له أن يسمعه حقيقة، أم أنه كذب من أجل عيون الحقيقة؟
    استيقظت صباح اليوم التالي في ذلك الفندق في كراتشي داعياً الله أن يجعل من يوم الجمعة، 19 أبريل/نيسان 2002، نقطة تحول في مسيرتي الصحفية لا نقطة تحول في حياتي. كان الظلام يكتنف رؤيتي بشأن ما عساه سيحدث بعد ساعات، لكنني استأنست طوال اليوم بين صلوات متكررة في غرفة الفندق والاستماع إلي تلاوة مباركة علي إحدي قنوات التليفزيون الباكستاني المخصصة للقرآن الكريم.
    هذه المرة لم أكن في انتظار اتصال آخر من أبو بكر. لم يكن علي الآن سوي الانتظار حتي الخامسة مساءً، قبل أن أبدأ في تنفيذ التعليمات التي أخبرني الرجل بها قبل مغادرته ليلة أمس.
    في الوقت المحدد تماماً خرجت بهدوء من الباب الخلفي للفندق إلي شارع جانبي، وأشرت بيدي طالباً سيارة أجرة. كانت تعليمات أبو بكر أن أتجنب السيارات المنتظرة أمام الفندق أو بالقرب منه. فعلت ذلك. بعد دقيقة أو دقيقتين توقفت سيارة كانت مسرعة فطلبت من سائقها أن يأخذني إلي عنوان بناية بعينها. عندما وصلت إليها صعدت إلي طابقها الثاني وانتظرت علي السلم.
    مرت خمس دقائق ثقيلة قبل أن يصعد إلي رجل كثيف اللحية، باكستاني الملامح، حياني تحيةً إسلامية ثم قال لي بالإنجليزية: «لقد انتهيت لتوي من توصيل حماتي إلي منزلها، ونستطيع الآن الذهاب!» كانت هذه شفرة اتفق عليها معي أبو بكر.


  6. #6
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «5»
    في عرين الأسد
    حتي بعد مرور أكثر من سبع سنوات، لاتزال قصة الحادي عشر من سبتمبر القصة الأم التي تلد لنا كل يوم قصة جديدة، من أفغانستان إلي العراق، إلي لبنان، إلي بؤرة الصراع في الشرق الأوسط، إلي قوانين مكافحة «الإرهاب»، إلي مواجهات دينية ومذهبية إلي إيران، إلي مناهج التعليم إلي مصادر الطاقة، إلي رغيف الخبز إلي عالم تغيرت ملامحه بين يوم وليلة.
    في قلب هذه القصة الأم يقع الصحفي الوحيد في العالم، الذي استطاع الوصول إلي العقول المدبرة لما يسميه تنظيم القاعدة «غزوة مانهاتن» يسري فودة، نجم قناة الجزيرة، صاحب برنامج «سري للغاية»، يخص لأول مرة صحيفة عربية بسلسلة من المقالات، يشرح فيها علي مدي عشرين حلقة كيف انتهي به الحال إلي قضاء 48 ساعة في أحد المنازل الآمنة للـ«القاعدة»، يصلي وراء منسق عملية الحادي عشر من سبتمبر، رمزي بن الشيبة، ويقتسم البيض المسلوق مع رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة، خالد شيخ محمد.
    قادني صاحب اللحية في سيارته إلي ميدان مزدحم، حيث توقف فجأة لشراء عصير مانجو. استغرب الصحفي داخلي وقد التزم الصمت تماماً حتي تلك اللحظة قبل أن أسأل بلهجة متأدبة: «هل تعتقد أن لدينا وقتاً لهذا؟» لكن الرجل رد هو الآخر بلهجة أكثر تأدباً: «لا يتعلق الأمر بما إذا كان لدينا وقت. هذه هي التعليمات وحسب يا أخي».
    تعليمات! تعليمات مَنْ؟ مَنْ عساه يكون ذلك الذي كنت في طريقي إلي لقائه؟ ومَنْ عساهم يكونون هؤلاء «الإخوة» الذين تحدث عنهم وسيط القاعدة أبو بكر؟ كان صاحب اللحية أكرم قليلاً في كلماته من سماء الربع الخالي في الصيف.
    كانت التعليمات أن أبقي داخل السيارة التي غرقت في حرارة كراتشي في مثل ذلك الوقت من العام. بينما أخذت أرشف عصير المانجو غادرني صاحب اللحية ثلاث مرات متجهاً كل مرة نحو صندوق مختلف للهواتف العامة. مر الوقت ثقيلاً ولم يخفف من وقعه سوي تدافع الأفكار سريعاً في رأسي. كانت لمحات لا تزال تنتابني، من لحظة إلي أخري، من زياراتي التي كان قد أجريتها، قبيل سفري هذا، إلي أهالي مَنْ يوصفون في الإعلام الدولي بـ «الخاطفين».
    يتمزق القلب وأنت تستمع في مرج البقاع إلي والد اللبناني زياد جراح ،الذي قيل إنه قاد الرحلة المختطفة رقم 93 لشركة الخطوط المتحدة United Airlines . في محاولاته اليائسة لتبرئة ابنه وعائلته في وجه عداوة غامرة من قبل الصحفيين الغربيين يتساءل الرجل أمامهم دامع العينين: «متعصبين؟! إحنا؟! متعصبين؟! تعالوا شوفوا بناتنا!!! تعالوا شوفوا بناتنا!!!» تنهمر دموع الكبرياء والكرامة من عيني الرجل وهو يجهش بهذا المنطق اليائس قبل أن ينصرف.
    لكنّ شيئاً علي وجه الأرض لن يقنع والد المصري محمد عطا بأن ابنه كان علي متن الرحلة المختطفة رقم 11 لشركة الخطوط الأمريكية American Airlines صباح الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. «لقد اتصل بي هاتفياً في اليوم التالي، يوم 12».. يقول الرجل ثم يستطرد، «كان ذلك في الصباح، وكان كعادته يطمئن علي صحتي وعلي ما إذا كنت قد أقلعت عن التدخين»، ورغم أنه لم يكن متأكداً من المكان الذي اتصل منه ابنه فإنه يقطع بأن «ابني بكل تأكيد إما موجوداً الآن حياً في مكان ما في أمريكا أو أنه تمت تصفيته من جانب الأمريكان».
    و مما لا شك فيه أن غياب الأدلة والحقائق المحددة وعدم قيام أي طرف بإعلان مسؤوليته المباشرة عما حدث حتي بعد مرور ثمانية أشهر ساهم في إعداد تربة خصبة لنمو نظريات المؤامرة، خاصة بين العرب والمسلمين الذين ينظرون بعين الشك والحنق إلي سياسة الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل. أما اليوم فقد أضيف إلي ذلك قرف واشمئزاز من محاولات أمريكية لاستغلال مأساة إنسانية للنيل من المسلمين في أفغانستان والعراق وغيرهما.
    لم تنحدر شعبية أمريكا في عيون العرب والمسلمين إلي مستوي أدني من ذلك من قبل. «بلطجي قلع هدومه ومشي في الشارع عريان و فيه ستات وماحدّش قادر يوقفه. هي دي أمريكا»، هكذا يلخص والد محمد عطا صورة «أعظم» دولة في عالم اليوم.
    أخيراً، عاد صاحب اللحية من أحد صناديق الهواتف بتعليمات جديدة. المرحلة التالية مما لا بد أنه رحلة «تتويه» ستكون علي متن ما يسميه الباكستانيون «ريكشا» (تشبه التوك توك) إلي مكان لا بد من أن يبقي سراً. لقد بدأ الأمر يتجه نحو السخافة. صار كأنه مشهد من أحد أفلام الجاسوسية الرديئة. قادني السائق عبر شوارع وأزقة ملتوية خافتة الأضواء في رحلة غير مريحة وصل في أحد منحنياتها إلي طريق مسدود. لكنني علي الأقل بدأت أدرك لماذا وقع الاختيار علي كراتشي لترتيب هذه الدعوة.
    هذه مدينة عشوائية، يسكنها اثنا عشر مليوناً، لا تنقصها مشاعر الحنق علي أمريكا، لا قبل الحادي عشر من سبتمبر ولا بعده. بها كثير مما يمكن وصفه بالأحياء «الآمنة» التي يقطنها ليس فقط ملايين المتعاطفين مع «أسامة» (هكذا يدعونه هنا باسمه الأول)، بل أيضاً آلاف من الأصوليين الذين جاهدوا في كشمير وأفغانستان والشيشان والفلبين وغيرها من النقاط الإسلامية الساخنة.
    وصلت الريكشا فنزلت منها سريعاً دون حتي أن أودع صاحب اللحية. «لاهور؟!»، هتف به سائق سيارة صغيرة كانت تنتظر قرب المكان الذي توقفت لديه. كانت تلك كلمة السر التي همس بها في أذني صاحب اللحية عندما عاد من صندوق الهاتف العام. دلفت داخل السيارة فانطلق سائقها مسرعاً.
    كان شاباً صغير السن ذا وجه عربي أليف وعينين يشع منهما الذكاء يرتدي قميصاً و بنطالاً عاديين. قدّم نفسه بلهجة فلسطينية: «أهلاً بالأستاذ. أخوك حسن». مد يده مصافحاً بحرارة و هو يقود سيارته بسرعة فائقة إلي خارج كراتشي، ثم استطرد: «عندي هدية لك». مد يده إلي درج يقع علي يمين عجلة القيادة واستخرج ما بدا أسطوانة ممغنطة ثم قال مبتسماً و هو يناولها: «هذه نسخة من برنامج الطريق إلي معسكر أشعة إكس. إنه الآن منتشر في كل مكان في باكستان بفضل الأخوة الذين ترجموه إلي الإنجليزية».
    في طريق مظلم منعزل، علي بعد حوالي عشرة كيلومترات خارج كراتشي، توقف حسن بالسيارة فجأة إلي جانب سيارة بدت بغطاء محركها المفتوح كأنها معطوبة. خرج منها رجل آخر يرتدي زياً باكستانياً قام بعد قليل بمساعدة حسن في وضع عصابة علي عيني.
    كانت العصابة من نوع طريف: كرتان صغيرتان من القطن الكثيف لُصقت كل منهما علي إحدي العينين ثم طُلب مني أن أضع فوقهما نظارة شمسية. كانت الفكرة بسيطة ذكية لولا أن أحداً كان يمكن أن يلاحظ التناقض في ارتداء نظارة شمسية في عز الليل. لكن الرحلة الحقيقية كانت علي أية حال قد بدأت لدي تلك النقطة.
    بينما استلم الرجل الجديد الصامت عجلة القيادة منطلقاً في اتجاه ما، تملكني إحساس بأن هذا الاتجاه لم يكن سوي طريق العودة إلي كراتشي. كان الهدوء و الهواء الطازج في تلك المنطقة المفتوحة خارج كراتشي يتركان المجال تدريجياً لضوضاء ومزيج من الروائح عهدتهما أذناي وأنفي منذ وصولي إلي ذلك الميناء الباكستاني.
    بعد مسار طويل مليء بالمنحنيات والمطبات توقفت السيارة. فتح الرجل بابه من الداخل ثم فتح بابي من الخارج هامساً بلغة عربية بلهجة آسيوية: «هل يمكن أن تساعدني في حمل هذا الصندوق؟» أحسست، بينما هممت بالخروج من السيارة، بطرف صندوق ورقي متوسط الحجم يسقط بين يدي فاستجمعت قوتي في ذراعي لاستقباله. لكن الدهشة عقدت لساني عندما لم أشعر بأي وزن يذكر. كان الصندوق الورقي فارغاً.
    لم يكن ثمة شيء يستدعي المساعدة علي الإطلاق، لكنني استجبت للطلب دون أسئلة. فجأة، بينما قاد الرجل الطريق ممسكاً بالطرف الآخر للصندوق، أدركت عبقرية هؤلاء الناس: كانت تلك حيلة في غاية الذكاء كي تقود رجلاً معصوب العينين في الاتجاه الذي تريده دون أن تلفت الأنظار.
    بعد حوالي خمس عشرة خطوة بدأ سلم طويل فيما استنتجت من صدي الصوت ودرجة الحرارة أنني الآن داخل بناية مدنية. خزنت في ذاكرتي إحساسي بصعود أربعة طوابق قبل أن ينجذب الصندوق من يدي وأسمع صوت جرس داخلي يدق بطريقة متقطعة. لا بد أن تلك هي اللحظة التي كنت أنتظرها من شهور.
    فُتح الباب و شعرت بيدين تجذبانني إلي الداخل بسرعة قبل أن ينغلق الباب ورائي وتمتد اليدان كي ترفع الغمامة عن عيني. «كل شيء علي ما يرام الآن. يمكنك أن تفتح عينيك». تائهاً للوهلة الأولي وأنا أشعر بلمسات الطمأنة بدأت تدريجياً أميز أمامي خيالاً يميل إلي القصر ممتلئاً ذا لحية متوسطة الطول تميل ملامحه إلي العربية. تسارعت اللحظات الأولي لحظة بعد لحظة تترك إحساساً قابضاً لدي بأنني رأيت ذلك الوجه من قبل.
    ثم فجأة نزل إدراكي علي كالصاعقة. إنه هو. إنه هو بشحمه و لحمه. إنه خالد شيخ محمد، المولود في الكويت قبل 38 عاماً، يقف أمامي مباشرة علي بعد نصف متر. كيف يمكن أن أنسي ذلك الوجه الذي «درست» صورته علي موقع مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI ؟ حتي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان الأمريكيون قد رصدوا خمسة ملايين دولار في مقابل رأسه لتورطه المزعوم في انفجار مركز التجارة العالمي عام 1993 الذي بسببه يقضي ابن أخته، رمزي يوسف، عقوبة بالسجن مدي الحياة في أحد سجون أمريكا.
    أنا الآن بين يديه، أم أنه هو الآن بين يدي؟



  7. #7
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «6»
    أنتما إذن علي سفر

    ابتلعت وقع المفاجأة، بينما اقتادني خالد شيخ محمد عبر شقة بدت خاوية علي عروشها. كانت (الحجرة 1) علي يسار المدخل مباشرة نصف مفتوحة، وكانت تبدو حجرة مثالية، حيث يمكن عزل الضيوف عن بقية الحجرات.
    إلي يمين مدخلها مباشرة باب قوسي يؤدي إلي حجرة مركزية واسعة، (الحجرة 2) بها نافذتان إلي اليسار مغلقتان، تبدو مثالية كحجرة معيشة، يتفرع منها ثلاثة أبواب: أحدها تراه أمامك مباشرة لدي دخولك وكان مغلقاً (الحجرة 3)، والثاني إلي يمينك بعد أن تخطو خطوتين (الحجرة 4)، وكان واضحاً أن ذلك هو المطبخ، والباب الثالث بعده مباشرة يؤدي إلي (الحجرة 5) التي حين تدخلها تجد بها بابين داخليين، أحدهما إلي اليمين وهو الحمام، والثاني إلي اليسار وهو شرفة مغلقة إلا قليلا.
    كانت (الحجرة 5) مفروشة بسجادة بلاستيكية، وبحذاء جدارين من جدرانها تمتد مقعدتان مستطيلتان تخففان من عبء الجلوس علي الأرض، وفوقهما يتناثر عدد من الوسادات الصغيرة.. عندما دعاني خالد إلي دخول الحجرة كانت مفاجأة أخري في انتظاري، علي إحدي المقعدتين كان يجلس مطمئناً، محاطاً بثلاثة أجهزة كمبيوتر متنقلة وخمسة هواتف محمولة، رمزي بن الشيبة، المولود في اليمن قبل 30 عاماً، الذي يتهمه الأمريكيون بالضلوع في تفجير المدمرة يو إس إس كول «USS Cole » عام 2000 ، ويضعه الألمان علي رأس قائمة المطلوبين بعد الحادي عشر من سبتمبر.
    «عرفتَنا الآن؟!» ألقي خالد بالسؤال مازحاً فيما نهض رمزي ومد يمينه مصافحاً إياي بحرارة. التفتُّ إلي خالد وفاجأت نفسي بجواب ظننت لأول وهلة أنه سابق لأوانه بينما اتخذت مكاني علي الأرض بين الرجلين: «يقولون إنكم إرهابيون!»
    هادئاً، وديعاً، مستريح القسمات، رد رمزي بابتسامة متواضعة مرحّبة، لكنّ خالد هو الذي فتح فمه: «طبعاً، نحن إرهابيون. هكذا نكسب عيشنا» قطعت سعلة مصطنعة من رمزي لحظة صمت مبكرة. «لو كان الإرهاب أن تلقي الرعب في قلوب أعدائك وأعداء الله، فإننا نحمده، عز وجل، علي أن جعل منا إرهابيين»، تدخّل رمزي بهدوء وهو يهم بالتوجه إلي المطبخ لإعداد الشاي، «إنه أمر مذكور في القرآن يا أخ يسري».
    استغل خالد الفرصة كي يحدد لي قواعد المقابلة وشروطها. كان هذا إذن ما كان تنظيم القاعدة يدخره لي: مقابلة تليفزيونية مع خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة، ويا له من سبق صحفي! «ليس لك أن تخوض في طرق اتصالاتنا، ولا لك أن تذكر أسماءنا الحركية»، بدأ خالد حازماً ثم استطرد أمامي وأنا أهز رأسي موافقاً، «عندما (لا إذا) يسألونك كيف تبدو هيئتنا الآن ستقول لهم إننا نشبه تماماً تلك الصور التي سيعرضونها أمامك». بعد ذلك طلب خالد مني أن أضع كفي اليمني علي مصحف وأن أقسم بالله العظيم أن ألتزم بهذه الشروط.
    حاسماً، حازماً، جريئاً، وسريع البديهة. هكذا كان خالد منذ اللحظة الأولي. عندما أخرجت هاتفي المحمول اختطفه خالد مسرعاً وأغلقه ثم استخرج من باطنه البطاقة الذكية والبطارية وألقي بهذه المكونات جميعاً منعزلة في أحد أركان (الحجرة 1)، إذا كان خالد رجل حركة فإن رمزي رجل دين. كان أكثر لطفاً وأجم أدباً و- بكل تأكيد - أكثر حفظاً للقرآن وأعمق إلماماً بأمور الفقه والعقيدة. تحولت فراستي إلي حقيقة عندما حانت أول صلاة؛ فرغم أنه أصغر من خالد بثماني سنوات، كان رمزي من تقدّم دون دعوة إلي موقع الإمام.
    بينما نادي رمزي للصلاة، أشار خالد لي بالتوجه إلي (الحجرة 2). كانت تفترشها هي أيضاً سجادة بلاستيكية، وفي أحد أركانها وسادتان جامدتان، وفي ركن آخر ثلاجة متهالكة تنبعث منها ضوضاء مزعجة. كانت لحظة الصلاة التي كنت أنتظرها لحظة مهمة من الناحية الدينية، لكنها كانت أيضاً مهمة من الناحية الصحفية، فكما كان متوقعاً عمد رمزي إلي صلاة الجمع والقصر التي رخصها الله للمسافر.
    «أنتما إذن علي سفر؟» سألتهما بعد انتهاء الصلاة فأجاب رمزي كأنه كان يتوقع السؤال: «نعم، وهل كنت تتوقع أن نقابلك حيث نسكن؟!»
    مرت ساعة كانت كافية لابتلاع صدمة المفاجأة، بدأت بعدها أكتسب إحساساً بالطمأنينة، فيما بدأ الرجلان يكتسبان إحساساً بالثقة. «جاء الدور علي لإعداد الشاي»، اقترحت إعداد الشاي عندما رأيت خالد منشغلاً مرة أخري باستقبال الرسائل الهاتفية المكتوبة والرد عليها، كانت تأتيه علي هاتف مختلف كل مرة، وكان هو سريعاً كالعاصفة في الرد وهو يقبع في تلك الزاوية البعيدة من (الحجرة 2)، لكنّ رمزي أصر علي أن يقوم هو بإعداد الشاي. تبعته إلي المطبخ لدقيقة أو دقيقتين قبل أن أعود أدراجي إلي (الحجرة 5).
    «هل هذه مكهربة؟»، رفعت صوتي من داخل الحجرة كي يسمعه الرجلان البعيدان. بعد لحظة كان خالد يقفز إلي داخل الحجرة كي يراني أتطلع بشغف إلي تلك القضبان الحديدية الواصلة من السقف إلي الأرض مباشرةً خلف باب الشرفة. كان هاتفان في يديه. نظر إلي، ثم إلي القضبان، ثم مرة أخري إلي، ثم انصرف كأن أحداً لم يكن هناك. بعد قليل عاد مرةً أخري وفي عينيه اهتمام واضح.
    «هل يمكن أن ألقي نظرة علي جواز سفرك البريطاني؟»، طلب خالد مني فاستغربت قليلاً قبل أن أسلمه إياه. تناوله خالد شغوفاً. «ظريف!» لم يتوقف عند صفحة الصورة، بل أخذ يقلب أوراقه سريعاً حتي وصل إلي صفحة بعينها. كانت صفحة 13 التي لُصقت عليها تأشيرة دخول باكستان. دوَّن في ورقة جانبية رقم التأشيرة ثم أعاد الجواز إلي.
    لم يكن خالد من النوع الذي يسمح لدقيقة أن تمر دون أن يستفيد منها. كان الرقم المسلسل للتأشيرة من وجهة نظره معلومة في منتهي الأهمية، إذ إنها توفر علي من يريد أن يزيف تأشيرة في المستقبل القريب ألا يقع في خطأ ظاهري. ومما لا شك فيه أن تزييف الوثائق والمستندات سلاح منتشر بين الجماعات السرية في «جهادها» ضد أعدائها.
    مرت الآن أربع ساعات دون سيجارة. كنت فخوراً بقدرتي علي تحملها، لكنني بعد قليل لم أكن علي استعداد لدخول التاريخ دون مقاومة. كانت تلك الساعات الطوال وأجواء الترقب التي سبقتها قد بلغت مني مبلغها، ولم أكن أدري تماماً كيف أفتح الموضوع. انحني رمزي كي يضع طاولة الشاي علي الأرض، فسألته في تردد واضح وهو يهم بالتقاط كوبه: «أنا أعرف أنه ربما لا ينبغي علي أن أفعل ذلك، ولكن هل لي أن أنتحي جانباً لتدخين سيجارة؟»
    وكأن أمله قد خاب، بدأ رمزي في إلقاء محاضرة في الدين والأخلاق والصحة والاقتصاد علي. لكنّ المفاجئ أن خالد هو الذي تدخّل قائلاً: «مهلاً، مهلاً علي الرجل. طالما أنه يعلم بمضارها سيقلع عنها، إن شاء الله».
    كانت تلك ربما أهم سيجارة دخنتها علي الإطلاق، فسوي أنها ساعدتني علي شحذ تركيزي، كانت أيضاً مؤشراً إلي أنني أستطيع أن أكسب اثنين من أهم أعضاء تنظيم القاعدة إلي صفي، حتي وهما غير مقتنعين. غمرني، وقد اقتربت الساعة من العاشرة مساءً، إحساس بأنني صرت واحداً من «أهل الدار» سمح له بأن يتلمس طريقه نحو لب الموضوع.
    لدي تلك النقطة كنت قد فهمت أن رمزي هو كاتب الرسالة التي وصلتني في لندن عن طريق الفاكس، تقترح عناصر فيلم تسجيلي عن الحادي عشر من سبتمبر. لكنني كنت قد فهمت أيضاً أن خالد هو الذي يسيطر علي الموقف. كان القرار قراره كلما نشأت الحاجة إلي قرار.
    استجمعت كل ما أملك من خبرة ولياقة وثقة، ونظرت إلي خالد، فلمحت في عينيه نظرة ثاقبة: «أنت الذي قام بتدبيرها؟!» لكنّ رمشاً في عينيه لم يتحرك. «لا تصوير اليوم»، رد حازماً، «ولا تقلق بشأن الكاميرا والمصور. سنوفر لك كل ما تحتاجه غداً». ثم أضاف رمزي ما تبقي من ترتيبات: «بعد الانتهاء، ستخرج من هنا مباشرةً إلي الطائرة».
    لكنّ خالد لم يكن ليأذن لي بالنوم قبل أن يفجر مفاجأة أخري نزلت علي نزول الصاعقة: «أنا رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة، ورمزي هو منسق عملية الثلاثاء المبارك، ونعم، نحن الذين فعلوها».



  8. #8
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «7»
    التوبة والأنفال

    غاطّاً في نوم عميق علي أرض (الحجرة 5) في منزل القاعدة الآمن في كراتشي، شعرت بنقرة خفيفة متكررة علي كتفي، وصوت هادئ مصمم: «أخ يسري! أخ يسري! صلاة الفجر».
    بدأ اليوم الثاني في هذا المنزل «الآمن» في كراتشي بدايةً متوقعة: الصلاة مرة أخري وراء رمزي بن الشيبة. هرول خالد شيخ محمد، الذي كان لايزال يمسح بذيل جلبابه آثار ماء الوضوء عن ذراعيه، فاتخذ موقعه بحذائي - كتفاً إلي كتف وقدماً إلي قدم. من خلفي هرول وجه جديد منضماً إلي المصلين.
    «استقيموا يرحمكم الله»، أمرنا إمامنا قبل أن يقيم بنا صلاة الفجر، التي استهلها بتلاوة آيات من السورة رقم 9 من القرآن الكريم، سورة (التوبة).. لم يأت هذا الاختيار اعتباطاً.
    كانت هذه السورة قد نزلت علي الرسول، صلي الله عليه و سلم، في العام التاسع للهجرة، لكن أكثر ما يميزها أنها السورة الوحيدة في القرآن الكريم كله التي لا تبدأ بالافتتاحية المعهودة: «بسم الله الرحمن الرحيم»، إذ إنها حين نزلت كانت بمثابة إعلان حرب.
    ففي ذلك الوقت - القرن السابع الميلادي - كانت الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، وعقر دارها في القسطنطينية، قد بدأت تشحذ سيوفها للقضاء علي القبائل المسلمة، التي انطلقت من جزيرة العرب، تتوسع في كل اتجاه. تتنبأ السورة بحرب عظمي ستقع قريباً، وتشير إلي غزوة «تبوك»، التي تقاعست بعض القبائل عن الانضمام خلالها إلي صفوف المسلمين:
    «يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلي الأرض. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبْكم عذاباً أليماً ويستبدلْ قوماً غيرَكم ولا تضروه شيئاً والله علي كل شيءٍ قدير» (1)
    كان المنافقون - كما دعاهم القرآن - هؤلاء الذين لم يتملك الإيمان من قلوبهم، شوكةً في خاصرة المسلمين. وفي هذه السورة أحكام تخصهم وتخص غيرهم من المسلمين وغير المسلمين.
    هي سورة عامرة بالعواطف حافزة للنخوة، واعدة بالجوائز، متوعدة بالأهوال، وقد كان إمامنا، رمزي بن الشيبة، أهلاً لذلك. انعقد لسانه أكثر من مرة وهو يتلو علينا آياتها بصوت جميل. ارتفع وانخفض وتهدج وبكي في نبرات مهيبة، عندما وصل إلي هذه الآية:
    «إن الله اشتري من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتُلون ويقتَلون وعداً عليه حقّاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم» (2)
    هذه هي السورة نفسها - كما علمنا فيما بعد - التي كان علي منفذي عمليات الحادي عشر من سبتمبر، أن يرتلوها جهراً وسراً، وهم في طريقهم إلي التنفيذ، إضافة إلي السورة رقم 8 (سورة الأنفال) من القرآن الكريم. من وحي ما أتي في متن سورة الأنفال، يمكن تحديد موعد نزولها بتلك الفترة الزمنية التي انقضت بين انتهاء غزوة بدر، وتوزيع الأنفال أو الغنائم علي المسلمين المنتصرين، وكلاهما وقع في العام الثاني للهجرة.
    وفقاً لما ورد في القرآن الكريم، كانت قافلة مكية في طريق عودتها من الشام إلي مكة بعد انتهاء إحدي رحلاتها التجارية، وكان قائدها، أبا سفيان، يخشي أن تهاجمه قوات المسلمين في المدينة (يثرب)، التي هاجر إليها محمد (صلي الله عليه وسلم) قبل عام، وبني فيها قاعدة عسكرية مؤلفة ممن هاجروا معه من مكة ومَنْ ناصروه في يثرب.
    أرسل أبوسفيان بأحد رجاله علي ظهر ناقة، مهرولاً برسالة استغاثة إلي قبائل مكة كي يخرجوا لإنقاذه إذا هاجمته قوات المسلمين. استجمعت كبري قبائل مكة - قبيلة قريش التي ينتمي إليها أصلاً محمد (صلي الله عليه وسلم) - قواها ودفعت بجيش جرار في اتجاه الشمال، حيث تقع يثرب علي طريق التجارة مع الشام.
    تحرك جيش المسلمين الصغير، الذي لم يتعد قوامه 313 رجلاً، بأسلحة بدائية عبر الصحراء لثلاثة أيام، إلي أن رابطوا قرب بئر تسمي بدر. وهنا سمع المسلمون بأخبار جيش قريش الجرار، الذي يسعي في اتجاههم من الناحية الأخري للوادي.
    «إذ يوحي ربُّك إلي الملائكةِ أني معكم فثبِّتوا الذين آمنوا سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعبَ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقّوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديدُ العقاب. ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذابَ النار.
    يا أيها الذين آمنوا إذا لقِيتم الذين كفروا زحفاً فلا توَلُّوهم الأدبار. ومن يوَلّهم يومئذٍ دبره إلا متحرّفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلي فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المصير» (3)
    عندما رأي محمد (صلي الله عليه وسلم) جيش قريش، متفوقاً علي جيش المسلمين بأكثر من الضِّعف عدداً وعدة، هابطاً باتجاهه عبر التلال الرملية، رفع رأسه إلي السماء داعياً الله عز وجل: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادُّك وتكذّب رسولك. اللهم فنصرَك الذي وعدْتَني. اللهم أحْنِهم الغداة». (4)
    «يا أيها النبي حرِّض المؤمنين علي القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قومٌ لا يفقهون.
    الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين. ما كان لنبي أن يكون له أسري حتي يثخن في الأرض تريدون عَرَض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم». (5)
    لا يلتبس فهم هذه الآيات الكريمة علي العلماء والمفسرين، فهي تتحدث عن معارك بعينها، وقعت في زمن بعينه. لكنّ هذه الفترة الزمنية بعينها من تاريخ الإسلام، هي التي يستمد منها السلفيون، خاصة أعضاء القاعدة والمؤمنين بفكرها، قبس الجهاد. هم أيضاً يرون أنفسهم فئة قليلة معزولة من المجاهدين في مواجهة قوي عاتية ظالمة من الكفار،
    يعودون بعقولهم وأرواحهم إلي الأيام الأولي لظهور الإسلام، فيجدون أن فئة قليلة من المسلمين لا تملك من العتاد، سوي إيمان راسخ استطاعت بفضل الله أن تغير الخريطة الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لجزيرة العرب.
    استطاعت أن تحوّل ظلم قريش الجاهلة وقهرها إلي زاد روحي غامر، مكّنها في النهاية من تأسيس دولتها الجديدة، والدفاع عنها ضد الكفار.. هم أيضاً يحلمون بمثل ذلك ولا يقفون لدي مرحلة الحلم.
    1 - الآيتان رقم 39.38 من السورة رقم 9 (التوبة) من القرآن الكريم.
    2 - الآية رقم 111 من السورة رقم 9 (التوبة) من القرآن الكريم.
    3 - الآيات 12-16 من السورة رقم 8 (الأنفال) من القرآن الكريم.
    4 - باب 'ذكر سبب خروج النبي (صلي اله عليه وسلم)، دلائل النبوة، البيهقي، ص 874.
    5 - الآيات 65-67 من السورة رقم 8 (الأنفال) من القرآن الكريم.



  9. #9
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «8»
    فتح الأدمغة المدبرة

    فترة من صدر الإسلام لها شوق وحنين في صدور كثير من المسلمين، يفتخرون بها ويتعلمون منها كثيراً من الدروس. لكنّ لها لدي أصحاب القاعدة تأثيراً مغناطيسياً: لها نكهتها، وعبقها، وطقوسها، ورؤاها، وأساطيرها، وقاموسها الفريد. الناس وفقاً لفهمهم معانيها منقسمون إلي ثلاثة أقسام جامدة: مسلمين، وكفار، ومنافقين.
    أما المسلمون أنفسهم - حتي اليوم - فينقسمون في قاموس بن لادن وأتباعه إلي قسمين: مهاجرين و أنصار. فالمهاجرون هم هؤلاء المستضعفون، الذين أُذن لهم بمغادرة بلاد الظلم والقهر والكفر، إلي أن يتمكنوا من استجماع قواهم في بلاد أخري، قبل أن يعودوا إلي بلادهم للتعامل مع الأمر. والأنصار هم هؤلاء الكرماء، الذين أُذن لهم باستقبال المهاجرين وتأييدهم في جهاد واحد لنصرة إله واحد ودين واحد.
    انطلاقاً من هذا المعني بعينه اختارت جماعة «المهاجرون» اسمها، عندما انبثقت عن «حزب التحرير» الإسلامي، كي تتخذ من لندن يثرباً ومن بعض مسلميها أنصاراً. تتملك هذه الفلسفة من زعيمها عمر بكري، الذي كان قد ولد في سوريا قبل أن «يهاجر» عبر السعودية إلي بريطانيا مستخدماً جواز سفر لبنانياً مزوراً. يؤمن هذا الرجل، الذي يتجنبه كثير من المسلمين المعتدلين، بأن العالم ينقسم إلي دارين: «دار حرب» يحل للمسلمين دماء أهلها وأموالهم وأعراضهم، و«دار سلم» في اتفاق مع المسلمين أو علي حياد. لكنّ ما يثير السخرية أنه يعتبر لندن - حيث كان يعيش حتي قريب علي أموال الضمان الاجتماعي من جيوب دافعي الضرائب - دار حرب، بل إنها في رأي متطرف آخر يقبع الآن في أحد سجونها، هو المصري مصطفي كامل الشهير بـ«أبو حمزة»، دورة مياه مؤقتة.
    يفكر كثير من المجاهدين في جبال أفغانستان وكهوفها في أنفسهم علي هذا الأساس. وعلي هذا الأساس فإن أتباع القاعدة البنلادنية، وأعضاء الجهاد الإسلامي الظواهري والمتطوعين الآخرين، الذين خرجوا من بلادهم للجهاد في أفغانستان يعتبرون «مهاجرين»، فيما يعتبر أتباع الملا عمر الطالبيين وأعضاء الجماعات المحلية الأخري في جنوب شرقي آسيا «أنصاراً».
    ومما يلفت النظر في هذا السياق أنه - في بداية جهاده الأفغاني - كان أسامة بن لادن، قد استأجر منزلاً في شارع جلال الدين الأفغاني في بيشاور، شمال غربي باكستان في اتجاه الحدود الأفغانية، سمّاه «بيت الأنصار». و علي النسق نفسه، أطلق محمد عطا ورمزي بن الشيبة وعدد آخر من أعضاء خلية هامبورج علي شقتهم التي انتقلوا إليها عام 1998، الواقعة في المبني رقم 54 في شارع ماريا نيشتراسا في هامبورج، اسم «دار الأنصار».
    ليس غريباً إذن أن تطلق دائرة القيادة الداخلية لتنظيم القاعدة، علي عمليات الحادي عشر من سبتمبر اسم «غزوة مانهاتن»، إذ إنهم يؤمنون إيماناً عميقاً بأنهم في مرحلة من الجهاد لتأسيس دولة إسلامية، تشبه تلك المرحلة التي شهدها صدر الإسلام. وعليه، تصبح السنوات العشر من صدر الإسلام الواقعة بين عام 622 ميلادية (عام هجرة محمد)، وعام 632 ميلادية (عام وفاته صلي الله عليه وسلم) البيئة الأسطورية التي ينتمي إليها عقلاً وروحاً ونفساً، مدبرو أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومنفذوها.
    منذ غزوة بدر، أولي الغزوات في الإسلام، كان لكل غزوة دخلها الرسول (صلي الله عليه وسلم)، أو أُجبر علي دخولها، سبب واضح وهدف محدد. وعبر العصور المختلفة لدول الخلافة الإسلامية تراوحت كثافة الغزوات التي دخلها قادة المسلمين، أو أُجبروا علي دخولها، باسم الإسلام. لكنَّ قادة المسلمين، ساسةً وعسكراً، بقوا بشكل عام علي مبادئ الرسول (صلي الله عليه وسلم)، في إعلان الحرب أو قبولها، وفي الالتزام، قبل القتال وأثناءه وبعده، بخلق الإسلام والأنماط الإنسانية والاجتماعية المتعارف عليها في زمن من الأزمنة.
    بدأت كلمة «غزوة» تتواري واقعياً في النصف الثاني من عصر الدولة العباسية لصالح كلمات أخري مثل «موقعة»، و«معركة». ثم اختفت رسمياً كلمة «غزوة»، بسقوط الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين، وظهور سلطة مركزية قوية من آل سعود في شبه الجزيرة العربية، وسط عالم تغيرت ملامحه إلي حد بعيد في أعقاب ما عُرف فيما بعد بالحرب العالمية الأولي. ومن هنا، يمكن اعتبار «غزوتي واشنطن ونيويورك»، محاولة لإعادة عجلة التاريخ إلي الوراء، ومحاولة لإخضاع الناس لما يرونه نموذج الرسول محمد (صلي الله عليه وسلم).
    في أعقاب الحدث المرعب الذي تابعه العالم بأسره يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، عُثر في مطار بوسطن لوغان علي مخطوط يدوي، ربما يكون أكثر رعباً، مكون من خمس صفحات في حقيبة متوسطة الحجم لراكب اسمه محمد عطا. بينما هرول هذا داخل أروقة المطار، لم يجد عمال المطار ما يكفي من الوقت لنقلها من الطائرة، التي كانت قد وصلت للتو من مطار بورتلاندمين متأخرة كثيراً عن موعدها إلي الطائرة التي بدأت تتهادي علي أرض المطار في طريقها الذي تغير بعد الإقلاع إلي البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي. يمثل هذا المخطوط دستوراً روحياً ودليلاً عملياً لإرشاد منفذي العمليات نحو ما ينبغي عليهم أن يفعلوا، وأن يقولوا، خطوةً بخطوة، منذ خروجهم من أماكن انتشارهم حتي لحظة التنفيذ علي متون (الطائرات) 1:
    عندما تركب (ط)2 أول ما تضع رجلك وقبل أن تدخلها فأت بالدعاء والأدعية، واستحضر أنها غزوة في سبيل الله، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (لغزوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا و ما فيها)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وعندما تضع رجلك في (ط) وتجلس علي كرسيك فقل الأذكار وأْتِ بالأدعية المعروفة اللتي ذكرناها سابقا، ثم كن منشغلاً بذكر الله والإكثار منه، قال تعالي: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون).
    ولأنهم كانوا في طريقهم لمواجهة أعتي قوة علي وجه الأرض، فإن المنفذين ينصحون في هذا المخطوط، بأن يتذكروا دائماً قصة الملائكة الذين أيدوا المسلمين في غزوة بدر، عندما كان جيش المسلمين فئة قليلة مستضعفة أمام جيش جرار فائق التسليح:
    ابتسم واطمئن فإن الله مع المؤمنين
    والملائكة تحرسك وأنت لا تشعر.
    ثم قل دعاء: (الله أعز من خلقه جميعاً بأسا) …
    وقل: (اللهم إنا نعوذ بك من فجورهم ونعوذ بك من شرورهم)
    وقل: (اللهم اجعل لنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً وأغشهم فهم لا يبصرون)
    و قل: (حسبنا الله ونعم الوكيل)
    للأحلام والرؤي وتفسيراتها أيضاً موقع خاص في المعتقدات الروحية لأصحاب هذا الفكر، وأحد معاني ذلك لديهم أنهم قريبون من النبي محمد (صلي الله عليه وسلم)، إذ إن من الحقائق أن محمداً (صلي الله عليه وسلم) لا تأتيه في نومه أضغاث أحلام، بل حقائق، وأن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل صورة النبي (صلي الله عليه وسلم) في أحلام المؤمنين. ولهذا فإن ما يراه المجاهدون في منامهم، ليس إلا وحياً من السماء له دلالة خاصة.
    في شريط فيديو، من الواضح أنه سُجِّل بعد أيام قليلة من الحادي عشر من سبتمبر، يظهر المتحدث الرسمي باسم القاعدة أيامها، الكويتي سليمان أبوغيث، متحدثاً في صحبة زعيمه أسامة بن لادن، الذي كان يستضيف وقتها ضيفاً زائراً من مكة.
    يقول أبوغيث موجهاً حديثه إلي الضيف: «رأيت في نومي أني أنا جلست مع الشيخ (بن لادن) في الغرفة، وإذا التليفزيون ينقل حدثاً ضخماً… أسرة مصرية… وشريط يمر علي التليفزيون يقول: «انتقاماً لأبناء الأقصي، أسامة بن لادن ينفذ ضربات ضد الأمريكان … قبل الحدث». وهنا يختطف بن لادن الحديث مفسراً للضيف: «… الأسرة المصرية (يعني) محمد عطا يرحمه الله، كان مسؤول المجموعة».
    كان لرمزي بن الشيبة أن يقص علي لاحقاً قصصاً مؤثرة عن أحلام ورؤي كثيرة، رآها «الإخوة» المنفذون في الأيام القليلة التي سبقت الحادي عشر من سبتمبر، ليس فقط في إحساسه ومشاعره، بل أيضاً في كلماته وتعبيراته اللغوية وغير اللغوية، يتحدث بن الشيبة عن النبي (صلي الله عليه وسلم) وعن أصحابه، وكأنه يعرفهم معرفة شخصية، وعاش معهم في زمن واحد ومكان واحد.
    1- النص كما ورد في الوثيقة الأصلية بما فيه من أخطاء لغوية.
    2- يعتقد الكاتب أن حرف (ط) يرمز إلي كلمة (طائرة).



  10. #10
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «9»
    أمين الأمة

    في اتصال هاتفي قبيل ساعة الصفر ألح رمزي بن الشيبة، منسق عملية الحادي عشر من سبتمبر، علي محمد عطا أن يدعو له أثناء عملية الهجوم هو وإخوانه الباقون، فهم في ساحة نزال وساحة قتال، وأن يسامحنا ويسامح الجميع في أي تقصير إن كنا أخطأنا في حقه وحق الإخوة الباقين.
    كان يؤكد لي أننا سوف نلتقي في الجنة إن شاء الله، وأن لقاءنا قريب بإذن الله، فطلبت منه إذا رأي النبي، صلي الله عليه وسلم، وبلغ المنازل العُلي في الجنة أن يبلغه منا السلام، ويبلغ أبا بكر وعمراً وبقية الصحابة والتابعين والمجاهدين.
    وعده عطا بتحقيق أمنيته، ثم قص عليه قصة طريفة عن «الأخ» مروان (الشحي) كان يعلم أنها ستثلج صدره. محمد بلغني أن مروان والشباب الباقين عندهم رؤي طيبة. وكثير من هؤلاء كان عندهم رؤي كثيرة سواء في أفغانستان أو في أمريكا. وكانت رؤي مروان جميلة جداً. كان يري أنه يطير في السماء كالرجل الطائر، وأنه يدخل في أشياء. وكان مروان فرحان جداً وفرحاً بهذه الرؤي.
    دليل آخر علي التصاق هذه الذهنية بأطياف يرونها مرتبطة بأيام الإسلام الأولي يظهر في أساليب التعارف فيما بينهم، فرغم أن من غير النادر أن جميع المسلمين إخوة، فإن من النادر أن يكون لكل منهم في عالمنا اليوم كُنْية لا تمت بصلة لاسمه الحقيقي. إنها استعارة مباشرة من الماضي، وهو أمر مقصود في حد ذاته. فكل عضو يمنح كنية هي في الواقع اسم لأحد الصحابة أو التابعين أو المجاهدين أو الأئمة أو الفرسان أو العلماء.
    شُرف كثيرون من أعضاء الدائرة الداخلية لتنظيم القاعدة بأن أسامة بن لادن نفسه (وكنيته أبو عبدالله) هو الذي اختار لهم كُناهم. أحد هؤلاء هو رمزي بن الشيبة. كان من بين الشروط التي اضطررت لقبولها قبل إجراء الحوار مع ابن الشيبة وخالد شيخ محمد ألا أبوح لأحد بكنيتهما.
    أما وأن رمزي بنفسه هو الذي اعترف للمحققين الأمريكيين بكنيته، فقد صرت الآن في حل من وعدي، وصرت من ثم في موقف يسمح لي بتأكيد أن كنية رمزي بن الشيبة هي «أبو عبيدة» تيمناً بالصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح.
    تخدم الكنية في هذا الإطار هدفين في آنٍ معاً، فهي من ناحية تختزن جبالاً من التاريخ في كلمة واحدة، تجتر نفسها كل مرة ينادي علي العضو، وبهذا تمثل باعثاً نفسياً وشاحذاً عاطفياً لا نظير له، ومن شأن ذلك أن يثلج صدر عضو مثل رمزي بن الشيبة، ومن ناحية أخري هي في الواقع «اسم حركي» يمثل وجوده مسألة حيوية، وأحياناً حاسمة، في مثل هذا النوع من العمل السري، ومن شأن ذلك أن يفتح شهية عضو مثل خالد شيخ محمد.
    بعد أسابيع قليلة من ذلك اللقاء في ذلك المنزل الآمن في تلك الضاحية من كراتشي، بعث رمزي إلي برسالة يجيب فيها عن مزيد من الأسئلة التي كانت قد واجهتني أثناء التصوير في دول مختلفة. كان أحدها يتعلق بكُني الإخوة التسعة عشر. فيما يلي إجابة رمزي كما وضعها العربي، حتي قبل ظهور الإسلام، كان يمنح اسماً معقوباً بأسماء أسلافه، والبعض يمنح أيضاً لقباً، و هو عادةً ما يكون وصفاً لملمح خِلقي (من مثل الأعشي) أو لسلوك أو اتجاه (من مثل شداد) أو للمكان الذي ولد فيه أو نزح منه أو ينتمي إليه (من مثل المكي) أو لنوع العمل الذي يقوم به (من مثل الإسكافي) أو لموقف ارتبط به (من مثل تأبط شراً)، إلخ. كثير من العرب اليوم يجدون جذور عائلاتهم في اللقب الذي يحملونه.
    يكون أيضاً للعربي كنية، وهي بمثابة أسلوب غير مباشر للنداء، ربما احتراماً أو احتقاراً، فالمكنون من الأشياء هو ما خفي منها. تبدأ الكنية عادةً إما بـ «أبو» أو بـ «ابن» يعقبها اسم مختلف عن اسمه لدي الميلاد. علي سبيل المثال شاعر عربي شهير من العصر العباسي كان لقبه «أبو العتاهية» وكنيته «أبو إسحاق» لكنّ كثيرين لا يعرفون أن اسمه الحقيقي لدي الميلاد هو «إسماعيل ابن القاسم ابن سويد ابن الكيسان». (يتبع في الصفحة التالية).
    أما المعني المعاصر للكنية فهو «أقل خفية» وإن كان يختلف قليلاً من منطقة عربية إلي أخري، ففي مصر مثلاً تتألف الكنية من «أبو + اسم أكبر الأبناء» بينما تتألف في منطقة الجزيرة العربية من «أبو + اسم الأب». ولدي بعض الأسماء بعينها كني خاصة ارتبطت بها، فمحمد مثلاً هو أيضاً «أبوالقاسم» وحسن هو «أبوعلي» وإبراهيم «أبوخليل» ومصطفي «أبودرش» إلخ.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأخ الفاضل/ يسري
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذه إجابة لجزء من أسئلتكم التي أرسلتموها، والجزء الآخر تجدونه مرفقاً لكم في اللقاء، الذي تم والمسجل صوتياً، حيث تعذر الحصول علي النسخة الأصلية للأسباب التي تعلمونها.
    وإليكم تفصيل كني الإخوة التسعة عشر، إذ أسأل الله أن يتقبل منهم وبعض التفاصيل الأخري وهي كالتالي:
    الطائرة الأولي:
    1- محمد عطا «أبو عبدالرحمن المصري» طيار - الأمير العام.
    2- سطام السقامي «عزمي».
    3- وليد الشهري «أبو مصعب»، وشقيقه. 4- وائل الشهري «أبو سلمان».
    5- عبد العزيز العمري «أبو العباس الجنوبي».
    الطائرة الثانية:
    1- مروان يوسف الشحي «أبوالقعقاع القطري» طيار.
    2- فايز راشد بني حماد «أبوأحمد الإماراتي».
    3- حمزة الغامدي «جليبيب الغامدي».
    4- أحمد الغامدي «عكرمة الغامدي».
    5- مهند الشهندي «عمر الأزدي».
    الطائرة الثالثة:
    1- هاني حنجور «عروة الطائفي» - طيار.
    2- نواف الحازمي «ربيعة المكي» نائب الأمير العام، وشقيقه. 3- سالم الحازمي «بلال المكي».
    4- خالد المحضار «سنان».
    5- ماجد مقعد الحربي «الأحنف».
    الطائرة الرابعة:
    1- زياد الجراح «أبو طارق اللبناني» - طيار.
    2- سعيد الغامدي «معتز الغامدي».
    3- أحمد الحزنوي «ابن الجراح الغامدي».
    4- أحمد النعمي أبو هاشم (سيد من آل البيت).
    و من الواضح تأثير فترة صدر الإسلام علي من اختار هذه الكُني، فعبدالرحمن بن عوف هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومصعب بن عمير هو أول سفير في الإسلام، وسلمان الفارسي هو صاحب فكرة حفر خندق حول يثرب لحمايتها من الكفار، وأبو العباس بن عبدالمطلب هو عم الرسول (صلي الله عليه وسلم)، والقعقاع بن عمرو التميمي هو من أشجع فرسان المسلمين الأوائل ومن أكثرهم ضجيجاً، وجليبيب الأنصاري وُجدت جثته إلي جانب جثث سبعة من الكفار بعد انتهاء غزوة أُحد، وعكرمة بن عمرو بن هشام هو ابن عدو الله، أبو جهل، وقد خرج عن أبيه واعتنق الإسلام، وعمر بن الخطاب هو الفاروق، ثاني الخلفاء الراشدين، وعروة بن مسعود الثقفي، اعتنق الإسلام مبكراً وعاد إلي قومه داعياً، فرموه بالنبال، وربيعة بن كعب هو خادم الرسول (صلي الله عليه وسلم)، وبلال بن رباح هو أول مؤذن للصلاة في الإسلام، والأحنف بن قيس، هو صحابي جليل ذو رأي حسن، وأبو عبيدة بن الجراح هو أمين الأمة، ومن أكثر الذين يعشقهم رمزي بن الشيبة.



  11. #11
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651
    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «10»
    أبو عبيدة في المطبخ

    بعد انقضاء صلاة الفجر حان وقت الإفطار في منزل القاعدة الآمن. توجه رمزي بن الشيبة إلي المطبخ، بينما التقط خالد شيخ محمد هواتفه المحمولة وانتحي إلي أحد أركان الغرفة (2) وأخذ يرسل الرسالة تلو الأخري. بعد قليل انتشرت صافرات الاستقبال تعلن عن وصول رسائل إليه. لا شئ يبدو غريباً في ملامحه أثناء الكتابة أو أثناء القراءة، اللهم إلا يدان سريعتان سرعة العاصفة، وعينان متسعتان تشعان تركيزاً وانتباهاً. لا شيء سوي تعليق مفاجئ أتي علي شكل غمغمة كأنه يحدّث نفسه في إشارة إلي الرئيس الباكستاني: «والله يا مشرّف يومك قريب».
    كنت أنا في الوقت نفسه شغوفاً بذلك الوافد الجديد الذي كان يتبع خالداً أينما انتقل. «الأخ من الصحابة المقربين للشيخ أبو عبد الله، حفظه الله»، همس رمزي في أذني وهو يضع دستة من البيض داخل إناء مليء بالماء تمهيداً لسلقها، ثم استطرد: «لديه حكاية ظريفة لك». مد يديه إلي أعلي لالتقاط بعض الصحون ثم أضاف: «وبالمناسبة، من الأفضل أن تخترع له اسماً لأنه لن يخبرك باسمه الحقيقي أو كنيته».
    قررت أن أطلق علي الوافد الجديد اسم «أبو أنس»، ولا أدري لماذا اخترت له هذا الاسم الذي أعجب الجميع. ربما أوحت لي به حقيقة قربه من بن لادن، أو ربما كان شيء في ملامحه ومظهره يوحي بذلك.
    «هل يذكّرك هذا بهامبورج؟»، وجّهت السؤال لرمزي الذي رد سريعاً: «ماذا؟ المطبخ؟!» ثم علت وجهه ابتسامة مليئة بالعواطف وخرجت منه - رغماً عنه - زفرة مشحونة قبل أن يستطرد: «هامبورج! أيام زمان الحلوة. طبعاً لا تفارق ذاكرتي. ولا أنسي أبداً جميع الإخوة الذين شاركتهم كل لحظة، خاصةً هؤلاء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الله.
    نسأل الله عز وجل أن يتقبلهم بين الشهداء». بينما امتلأ رمزي بالمشاعر أصررت علي أن أقوم بنفسي هذه المرة بإعداد الشاي. كانت تلك لحظة اقترب رمزي فيها كثيراً من الصحفي الزائر الذي بدا في عينيه كأنه يعرفه منذ سنوات، وكانت تلك فرصة أردت أن أستثمرها لفتح أكثر الموضوعات حساسية من وجهة نظرهم.
    «ولكن يا أخ رمزي لقد قتلوا في طريقهم إلي ذلك مدنيين أبرياء!» ألقيت بها مستجمعاً كل ما لدي من دبلوماسية، غير أن الملاحظة لم تعجب رمزي، الذي ظهر من رده الفوري أنه كان يتوقعها علي أي حال. «هذا موضوع كبير»، قال رمزي بصرامة مستطرداً: «ولا أتوقع منك أن تخلط الأمور في برنامجك مثلما فعل كثيرون».
    ثم، محاولاً تغيير الموضوع، التفت إلي بسؤال: «هل شاهدت ذلك البرنامج الذي عرضه تليفزيون بي. بي. سي، الذي صوروه في هامبورج وأمريكا؟» (1) أومأت إيجاباً بينما استمررت في الاستماع إلي رمزي وهو يصدر حكمه: «لقد كان جيداً، جيداً جداً، ولكن فقط من وجهة نظر غربية».
    دق جرس الباب فدلف بعد قليل وجه آخر جديد رجّحت أن يكون رسولاً آخر من رسل خالد. فمنذ أتوا بي إلي هذا المنزل الآمن وهم لا ينقطعون جيئةً وذهاباً. بعضهم يحمل رسائل، وبعضهم يأتي بالطعام والشراب، لكنهم جميعاً يغادرون بتعليمات يهمس بها في آذانهم رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة، خالد شيخ محمد.
    غير أن ظني خاب هذه المرة؛ فالذي أتي كان مصور القاعدة، أبو يوسف (كما دعاه خالد)، حاملاً في يده إلي أحد أركان الغرفة (2) حقيبة بلاستيكية صغيرة كان بها كاميرا في حجم الكف من طراز Sony mini DV Handycam وميكروفون سلكي دقيق يمكن شبكه في ياقة القميص وخمسة شرائط مدة كل منها 60 دقيقة، ولا يوجد معه ذلك الحامل ثلاثي الأضلاع الذي يضع المحترفون الكاميرا عليه أثناء التصوير لضمان ثبات الصورة.
    «لا تقلق من ذلك»، هتف خالد من الغرفة (5) فيما أشار إلي أبو يوسف بالتوجه إلي الغرفة (1) موجهاً كلامه إلي: «سيجد حلاً. كل مشكلة لها حل».
    حان الآن الوقت الذي قرر فيه خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة أن يقوما بإجراء مقابلة تحضيرية معي قبل أن يسمحا لي بإجراء مقابلة تليفزيونية معهما. كنت أتوقع دائماً أنهما سيكونان في موقف يسمح لهما بالتحكم في ظروف المقابلة.
    هذه ليست أرضاً محايدة ولا ساعةً محايدة ولا ظروفاً محايدة. كنت أعلم ذلك تمام العلم، لكنني أيضاً كنت أعلم أن تنظيم القاعدة كان يعلم تمام العلم، منذ ذلك الاتصال الهاتفي الذي تطوع به أبو بكر، أنه قد دخل معي في اتفاق غير مكتوب أبرز ملامحه هو الطبيعة التحقيقية لبرنامج «سري للغاية» الذي يعلم كل من شاهد أياً من حلقاته أنه يعتمد في مادته علي الحقائق والمعلومات والتفاصيل، خاصةً منها ذلك الذي لا يعرفه كثيرون.
    وبالمقابل، كنت أنا علي استعداد للبقاء أسبوعاً كاملاً أستمع إلي جدل عقائدي، فارغ أو غير فارغ، إذا استطعت في النهاية أن أعود بعشر دقائق من الحقائق والكلام المباشر. ومن أجل هذا استمعت، ثم استمعت، ثم استمعت، ولم أكن مضطراً إلي عمل شيء آخر سوي أن أستمع.
    منذ تلك المكالمة الهاتفية التي أتت من الغيب علي صورة أبو بكر تراوحت الأفكار يميناً ويساراً في ذهني: من عساه يكون في انتظاري لدي نهاية خط المغامرة؟ بن لادن ربما؟ أم نائبه، الداهية المصري، أيمن الظواهري؟ أم أنهما صيد أثمن من أن أضيع وقتاً في الانشغال به؟ لكنهما، من ناحية صحفية بحتة، يدخلان في مساحة ملامحها رمزية أكثر من أي شيء آخر. بعبارة أخري، هما يجلسان علي قمة الهرم، مباشرةً أمام عدسات المصورين، مباشرةً أمام أتباعهما.
    وبهذا المعني، يصبح أي منهما صيداً ثميناً وضيفاً مثالياً في أي برنامج علي قناة الجزيرة أو غيرها، عدا برنامج «سري للغاية». الصيد الأثمن والضيف الأكثر مثالية في برنامج كهذا لم يكن سوي خالد شيخ محمد أو رمزي بن الشيبة، فما بالك بهما معاً في غرفة واحدة في وقت واحد؟! كنت لذلك محظوظاً أن الذي كان في انتظاري لدي نهاية خط المغامرة لم يكن ذلك الذي تمني أن يؤذي أمريكا، بل ذلك الذي خطط ثم نفذ.
    هاهما، الرأسان الكبيران لأخطر عملية إرهابية في التاريخ، مستريحان في هدوء ووداعة، مستعدان للحديث. أخيراً قرر أبرز صناع الحادي عشر من سبتمبر أن يخرجا عن صمتهما. أمامي جلسا في تواضع متربعين علي أرض الغرفة (5) يتذكران المراحل المختلفة للتخطيط والتنفيذ التي انتهت بما يسميانه (عمليات الثلاثاء المبارك) أو (غزوتي واشنطن ونيويورك).
    «قبل نحو عامين ونصف العام من الغزوات المباركة في واشنطن ونيويورك»، قاد خالد الحديث بلهجة كويتية متسارعة، «عقدت اللجنة العسكرية (لتنظيم القاعدة) اجتماعاً تقرر خلاله أن نبدأ في التخطيط لعملية استشهادية داخل أمريكا».
    نظر إلي أعلي ثم إلي أسفل ثم إلي، ثم استطرد: «بينما كنا نناقش الأهداف، فكرنا أولاً في ضرب عدد من المفاعلات النووية، ولكننا عدلنا عن ذلك التفكير خوف أن تخرج الأمور عن السيطرة». ثبّت خالد نظره علي ملامحي فقرأ بسهولة وقع المفاجأة. رمقني بابتسامة العالم حين يتحدث إلي جاهل، ثم استطرد في لهجة حاسمة: «لست مضطراً إلي معرفة المزيد عن ذلك الموضوع لدي هذه المرحلة. وعلي أي حال قررنا في النهاية استثناء الأهداف النووية - حتي الآن علي الأقل».
    «ماذا تعني بـ (حتي الآن)؟»
    «(حتي الآن) يعني (حتي الآن)».. رد خالد بحزم، واضعاً للموضوع نهاية، ثم التقط نفَساً طويلاً قبل أن يستكمل قصته. «كان اختيار الأهداف مصمَّماً بحيث يوقع أكبر عدد ممكن من القتلي ويتسبب في أكبر قدر ممكن من الفوضي، وبحيث يكون في النهاية صفعة كبري لأمريكا علي أرض أمريكية أمام العالم كله».
    «ومن عساه يقوم بتنفيذ ذلك؟»
    «لم يكن أبداً ينقصنا الاستشهاديون، بل إن لدينا في التنظيم قسماً اسمه (قسم الاستشهاديين) يضم عدداً كبيراً من الإخوة الذين يتشوقون إلي اليوم الذي يحين فيه دورهم».
    «وهل لا يزال هذا القسم ناشطاً؟»
    «نعم، بكل تأكيد، وسيبقي دائماً ناشطاً، طالما كنا في جهاد ضد الكفرة والصهاينة. لدينا ما لا يحصي من المتطوعين، بل إن مشكلتنا الوحيدة في ذلك الوقت كانت تتلخص في أن نختار من بين هذا العدد الكبير من المتطوعين إخوة يناسبون ظروف العملية، بمعني أن يكونوا علي قدر من الإلمام باللغة الإنجليزية وأساليب الحياة الغربية».
    كان محمد عطا بهذا المعني هدية السماء لخالد شيخ محمد، ولولاه - في رأيي - لما تمت عملية 11 سبتمبر.
    1 يقصد الحلقة التي أعدتها وقدمتها المحققة الصحفية البريطانية جين كوربن من برنامج «بانوراما» التي أذاعتها القناة الأولي لتليفزيون بي. بي. سي في ديسمبر/كانون الأول 2001.


  12. #12
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «11»
    اجلس أمامي

    جاء الدور الآن علي رمزي بن الشيبة كي يقطع تسلسل الحديث بين خالد شيخ محمد، والصحفي الذي لم يكن في حاجة إلي مزيد من المفاجآت بمفاجأة أخري.
    كان رمزي قد غادرنا في منتصف الحديث، قبل أن يعود من الغرفة المغلقة رقم (3) حاملاً حقيبة ملابس صغيرة رمادية يعلوها التراب، وجروح الزمن. بينما همّ بفتحها علي الأرض التقت عيناه بعيني، فبادر مبتسماً: «نعم! هي ذكرياتي في هامبورج، وأنت أول من نسمح له بالاطلاع عليها». انفتح الجزء العلوي للحقيبة بصعوبة، فأسفر عن باطن مليء بشتات الأشياء.
    مد رمزي يده وأخذ يستخرج من باطن الحقيبة إلي أرض الغرفة «ذكرياته»، واحدةً تلو الأخري. مرت دقيقة أو اثنتان قبل أن أقع في حصار «ذكريات» رمزي - المواد نفسها التي استخدمها مع محمد عطا وإخوانه الآخرين في التخطيط الدقيق لعمليات الحادي عشر من سبتمبر.
    كان منظراً مقتبساً من فيلم سينمائي قائم علي سيناريوركيك تلعب الصدفة فيه دوراً أكبر مما تلعبه الحبكة المهنية المحترفة. قبل وصولي إلي تلك اللحظة، لم أكن أشك في أن لرمزي بن الشيبة دوراً حيوياً في تطور خلية هامبورج إلي أن أصبحت الخلية المحورية لعملية «الثلاثاء المبارك»،
    ولكن الآن، في هذه اللحظة، أمام عيني وحوالي، تقبع، حيةً تكاد تتكلم، المواد نفسها التي استخدمها خالد ورمزي وعطا وجراح والشحي وغيرهم للهجوم علي أعتي قوة علي وجه الأرض في عقر دارها، مواد تبدو الآن للناظر هادئةً وديعةً مسالمةً بريئة،
    وكأنها في يوم من الأيام لم تقتل أكثر من ثلاثة آلاف روح: أحد المجلدات المصقولة لشركة بووينج، جداول طيران شركة أميريكان إيرلاينز، كتاب ضخم للمتخصصين يركز علي شرح كيفية الإتيان بمناورات جوية،
    خريطة ملاحية دقيقة للساحل الشرقي للولايات المتحدة، كتب وكتيبات متعددة لتعلُّم اللغة الإنجليزية الدارجة، عشرات من أقراص الكمبيوتر الممغنطة وغير الممغنطة تخزّن رسائل إليكترونية ومواد متعلقة بالتخطيط، وأخري تحتوي علي شرح بياني محترف لكيفية الطيران من خلال محاكي طرازات مختلفة من الطائرات، وأخري تبدو في غاية البراءة.
    كانت جميعاً في شقة هامبورج التي تقاسمها رمزي مع محمد عطا ومروان الشحي وسعيد بحاجي وسعيد الصابر في الطابق الأول من المبني رقم 54 في شارع ماريانيشتراسا في هاربورج، إحدي ضواحي هامبورج. عندما أُبلغ رمزي بساعة الصفر ضغط علي زر لإنذار خلايا أوروبا وأمريكا باتخاذ التدابير الاحتياطية، ثم جمع هو أغراضه، بما فيها «ذكريات هامبورج»، وطار بها آلاف الأميال إلي باكستان.
    «انتظر! انتظر!» هتفت برمزي الذي كان لا يزال يرص مزيداً من 'ذكرياته' علي أرض الغرفة (5). فإلي جانب سلسلة معقدة من الرسومات البيانية التي تشرح 'كيف تنفذ مناورة جوية مفاجئة' لمحت فقرات بعينها وضع أحدهم تحتها خطوطاً وكتب إلي جانبها بعض الملاحظات بالقلم الرصاص. مدركاً شغفي، التفت رمزي قائلاً: «آه! هذا خط الأخ أبوعبد الرحمن، رحمه الله»، في إشارة إلي محمد عطا.
    غير أن رمزي لاحظ أنني تسمّرت أمام الملاحظات التي كُتبت بخط رديء لم يماثل كثيراً ما قيل للعالم كله إنه خط محمد عطا في تلك الوثيقة التي وجدها عمال مطار بوسطن لوغان في حقيبته التي لم يقدّر لها أن تلحقه علي متن طائرة الموت.
    كانت تلك الوثيقة بمثابة تعليمات مباشرة للمشاركين في التنفيذ تلفت انتباههم إلي ما ينبغي عليهم أن يفعلوا وأن يقولوا، بدءاً بالليلة السابقة للهجوم، وانتهاءً بالشهادة، ومن أبرز هذه التعليمات التي كُتبت بخط أنيق وإن كانت علي عجل:
    التبايع مع الموت وتجديد البيعة.. حلق الشعر الزائد من الجسم والتطيب.
    قراءة سورة التوبة والأنفال وتدبر معانيهما، وما أعده الله من النعيم المقيم للشهداء.
    تذكير النفس بالسمع والطاعة تلك الليلة فإنك ستتعرض لمواقف حاسمة لابد فيها من السمع والطاعة (100%) فروّض نفسك وفهّمها وأقنعها وحرّضها علي ذلك.
    صفّ قلبك ونقّه من الشوائب وانسَ وتناسَ شيئاً اسمه الدنيا، فقد مضي زمن اللعب
    وجاء الموعد الحق، وكم ضيعنا من أعمارنا من أوقات، أفلا نستغل تلك الساعات لتقديم القربان والطاعات.
    وإذا مَنّ الله علي أحدكم بالذبح فلْينْوِها عن أبيه وأمه فإن لهما حقاً عليك، ولا تختلفوا واسمعوا وأطيعوا.
    شرح «رمزي» ببساطة ذلك اللغط الذي أُثير حول الوثيقة؛ فلم يكن محمد عطا كاتبها، وإنما الذي كتبها كان عبد العزيز العمري، رفيق عطا في اليومين الأخيرين من حياتيهما. ورغم أن العمري، وكنيته أبوالعباس الجنوبي، كان من أصغر المنفذين سناً فقد كان مشهوداً له بين أقرانه، بل لدي القيادة العليا للقاعدة، بالإلمام بشؤون الدين والفقه والحكمة، علي حد قولهم.
    ويدعم هذا الاكتشاف إصرار والد محمد عطا عندما ظهرت هذه الوثيقة علي أن ابنه لم يكن كاتبها. «إن خط ابني خط مضحك، وأنا أعلنها الآن أمامك لأول مرة، فلا يمكنك عندما تري خطه أن تميز بين ما إذا كان ذلك الخط ينتمي لطفل صغير أم لمهندس معماري» غير أنني عندما تحديته أن يظهر أمام الكاميرا عينة من خط ابنه رفض والد عطا بحجة أن «الأمريكان سيأخذون خطه ويدخلونه في كمبيوتر كي يقوموا بعد ذلك بتشكيل ما يريدون أن ينسبوا من كلام إلي ابني».
    لملم رمزي 'ذكرياته' إلي جانب وهو يتكئ علي الجدار مربّعاً رجليه علي الأرض. يتحدث الآن عن رغبته الحميمة التي لم تتحقق في المشاركة بشكل أكثر مباشرةً في «عمليات الثلاثاء المبارك».
    كان قد قدم أوراقه ثلاث مرات إلي سفارات أمريكية مختلفة للحصول علي تأشيرة دخول للتدرب علي الطيران، وثلاث مرات رُفض طلبه علي أسس أمنية. أصر رمزي، ولم يكن لدي شك في صدقه، علي أنه كان يتحرق شوقاً إلي أن يلعب دوراً أكثر مباشرةً في تنفيذ العمليات: «علينا أن ندفع ضريبة إذا كنا نريد دخول الجنة».
    ثم يؤكد الذي لم يكن قد فقد الأمل بعد في أن يصبح «شهيداً» أن محمد عطا هوالذي أتي له من أمريكا بمعظم محتويات ما يطلق الآن عليه «ذكريات هامبورج». حفظ رمزي جداول طيران شركة أمريكان إيرلاينز عن ظهر قلب، وصار خبيراً في فهم الرموز الملاحية المرتبطة بها، تلك المعرفة التي استخدمت فيما بعد لتنسيق عمليات اختطاف أربع طائرات دفعةً واحدة، والسيطرة عليها.
    علي أرض الغرفة (5)، حيث اعتادوا جميعاً أن يجلسوا ويتحدثوا ويأكلوا ويناموا، قمت بمساعدة رمزي في توزيع «ذكرياته» بصورة منظمة تمهيداً لتصويرها. كان لي أن أنغمس بعد ذلك في تصويرها بنفسي من كل زاوية ممكنة. أثناء التصوير الذي استمر ساعةً تقريباً كان صوت رمزي يخترق عليه تركيزه من وقت لآخر مقترحاً عليه هذا أوذاك، لكنّ شيئاً لم يكن ليقطع عليه واحدةً من أهم لحظاته الصحفية.
    قبيل ذلك مباشرةً كان خالد قد حدد الغرفة (1) لتسجيل اللقاءات؛ إذ كانت شبه منعزلة ولم يكن بها سوي نافذة واحدة صغيرة. وكان مصور القاعدة، أبويوسف، يتنقل هنا وهناك معطياً الانطباع بأنه مصور محترف يفهم ما يقوم به. لحسن الحظ، والفضل هنا لشركة سوني، أن هذا النوع من الكاميرات لا يعز تشغيله علي طفل.
    غير أنه أظهر قدرةً علي الإبداع في حل مشكلة غياب حامل الكاميرا عندما وضعها ببساطة فوق حافة صندوق فارغ. حملقت في هذا المنظر بقليل من الاقتناع، ثم وافقت عندما لم أجد بديلاً آخر.
    انتحيت بالمصور الذي كان يتصبب عرقاً حتي قبل أن يبدأ العمل وأخذت أشرح له أسلوب البرنامج، وأحجام اللقطات وكيفية التصرف أثناء تصوير المقابلات. بينما كان خالد يحوم حولنا ناظراً مرةً إلي أعلي ومرةً أخري إلي أسفل ثم إلي زاوية رؤية الكاميرا، استطردت في حديثي إلي أبويوسف: «من الأفضل أن تنسي كل ما قلته لك. فقط اربط مفاتيح الكاميرا علي لقطة صدرية ودعها تصور».
    جلست أمام الكاميرا ودعوت خالد إلي النظر في محدد الرؤية، ثم سألته: «هل أنت راضٍ عن هذه اللقطة؟» لكنّ الرجل الذي انشحذت لديه حواس الأمن لم يكن مستريحاً بعد. صاح بصوت عال علي أبوأنس: «احضر لي تلك العباءة البنية - بسرعة».
    عندما هرول بها أبوأنس أمسك خالد بأحد أطرافها وألقي بالطرف الآخر إلي رمزي ثم ثبتاها علي الجدار المواجه للكاميرا قبل أن يعود للنظر مرة أخري من خلال محدد الرؤية. رغم أنه بدا هذه المرة أقل انزعاجاً غادر الغرفة ثم عاد سريعاً مرتدياً عباءةً أخري تغطيه من الرقبة حتي الأخمص.
    بينما انفجر الحضور ضاحكين خلعها ووضعها علي كتفي رمزي طالباً منه أن يجلس متدثراً بها أمام الكاميرا، ثم عاد مرةً ثالثة للنظر من خلال محدد الرؤية. تقهقر خطوةً إلي الوراء ووضع يديه علي جنبيه موجهاً حديثه إلي: «يمكننا الآن أن نبدأ. اجلس أمامي».


  13. #13
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «12»
    مخالب النمر

    بدأت الكاميرا في الدوران، وعندما بدأت في الدوران كان رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة قد تحول فجأة إلي شخص آخر. حاول أن يبدو زعيماً دينياً أو سياسياً، فأدركته ضحالة معرفته بأمور الدين والسياسة.
    حاول أن يبدو خطيباً مفوّهاً، فلم يستطع بناء جملتين صحيحتين بالعربية الفصحي، وبعد ذلك كله خلط ما قاله الله بما قاله الرسول (صلي الله عليه وسلم).. أكثر من مرة اضطررت إلي تصحيحه، وفي بعض المرات اضطر كلانا إلي استشارة رمزي بن الشيبة. تصبب خالد عرقاً كثيفاً من حرارة الغرفة، وأيضاً من الخجل، إلي حد أن التصوير توقف مرتين أو ثلاثاً كي يجفف عرقه.
    لم يستغرق الأمر أكثر من عشر دقائق حتي بدأت مخالب النمر المتوثب دائماً في التساقط واحداً تلو الآخر. فجأةً لم يعد خالد شيخ محمد ذلك الرجل الذي يهاب جانبه إلي ذلك الحد.
    في ثنايا الحوار المسجل الذي استمر نحو 70 دقيقة كان خالد يشير إلي رئيسه بن لادن أحياناً باسم «الشيخ أبو عبد الله»، وأحياناً أخري باسم «الشيخ أسامة»، أو - ببساطة - «الشيخ». غير أنه كان دائماً ما يشير إليه مستخدماً الفعل المضارع مشفوعاً بالدعاء إلي الله عسي أن يحميه من مكر المتربصين.
    مرةً واحدة، رغم ذلك، صدر عن خالد أثناء إجابة عفوية ما ظننته زلة لسان، عندما أشار إلي بن لادن مستخدماً الفعل الماضي قبل أن يتدارك نفسه سريعاً.
    لم أستطع فيما تلا تلك المقابلة من أسابيع مقاومة التمعن في مغزي هذه «الزلة» من مختلف جوانبها، لكنّ شريطاً صوتياً ظهر في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2002 (بعد المقابلة بنحو سبعة أشهر) أوحي بأن زعيم القاعدة أفلت من قبضة الأمريكيين في تورا بورا، وهو ما أكده شريطان آخران بصوت بن لادن ظهرا في فبراير/شباط عام 2003.
    أما ما لم يستطع خالد أن يداريه فهو حقيقة أفصحت عن نفسها في أكثر من صورة أثناء اللقاء المسجل ،وعلي مدار تلك الساعات الثماني والأربعين كلها: إنه رجل تخطيط وحركة أكثر منه رجل فكر ودين. لو افترضنا أن لكل منهم بطاقة تعارف فسيكون بن لادن «رئيس مجلس الإدارة»، وسيكون أيمن الظواهري «نائب رئيس مجلس الإدارة»، بينما سيكون خالد شيخ محمد «عضو مجلس الإدارة المنتدب/المدير التنفيذي». أما رمزي فسيكون الموظف المخلص الذي يصل إلي مقر العمل قبل بقية الموظفين ويغادر بعدهم - ذلك النوع من الموظفين الذي يقفز اسمه كل مرة إلي ذهن رئيسه في حالات الطوارئ، تواقاً للمساعدة في كل شيء.
    وما يثير المفارقة أن تنظيم القاعدة «شركة» بأكثر من معني، ومنها ذلك المعني المباشر الذي قُصد رمزاً في مراسلات أيمن الظواهري إلي بعض أتباعه. من هذه المراسلات خطاب عثر عليه الأمريكيون في الكمبيوتر الشخصي له بعد سقوط طالبان، وهو خطاب مليء بالرموز كي يبدو بريئاً إذا وقع في أيدي من لا يراد لهم أن يقع في أيديهم. جاء في الخطاب الذي يحمل توقيع «الدكتور نور، رئيس مجلس إدارة الشركة» بتاريخ 3 مايو/آيار عام 2001:
    الإخوة الكرام، أرجو أن تكونوا في خير حال، وأن يجمع الله بيننا علي ما يحب ويرضي.
    أشتاق كثيراً إلي رؤيتكم، فعسي ربنا أن يجمع بيننا كثيراً في بلادنا مجتمعين، وبعد. ألخص لكم أحوالنا، إننا نحاول العودة إلي نشاطنا الأساسي السابق، وكانت أهم خطوة هي افتتاح المدرسة، كما أننا فتحنا هنا للأساتذة باب التجارة الرابحة.. وكما تعلمون فإن الوضع تحت في القرية أصبح سيئاً أمام التجار، فأقاربنا الصعايدة تركوا السوق، ونحن نعاني من شركات الاحتكار الدولية والخلافات بيننا لأسباب واهية، مع قلة الإمكانيات وتفرقنا بمدن متعددة، ولكن الله فتح علينا باب رحمة بقيام شركة إخوان عمر التي فتحت السوق للتجار ووفرت لهم فرصة إعادة ترتيب أوراقهم، فجزاهم الله خيراً.
    ومن فوائد التجارة هنا اجتماع التجار من كل مكان معاً في مكان واحد تحت هذه الشركة، فزاد التآلف والتعاون بينهم، وعلي الأخص بيننا وبين شركة عبد الله للمقاولات.
    لكن الخطاب البريء لا يعود بريئاً في عيون أعدائه حين تفك رموزه غير المعقدة علي النحو التالي:
    الإخوة الكرام، أرجو أن تكونوا في خير حال، وأن يجمع الله بيننا علي ما يحب ويرضي.
    أشتاق كثيراً إلي رؤيتكم، فعسي ربنا أن يجمع بيننا كثيراً في بلادنا مجتمعين، وبعد. ألخص لكم أحوالنا، إننا نحاول العودة إلي الجهاد المسلح، وكانت أهم خطوة هي إعلان الوحدة مع تنظيم القاعدة، كما أننا أتحنا هنا للمجاهدين فرصة الشهادة.. وكما تعلمون أن الموقف في مصر أصبح صعباً أمام المجاهدين، فأقاربنا الصعايدة تركوا السلاح، ونحن نعاني من التضييق علينا دولياً، ومن الخلافات بيننا لأسباب واهية، مع قلة الإمكانيات وتفرقنا بمدن متعددة، ولكن الله فتح علينا باب رحمة بقيام دولة طالبان التي فتحت الباب للمجاهدين ووفرت لهم فرصة إعادة ترتيب أوراقهم، فجزاهم الله خيراً.
    ومن فوائد الجهاد هنا اجتماع المجاهدين من كل مكان معاً في مكان واحد تحت مظلة تنظيم الجهاد الإسلامي، فزاد التآلف والتعاون بينهم، وعلي الأخص بيننا وبين تنظيم القاعدة.
    ثم هناك حقيقة انخراط القاعدة في أنشطة تجارية ومالية متنوعة لأسباب مختلفة؛ إذ إن بن لادن نفسه أسس مشاريع تجارية ضخمة في السودان في أوائل التسعينيات كرصف الطرق والمقاولات. أما في أفغانستان فقد قام ببناء الكثير من الخنادق والمخابئ في بطون الجبال، ولدي دخولهم أفغانستان أو مغادرتها وصف كثير من أتباعه أنفسهم بأنهم تجار عسل. وفي شرق أفريقيا خلقت القاعدة كثيراً من فرص العمل والتجارة بسيطرتها علي تجارة بعض المعادن والأحجار الكريمة التي تستعمل في صناعة الحلي.
    كنت أعلم ذلك وأنا أختتم حديثي المسجل مع خالد شيخ محمد. بينما تنفس هذا الصعداء أتي الدور علي رمزي في الركن المقابل من الغرفة نفسها، الغرفة (1). كان رمزي قد قام بتغطية الجدار الذي يستند الآن إليه وهو جالس علي الأرض بسجادة بلاستيكية مزركشة الألوان، لكنه - علي عكس خالد - لم يكن مهتماً بارتداء عباءة تغطي تضاريس رقبته وكتفيه وصدره. «من الأفضل أن أكون طبيعياً»، علّق رمزي مستطرداً: «وعلي أية حال سنحتفظ بالشرائط لدينا لمراجعتها قبل أن نرسل بها إليك في غضون ثلاثة أسابيع».
    «ثلاثة أسابيع؟! !!» انفجرت في وجهه.
    «لا بد، يا أخ يسري، من أن نقوم بإدخال تعديلات إلكترونية علي أصواتنا، وبحذف ما نراه من مقاطع لا تصلح للنشر لأسباب مختلفة، وربما أيضاً بتغطية وجوهنا».
    اقترحت عندئذ أن أقوم بنفسي بعمل ذلك كله، مستعيناً بالإمكانات الفنية الجيدة المتوفرة في مقر قناة الجزيرة في الدوحة، لولا أن خالد تدخل قائلاً: «إنكم تستخدمون أسلوب الموزاييك»، في إشارة إلي تحويل الوجه إلي مربعات صغيرة ضبابية لإخفاء معالمه، «وهو أسلوب من السهل معه إعادة الوجه إلي أصله ببعض المعالجات الفنية». وهنا أضاف رمزي بابتسامة واثقة: «إن لدينا شركتنا، شركة السحاب، ونستطيع بسهولة التعامل مع الأمر، فلا تقلق». وقد كان هذا صحيحاً؛ بل إن المحققين وجدوا في أعقاب القبض علي رمزي في سبتمبر/أيلول عام 2002 مئات الشرائط والأسطوانات الممغنطة، الأصلية والمستنسخة.
    لإثبات ذلك توجه خالد إلي الغرفة (3) المغلقة، وعاد منها بعد قليل حاملاً صندوقاً صغيراً. «هذه الأغراض لك»، قال خالد موجهاً كلامه لي بينما كان يفتح الصندوق ويناولني عدداً من الأسطوانات الممغنطة CD-ROMs وشرائط الفيديو الصغيرة Mini DV Cassettes ثم بدأ يشرح: «هذه وصية الأخ ابن الجراح1 باللغة العربية؛ وهذه وصيته مترجمة علي الشاشة إلي اللغة الإنجليزية من أجل «أصدقائك» في لندن؛ وهذه نسخة من فيلم تسجيلي قمنا بإعداده عن الحروب الصليبية الجديدة، وهو الفيلم الذي قررتم أنتم ألا تبثوه2 ؛ أما هذا الشريط فهو لقطع رقبة الصهيوني دانييل بيرل. يمكنك أن تستخدم ما شئت من مواد علي هذه الشرائط، بل إننا نريد منك إذا استطعت أن تقوم بتوزيع نسخ منها علي وكالات الأنباء وقنوات التليفزيون الغربية، خاصةً منها الفرنسية».
    أُتيح لي بعد عودتي أن أشاهد فيلم الذبح هذا مرة واحدة كانت كافية أن تحرمني من النوم ثلاثة أشهر.
    1 كنية السعودي أحمد الحزنوي، أحد الأربعة الذين قاموا باختطاف رحلة شركة يونايتد إيرلاينز رقم 93 التي قادها اللبناني زياد الجراح وتحطمت فوق بنسلفانيا. وكانت قناة الجزيرة قد بثت للمرة الأولي مقاطع مجتزأة من وصيته قبل لقاء يسري فودة بخالد ورمزي في كراتشي بأيام قليلة.
    2 استلمت قناة الجزيرة نسخة من هذا الفيلم الذي لم يكن من الناحية التحريرية أكثر من مرثية لشهداء المجاهدين الذين سقطوا في نضالهم ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، أو فيما تلا ذلك من اقتتال أفغاني-أفغاني. وعندما لم تجد الجزيرة قيمة صحفية كبري في هذا الشريط أرسلت القاعدة لأول مرة شريطاً إلي مركز تليفزيون الشرق الأوسط MBC كان عبارة عن نسخة أخري من الفيلم نفسه. ولدهشتها، قام تليفزيون MBC بإذاعة مقاطع من الفيلم واضعاً كلمة Exclusive (حصري) لأول مرة في تاريخه علي مادة لها علاقة بتنظيم القاعدة.


  14. #14
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «13»
    الإرهابي المثالي

    فيما انتهي مصور القاعدة، أبو يوسف، من ضبط الكاميرا استعداداً لبدء التسجيل، كان رمزي بن الشيبة الآن أمامي جالساً القرفصاء علي الأرض، هادئاً، وديعاً، واثقاً من نفسه. انطلقت مفتتحاً الحوار: «إذاً، أخ أبو …»، لكنّ رمزي هتف بالمصور فجأةً: «Stop!»، ثم نظر إلي ممتعضاً: «من غير كنية لو سمحت، ممنوع استخدام الأسماء أو الكني»، غير أنها لم تكن سوي ثوان قليلة، قبل أن يعود رمزي إلي صفائه، وعندما عاد انطلق في الحديث كمن لم يتحدث من قبل.
    «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، القائل في كتابه الكريم: «قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين»، وأصلي وأسلم علي رسول الهداية القائل: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر»، والقائل: «وجُعل رزقي تحت ظل رمحي»، وعلي آله وصحبه، ومن اقتفي أثره واتبع هداه إلي يوم الدين، أما بعد ..»، هكذا بدأ رمزي إجابته علي سؤالي، عما يعنيه دوره كمنسق لعملية الحادي عشر من سبتمبر، لكنه كان لا يزال يستطرد في مقدمته الطويلة.
    «فلا يشك مسلم عاقل في أن عمليات يوم الثلاثاء المبارك، الحادي عشر من سبتمبر، في واشنطن ونيويورك، كان يوماً من أيام المسلمين العظيمة، أعادت لهم أيام بدر وحطين والقادسية واليرموك وعين جالوت. وهذا اليوم كان يمثل فتحاً مبيناً ونصراً كبيراً للمسلمين، وفي الوقت نفسه، يمثل هزيمة كبري لأقوي قوة في الأرض، هُبَل العصر، أمريكا، وضربة قاتلة في قلبها المملوء حقداً وكرهاً للإسلام والمسلمين. فلقد شاء الله عز وجل أن يصب هذا العذاب من عنده، وشاء تعالي أن يكون هذا العذاب بأيدي هذه الفئة المجاهدة المؤمنة التي اختارها الله واصطفاها لهذا العمل العظيم».
    استمر رمزي في لغة سلسة، وصوت جميل، وأداء أخَّاذ، إلي أن وصل أخيراً إلي بيت القصيد «وأما بالنسبة لسؤالك في مسألة التنسيق، فاختصاراً هي عملية ربط الخلايا بعضها ببعض، وتكوين حلقة اتصال بين هذه الخلايا وبين القيادة العامة في أفغانستان، وتحديد أولويات عمل هذه الخلايا ومتابعتها، حتي تنتهي من مراحل العمل إلي وقت ساعة التنفيذ، وحل المشاكل التي قد تواجه الإخوة في هذه الخلايا، وإيجاد الغطاء الأمني المناسب، الذي سوف يتحرك الأخ من خلاله».
    من وجهة نظر «ناشط إسلامي» يعيش في الغرب، إلي أي مدي يمكن أن يتسع هذا «الغطاء الأمني المناسب؟»، وإلي أي مدي يمكن أن يسمح لمسلم بخداع غير مسلم؟ بعبارة أخري: إلي أي مدي يمكن للغاية أن تبرر الوسيلة في أعين «الإسلاميين»؟
    حسناً، يبدو أنه لا توجد خطوط صلبة أمام هذا المدي، فعندما اقترحت عليه في ذلك الفندق في كراتشي، أن نلتقي ظهر اليوم التالي أثناء صلاة الجمعة، سمح أبوبكر لنفسه بإصدار فتوي تحظر علي صلاة الجمعة بحجة إجراءات الأمن. ورغم أن المسلم لا يكذب فإن رمزي بن الشيبة سمح لنفسه بالكذب مرات كثيرة علي السلطات الألمانية لأسباب مختلفة. محمد عطا أيضاً سمح لنفسه بالكذب مرات عدة: مرةً علي أستاذه في هامبورج، عندما برر اختفاءه المفاجئ بـ«مشاكل عائلية»، ومرةً علي مدرسة الطيران في فلوريدا، عندما ادعي أنه خال مروان الشحي لإخفاء جذوره، ومرةً أخري علي العالم كله، عندما غير بيانات أساسية في جواز سفره كي «يغسل هويته» قبل السفر إلي الولايات المتحدة.
    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ففي تلال الوثائق التي تركها أعضاء القاعدة وراءهم بعد سقوط طالبان، توجد أدلة قاطعة علي أن كثيراً منهم ليسوا أنبياء. في إحداها رسالة خطية من يمني يدعي خالد، لم يسعفه الوقت لإرسالها إلي أخيه يرسم له فيها صورة للواقع الجديد الذي انضم إليه:
    أخي الحبيب عبد الرحمن.. وجودي مع هؤلاء الناس هنا، قد زعزع إيماني بعقيدتي وبجدوي الجهاد، فطبعهم شرس، وماضيهم مليء بالأعمال الإجرامية، حتي بعضهم لا يستطيع قراءة القرآن! من جهة التدريب، فإنني أعتبر أفشل وأبطأ الموجودين، فكل يوم نتدرب علي استعمال السلاح، وكذلك نتدرب علي السرقة والكذب وممالقة الآخرين.. فتصور علي أن أخبئ أغراضي الشخصية، خاصة القرآن الذي أهديتني إياه حتي لا يختفي، مثلما اختفت ساعتي في أول أسبوع وصلت فيه إلي المخيم..! كذلك نتدرب كيف نختلط بالنصاري، وكيف نقلد حياتهم اليومية، فعلينا أن نتعلم شرب الكحول وحلق الذقون…!
    أما نحن فمتأكدون من أن واحداً علي الأقل من أعضاء فريق التنفيذ التسعة عشر شُجِّع علي - أو علي الأقل سُمح له - بارتكاب كبيرة شرب الخمر، وهو اللبناني زياد الجراح الذي انخرط جيداً في أساليب الحياة الغربية وكان، وفقاً لعائلته في لبنان، يعيش في ألمانيا مع صديقة تركية، ويعتاد البارات والأندية الليلية، ويشرب الكحول في طريقه إلي «الجنة».
    ومن ناحيته يؤكد لنا صديقه صاحب مدرسة الطيران، التي التحق بها في فلوريدا، آرني كرويتهوف، أن «زياد كان ولداً مقبلاً علي الحياة، تستمتع بصحبته في كل وقت، سواء كان ذلك أثناء التدريب في الجو أو أثناء الاستراحة علي الأرض، أو بعيداً عن التدريب عندما كنا نخرج معاً إلي حفلات الشواء في الهواء الطلق، أو إلي لعب الكرة الطائرة علي الشاطئ، وكان هو معتاداً علي شرب البيرة الأمريكية ماركة بَدْوايزر».
    لكنّ لرمزي علاقةً خاصة بزياد. ابتلع نفَساً عميقاً وبدأ يقص تسلسل الأحداث، التي جعلت من هامبورج مطبخاً لأضخم عملية إرهابية في التاريخ. كان كل «أخ» قد بدأ يتوسم ملامح دوره شيئاً فشيئاً. أُرسلت وحدات الاستطلاع لدراسة الأهداف المحتملة علي أرض الواقع. دارت العجلة في صمت أحياناً، لكنّ الغريب أن زعيم القاعدة، أسامة بن لادن، خرج عن صمته في تلك الفترة أكثر من مرة، بإرسال رسائل تهديد مباشرة إلي واشنطن وقعت جميعاً علي آذان صماء (أو ربما علي آذان كانت تتمني ذلك). «إنهم لا يفقهون»، قالها بن لادن عندئذ، «إلا إذا وقعت الضربة فوق رؤوسهم».
    مع نهاية يوم الأحد، الحادي والعشرين من أبريل عام 2002، لملمت فرشاة أسناني وعدة الحلاقة، ووضعتها جميعاً إلي جانب أوراقي داخل الحقيبة الصغيرة التي كنت، قد أتيت بها من لندن. وبحرص شديد بدأت أوزع علي جيوب الحقيبة هدايا خالد شيخ محمد من شرائط فيديو صغيرة إلي أسطوانات كمبيوتر ممغنطة إلي بيانات مطبوعة - كلها من نوع القنابل الموقوتة، التي يمكن أن تنفجر في وجهي لدي أقرب عملية تفتيش. ثم اعتدلت إلي جانب خالد وراء رمزي بن الشيبة لصلاة أخيرة قبل أن أودعهما في طريقي إلي المطار.
    بعد نحو 48 ساعة، كانت اللحظات الأخيرة في ذلك «المنزل الآمن» في كراتشي مليئة بالمشاعر الغريبة. احتضنني رمزي كأنه يحتضن أخاً يعرفه منذ وعت عيناه علي الدنيا، وصافحني أبو أنس بحرارة نادرة، بينما ناولني خالد بياناً مطبوعاً يحمل عنوان: «عملية المعبد اليهودي في جربة بتونس». قال خالد في لهجة أقرب إلي الأمر منها إلي الالتماس: «يمكنك قراءته علي مهل فيما بعد»، ثم أصر علي فعل شيء غريب لا يتوافق تماماً مع ما عهدته منه علي مدار الساعات الثماني والأربعين الماضية، فبينما حرص رمزي وأبو أنس علي عدم الاقتراب من مدخل الشقة، خرج خالد في صحبتي.
    «لا داعي لنزولك علي السلم إلي أسفل»، قلتها، فرد خالد بتعليق لا علاقة له بالموضوع: «تعرف يا أخ يسري أنك يمكن أن تكون الإرهابي المثالي؟!»، عقدت المفاجأة لساني وأنا أستمع في الوقت نفسه إلي أصابع رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة، ترسل نصاً مكتوباً عبر الهاتف المحمول، وهو يهبط الدرج ملتصقاً بكتفي.
    مضي خالد في لهجة نصف مازحة: «انظر إلي نفسك؛ إنك ولد مهذب، صغير السن، ذكي، مثقف، منظم، تتحدث الإنجليزية بطلاقة، غير متزوج، وتعيش في لندن»، كانت تلك لحظة تمنيت لديها أن أحدق في عيني خالد وأتفرس في ملامحه كي أقرأ بنفسي مدي جدية هذا التعليق الغريب، لولا تلك العُصابة علي عيني. أي رد يمكن لي أن آتي به في مقابل تعليق كهذا؟ لم يكن إذاً سوي أن أبتسم ابتسامة جوفاء مقتضبة لا معني لها. لكنّ ذلك لم يعجب خالد.
    «إنك تذكّرني بأخينا محمد عطا». قنبلة أخري! حين يصدر هذا الانطباع عن واحد من أعتي العقول المدبرة، فلابد أن يتم استقباله من باب الإشادة والإطراء والتكريم، ولابد أن يمر الرد عليه من أوسع أبواب الحرص والدبلوماسية.. فماذا أقول؟



  15. #15
    الصورة الرمزية El-Mait
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    1,651

    يسرى فودة يكتب الطريق إلى القاعدة «14»
    نهاية اللقاء.. بداية المتاعب

    «من نعم الله علينا أن أحدنا لا يستطيع قراءة أفكار الآخر».. أجبت بهذه العبارة التي سمعتها ذات يوم علي لسان الممثل المصري شكري سرحان في فيلم «رُد قلبي»، وقد تقمصت هيئة الفيلسوف الأعمي وأنا أهبط درج المنزل الآمن معصوب العينين إلي جوار خالد شيخ محمد، الذي قال لي لتوه إنني أذكّره بمحمد عطا، «إن ما تقدمه أيدينا هو الذي سيتحدث عنا في نهاية المطاف»، فيما بدا وقد اقتنع بهذا الرد اقتادني خالد إلي الطابق الأرضي، حيث كانت سيارة في انتظارنا.
    فتح الباب بنفسه ودفعني برفق إلي جوار السائق وهو يشد علي يدي بحرارة. «إنك رجل نادر. بارك الله فيك وحماك».. كانت تلك آخر كلمات أسمعها من رئيس اللجنة العسكرية لتنظيم القاعدة، وكان لها أن تبقي في أذني لأيام طويلة تلت، خاصةً علي ضوء تطورات درامية كانت لاتزال مختبئة في ثنايا القدر.
    بعد نحو عشر دقائق داخل سيارة مسرعة، طلب السائق من الراكب أن يخلع عن عينيه تلك العُصابة. كان وجهاً جديداً، ذلك السائق الذي أوقف السيارة بعد قليل وخرج منها كي يستوقف لي ـ وقد اضيقت عيناي ـ سيارة أجرة في بداية ذلك الشارع المؤدي إلي خارج المدينة. في الطريق إلي مطار كراتشي الدولي، مطار قائد العزم، كان ثمة وقت لقراءة البيان الذي دسه خالد شيخ محمد في يدي قبل مغادرتي منزل القاعدة الآمن.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    قاعدة الجهاد
    عملية المعبد اليهودي في جربة بتونس
    قال تعالي (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين..) براءة 14.
    هكذا بدأ البيان، ورغم أن زعيم القاعدة، أسامة بن لادن، كان قد لمس لأول مرة، بشكل علني علي الأقل، المسألة الفلسطينية في أعقاب الهجوم الأمريكي علي أفغانستان في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2001، فقد كان واضحاً أن هذا البيان يمثل مرحلة جديدة في إعادة ترتيب أولويات العمل.
    رداً علي الحملة اليهودية الشعواء علي الشعب الفلسطيني المجاهد وحرب الإبادة والاستئصال التي ترتكب بحقه، ونحن جميعاً نري العالم بأسره يشهدها ويبصرها ولا يحرك ساكناً حتي لا يغضب ساكن البيت الأبيض ولا يقلق الجزار أثناء ذبحه، فقد لف العار كل الصامتين خاصة أنظمة الحكم الإسلامية والعربية، فالقدس والأقصي ليسا ملكاً للشعب الفلسطيني فقط، بل هما ملك لكل من يدين بـ «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، مليار و300 مليون مسلم أسري لأنظمة فاسدة موالية لأسيادها في الغرب تسجن الشعوب وتهمش دورهم، حتي المظاهرات التي تعبر عن حالة اليأس التي يعيشونها لم تُترك وحالها، بل حاربوا المظاهرات وأسروا المتظاهرين.
    إن هذه الأنظمة لا تمثل الأمة بحال والممثل الحقيقي هو الشعوب المسلمة، وعلي رأسهم الشعب البطل المجاهد في فلسطين. وفي ضوء هذه الأحداث العظام والأمور الجسام وفي تحول إيجابي يبصر الشعوب الإسلامية في كل مكان بحقيقة الدور الذي يجب أن تلعبه جاءت العملية الاستشهادية علي المعبد اليهودي في جربة.. خلال أشهر معدودة بعد هذه العملية كان لهذا «التغير في الأولويات» أن يتأكد واقعياً عن طريق عملية مزدوجة في ميناء مومباسا في كينيا عندما قامت القاعدة بهجوم علي فندق بارادايز Paradise
    Hotel ، الذي يملكه
    إسرائيليون في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2002، أسفر الهجوم عن مقتل خمسة عشر شخصاً، من بينهم تسعة كينيين وثلاثة إسرائيليين وثلاثة إسلاميين نفذوا العملية، وفي اليوم نفسه أطلق مجهولون صاروخاً علي طائرة مدنية إسرائيلية أثناء إقلاعها من المطار المحلي أخطأها بمسافة قصيرة.
    غير أن ذلك البيان، الذي خرج مباشرةً من يدي خالد شيخ محمد، لا يترك مجالاً للشك؛ إذ إنه يعترف في كلمات واضحة بمسؤولية القاعدة عن عملية جربة التي وقعت قبل أيام معدودة من وصولي إلي كراتشي وراح ضحيتها واحد وعشرون شخصاً من بينهم أربعة عشر سائحاً ألمانياً.
    والقاعدة إذ تعلن مسؤوليتها عن العملية التي تكتم عليها الإعلام تواطؤاً مع الحملة اليهودية علي الشعب الفلسطيني المسلم تبين معالم العملية وأهدافها.. فقد قام البطل الشهيد نزار (سيف الدين التونسي) بتكليف من القيادة العسكرية للقاعدة بالإعداد والتجهيز لهذه العملية.. ضرب مثلاً نادراً للأمة كلها كيف يمكن لشاب واحد قام خارج الأراضي الفلسطينية وضد اليهود بهذه العملية الرائعة.. قام البطل بمهمة استطلاع للهدف وتصويره وتحديد نقاط الضعف والقوة فيه.
    وفي إشارة ربما تكون إشارة شخصية إلي خالد شيخ محمد نفسه، يمضي البيان:
    وبعد الدراسة والمناقشة تحرك البطل للقيام بواجبه تجاه دينه وأمته، فنسأل الله أن يتقبله في الشهداء.
    عندما وصلت إلي بوابة المغادرة في مطار قائد العزم أحسست إحساساً غريباً بأن عيوناً تراقبني. كانت فوضي المودعين تملأ المطار لغطاً وصخباً وتجعل من الصعوبة الهروب من أي مراقبة محتملة، لكنني انتهزت فرصة فانتحيت وراء أحد الأعمدة وأخذت أرقب الفوضي. فجأة لمحت وجهين أعرفهما جيداً. عندما التقت العيون أومأ أبو بكر فيما وضع حسن ـ الشاب ذو اللهجة الفلسطينية الذي قادني قبل يومين إلي المنزل الآمن ـ راحته اليمني علي قلبه، ثم ـ كما رأيتهما فجأة ـ ابتلعهما الزحام مرةً أخري، فجأة.
    في طريق عودتي إلي لندن، قررت الوقوف في دبي لليلتين عسي أن ألتقط فيهما أنفاسي. كان قراراً صائباً، مثلما ثبت لاحقاً، أن أغمض عيني وأترك العنان لفكري في محاولة لهضم تلك التجربة الغريبة، وأن أعمل جاهداً علي بناء جدار من المقاومة أمام لحظات الإغراء.
    لقد عدت بصيد ثمين يسيل له لعاب أقوي الرجال، وكان لابد لي أن أعمل علي أن أكون أقوي من أقوي الرجال. كان إلهاماً من الله عز وجل جعل العيش مع هذا «الذنب» المؤقت الذي تمثل في حقيقة أنني وحدي علي وجه الأرض (مع القيادة العليا للقاعدة) الذي يعلم الآن تفاصيل الإعداد للحدث الذي غير وجه العالم، أقل خطورة وأكثر قبولاً من احتمالات تسريب مبكر لا يعلم نتيجتها، سواءٌ بالنسبة لهذا السبق الصحفي أو بالنسبة لي أنا شخصياً أو بالنسبة لمن قابلهم، إلا الله.
    أما وقد عدت الآن قوياً، بقصة يمكن لصحفيين آخرين أن يقتلوا آباءهم للحصول علي نصفها، أدركت فجأة أنني في مأزق. لقد عدت سليماً وفي جعبتي كل شيء ـ كل شيء عدا شيئاً واحداً: الشرائط! فجأةً أدركت أنني لا أملك دليلاً دامغاً يثبت أنني حقاً التقيت أعضاء في تنظيم القاعدة، ناهيك عن أنني التقيت من يقولون إنهم العقول المدبرة وراء عمليات الحادي عشر من سبتمبر، ورغم أنني كنت أعلم قبل مغادرتي هؤلاء الرجال أن الاتفاق هو أن أترك الشرائط لديهم للمراجعة قبل أن يقوموا هم بتوصيلها إلي بطريقة أو بأخري، فإن إحساساً غير مريح بدأ يدب في أوصالي. لقد حان وقت القلق الحقيقي.
    بعدها بنحو شهر كنت في ألمانيا مسلحاً بفيض من المعلومات لا يعرفها الألمان أنفسهم: عناوين، مواقع، شخصيات، أرقام هواتف، إلي آخره. كانت رؤية هامبورج لأول مرة بعيني منسق عمليات الحادي عشر من سبتمبر، رمزي بن الشيبة، مسألة مثيرة ومحرجة في الوقت نفسه. اعتذر بعض أعضاء «المجتمع المسلم» في هامبورج الذين رشحهم رمزي عن عدم الحديث، بينما تعاون آخرون، لكنهم جميعاً كانوا يتساءلون علناً أو سراً عن كيفية وصولي إليهم، ولم يكن هو في حِل من إخبارهم.
    بعودتي مرةً أخري إلي لندن، في الرابع من يونيو/حزيران عام 2002، دق الهاتف بعد الظهر فكانت رسالة فاكس بخط أبو بكر:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذ الفاضل/ يسري فودة المحترم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تحياتي وأشواقي إليكم، وأتمني من الله أن يوفقكم في عملكم وفي حياتكم لما يحبه ويرضي.
    قابلت بالأمس الرجل الذي كان معنا في المطار وحدثته عن الموضوع وإن شاء الله سنقوم بإرسال الأغراض إليكم، وكن مطمئناً سوف أتابع معهم وأتواصل معكم بالهاتف.. ولأنه كان يعلم من مكالمة سابقة أنني أعتزم العودة قريباً إلي الشرق الأوسط في إطار الموضوع نفسه، فقد كان لدي أبو بكر مطلب آخر ـ مطلب شخصي.



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك