لوّن صفحتك              

بحث متقدم
المنتدى موقع مكتوب الانترنت



عودة للخلف   موقع الدي في دي العربي - DVD4ARAB.MAKTOOB.COM > منتديات الأدب والفنون > منتدى المواهب الشعرية والقصصية > منشورات قصصية

الموضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 25-02-2007, 06:50 AM
مشرف منتدى الأدب والفنون مشرف منتدى الأدب والفنون غير موجود حالياً

إدارة المنتدى

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 437
مجموعة قصصية " السقوط الصامت ".... بقلـــم / ebtessam


أخر تعديل بواسطة N_O_U_R ، 25-02-2007 الساعة 08:17 AM
  #2  
قديم 25-02-2007, 06:58 AM
مشرف منتدى الأدب والفنون مشرف منتدى الأدب والفنون غير موجود حالياً

إدارة المنتدى

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 437
السقوط الصامت



بصوت صفارة حاد أعلنت بداية المباراة. صراخ....هتافات....لافتات... جو يشوبه التوتر يحيط بتلك الحلبة الضيقة التى احاطها المشجعون من كل جانب , آملين أن يقضوا وقتا ممتعا ويروا مباراة شيقة. وقف للحظات ينظر إلى خصمه الذى بدت ملامح وجهه واثقة من الفوز....ابتسامة بجانب شفتيه وعينان تلمعان من التحمس ,لم يستطع أن ينظر إليهما طويلا فذلك التحدى فيهما كان يشعره بالخوف. كان يعرفه جيدا ودائما ما كان يتجنب تلك المواجهة ولكنه كان يوقن أن ذلك اليوم قادم لا محالة , وهاهو الآن يقف أمامه لا يفصلهما جدار ولا تبعدهما غير خطوات قليلة. يجمعهما الوقت والمكان وتلك الحلبة التي أحاطت جهاتها الأربعة حبال, تحاصره وكأنها حول عنقه, تخيفه وكأنها أفاع تتربص به. ضم الخصم قبضتيه بقوة آخذا وضع الاستعداد وتلك الابتسامة لا تفارق شفتيه. فما كان منه إلا أن أخذ خطوات إلى الوراء... مع كل خطوة كان يشعر أنه يقترب أكثر من الهزيمة وأن قدماه تقودانه إلى الفشل... وخصمه يتقدم بخطوات قوية ثابتة ,كان يشعر بوقعها رغم الضجيج الذى ملأ المكان...حتى أنفاس الخصم كانت تخترق أذنيه دون استئذان. خطوة تتبعها أخرى وقدماه ثقيلتان تزحفان على أرض الحلبة تبحثان عن طريق للهروب ...والجمهور يصيح يريد البداية... يريد الإثارة...يريد الهجوم... أصوات قليلة متفرقة كانت تصارع عاصفة التشجيعات التي كانت تهتف باسم خصمه وأخذت تنخفض وتبعد مع كل خطوة كان يخطوها للوراء. أحس بظهره يلمس حبال الحلبة , لم يعد هناك مفر ...أدرك أن خصمه لن يرحمه وأن المباراة التي لم تبدأ بعد قد شارفت على الإنتهاء. سدد الخصم أول ضرباته , كانت لكمة قوية انطلقت لتستقرعلى جانب فمه تاركة مكانها بقعة من الألم المبرح و قطرات من دماء شفتيه ثم تبعتها أخرى كادت أن تكسر فكه ثم أخرى...وهو يقف فى مكانه لا يتحرك يقاوم السقوط ومزيج من العرق والدماء والدموع بدأ يخفي ملامح وجهه التي خلت من أي تعبير حتى ما يظهر الألم. كان يتلقى اللكمات واحدة تلو الأخرى في استسلام قد اعتاده فهكذا أيضا كانت حياته سلسلة من اللكمات ... لكمة على خده الأيمن وقصة حب فاشلة انتهت فصولها بزواج بطلتها من فارس غيره يمتطي سيارة فاخرة و يتمتع بظروف أفضل. لكمة على خده الأيسر وحلم ضائع بأن يصبح جراحا بعد أن فضلوا عليه زميله سليل الأساتذة والذي أخذ بالفعل مكانه في المستشفى. لكمة أخرى وخداع من صديق عمره الذى انتزع منه وظيفته بلعبة رخيصة وتتابعت اللكمات وتتابعت معها الذكريات ودارت حياته أمامه كشريط سينمائي يعرض الأمنيات التي عاشها والواقع الذي صدم به... لم يعد يشعر بالألم فتلك الجراح بداخله كانت أشد وأعنف. كان دائما يحلم أنه سيكون شخصية ذات شأن ... جراحا ماهرا وعالما مشهورا وأيضا فنانا وكاتبا و رياضيا . لم يكن يظن أن لقدراته حدود وكان يرى أن العالم كله ملكه وأنه ملك كل من يمتلك العزيمة والطموح. لم يعد يسمع صوت الجمهور ولا صوت اللكمات, أغمض عينيه غارقا في ذكرياته تاركا لخصمه جسمه فى خضوع. تذكر يوم أن تخرج الأول على مدرسته وكيف كان كل من يعرفه يشهد بأنه موهوب...موهوب فى كل شئ. تذكر نظرة الأمل في عيني أبيه وكلمات التشجيع التي كان لسانه دائما يقطر بها...مشاهد من ليال قاسية أخذت تتأرجح أمام عينيه... ليلة وفاة والده...ليلة زفاف حبيبته...ليال كان يقضيها فى حساب نفقات البيت واضعا أمامه مرتبه الزهيد وفواتير الماء والكهرباء. لم ينس أبدا تلك الفرحة التي رآها فى عيون الحاقدين وكيف أن أحدا لم يعذره لم يفهم لماذا فشل... لماذا انهار...أحس بالأرض تدور تحت قدميه. رفع عينيه إلى ذلك الجمهور الذي كان ينتظر سقوطه . شعر أنه كالمهرج الذى يلبى ما يطلب منه ليسعد الحاضرين. سقط على ارض الحلبة صامتا لم يصرخ لم يتأوه. أيقن أن مباراته قد حسمت وأن المعركة قد انتهت وانتظر من يعلن فوز خصمه ...عدوه اللدود. نظر إليه وهو رافع ذراعيه يحيي جمهوره المهلل... أخذ يتأمله...يتأمل ذلك الهزيل الذى هزمه . يتأمل وجهه الذي غطته الكدمات والجروح ... وقف الخصم بجانب رأسه مختالا بنصره ناظرا إليه في سخرية أطلقت فى رأسه وابلا من الأسئلة... كيف هزم بتلك السهولة ؟ كيف سقط بهذه السرعة؟ كيف هزمه من هو أضعف منه؟ لماذا لم يقاوم ؟ ...أسئلة لم يجد لها أجوبة ولكنها حركت بداخله الرغبة فى الانتقام . وضع كفيه على الأرض محاولا النهوض لكنه لم يستطع كان خصمه يضحك فى سخريه واثقا أنه لن ينهض أبدا. ظل يحاول وجسمه الضعيف يجذبه نحو الأرض وقدماه تأبى أن تحملاه. شعر بالأرض من تحته نارا ستحرق ما تبقى منه إن لم يدافع عنه بالنهوض . و أخيرا نجح وقام ...وقف مرة أخرى أمام خصمه الذي بدت عليه ملامح الذهول والدهشة. أحس بالدماء تدب فى عروقه من جديد تحث يديه أن تتحركا وشعر بالقوة تنبت فى قبضته حاملة معها كل الذكريات و الآلام والأحزان. كانت الضربة التي أنهت كل شيء.. كانت الضربة الأخيرة .., كانت سريعة قوية و موجهة لم يستطع الخصم تفاديها فسقطت على خدة الأيسر. شعر بألم شديد فى يده اليمنى و رأى خيوط الدم تنساب بين أصابعه...نظر إلى زجاج المرآة المكسور أمامه يعكس أجزاء وجهه الشاحب وهالات سوداء حول عينيه كأياد تسرق منهما الأمل ولحية منطلقة فى حرية تعبر عن أيام وأسابيع مضت ودمعة لا تزال تجرى على خده وقد ضلت طريق أخواتها...تأمل تلك الحجرة المظلمة وحاول أن يتذكر كم لبث فيها يبكي وحده تاركا ستائرها تواجه أى شعاع ضوء يريد التسلل بين طياتها إلا ما يكفى لرؤية وجهه الحزين. مشى نحوها وهو يضمد جرحه وازاحها بقوة أثارت الغبار ليرسم اشعة الضوء التى انتلقت في حرية تضئ المكان...كانت يده قد كفت عن النزيف وقد نسى الألم. فتح النافذة ومد رأسه يتطلع خارجها وقد أدرك أن المباراة لم تنته بعد...

تمت


للتعليق على القصة

أخر تعديل بواسطة مشرف منتدى الأدب والفنون ، 25-02-2007 الساعة 07:57 AM
  #3  
قديم 25-02-2007, 07:10 AM
مشرف منتدى الأدب والفنون مشرف منتدى الأدب والفنون غير موجود حالياً

إدارة المنتدى

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 437
اللوحة الرمادية


يوم جديد يبدأ في هذا المكان الذي بدأت تغفر له بعض ذكريات اللحظات القاسية التي قضتها به. كانت الرياح تصطدم بزجاج النافذة بجانبها حاملة معها قطرات من المطر صانعة خطوطا تشوه الرؤية. وهي مستلقاة على سريرها الحديدي تحاول أن تبعد بصرها عن تلك اللوحة التي رسمها الشتاء فكم كانت دائما تكره قسوته, تبغض هذا الجو المظلم وتلك السحب التي تفرض وجودها على زرقة السماء وتصبغ الحياة بلون باهت حزين. كم كانت تود لواستبدلت تلك اللوحة الرمادية بلون شمس الربيع. كان الوقت لا يزال مبكرا, كانت تعلم أنه لن يأت الآن ولكنها اخذت ببصرها تجوب بين جنبات الحجرة الواسعة متجاهلة النافذة وظلت عيناها الذابلتان تزوران الوجوه من حولهما باحثتين عن ملامحه المشرقة متتوقتين لرؤيته وهو في زيه الأبيض الذي يزيده وسامة وتألقا. وجوه شاحبة ,ملامح بائسة ,أصوات أنين وألم ,أسرة تحمل قصصا من العذاب والصبر, فتيات في زي الرحمة مسرعات حاملات أقراص الدواء وأكياس المحاليل... مر بها الوقت وهي تنتظر وأخيرا أشرق من بين الوجوه يقف مع أحد زملائه يتطلع في كتابه, يتكلم ويضحك...كم كانت تعشق تلك الضحكة المليئة بالشباب والحيوية فارتسمت على شفتيها ابتسامة قيدها الضعف وسلسلها الألم. سحابة من المرض كانت تحاول أن تخفي ملامح وجهها الحائرة بين الطفولة والأنوثة وهي تنظر إليه تتمني لتلك السحابة أن تزول لترى نور الشمس من جديد...و إذا بالممرضة تحجب عنها الرؤية.
-حان موعد الحقنة.
سلمتها ذراعها وهي تحرك رأسها ببطئ محاولة استعادة الرؤية حتى لا تضيع تلك اللحظات القليلة التي تراه فيها ولكن دون فائدة فأغمضت عينيها وراحت تنسج احلاما كأي فتاة في عمرها تتطلع للحياة وتحلم بالمستقبل لم يمنعها ذلك المرض المتوحش الذي تمكن من جسدها فهي كانت توقن أنه لن يتمكن من روحها ابدا. كانت تود لو تركت سريرها واستعادت جمالها وصحتها لتكون أهلا له. كم كانت تتمنى لو التحقت هي الأخرى بالكلية التي يدرس بها لتكون طبيبة مثلما سيكون. كانت رغم بساطتها طموحة, رغم فقرها مطلعة ورغم مرضها ناجحة في دراستها ولكنها اضطرت ان تتخلي عن حلم الجامعة مؤقتا بعد إصرار زوج أختها علي ذلك فهو كما قال لن يتحمل مصاريف مرضها ودراستها معا. عاشت يتيمة تصارع الظروف لتستقل بحياتها ولكن قلبها كان يحدثها دائما عن الحب والأمل, كانت تراهما شقيقين يشبهان بعضهما البعض كثيرا. وبينما هي غارقة في الامنيات إذا بصوت مميز يداعب أذنيها.
-صباح الخير
وجدته يقف بجانبها ممسكا بسماعته وعلى وجهه ابتسامة تزيده بهاءا. أخذ قلبها ينتفض كان رغم ضعفه يرضي بأن يخفق بقوة فقط من أجله... أخيرا لاحظ وجودها بعد كل تلك الأيام منذ أن رأته أول مرة, يوم ان سقطت من يدها علبة الدواء فتقدم مسرعا و ناولها إياها وعلى وجهه تلك الابتسامة الجميلة وقال لها " سلامتك"...منذ ذلك الحين وهي تقضي نهارها تبحث عنه وليلها تنتظرالصباح لتراه. سبحت في الأفكار فلم تجب فأستطرد قائلا.
-هل يمكنني معرفة أسمك؟
تنبهت أنها لا تحلم فأخبرته اسمها وصوتها يرتعش من الخجل.
-هل تسمحين لي بالكشف وببعض البيانات؟...لن أزعجك.
هزت رأسها برقة دليلا على الموافقة. بدأ يسألها عن مرضها وآلامها فهمت بالأجابة على أسئلته وهنا قطعت حديثهما فتاة جميلة وجهها ينبض بالحياة وألوان الربيع تظهرمن تحت زيها الأبيض وأخذت تتكلم معه. كان حديثهما معا يظهر أنهما أكثر من مجرد زميلين. ثم بدأا يتكلمان بالانجليزية.
-ماذا تفعل هنا؟
-أكشف على هذه الحالة... أنت تعلمين أن الإمتحان قد اقترب.
-أنت تضيع وقتك هذه حالة ميؤس منها و لن تعيش حتى يوم الإمتحان تعال نرى مريضة أخرى.
أستأذن ورحل مع الفتاة. زلزلت الكلمات روحها التي أحست لأول مرة أن المرض بدأ يتسلل اليها ,تلك الفراشة التي كانت تطير بها الى حيث تعجز قدماها أن تحملاها لم تعد تستطيع التحليق من جديد. ظلت تنظر إليهما وهما يتكلمان ويضحكان باعدين عن سريرها الحديدي التي أحست به يقيد كل أجزاء جسدها الضعيف. لأول مرة تندم أنها كانت متفوقة بين زميلاتها في المدرسة ... لأول مرة تكره اللغة الانجليزية التي طالما أحبتها وتفوقت فيها.... لماذا أعطاها ذلك الطبيب الكبير أملا كاذبا؟ لماذا أكد لها أن العزيمة والأمل يستطيعان أن يقتلا أعنف الأمراض وأشرسها؟ كانت عيناها حائرتين بدمعتين تأبيا أن تسقطا ظلتا تجوبان الحجرة بهما حتى وجدتا ضالتهما في النافذة بجانبها لم تعد تعلم اي منهما تحجب عنها الرؤية الواضحة الدمعتان أم الخطوط التي رسمتها الأمطارعلى الزجاج. علمت أنها لن ترى نور الشمس من جديد فلوحة الربيع لا تقبل الرمادي بين ألوانها...سقطت الدمعتان علي خديها...لأول مرة منذ أن علمت بمرضها تبكى ولكن في صمت كما كانت تتألم دائما...لم تعد تخاف الموت فهي كأوراق الخريف تصارع الرياح و لكنها في النهاية تسقط على الارض ففروع الأشجار لفظتها والأرض قبلتها ورياح الشتاء آتية لا محالة لتأخذها إلى بعيد. لم تعد تبحث عن عينيه بين العيون... لم تعد تنتظره كل صباح... بل كانت تنظرالى اللوحة الرمادية كل يوم في انتظارضيفا آخر تعلم أنه لن يتأخر.
...

تمت

أخر تعديل بواسطة مشرف منتدى الأدب والفنون ، 25-02-2007 الساعة 08:00 AM
  #4  
قديم 25-02-2007, 07:22 AM
مشرف منتدى الأدب والفنون مشرف منتدى الأدب والفنون غير موجود حالياً

إدارة المنتدى

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 437
رفعت الجلسة


كان ينظر إلى ساعته كثيرا متعجلا عقاربها أن تسرع حتى يأتي موعد الانصراف من العمل, فشوقه كان يأبى عليه أن ينتظر تلك الدقائق القليلة الباقية وخوفه أن يتأخر عليها كعادته جعله لا يستطيع الجلوس إلي مكتبه. هاهى العقارب تعلن قرب اللقاء وتعفيه من نظرة اللوم الخجولة في عينيها وتجعله يأمل في نظرة من الرضى وبسمة مشرقة, حاول أن يستحضر صورة بسمتها إلى ذهنه ولكن صورة أخرى كانت تفرض وجودها عليه...صورة وجهها حزين وعينيها لائمتين. تعجل في خطواته وكالعادة مر بجانب متجر الزهور ولكنه على غير عادته توقف أمامه, تذكر لونها المفضل في الأزهار بصعوبة فقد كان لا يهتم كثيرا بتلك الأمور ولكنه ينوي أن يتغير من أجلها سيبتاع لها زهرة جميلة كل يوم. ظل يفكرأي واحدة تستحق أن تلمس وجهها ؟ هاهي تعلن عن نفسها وتتزين بالسلوفان لتزف عروسا إلى خدها الرقيق... سلك طريقه إليها في تلهف... كان طويلا هادئا ولكن وجه حبيبته وتلك الزهرة الجميلة كانا رفيقا الطريق. على مرمى بصره بدا له مكان اللقاء ,كان الجو الملبد بالغيوم يضفى عليه جوا من الحزن ولكن يكفي أنها تنتظره فيه ليكون أغلى مكان على وجه الأرض. أخذ بعينيه يبحث عن حبيبته ...وما أن اقترب حتى أحس بيد تطبق على ذراعه بقوة.
-أنت متهم!
-ما التهمة؟
-ستعرف كل شئ ...تحرك!
لم يدر كم مضى عليه من الوقت وهو غارق في الذهول.. لا يستوعب لما هو متهم ولا يصدق ما يحدث له ويتساءل ما الذنب الذي اقترفه وهو يوما لم يؤذ مخلوقا. أفاق من دهشته على صوت ضربات مطرقة وصوت عال أجش.
-محكمة!
من بين القضبان الحديدية نظر إلى القاعة الواسعة وهو فى شدة القلق والاضطراب, يتساءل عن سبب مجيئه إلى هذا المكان. وقعت عيناه على تلك اللوحة التي تعلو منصة الحكم... لوحة الميزان الدقيق دليل العدل والحكمة, فهدأت تلك اللوحة من روعه قليلا. ثم برزت حبيبته بين الحضور تجلس في الصف الأمامي... أخذ يتأمل تلك الجميلة رفيقة الكفاح والذكريات وهو يتعجب كيف كان يتمنى غيرها يوما. نظرت إليه وعيناها تحملان مزيجا من الحزن والدموع والشفقة واللوم , فرفع يديه ممسكا بالقضبان وهو يود لو استطاع أن يكسرها ليزيل عن عينيها تلك النظرة.
-الادعاء!
-سيدي القاضي إن هذه المرأة قدمت كل شئ ولم تنتظر مقابلا , قدمت الحب والتضحية والوفاء ولم تحصل إلا على النكران. قدمت له السعادة على طبق فضي فأدار له ظهره بكبره وعجرفته. سيدي القاضي إن هذا الرجل الماثل أمامكم......
مهلا هل يتكلم هذا الرجل عنه؟؟؟ تساءل وهو يتذكر أيامه معها...صحيح أنها كانت تحبه وكانت تغمره بحنانها وتضحياتها ولكن هل كان هو بهذا الجحود؟ همس صوتها في أذنيه يذكره بتلك الليلة, عاد متأخرا كعادته من سهرة مع أصدقاءه ,كانت تسند رأسها علي يدها وأمامها مائدة تضم كل ما يحبه من طعام , شموع ذائبة توشك أن تنتهي كانت تضئ وجهها المجهد من الانتظار. كان يوم عيد زواجهما ولكنه لم يتذكر أو بالأحرى لم يهتم , تعلل أنه مرهق وتركها وحيدة على مائدتها تحاول أن تلتمس له الأعذار... ولكن لم كان يعاملها بهذا الفتور؟ لم كان لسانه يأبى أن يظهر لها الحب؟ لم كان وجهه يفضل العبوس؟ أكان يراها امرأة عادية لا تبهره وكانت الأخرى طيفا يخطف الأبصار؟ هل هي ضغوط الحياه والعمل؟ أم أنه شيطان كان يأبى عليه السعادة؟ لم يجد لأسئلته جوابا غير همسات من ليال أضاعها في عناد لم يجد له تفسيرا...كل كلمة أساء بها إليها, كل حرف لم يكن يعنيه, كل دمعة أسقطها من عينيها بحماقاته قيلت في الجلسة بدقة بالغة باليوم والساعة والثانيه وكأنهم كانوا يعيشون معهم تلك اللحظات.
-الدفاع!
لم يجب أحدا...ظل هو شاردا صامتا, لم ينكر, لم يدافع عن نفسه... لم يجد الكلمات وضاعت منه الجمل وأنتظر الحكم في ترقب وهو يتأمل القاضي الذي جلس وحيدا على المنصة. وتعجب كيف يوضع مصيره في يدي هذا الشاب الذي لا يختلف عنه إلا بذلك الشريط الأخضر المائل الذي يزين صدره؟ لحظات عصيبة مرت عليه وهو ينتظر, يتمنى الرحمة فوق العدل. وأخيرا نطق القاضي بكلمة واحدة وعيناه تملأهما الشفقة.
-مذنب!
وقعت كلمة القاضي عليه كالصاعقة...كخنجر اغتال الأمل في الخلاص من تلك القضبان. لم تتحمل قدماه الصدمة فهوت به علي ركبتيه ...تراب لوث ثيابه ودموع أخذت تنهمر تبلل حروف اسمها المحفورة على الرخام الأبيض وتحته تاريخ سكنها لهذا المكان. نظر حوله فلم يجد غير رياح قوية تندفع بين القبور تعزف مع الحشائش لحنا حزينا. كانت تفرش له طريقه بالبسمات والتضحيات, شمعة احترقت لتضئ له حياته وانطفأت ليظل ضوئها ذكري في عينيه.. كان يخفي عنها حبا عظيما بل كان أيضا يخفيه عن نفسه... تمني لو أحس بأصابعها الرقيقة تربت على كتفه محاولة أن تزيل غبار الحزن عنه كما كانت تفعل دائما فهو لم يعتد أن يحزن وحده دون أن يجد منها العون ويستمد من حنانها الصمود...نظر إلى كتفه الخالى فوجده صحراء مقفرة دون يدها الصغيرة ...بدأ الظلام يحل فأدرك أن عليه الرحيل ترك الزهرة البنفسجية علي قبرها وأستدار لدنياه ولكن هذه الدنيا الواسعة هي بدونها سجن ضيق صنعت أسواره من الندم وحفت زنزانته بالأخطاء وغلقت أبوابه بالذكريات... رفعت الجلسة ولم يعد هناك ما يقال غير صوت السكوت القاتل وتنهيدات الألم وشهقة النحيب.

تمت



للتعليق على القصة


أخر تعديل بواسطة مشرف منتدى الأدب والفنون ، 25-02-2007 الساعة 08:12 AM
  #5  
قديم 25-02-2007, 07:25 AM
مشرف منتدى الأدب والفنون مشرف منتدى الأدب والفنون غير موجود حالياً

إدارة المنتدى

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 437
لحظات الدخان


لم يعد بمقدوره الكف عن النظر إليها وهي تظهر وتختفي من بين الزحام. يحرك رأسه وعيناه ثابتتان لا تتحركان من عليها فقد أصبح لايتحمل أن تصبح مع شخص غيره. قرر أن يأخذ خطوة ليغتنمها فاقترب أكثر من صاحبها ومد يده ببطئ وأخذت أصابعه تتسلل لتخترق دون عناء جيب الرجل الذي كان يقف أمامه في الصف يتكلم مع موظف بيع التذاكر وقد بدت عليه علامات الإرهاق وقلة التركيز وبحركة ماهرة استطاع أن ينتشلها دون أن يشعره بشئ. وبعد مناقشات مع الموظف تحسس الرجل جيوبه باحثا عن محفظته وملامحه تتحول من الطمأنينة إلى القلق حتى بدأ الشك في فقدانها يتملكه فأخذ يتلفت حوله ينظر إلى الأرض بين الأقدام والعرق يتصبب من جبينه آملا أن تكون قد سقطت منه في مكان قريب. كان الموظف قد أعد له تذكرته منتظرا ثمنها ولكنه فوجئ بالرجل يختفي من أمامه ليظهر رجل آخر مادا يده بالنقود ليتسلم نفس التذكرة. ثم انزوى إلى جانب الحائط متجنبا الزحام ليتفحص المحفظة التي كان قد انتشل منها بعض النقود ليبتاع التذكرة ,فتحها ليحصي غنيمته... أوراق... روشتات أدوية... عناوين أطباء ومعامل تحاليل...تقارير طبية... بعض النقود القليلة.. ياللحظ.. كانت ممتلئة بالأوراق وتلك الجنيهات القليلة المهلهلة. نظر إلى تذكرة القطار واعتبرها الغنيمة الوحيدة ذات القيمة التي حصل عليها اليوم ثم ألقى بالأوراق التي تقاذفتها الأقدام على الرصيف وأخذت تطبع عليها خطواتها المتلاحقة.... لم يكن ينوي أن يزاول عادته القديمة اليوم ولكنه لم يجد مانعا من أن يستفيد من تلك الفرصة التي كانت أمامه وإن كانت فقط أعطته رحلة مجانية بالقطار...كان قد نسي ساعة يده فنظر إلي الساعة الكبيرة التي تعلو المحطة تعلن عن موعد القطار الذي لم يتأخر كثيرا عن موعده ...دخل القطار وتوجه إلى مقعده حاملا حقيبته الصغيرة فهو لم يكن ينوي أن يمكث في قريته لفترة طويلة, فبعد أن أصبح يمتلك ذلك الدكان الصغير في المدينة لم يرجع إلى قريته إلا ليظهر لأهلها أنهم لم يكونوا على حق عندما احتقروه جميعا ونعتوه بالفاشل الماجن المشاغب. فها هو الفاشل يعود ليعلمهم أنه كان أذكاهم وأفهمهم للحياة, فهو دائما ما كان يعتبر أفعاله نوعا من الذكاء والمهارة وكان يبررها بأنه يخدع من يستحق الخداع...يخدع الأغبياء والمغفلين ... والحياة لا تقبل هؤلاء, فهي كالغاب تحترم الأقوى والإنسان القوي هو الإنسان الذكي الذي يعرف كيف ومن أين تغتنم الفرص وكيف ينتزع المال ليصبح مع من يستحقه ويعرف كيف يحافظ عليه وأين ينفقه .... كان في اشتياق لرؤية نظرات أهل قريته إليه بعد أن أصبح من ذوي الأملاك... وتخيل نفسه وهو يمر في أزقة القرية الضيقة بتلك الملابس التي لم يعتادوه بها, فقد تخلى عن جلبابه الممزق القديم وأصبح شخصا آخر كفه يحتضن هاتفا محمولا وجيوبه لا تخلو من أوراق البنكنوت. ظلت الأفكار تمر برأسه والقرى تمر بجانبه حتى دخل في سبات عميق ليستيقظ فجأة على أصوات صراخ و استغاثة ...قفز من مقعده مفزوعا ليجد الدخان قد ملأ المكان ورائحة الحريق تخترق أنفه وتستفز دموعه وتطبق على صدره الذي بدأ ينتزع الأنفاس بصعوبة. كان يعلم أنه لا يزال في ساعات الصباح ولكن الدخان حجب الضوء وجعل الرؤية شبه مستحيلة. سمع الركاب من حوله يتكلمون عن حريق شب في عربات القطار وأن عربتهم تلك هي العربة الوحيدة التي لم تغزها النيران بعد ... كان التوتر والذعر قد ملأ الجميع من حوله وأخذ الركاب يتحركون بعشوائية ويسرعون الى آخر العربة في خوف وهلع ... تجمع الكثير منهم أمام الباب حائرين بين المخاطرة بالقفز والبقاء في انتظارالنيران فالقطار يتحرك بسرعة كبيرة وقد يتعرض من يقفز لموت محقق. أخرج رأسه من إحدى النوافذ فإذا به يرى ألسنة من النيران تنتظر الفرصة لتقتحم العربة و رأى جسم القطار في الأمام كقطعة من جهنم...كسهم من نارمنطلقا حاملا معه الموت. بدأ الخوف يتملك قلبه وأحس بحرارة اللهب تدنو من جسده وهو لا يدري ماذا يفعل فأخذ يتحرك في العربة بفكر مشلول , يقف في الزحام بجانب الباب ثم يرجع إلى النافذة في حركة عصبية مصطدما ببعض الركاب الذين أنتاب كثير منهم نفس الحالة بينما جلس القليل في حالة من التضرع الممزوج بالخوف... وإذا بالنيران تغزو العربة وبدأت ألسنة منها تقترب كمخالب تبحث عن فريستها ... أصبح الدخان كثيفا جدا بحيث حجب عنه الرؤية تماما فعلم أن النهاية قد اقتربت وأن الموت بدأ يطرق الأبواب... نظر بعمق إلى الدخان الذي وجده يرسم وجوها لأناس كان يعرفهم...أناس خدعهم...أناس غدر بهم ... هاهو التاجر البسيط الذى سلبه دكانه الصغير ليستولي عليه بخطة محكمة يظهر له... هاهي الأرملة التي غرر بها و استغلها حتى سلبها كل ما تملك تنظر إليه... كلهم حضروا لم يتخلف أحد منهم حتى رجل المحطة الذي قاده الطمع ليكون هو محله في تلك الأهوال. رأى النيران تقترب...لم يعد يعلم أهي نيران الموت أم نيران ما بعد الموت فهو لم يعد يثق أنه لايزال على قيد الحياة ...أخذ بكل تفكيره يحاول أن يتذكر بعض تلك الجمل الدينية البسيطة التي كان والده الراحل يحاول أن يعلمه إياها ولكن ذكريات آثامه احتلت تفكيره وشلت ذاكرته وسخرت فكره لعرض أحداثها فقط وأخيرا وبعد كل تلك المحاولات تذكر جملة قالها إمام مسجد قريته, يوم جلس معه يحاول أن ينصحه بعد أن كثرت شكاوى أهل القرية من سلوكه. قال له إن باب التوبة مفتوح دائما ... التوبة... نعم التوبة... لم تكن مهارة لم يكن دهاء بل كانت خسة ونذالة واحتيالا... بدأ الندم يتملكه وأحساس الذنب يملأه وهو يردد لأول مرة كلمات الإستغفار وبينما هو يتمتم تلك الكلمات إذا بالقطار يتوقف فجأة و بدأ جميع الركاب النزول وهم لا يصدقون أنهم قد نجوا وأن الحياة تستقبلهم من جديد. توجه إلى مقعده ليحمل حقيبته ثم أسرع إلى الباب وفرحة النجاة تغمره... ولكنه تعثر وكاد أن يسقط فقد كان أحد الركاب قد سقط أرضا ربما من ضيق التنفس وربما من الذعر وكان شاب يحاول مساعدته على استعادة وعيه بينما لمح هو بعينيه الثاقبتين ساعة قيمة في يده. كان القطار قد توقف صدفة في منطقة قريبة جدا من قريته التي سلك طريقه إليها وهو يهندم من مظهره وينظر إلى الساعة القيمة التي زينت معصمه!

تمت


أخر تعديل بواسطة مشرف منتدى الأدب والفنون ، 25-02-2007 الساعة 08:06 AM
  #6  
قديم 25-02-2007, 07:27 AM
مشرف منتدى الأدب والفنون مشرف منتدى الأدب والفنون غير موجود حالياً

إدارة المنتدى

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 437
رحلة إلى الأفق


تنحنح وقاوم خجله من عاصفة التصفيق الحادة التي صاحبت صعوده إلى المنصة... أعرب عن شكره وامتنانه بجمل قليلة وجد بعدها أن كلماته قد نفذت, فقد كان دائما قليل الكلام غير ماهر في فن الحديث ... نظراته كانت تتجه بشكل متكررإلى مقعد خال بالأمام ...
مضى الوقت وانتهى الحفل فترك القاعة ومشاعره ممتزجة بالفرحة والفخر والغضب والقلق...أمسك بهاتفه المحمول وطلب ابنه الوحيد ليستفسر منه لما لم يأت إلى أهم تكريم في حياته.... وبعد انتظار طويل رد الابن أخيرا...
- آلو
تحدث بإنفعال مصحوب بالقلق.
- لماذا لم تأت؟
فرد الابن بتلقائية بالإنجليزية.
- ماذا؟
هنا أدرك أن انفعاله وقلقه قد جعلاه ينسى أين هو ويتحدث بلغته الأصلية . كيف ؟ بعد كل تلك السنين التي عاشها هنا رجع في لحظة إلى كلمات هجرها وتعود على غيرها حتى صار يتحدثها كأهلها !
كان يعلم جيدا أن ابنه لا يتحدث العربية ولا يفهمها فسارع بتغير لغته وعاود السؤال وهو أقل انفعالا فقد سيطر عليه الذهول....
فأجاب الابن:
- لم يكن لدي الوقت, ذهبت في نزهة مع أصدقائي.
ارتسمت ملامح الضيق بوضوح على وجهه وهو يقول له "حسنا" ويغلق الخط , حاول أن يخفي تلك الملامح عندما شعر ببعض زملائه يتجهون نحوه ثم التفوا حوله مهنئين, متسائلين عما يحضر للمستقبل من أبحاث, فاستأذن ومضى إلى سيارته وقبل أن يدخلها رمق بنظرة سريعة العلم الذي يعلو ذلك الصرح العلمي الكبير... فاليوم كرم فيه بصفته مواطنا ينتمي إلى تلك الدولة العظيمة, يشارك في نهضتها العلمية ويبني كابن من أبنائها مستقبلها... فقد حصل على جنسيتها منذ سنوات وصار يحمل بطاقة هوية ثمينه يحرص على حملها ويتجنب بها المشاكل التي تواجه أي عربي يعيش في تلك الدولة... ومنذ ذلك الحين صارت الأبواب تفتح له أكثر ولم تمنع أصوله العربية كل من حوله أن يعترفوا له بالذكاء والمهارة وأيضا بالعبقرية والاجتهاد... ولكنه كان يعلم جيدا أن حصوله على تلك الجنسية الثمينة كلفه حياة زوجية لم يتفاهم طرفاها أبدا ... زوجة لم تقدره ولم تتحمل طباعة الشرقية...
قاد سيارته الفارهة متجها إلى منزله ولكن هناك ما كان يعطل سير المرور.
حشد كبير كان ينظم تظاهرة ولاحظ وجود الملامح العربية بين كثير منهم. فمد رأسه خارج نافذة السيارة وسأل أحد المتظاهرين عن سبب التظاهرة فأجابه باستنكار واستعجاب ألا تشاهد الأخبار؟ ألا تقرأ الصحف ؟ لقد قصفت دولة عربية بمباركة ومساعدة حكومتنا...
كان يحمل لافتة مكتوب عليها بالخط العريض بالإنجليزية "من القاتل؟" وتحتها صورة بشعة لطفل مقتول.
التظاهرة جعلته يغير مساره ويبحث عن طريق آخر أقل ازدحاما لا تطارده فيه تلك الصورة المؤلمة التي احتلت مخيلته فمضى في طريقة محاولا أن يتناساها ... لكن انتابه شعور غريب وهو ينعطف إلى أحد الشوارع... شعر للحظة أنه شارع من شوارع مدينته البعيدة وأنه سيقوده إلى منزله القديم وسرعان ما وجد نفسه يقود السيارة بلا هدف وأخذ يجوب في الطرقات كأنه يبحث عن شئ أو يهرب من شئ ما...
وجد نفسه يتجه إلى المكان الذي تعود دائما أن يشاركه مشاعره منذ أن كان صبيا في مدينته الساحلية الصغيرة... البحر...الذي يسمونه هنا المحيط ..
برودة الطقس أخلت المكان من رواده إلا من هاو للصيد شاركه شاطئ المحيط في ذلك الوقت...كان بارعا ...يتربص بالأمواج التائهة التي تدخل بين الصخور فتضل الطريق وتحاصر في الأخاديد حاملة معها الأسماك حيث كانت تنتظر سنارته ولكن رغم حصوله على عدد كبير من الأسماك كان يلقي بالكثير منها مرة أخري إلى المياه لأن تلك المنطقة تحوي نوعا من الأسماك المسمومة...
ترجل من سيارته ثم استقر على صخرة بقرب الشاطئ وأطلق العنان لنظراته فأخذت تقفز على الأمواج لتصل إلى ضالتها الأخيرة كما تعودت... في الأفق, اختلط صوت الرياح في أذنيه بصوت أوراق تتناثر على الأرض وكلمة كادت تخرق مسامعه "فاشل"... أنامل مرتعشة تلملم أوراق البحث الذي سهر ليال يكمله ظنا منه أنه سيلقى التقدير والدعم الذي يستحقه وتذكر وقع خطوات شاردة حملته في برد الشتاء القارص إلى شاطئ بحرمدينته منذ سنوات...لم ينس أبدا ذلك اليوم وذلك المكان...كان كمرآة تعكس ما بداخله من حزن ...فقد كان يحمل أمنيات كبيرة... أحلاما نمت بداخله وعلت وارتفعت...وأمواج البحرتعلو وتندفع ولكنها تصطدم بالصخور فتنتهي قصتها أمام صلابتها.. تنتهي رحلتها التي بدأتها من بعيد ولكنها في النهاية تضيع وتموت ...قد تكون قوية عنيفة ولكنها في النهاية تصبح رذاذا لا قيمة له... لم يرفع عينيه ولو للحظة عن تلك الأمواج ...كان يتابع موتها الواحدة تلو الأخرى حتى ظهر خيال يقترب...
في هذا البرد القارص كان هناك من يشاركه المكان والزمان... رجل تقدم به العمر وأحنى ظهره, حمل بيد سلة فارغة وبيده الأخرى سنارة... اتجه الصياد العجوز إلى الصخور وأخذ يقفز ليصل إلى مكان مناسب وألقى سنارته بين بقايا الأمواج وظل ينتظر والرياح تهز جسده الضعيف الذي كان يقاومها بصعوبة... رجع ببصره إلى الأمواج تحت قدميه وهو على يقين أن العجوز سيرحل لا محالة...
ظل العجوز يغير مكان صيده ويتحرك من صخرة إلى أخرى وكأنه واثق من أنه سينال ما يسعى من أجله... ومرت الساعات ولم يمض إلا وسلته ممتلئة بالأسماك..
أخذته ذكرى ذلك اليوم إلى جانب مهجور في نفسه...لأول مرة منذ أن أتى إلى هذا البلد يتساءل لما أتى وما الذي جناه ؟
سأل رفيق صباه في صمت فوجد أن هذا المحيط الواسع ليس بصديقه القديم الذي كان يقضي أوقات اليأس ناظرا إليه ينسج أحلامه البعيدة ويراها كل يوم أبعد حتى ظن أنها وراء الأفق...علا صوته يسأل ذاك الأفق البعيد ظنا منه أنه لا يختلف في أي مكان على وجه الأرض... ولكنه فوجئ به مختلفا فما عاد يخفي المجهول وما عاد يحمل أمنيات المستقبل كما كان في الماضي....حتى أمواج بحرمدينته كان لها لحن عجزت أمواج المحيط التائهة عن عزفه فلصوتها نغمة حزينة وكأنها أنين غربتها بين الصخور.
نظر إلى ذلك الهاوي وهو يلقي بالأسماك إلى المياه وتذكر فرحة صياد مدينته بما جنى من أسماك سليمة طازجة...
فتسللت أنامله إلى جيبه وأخرج بطاقة هويته الثمينة ثم نظر إليها طويلا.. نظر إلى الدولة... الصورة ...الاسم ... السن... العنوان.. وكأنه ينظر إلى بيانات شخص آخر وملامح لا يعرفها ...وصوت أنين الأمواج يعلو ليملأ أذنيه, يختلط بأنين أحلام داخله ضلت وتاهت فارتعشت أنامله وسقطت من بينها البطاقة واستقرت على صخرة قريبة انحسرت عنها الأمواج في تلك اللحظة... فهم إلى الصخرة مسرعا ليلتقطها قبل أن تحملها الأمواج بعيدا ولكن شئ بداخله منعه... فتحجرت قدماه وأبت يده أن تتحرك وظل ينظر إليها حتى حملتها الأمواج بعيدا فتاهت عن أنظاره وغاصت في الأعماق.. هدأ صوت أنين الأمواج في أذنيه وأسرعت عيناه إلى الأفق الذي بدا مختلفا وكأنه يدعوه, حاملا شوقا وحنينا وذكريات.

تمت



أخر تعديل بواسطة مشرف منتدى الأدب والفنون ، 25-02-2007 الساعة 08:08 AM
  #7  
قديم 25-02-2007, 07:30 AM
مشرف منتدى الأدب والفنون مشرف منتدى الأدب والفنون غير موجود حالياً

إدارة المنتدى

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
المشاركات: 437
في رحلة البحث عنها


"في رحلة البحث عنك عانيت الكثير، تحملت تلك النظرة التي كنت أقرأها في عيون كل من حولي، تحملت تعجبات وتساؤلات......
لماذا لم يتزوج هذا الشاب حتى الآن؟ ما الذي يمنعه من الارتباط ؟ حتى إنه لم يتقدم لخطبة أي فتاة بعد!
الإجابة لن يفهمها أحد غيرك... كنت انتظرك... نعم انتظرك أنت... لا تتعجبي فأنا أشعر وكأنني رأيتك من قبل وتحدثت إليك كثيرا... أشعر بأنني لست في حاجة أن أقول لك شيئا ستفهمينني من جمل قليلة وستقرأين لغة العيون..."
سطر تلك الكلمات على أوراقه وألقى بقلمه عليها ثم رجع بظهره للوراء ساندا رأسه على كرسيه ناظرا إلى السماء، تلك اللوحة الربانية التي جمعت شمسا تحمل صيفا وحياة وسحبا بريئة لا تحمل من صفات الشتاء إلا لونا يلائمها، إن الصيف والشتاء لا يجتمعان في سماء واحدة إلا نادرا فنادرا ما يجد في السماء كل ما يتمناه ...
كان يتأمل روعة وكمال تلك الصورة محاولا أن يرسم ملامح كاملة لبطلة قصته الجديدة ولكن لمَ كانت صورتها تأبى أن ترسم هذه المرة؟ ربما لأنه ولأول مرة يشعر بأنه كبطل تلك القصة... بل إنه هو بطلها ! ألا يصفه الجميع بأنه الشاب الوسيم الهادئ, صاحب الموهبة الساحرة والقلم الذهبي , الصحفي اللامع والكاتب البارع العازف عن الزواج!!! والكل لا يفهم لمَ, فرغم كثرة أصدقائه كانوا جميعا لا يتفهمون شخصيته.
كم كانت محقة زميلته، سمعها صدفة تتحدث عنه دون أن تعلم بأنه يسمعها كانت تقول عنه أنه شخصية غريبة فريدة متقلبة، تارة هو كبركان ثائر بالحيوية والنشاط فيتبنى القضايا العامة ويخوض المعارك الصحفية بكل شغف وجراءة، وتارة هو كبحيرة هادئة تهجرها الأمواج يميل للعزلة والتأمل فيخرج بقصة رومانسية تسلب العقول وتجعل العالم سيمفونية من العشق تعزف فقط للقلوب ولا تدركها الآذان...
فكر كثيرا في تلك الفتاة ونظرتها له ، وتعجب أن رغم علمها بذلك كانت تتقرب منه وتتودد إليه ولكنه لم ير فيها بطلة قصته وإن وجد فيها كثيرا من ملامحها وصفاتها ... وفكر كم هو محظوظ بطل قصته أن يجد حلمه كاملا ويرى في فتاته كل ما تمناه...
كان على يقين أن زميلته تكن له حبا عميقا فكلما نظر في عينيها كان يعلم هذا جيدا ولكنها كانت أيضا قارئة ماهرة للعيون فكانت تقرأ في عينيه نظرات الهروب فتتفهم وتؤثر الانتظار، وقبل رحيله إلى هنا بيوم واحد أعطته مظروفا وتذكر الآن أنه لم ير ما به لأنه كان في عجلة من أمره فضاع بين الأوراق...
كان قد ترك كل شئ واتجه إلى هذا المكان البعيد الهادئ بجانب الشاطئ فهو يعلم أن البركان الثائر بداخله الآن قد هدأ وناداه صوت السكون بداخله ليهرب إلى هنا...
هبت رياح قوية في تلك اللحظة وأسقطت بعض أوراقه فتحرك ليلتقطها قبل أن تحملها الرياح بعيدا ... عطر خلاب كانت تحمله تلك الرياح جعله يتساءل من أين أتى... ثم رأى فتاة تسير وحيدة على الشاطئ وتعجب أن يقصد أحدٌ هذا المكان وقد بدأ الخريف يطرق أبوابه وهجرت الشواطئ وتعجب أكثر من هذا العشق الذي بدا أنها تكنه للأمواج في حين يرى الناس أن الشاطئ المهجور وبحر الخريف قبيحٌ ... ولكنه كان يشاركها هذا العشق فالكل نعته بالجنون لأنه قصد هذا المكان في ذلك الوقت من العام...
تملكه الفضول بشأن تلك الفتاة فتوجه إليها واقترب منها فشعرت به وألتفتت نحوه...
عجز عن الكلام من شدة انبهاره بهذا الجمال الذي لم ير في حياته مثيلا له!!
أهي فينوس الإغريقية ؟؟ أم شهرزاد الشرقية؟؟ عينان أعمق من هذا البحر أغرقت الكلمات والحروف فظل يتأملها في صمت كما يتأمل سماء الخريف الكاملة عشقه الأبدي..
فبدأت هي الحوار؛
-هي: ألست أنت ذلك الصحفي المعروف أم فقط تشبهه؟
-هو: نعم أنا هو... قالها وهو مسحور بتلك الأنغام الناعمة التي أبدعها صوتها بإتقان مذهل.
-هي: تعجبني جدا كتاباتك وآراءك وقصصك.
-هو: عجبا! لا يعرف الكثيرون أنني أكتب قصصا.
-هي: أنا أعلم!
-هو: لم يعد هناك من لايزال يقرأ القصص الرومانسية.
- هي ضاحكة :أنا أفعل!
-هو: لقد نصحني أحد أصدقائي بأن اتجه إلى كتابة القصة الواقعية.
- هي: أوليست قصصك واقعية؟
كان قلبه ينبض بداخله كما لم ينبض من قبل وكأنه يتكلم ويحدثه بصوت عال... يصرخ "وجدتها!! وجدتها!! إنها هي!!!!!"
هبت رياح فأخذت تعبث بخصلات شعرها وتخفي وجهها الرائع فأزاحتها برفق وأشارت إلى حيث كان يجلس قائلة "انتبه فالرياح تحمل أوراقك!!!"
أسرع إلى أوراقه وهو يحدثها بصوت عال :"لا ترحلي من هنا أرجوك سأذهب لأجمعها وسآت حالا."
فهزت رأسها بالموافقة مبتسمة.....
أخذ يلملم أوراقه بعد أن هدأت تلك الرياح التي حملت عطرها من الشاطئ و نادته وكانت قد أخذت بعض من أوراقه بعيدا... جمع ما وجده ورجع بخطوات مسرعة وهو يتذكر الجمل والكلمات التي تليق بتلك اللحظة:
"في رحلة البحث عنك عانيت الكثير... تحملت تلك النظرة التي كنت أقرأها في عيون كل من حولي... تحملت تعجبات وتساؤلات..."
حتى وصل إلي حيث كانا يتحدثان على الشاطئ ولكنه لم يجدها!! تلفت حوله فلم يجد أحدا!! فقط صوت الأمواج المندفعة وقلبه الذي ظل يخفق بقوة ويتساءل أين ذهبت كيف اختفت؟! يلومه ويعنفه.....
صرخ "ما قيمة تلك الأوراق التافهة لتضيعها منك؟؟" وألقى بأوراقه على الرمال فأخذت تتناثر وتطير مع هبات الرياح ....
ساعات مضت وهو يجوب الشاطئ كالمجنون، يبحث عنها وينادي عليها فلا يعرف بمَ ينادي ولكن لم يكن لها أي أثر...
جلس على الرمال من شدة اليأس والتعب وهو لا يكاد يصدق أنه قد لا يراها ثانية وأنه اللقاء الأول والأخير ونظر للسماء فوجد الشمس قد غطتها الغيوم فلم تعد السماء بنفس روعتها وكمالها، فأدار عينيه عنها ناظرا إلى الرمال وهو يكاد يشكو لحباتها حماقته... ندمه وحسرته... فلمح مظروفا ملقا بين أوراقه المتناثرة على الشاطئ، التقطه ونظر إليه وملامح التعب والندم لاتزال على وجهه فتذكر أنه المظروف الذي أعطته إياه زميلته قبل رحيله إلى هنا... لقد ظن أنه فقده! أخرج ما به ففوجئ بدعوة ... دعوة زفاف!!!
اختلطت ملامح التعب والندم على وجهه بملامح الذهول فاليوم تزف زميلته على صديقه الذي طالما ألح عليه ونصحه بأن يتجه إلى كتابة القصص الواقعية.
أخذ يتساءل من جديد : "ما قيمة تلك الأوراق التافهة لتضيعها منك؟" ظل يتساءل ويتساءل وأوراقه تتناثر على الشاطئ تحمل كلماته على كفوف الرياح...
"الإجابة لن يفهمها أحد غيرك... كنت انتظرك ... نعم انتظرك أنت, لا تتعجبي فأنا أشعر وكأنني رأيتك من قبل وتحدثت إليك كثيرا.. أشعر بأنني لست في حاجة أن أقول لك شيئا ستفهمينني من جمل قليلة وستقرأين لغة العيون..."

تمت


للتعليق على القصة

أخر تعديل بواسطة مشرف منتدى الأدب والفنون ، 25-02-2007 الساعة 08:12 AM
الموضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code هو متاح
الإبتسامات نعم متاح
[IMG] كود متاح
كود HTML معطل

الإنتقال السريع إلى:




 

تنبيه للاعضاء تود إدارة المنتدى ان تؤكد لكافة الاخوة الاعضاء بانه يمنع نشر أي مادة إعلامية تسيء للاديان أو تدعو للفرقة المذهبية او للتطرف ، كما يحظر نشر الاخبار المتعلقة بانشطة الارهاب بكافة اشكاله اوالدعوة لمساندته ودعمه، حيث ان ذلك يعتبر خروج صريح عن سياسة المنتدى ، كما قد يعرض المشارك الى المساءلة النظامية من الجهات الرسمية ذات العلاقة، شاكرين ومقدرين للجميع حسن التزامهم باهداف ومبادىء المنتدى.

 


كل الأوقات هي بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:04 PM.

المنتدى العام - منتدى الأدب والفنون -   مجلة الديفيدي -   منتـدي أدم و حــــ ، ـــواء -   منتدى الأذكياء -   أجندة الديفيدي المنتدى الاسلامي العام المكتبة الاٍسلامية منتدى الإذاعة والتليفزيون الإسلامى

منتدى الأغاني العربية - منتدى روابط عشّـاق المطربيـن منتدى الأغانى العالمية منتدى المسلسلات العالمية والعربية منتدى الفنون والمناقشات السينمائية منتدى ترجمة الأفلام والمسلسلات

منتدى بوليوود ( السينما الهندية ) - منتدى عالم الأنيمى والكارتون منتدى تحميل الأفلام العام منتدى تحميل الأفلام Torrent منتدى تحميل الأفلام بالروابط المباشرة منتدى تبادل الافلام

منتـدى البرامج والشروحات السينمائية - المنتدى الطبي المنتدي العلمي العام المنتدى الهندسي منتدي العلوم الفضائية و الكونية والفلكية منتـــدى التجـــارييــن منتدى الطبيعة والحياة البرية

منتدي المالتي ميديا العام - منتدي الصور والجرافيكس الخاص بالمصارعه الحرة منتدى روابط المصارعين منتدي الـ BitTorrent للمصارعة الحره منتدي المناقشات إستراحة مصارعة الدي في دي

منتدي كمال الاجسام وبناء العضلات - منتدي الرياضة العربية والعالمية منتدى الكرة المصري منتدي بطولات الكرة الاوروبية Uefa منتدى الملتيميديا العام منتدى الرياضات الاخرى

منتدى الهوايات العام - منتدى أسماك وطيور الزينة منتدى هواة تربية الحيوانات الأليفة منتدى عالم السيارات منتدى ألعاب الكمبيوتر منتدى تحميل الالعاب للكمبيوتر

 منتدى Consoles-PS2/3-XBoX360-Wii - منتدى تبادل الألعاب - منتدى البرامج منتدى برامج الحمايه والفايروول منتدى الهاكر مـــنتدى عــالم المــاسنجــر وخبــاياه منتدى خاص بشروح البرامج منتدى الصيانة وخدمة الأعضاء

منتدى الشبكات - منتدى خاص بالبرمجة منتدى تطوير المواقع و المنتديات منتدى الكتب الإلكترونية منتدى المالتيميديا و الجرافيكس العام منتدى الجوالات العام منتدى النوكيا

المنتدي الفضائي العام منتدى القنوات والشفرات منتدي كروت الساتلايت منتدى أجهزة الستلايت منتدى الشيرنج العام منتدى العرض منتدى الطلب منتدى الوظائف منتدى الاستشـارات القـانونية - البورصة المصرية


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.