التوسـط والإفـراط
في صحيفة الأهرام بعددها الرقيم " 40685 " الصادر يوم 18 / 4 / 1998م وفي الصفحة الثالثة والعشرين ـ العمود الأول ـ ورد خبر طبي مثير تحت عنوان :
" فيتامين سي زيادته تدمر الجينات ، وتتلف عضلة القلب "
وذكر المحرر الباحث أن هذه نتيجة بحوث فريق من العلماء من باحثي الكيمياء الباثولوجية بجامعة ليزيستر ببريطانيا في دراسة استغرقت ستة أسابيع على ثلاثين رجلا وامرأة من الأصحاء أعطوا فيتامين سي بجرعة خمسمائة ملليجرام في اليوم الواحد ، وتأدت نتائج الدراسة باختصار إلى ثبوت أن هذه الجرعة المعطاة تولد عنها تأثيران :
أحدهما مضاد للأكسدة " Antioxidant Effect " والآخر مؤكسد للحامض النووي
، كما ثبت للعلماء أيضا انه عند مستوى 500 مجم يوميا يقوم الفيتامين بمساعدة العناصر الحرة " Free Radicals " والمسماة بالشوارد الحرة بإحداث ضرر محقق لأجزاء من الحامض النووي وقواعد الأدينين .
والمحفوظ منذ عشرات السنين أن فيتامين سي يعمل على تقوية مناعة الجسم وصيانته من نزلات البرد، وتقوية وتدعيم الشعيرات الدموية، وكعامل مضاد للأكسدة، وتعويلا على هذه الخاصية فإنه يعمد إلى حماية القلب والشرايين من التأثير المدمر لعملية الأكسدة الخلوية التي تدمر الخلايا الحية تدميرا..
كما يفيد فيتامين سي في الوقاية من مرض السرطان وكثير من الأمراض المزمنة ولاسيما أمراض العيون.
ويعجب الكثير من الناس وتستولي عليهم الدهشة والغرابة واستهوال الأمر، إذ كيف يسوغ أن تتعارض البحوث الطبية بهذه الصورة المروعة إذ يهدم بعضها بعضا بمنتهى البساطة واللامبالاة.
عقيدة راسخة على مدار عشرات السنين تطيح بها في طرفة عين بحوث فريق محدود من العلماء في غضون بضعة أسابيع.
الواقع أن الذي يساور الناس من هذا المدخل أو من تلك المثابة لا صحة له إطلاقا، فإن هذه النتائج لم تنسخ ولم تهدر ما سبق الاعتقاد به أو الوصول إليه، ولكن الفهم الدقيق هو أن فيتامين سي يؤدي إلى المأمول والمرجو من النتائج الحسنة كمضاد للأكسدة وغير ذلك من المنافع ولكنه لا يكون ذلك منه إلا مع الجرعة المتوازنة العلاجية، فإذا ما زيد في هذه الجرعة ظهر التأثير الضار المناقض الهـــدام وهــذا مؤدى قوله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" ومفاده أن الإسراف في كل شيء مضر ولو كان هذا الشيء علاجا نافعا.
وقديما قال أبوقراط شيخ الأطباء: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع..
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".
والحمد لله رب العالمين.