الناس في هذه الأيام يشكون من قلة الرزق وعدم البركة وكثرة أعباء الحياة ومستلزماتها، وأصبحوا يطلبون الرزق وقد يتصارعون من أجله ولكنهم يجهلون حقائقه وينسون مفاتحه وأسبابه.
إن الله سبحانه وحده هو الرزاق:
قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )الذاريات58. و قال تعالى ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلاْبْصَـٰرَ) يونس:31. وقال سبحانه(وفى السماء رزقكم وما توعدون.فورب السماء و الأرض إنه لحق مثل ما أنتم تنطقون )الذاريات 22-23 .
قال الأصمعي: أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلدا سيفه وبيده قوسه فدنا وسلم وقال : ممن الرجل قلت من بني أصمع قال أنت أصمعي قلت نعم قال ومن أين أقبلت قلت من موضع يتلى فيه كلام الرحمن قال وللرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟ قلت نعم قال فاتل علي منه شيئا فقرأت ( والذاريات ذروا ) إلى قوله( وفي السماء رزقكم ) فقال : يا أصمعي حسبك ! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها وقال أعني على توزيعها ففرقناها على من أقبل وأدبر ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحل وولى نحو البادية وهو يقول ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فمقت نفسي ولمتها ثم حججت مع الرشيد فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر فسلم علي وأخذ بيدي وقال : اتل علي كلام الرحمن وأجلسني من وراء المقام فقرأت ( والذاريات) حتى وصلت إلى قوله تعالى( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) فقال الأعرابي لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا ,وقال وهل غير هذا, قلت نعم, يقول الله تبارك وتعالى ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) قال فصاح الأعرابي وقال يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين ؟ فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه (تفسير القرطبى)
الرزق لجميع خلق الله:
قال تعالى) وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ)هود6 . وقال تعالى (وَكَأَين مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحملُ رِزْقهَا اللهُ يَرزُقهَا وَإِيَّاكُم وَهُو السَّميعُ العَليمُ) العنكبوت 60.
و قد يعطي الله الفجار أكثر من الأبرار، وقد يرزق الكافرين أكثر من المسلمين: قال تعالى(وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر, قال وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ, وبئس المصير) البقرة126. وفى حديث عقبة بن عامر في المسند، وهو حديث صحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا، وهو قائم على معاصيه فليحذرْ فإنما هو استدراج) ثم تلا قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ) الأنعام44.
(والله فضل بعضكم على بعض في الرزق): النحل 71
وإذا كانت آيات أُخر قد أخبرت وأثبتت أن الرزق بيد الله سبحانه ومن الله، فإن هذه الآية قد جاءت لتقرر أمر التفاوت والتفاضل بين العباد، لأمر يريده الله، قد يكو ن ابتلاء واختبارًا وقد يكون غير ذلك. قال تعالى:( اللهَ يَبسطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَيَقدرُ إِنَّ فِي ذَلكَ لأَياتٍ لِّقومٍ يُؤمنُونَ) الروم 37 . وقال سبحانه (وَلَوْ بَسطَ اللهُ الرِّزقَ لِعباده لَبَغوا فِي الأَرضِ وَلَكِن يُنزِلُ بِقدَرٍ مَّا يَشاءُ إِنَّهُ بِعبادهِ خَبيرٌ بَصيرٌ) الشورى 27. وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ يَرزُقُ مَن يَشاءُ بِغيرِ حِسابٍ) آل عمران 37 .
ولذلك يقول الله تعالى منعا للحسد والضغينة (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)النساء 32 .
مفاتيح الرزق
ورغم أن الرزق مقدر عند الله فإن له أسبابا مذكورة في الكتاب و السنة
1- العمل:
إن الله تعالى إلى جانب أمره بالإيمان بأنه هو الرزَّاق , أمر الإنسان بالسعي لتحصيل هذا الرزق. قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبهَا وَكُلُوا مِن رِّزقِهِ) (الملك 15). وقال تعالى (فإِذَا قُضيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِروا فِي الأَرضِ وَابتَغُوا مِن فَضلِ اللهِ) (الجمعة 10).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ) رواه البخاري .
2-الاستغفار:
قال تعالى: ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً .يرسل السماء عليكم مدراراً .ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً). نوح:10-12
وقال تعالى عن نبيه هود (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين)هود52 .
3- التقوى:
قال الله تعالى:( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً .ويرزقه من حيث لا يحتسب) . وقال تبارك وتعالى: ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)
4- صلة الرحم:
روى الامام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أعجلَ الطاعة ثواباً لَصِلَةُ الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فَجَرة، فتنموَ أموالهم، ويكثر عددهم، إذا تواصلوا ) . حديث صحيح رواه الطبراني من حديث أبي بكرة
5- الإنفاق:
قال الله تعالى:(وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) سبأ 39 . وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله قال لى: (أنفق أنفق عليك) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدها: أللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا) رواه البخاري.
6- الإحسان إلى الضعفاء:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) رواه البخاري.
7- شكر الله تعالى:
قال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) فعلَّق سبحانه زيادة النعم على الشكر.
8- التوكل على الله حق التوكل:
روى الإمام أحمد والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطانا).
9- المتابعة بين الحج والعمرة:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد) رواه النسائي وغيره بسند صحيح.
10- المهاجرة في سبيل الله:
(وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلأرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) النساء:100
أدعية لِسَدَادِ الدَّيْنِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ بِإِذْنِ اللهِ
َقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَا مُعَاذُ أَلا أُعَلِّمُكَ دُعَاءً تَدْعُو بِهِ ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ مِثْلُ صبِيرٍ أَدَّاهُ اللهُ عَنْكَ ، فَادْعُ اللهَ ، يَا مُعَاذُ ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ في اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزِقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ , رَحْمنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرِحِيمَهُمَا تُعْطِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهَا وَتَمْنَعُ مَنْ تَشَاءُ ، ارْحَمْني رَحْمَةً تُغْنِيني بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ ) . أخرجه الطبراني عن معاذ رضي الله عنه
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالتَ : دَخَلَ عَلَىَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ : سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُعَاءً عَلَّمَنِيهِ ، فَقُلْتُ : مَا هُوَ ؟ قَالَ : كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ قَالَ : لَوْ كَانَ عَلى أَحَدِكُمْ جَبَلُ ذَهَبٍ دَيْناً فَدَعَا اللهَ بِذَلِكَ لَقَضَاهُ اللهُ عَنْهُ :(اللَّهُمَّ فَارِجَ الْهَمِّ ، كَاشِفَ الْغَمِّ ، مُجِيبَ دَعْوَةِ المُضطَرِّينَ ، رَحْمنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا أَنْتَ تَرْحَمُني فَارْحَمْنِي بِرَحْمَةٍ تُغْنِيني بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ ) أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد .





















عنوان الرابط المتبادل
حول الروابط المتبادلة










