قطعة من إيطاليا بوسط شبرا.. كان هذا انطباعي الأول بمجرد دخولي مدرسة دون بوسكو للتعليم الصناعي، فكل المدرسين إيطاليون.. اللوحات الإرشادية مكتوبة باللغة الإيطالية.. عمال يحيونك بنفس اللغة، مبان قديمة تحمل الطابع نفسه. "قابلت شخصا يقف بأحد الأركان في مدخل المدرسة، فتعرفت عليه لأسأله عن نظام المدرسة هو طالب بالصف الثالث، بدأ حديثه معي بقوله:
"والدي تعلم بها، وأنا الآن أدرس فيها".. جلست أتحدث معه بعدما عرفت أن مدير المدرسة يرفض إجراء أي حوارات، فدارت بيننا مناقشة استطعت من خلالها التعرف على المدرسة التي سمعت عنها من د. سيد دسوقي الرئيس السابق لقسم هندسة الطيران بجامعة القاهرة.
فهي ليست مدرسة تعليم صناعي بالتعاون مع إيطاليا فحسب بل هي، كلية للهندسة تعمل بنظام الفصل التخيلي لخريجي المدرسة ليحصلوا على بكالوريوس الهندسة بشهادة معتمدة من إيطاليا، كذلك هي مركز للتدريب المهني الحر في عدد كبير من التخصصات.
وبمجرد أن يعلم الطالب بقبوله في دون بوسكو أو معهد الساليزيان عليه التوجه سريعا للمدرسة حتى يحصل على دورات تعلم اللغة الإيطالية ليتمكن من متابعة دروسه كلها بالإيطالية ماعدا مادتي اللغة العربية، والتربية الدينية التي تحرص المدرسة على الاهتمام بها لتقويم سلوك الطلاب في هذه السن الحرجة سواء كان هؤلاء الطلاب مسلمين أو مسيحيين.
"لا نمتحن في نهاية العام".. هكذا رد علي عندما كنت أسأله عن طبيعة الامتحانات فنظام التقويم دوري لا يخلو يوم من امتحان، وتتراكم الدرجات على مدار العام مكونة المجموع، "ماعدا اللغة العربية نمتحنها تبع وزارة التعليم المصرية بنهاية العام".
تدريب ووظيفة ونظام
"المدرسة لا تغلق أبوابها صيفا أو شتاء".. بهذه المقولة عبرت لي السكرتيرة عن حالة النشاط المستمرة بالمدرسة، فمن حواري معها علمت أن العمل بالمدرسة جار طوال العام حتى في فصل الصيف حيث الدورات التدريبية سواء للطلبة أو لمن هم من خارج المدرسة، فالمعهد يقدم دورات في تركيبات الكهرباء، والتحكم الآلي، إضافة إلى ميكانيكا السيارات، والخراطة، ولف المحركات الكهربائية، وصيانة الغسالات الفول أتوماتيك، كما يقدم دورات في الرسم الفني بالكمبيوتر "أوتوكاد"، والتبريد والتكييف، واللحام بالكهرباء والأكسجين، والخراطة، هذا كله بالإضافة لدورات اللغة الإيطالية.
وتضيف السكرتيرة أن المدرسة تعمل بنظامي السنوات الثلاث والخمس، ويتيح مكتب التوظيف بالمعهد تأمين فرص عمل لطلاب المعهد، حيث يرتبط المعهد بعلاقات مباشرة مع الشركات والمؤسسات العاملة بنفس المجال سواء مصرية أو أجنبية.
تأسست في مصر عام 1926، وتقبل الطلبة الحاصلين على الشهادة الأعدادية بمجموع يفوق المجموع الذي تقبله مدارس الثانوي العام، كما تبلغ مصروفاتها مابين 3-5 آلف جنيه مصري.
نظام غير معهود
وبعد أن أنهيت حديثي مع السكرتيرة توجهت لحارس الأمن بالمدرسة كي أتعرف منه على طبيعة المشكلات التي تحدث في المدرسة بين الطلبة، فالمعهود عن المدارس الصناعية للبنين بمصر أن المستوى الأخلاقي بها غير جيد، فعادة ما يكثر بها المشاجرات، فرد عليّ متعجبا من حديثي وقال لي: "انظري لفناء المدرسة لتتعرفي على طبيعة النظام هنا".. فإذا بي أجد بعد انتهاء فترة الراحة يصف الطلاب أنفسهم في صفوف بدون أي مشرف ويصعدون صفا صفا لأماكنهم.
وأضاف: "السجائر هنا ممنوعة، ولم أصادف منذ أن عملت بالمدرسة من 3 سنوات حادثة هروب واحدة، فالمدرسة تتيح للطلبة في فترات الراحة لعب الكرة في الفناء والدخول للسينما فلماذا يهربون؟".
حينها عرفت أن النظرة الدونية التي تنظر بها مجتمعاتنا لهذا النوع من التعليم ربما تختلف بعد أن يطبق مثل هذا الأسلوب في مدارسنا، وهو ما يؤهل جيلا من المهنيين على معرفة متخصصة تعتمد على التدريب المتواصل، ولديه قدر كبير من الثقافة العامة تسهم في تكوين شخص مهني يستطيع مجاراة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب كونه صانعا وتقنيا.
منقول
moheb the lord