مشاهدة النسخة كاملة : هذا هو الحبيب
tahaali
26-11-2008, 03:23 AM
سيد المتواضعين
عُرف صلى الله عليه وسلم منذ صغره بالتواضع بين الناس، في أقواله وافعاله، حيث أدرك عليه الصلاة والسلام ان العزة والرفعة في الدنيا والآخرة في التواضع، فلما أتم الله عليه النعمة، وأنزل عليه وحيه ازداد تواضعا وعزا، ثم سطر للأمة قيم التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، وفي صورة عملية مشرقة، فنراه كما تحكي عائشة رضي الله عنها: “يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويقم بيته وكان في خدمة أهله”.
ونراه مرة أخرى يقف للعجوز حتى يقضي لها حاجتها، ويقف للصغير حتى يسمع منه شكواه، ويلبي له مطالبه، ويقوم للفقير والضعيف حتى يوفي حقوقه، ممتثلا أمر ربه “واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين”.
ونراه مرة ثالثة يتلقى الوحي من السماء براحة واطمئنان، وربه تعالى يقول: “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” ويقول: “واقصد في مشيك واغضض من صوتك” ويقول: “ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا”.
فيخرج صلى الله عليه وسلم على أصحابه يقول: “إن الله اوحى الي ان تواضعوا حتى لا يفخر احد على احد ولا يبغي احد على احد”.
لأنه قد علم ان التواضع يكسب السلامة، ويورث الألفة، ويرفع الحقد ليتعلم المسلم كيف يتواضع للناس من حوله فيقول في حق الكبير: سبقني الى الاسلام، وفي حق الصغير: سبقته الى الذنوب، أما القرين فيتخذه أخا ولا يتكبر عليه.
كلكم لآدم
وفي مسند الامام احمد من حديث بشر بن جحاش القرشي رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما على اصحابه فبصق في كفه ثم قال: “إن الله عز وجل يقول: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه واشار الى كفه فلما سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض متك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى اذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة”.
فعلى أي شيء يتكبر الانسان، وقد كان أوله نطفة، وآخره مذرة وهو يحمل بين ذلك العذرة، فينبغي له ان يؤدب نفسه ويعودها التواضع، ويناجي نفسه ويقول لها: يا نفس إنك لا شيء ولا منك شيء ولا إليك شيء وإن يمدح فيك شيء فإنما يمدح فيك جميل ستر ربي عليك، ولو كشف الله ستري، وفضح امري، لنفر مني الدواب التي تمشي على الارض، ولكنه الستير الذي يحب الستر.
ولذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عن وهو أمير المؤمنين يحمل الماعز على كتفيه ويقول: حدثتني نفسي أني عمر فأردت ان أؤدبها.
وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله لولده وقد اشترى خاتما بألف دينار: “اكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه”.
فإذا حدثتك نفسك ايها المسلم باحتقار احد من المؤمنين وازدراء أحد من عباد رب العالمين. فأدب النفس وقل لها: يا نفس إني سمعت ربي تعالى يقول: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، إني سمعت حبيبي صلى الله عليه وسلم يقول: كما في صحيح مسلم من حديث ابي هريرة رضي الله عنه: “ان الله لا ينظر الى صوركم ولا اجسامكم، ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم”.
ويقول كما في مسند احمد: “كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على اعجمي ولا اعجمي على عربي، ولا احمر على أسود، ولا أسود على أحمر الا بالتقوى”.
ويقول كما عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ايضا: “رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره”.
من أنا؟
إذا حدثتك نفسك أيها المسلم ان تخطئ الناس من حولك، وربما تفسقهم أو تكفرهم لأنك ترى لنفسك فضلا وشرفا عليهم ولسان حالك يقول: أنا العالم وأنتم الجاهلون، أنا الصادق وأنتم الكاذبون، أنا الأمين وأنتم الخائنون، أنا المصيب وأنتم المخطئون.
فقل لها: يا نفس من أنا حتى افسق الناس واتكبر عليهم؟ ألست صاحبة كذا في العيوب؟ ألست صاحبة كذا من الذنوب؟ من كان بيته من زجاج فلا يلقِ الحجارة على بيوت الآخرين.
فقد يكون المملوك خيرا من مالكه واقرب إلى الله، وقد يكون المرؤوس خيرا من رئيسه، وقد يكون العامل في شركة أو هيئة خيرا من صاحبها، وقد يكون العامل في المستشفى أو المدرسة خيرا من مديرها، وقد يكون الخادم خيرا من مخدومه، وقد تكون من رزقت البنات أو العقيم خيرا وأفضل عند الله من أم البنين.
قال صلى الله عليه وسلم: “ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، واذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته” والحكمة: حديدة اللجام تكون في انف الفرس دليل الاعزاز.
ثم يبين صلى الله عليه وسلم مظاهر الكبر بقوله: “الكبر بطر الحق وغمط الناس” فقبول النصح ممن هو أدنى منك دليل تواضعك، وعدم سخريتك من الناس دليل ايضا على تواضعك، وتبرؤك من أول المتكبرين في الأرض ابليس حيث قال: “أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين”. وكان أول من دعا الى العنصرية، وأول من قاس قياسا فاسدا.
tahaali
26-11-2008, 03:25 AM
الغضب هو غليان دم القلب طلباً لدفع الأذى عند خشية وقوعه، أو طلباً للانتقام ممن حصل منه الأذى بعد وقوعه.
إنه قوة أودعها الله تعالى في الإنسان تجعله يثور من باطنه فتحمله على الدفاع عما يحبه من الأغراض، وتدفعه إلى البطش بكل ما يؤذيه، فإذا اعتدى عليه معتد، أو حيل بينه وبين غرض من أغراضه ثارت قوته فغلى دمه، وانتفخت أوداجه.
فهو مدخل من مداخل الشيطان إلى قلب الإنسان، وهو غول العقل، وإذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان، وإذا هجم الشيطان عليه وهو كذلك لعب به كما يلعب الصبي بالكرة.
مفهوم خاطئ
ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم يطرح على أصحابه سؤالاً وهو يعرف الجواب عنه، لكنه أراد أن يُغير المفاهيم، ويصحح الأمور، فيقول لهم كما روى ابن مسعود رضي الله عنه : “ما تعدون الصرعة فيكم؟، قالوا: الذي لا يصرعه الرجال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس ذلك، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب”، (رواه مسلم).
ولقد كان هذا المفهوم الخاطئ سائداً بين العرب في جاهليتهم، وبه كان المعيار الذي يخفض ويرفع، وتسمو به المنزلة، ويحتل به الإنسان من القلوب كل تقدير واحترام، ومن هنا ذم الله تعالى ما تظاهروا به من الحميَّة الصادرة عن الغضب الباطل، ومدح المؤمنين بإنزال السكينة عليهم، فقال سبحانه: “إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله، وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها”، لذلك غيَّر الرسول صلى الله عليه وسلم المفاهيم، وصححها، ووضح لهم الحقيقة التي تتبين بها أقدار الرجال، وهي السكينة والحلم والوقار.
إنها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء رضي الله عنه ولنا من بعده، قال: قلت:
يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، ولا تكثر عليَّ، قال: “لا تغضب” (رواه البخاري).
لقد كان بحق الطبيب الذي يحسن تشخيص الداء ووصف الدواء، فهذا يأتي إليه ويطلب منه الوصية فيقول له:
“اتق الله”، وآخر يطلب الوصية فيقول له: “لا تغضب” وكلها وصايا حكيمة تخرج من قلب نبعت فيه الحكمة، ولسان فاض بالفصاحة والبيان.
بل اسمعوا إليه صلى الله عليه وسلم، وهو يبين أن الغضب من الشيطان، وذلك لما غضبت عائشة رضي الله عنها فقال لها: “مالك جاءك شيطانك” فقالت: يا رسول الله، ومالك شيطان؟ قال: “بلى ولكني دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير” (رواه مسلم).
الطبيعة الإنسانية
والإنسان بطبيعته الفطرية غضوب لا يملك نفسه، ولا يستطيع أن يحبسها عن الشهوات إلا من رحم الله تعالى.
فعن انس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لما صور الله آدم في الجنة تركه، ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك” (رواه مسلم).
قال تعالى: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين”، وقال سبحانه: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً”، أما حبيبنا صلى الله عليه وسلم، فكان لا يغضب إلا في الحق وللحق، لا يغضب للدنيا، ولا لنفسه، لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله عز وجل.
وفي الحديث الذي رواه مسلم - أنه صلى الله عليه وسلم كان يغضب حتى تحمر وجنتاه، فيقول: “اللهم أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر، فأيما مسلم سببته أو لعنته أو ضربته فاجعلها مني صلاة عليه، وزكاة وقربة تقربه إليك يوم القيامة”. (رواه مسلم)
في يوم من الأيام يسأله عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما - ويقول له: (يا رسول الله، أأكتب عنك كل ما تقول، في الغضب والرضا؟ فقال: اكتب فوالذي بعثني بالحق لا يخرج منه إلا حق - وأشار إلى لسانه - (رواه مسلم).
هكذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم الأمة كيف تكظم غيظها وتعفو عن الناس، وأن الغضب غير مطلوب إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله تعالى، وله شروط وصفات وضوابط بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم.
درس في الإحسان
ولننظر أيها المسلمون: كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع من أخطأ في شخصه، وكيف كظم غيظه، وحلم عليه، ولم يقابل الإساءة بالإساءة بل قابلها بالإحسان.
جاء أعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم في المسجد بين أصحابه، فقال: أعطني من هذا المال، فليس المال مالك، ولا مال أبيك، فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كفوا.
ثم قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئاً، ثم قال له: “أحسنت إليك؟” فقال الأعرابي:
لا ولا أجملت فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا.ثم قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئاً، ثم قال له: “أحسنت إليك؟” قال: نعم، وجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم، إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن احببت فقل بين أيديهم
ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم مما فيها عليك. قال الأعرابي: نعم.
فلما كان الغداة أو العشي جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه فزعم أنه رضي، أكذلك؟” قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليها، فاتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها هوناً هوناً حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليها”.
وعن جابر - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبض للناس يوم خيبر من فضة في ثوب بلال بن رباح - رضي الله عنه - فقال له رجل: يا رسول الله، أعدل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ فقد خبت إذن وخسرتُ إن كنت لا أعدل) فقام عمر وقال: ألا أضرب عنقه فإنه منافق؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم، (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي”. (رواه مسلم).
تحذير إلهي
الله أكبر.. هذا هو القدوة الطيبة والأسوة الحسنة، لم يغضب لنفسه، ولم يحمر وجهه، ولم تنتفخ أوداجه، وإنما قدر فعفا وغفر. ولأن آثار الغضب وبيلة، وعواقبه وخيمة ومنها: تمزيق الوحدة، وتفريق الجمع، وبث روح العداوة والبغضاء بين الناس، وإشاعة روح التدابر والتقاطع والتباغض في المجتمع، فقد حذر الله سبحانه من التنازع والغضب، فقال جل وعلا:
“ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين”.
ولقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنجع علاج ودواء للغضب، ففي الصحيحين عن سليمان بن صرد قال:استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إني أعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرحيم”.
ومن علاجه أيضاً: السكوت، والجلوس من قيام، والوضوء وغير ذلك، أما جائزة وثواب من كظم غيظه وتحكم في غضبه وهو قادر عليه فهي كما قال صلى الله عليه وسلم: “من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور العين شاء”.
فغضب باعتدال بلا تفريط ولا إفراط هو الغضب المشروع، لدفع الشر عن النفس أو المال أو الدين، ولنصرة المظلومين، وإعانة الملهوفين وليقف الناس عند حدود رب العالمين.
tahaali
26-11-2008, 03:26 AM
الحياء كله
--------------------------------------------------------------------------------
إن الحياء خلق فاضل فاقده لا خير فيه، إذ هو من الايمان، وهو خير كله، وحقيقته: أنه تغير يسبب الخوف مما يكره قوله أو فعله، أو يذم عليه. ويظهر أثره في احمرار الوجه، وترك ما يخشى معه الذم والملامة وهو في المرأة بمنزلة الشجاعة في الرجل، أي: كما ان الشجاعة محمودة في الرجل أكثر ما هي محمودة في المرأة، فكذلك الحياء هو في المرأة محمود أكثر مما هو في الرجل.
وعن هذا الخلق الفاضل الكريم، قال رسول الهدى ومصباح الدجى صلى الله عليه وسلم “الحياء من الايمان”، وقال: “الحياء كله خير”، وقال: “الحياء لا يأتي إلا بخير”، وقال: “الحياء شعبة من الايمان”، وقال: “الحياء هو الدين كله”. وكلها أحاديث صحيحة.
شهادة من الله
وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف يكون الحياء، فيقول لأصحابه يوماً: “استحيوا من الله حق الحياء”. قالوا: كلنا نستحيي من الله يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم “لا، ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وان تذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحيا”.
ولق شهد له ربه بعظيم حيائه صلى الله عليه وسلم وبين ذلك في كتاب فقال المولى جل جلاله وتقدست أسماؤه: “إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحيي من الحق”.
فهذه شهادة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالحياء وكفى بها شهادة فلقد كان يستحيي من أصحابه حين يقومون بزيارته ومجالسته في أوقات كثيرة، يستحيي أن يقوم ويتركهم، أو أن يعتذر منهم، فأنزل الله هذه الآية ليعلم الصحابة والمسلمين من بعدهم
أنه صلى الله عليه وسلم كان يتصف بنوع من أعظم أنواع الحياء: ألا وهو حياء الكرم.
فمن اتصف بهذه الصفة بيننا فينبغي لنا أن نتقي الله فيه، ولا نحمله ما لا يطيق، ولا نأخذ من وقته ولا من جهده ولا من ماله بسيف الحياء.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من البكر في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه”. وهذا هو الحياء الغريزي الجبلي الفطري الذي فطره الله عليه.
توجيه النصيحة
وكان صلى الله عليه وسلم حيياً حتى في توجيه وصاياه ونصائحه وتعاليمه للأمة حيث يرعى مشاعر الناس، ويحافظ على حيائهم.
تقول عائشة رضي الله عنها: “كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه من أحد ما يكره لم يقل: ما بال فلان يقول كذا؟ ولكن يقول: “ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا؟”.وانني أؤكد على هذه المعاني العظيمة، لأن بعض الناس يظن أن من الشجاعة أن يواجه الناس بكل أخطائهم دون مراعاة لمشاعرهم، ودون الحياء معهم فتتحول النصيحة منه إلى فضيحة، فلا تقبل نصيحته، ولا يعمل بوصيته. وبعضهم يقول: إذا سكت على الخطأ حياء كان حياء مذموماً، وهذا صحيح، ولكني أذكر فأقول: نبينا صلى الله عليه وسلم لم يطالبنا
بالسكوت عن الخطأ، ولكن علمنا كيف نصحح أخطاء الناس من حولنا بأسلوب يفهمه الناس، ويستوعبون به الدرس.
إن الحياء خلق عظيم ينبغي للمسلم ألا يتخلى عنه، حتى في خلائه، وأثناء قضاء حاجته، فلا يتعرى من ثيابه حتى يدنو من الأرض كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
يقول أبو بكر رضي الله عنه: “إني لأدخل لأقضي حاجتي فأضع ثوبي على وجهي حياء من ربي”.
ولماقال الصحابة: يا رسول الله أرأيت الرجل في الخلاء؟! قال عليه الصلاة والسلام: “إن الله أحق أن يستحيا منه”.
وان من شدة حيائه صلى الله عليه وسلم لا يثبت بصره في وجه أحد، وفي يوم مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يعاتب أخاه في الحياء كأنه يقول له: إن الناس يستغلون حياءك، فيحملونك فوق طاقتك، ويأخذون من مالك ومن وقتك، وهذا نسمعه كثيراً ممن حولنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “دعه، فإن الحياء هو الدين كله”.
وقال صلى الله عليه وسلم: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء”.
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
الحياء من الخالق
يقول مالك بن دينار عليه رحمة العزيز الغفار: “ما عاقب الله قلباً أشد من أن يسلب منه الحياء”.
وذلك لأن قلباً بلا حياء، يجر صاحبه إلى فعل كل منكر وبلاء ووباء، لأن الحياء شعبة من شعب الايمان، وينبغي أن يستحيي المسلم من أن يراه الله على معصية، كما كان حال آدم عليه السلام، لما أكل من الشجرة التي نهي عن الأكل منها فقد راح يتخفى خلف أشجار الجنة ونخيلها، فناداه ربه تعالى بقوله: “أفراراً مني يا آدم”؟ فقال آدم: “بل حياء منك يا رب”.
فالحياء من الله ألا يراك حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك. الحياء من الله أن يشعر المسلم دائماً بالتقصير في حق الله وفي عبادته، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين كانت أقدامه بين يدي الله تتورم، فلما قيل له في هذا قال: “أفلا أكون عبداً شكوراً” وهكذا هو حال الملائكة يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم يرى كل انسان عمله أمامه، وتسأل الكائنات ربها السلامة ويتساقط جلد الوجوه حياء من الله جل وعلا، وتقول الملائكة: “ربنا ما عبدناك حق عبادتك، وما أطعناك حق طاعتك، شعور بالتقصير دائماً دون الوصول إلى مرحلة اليأس وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يفرط في توجيه الناس وتعليمهم بحجة الحياء، فلقد جاءت إليه أم سليم
رضى الله عنها فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ وكانت أم سلمة رضي الله عنها، حاضرة، فغطت وجهها وقالت: تربت يمينك، فضحت النساء، وعائشة رضي الله عنها تقول: دعيها تسأل: فقال النبي صلى الله عليه وسلم
“نعم إذا رأت الماء” فقالت ام سلمة رضي لله عنها: “أو تحتلم المرأة يا رسول الله؟ قال: ففيم يشبهها ولدها”.
فتأمل أيها المسلم: كيف منع أم سليم حياؤها الغريزي من السؤال، لكنها قدمت الحياء الشرعي وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنكرت عليها أم سلمة إلا بسبب شدة الحياء، ثم انظر وتأمل، كيف كان رد النبي صلى الله عليه وسلم مختصراً ومباشراً ليحافظ على حيائها.
وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تستحيي من جبريل عليه السلام إذا تنزل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها، فكانت تضع خمارها فوق رأسها، بل استحت من عمر رضي الله عنه وهو مدفون في قبره في بيتها فوضعت ستاراً وحاجباً بينها وبين مكان القبور الثلاثة.
tahaali
26-11-2008, 03:28 AM
سيد الشاكرين
--------------------------------------------------------------------------------
حقيقة الشكر في العبودية هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً. وعلى قلبه: شهوداً ومحبة.
وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة.
والشكر مبني على خمس قواعد:خضوع الشاكر للمشكور.وحبه له.واعترافه بنعمته.وثناؤه عليه بها.وألا يستعملها فيما يكره.
قال تعالى: “فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون” (البقرة/152).
والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان فلم ينقلبوا على أعقابهم. وكان سيدهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)،
الذي شكر الله عز وجل شكراً لم يشكره أحد من قبله، ولن يشكره أحد من بعده.
ففي الصحيحين من حديث عائشة (رضي الله عنها) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قام حتى تفطرت قدماه،
فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: “أفلا أكون عبداً شكوراً؟”.
وعن معاذ بن جبل (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال له: “والله إني لأحبك فلا تنس أن ت
قول في دبر كل صلاة: “اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” (رواه أحمد وغيره وصححه الألباني).
نِعم لا تحصى
كان (صلى الله عليه وسلم) عميق الاحساس بما لله عليه من فضل عميم، وإحسان عظيم، ونعم تحيط به عن يمينه وعن شماله،
ومن بين يديه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، إنه يشعر بنعمة الله عليه منذ كان في المهد صبياً، بل منذ كان في بطن أمه جنيناً،
وصبياً وليداً لا سن له تقطع، ولا يد له تبطش، ولا قدم له تسعى. فأجرى الله له عرقين رقيقين في صدر أمه يجريان لبناً
خالصاً كامل الغذاء، دافئاً في الشتاء، بارداً في الصيف.
كان (صلى الله عليه وسلم) يشعر بنعمة الله عليه في كل شيء حوله، ويرى في كل ذرة في الأرض أو في السماء منحة من الله له،
تيسر له معيشته، وتعينه على القيام برسالته في الحياة. إنه يرى نعمة الله في هبة الريح، وسير السحاب، وتفجر الأنهار، وبزوغ الشمس،
وطلوع الفجر، وضياء النهار، وظلال الليل، وتسخير الدواب، وانبات النبات.
قال تعالى: “ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة” (لقمان/20).
بل عاش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شاكراً لله على نعمة الرسالة، ونعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
ففي صحيح مسلم عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: “إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها).
فكان الجزاء وفاقاً، وكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى: “ورضوان من الله أكبر” في مقابلة شكره بالحمد.
ولننظر اليه (صلى الله عليه وسلم) وهو يحدّث بنعمة اله عليه، ويحثنا على التحدث بنعمة الله تعالى علينا، لأن ذلك من أصول الشكر لله عز وجل.
ففي صحيح البخاري معلقاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة
ولا سرف، فإن اللهيحب أن يرى أثر نعمته على عبده”.
وذكر شعبة عن أبي اسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: “أتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا قشف الهيئة، فقال:
“هل لك من مال؟” قال: قلت: نعم. قال: “من أي المال؟”. قلت: من كل المال، قد آتاني الله من الابل والخيل والرقيق
والغنم، قال: “فإذا آتاك الله مالاً فليرى عليك”. (أخرجه أحمد).
واذا كان الشكر بالقلب واللسان والجوارح، فقد كان (صلى الله عليه وسلم) يشكر ربه بقلبه وبلسانه وجوارحه وكل ما يملك.
كان اذا أكل أو شرب قال: “الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً”. (رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني).
وعند أحمد: كان اذا قُدم إليه طعام قال: “بسم الله، فإذا فرغ، قال: اللهم إنك أطعمت وسقيت، وأغينت وأقنيت، هديت وأجتبيت،
اللهم فلكَ الحمد على ما أعطيت”.
قلب شاكر ولسان ذاكر
وعن عائشة (رضي الله عنها): “كان اذا أتاه الأمر يسره قال: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات”، واذا أتاه الأمر يكرهه قال:
“الحمد لله على كل حال”. (رواه الحاكم وصححه الألباني).
وعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: “كان اذا استجد ثوباً سماه قميصاً أو عمامة أو رداء، ثم يقول:
“اللهم لك الحمد، أنت كسوتنيه، أسألك من خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره، وشر ما صنع له” (رواه أحمد وغيره وصححه الألباني).
وعن عبدالله بن جعفر (رضي الله عنه): “وكان اذا عطس حمد الله فقال له: يرحمك الله فيقول: يهديكم ويصلح بالكم” (رواه أحمد وغيره).
وفي صحيح مسلم عن أنس (رضي الله عنه): وكان اذا أوى الى فراشه قال: “الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا”.
وعن عائشة (رضي الله عنها): “وكان لا يقوم من مجلس إلا قال: سبحانك اللهم ربي وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، قال:
لا يقولهن أحد حيث يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس”. (رواه الحاكم وصححه الألباني).
وعن ابن عمر (رضي الله عنه): وكان اذا قفل من غزو، أو حج، أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض، (ثلاث تكبيرات)، ثم يقول:
“لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده،
ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده”. (أخرجه البخاري ومسلم).
وعن ثوبان (رضي الله عنه) قال: قال (صلى الله عليه وسلم): “ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة تعينه على أمر
الآخرة” (رواه أحمد وغيره وصححه الألباني).
ولم ينس حبيبنا (صلى الله عليه وسلم): أن يحثنا على شكر الله عز وجل في الصباح وفي المساء، فيقول (صلى الله عليه وسلم):
“من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، إلا أدى شكر هذا اليوم” (حديث حسن).
ولأن الإنسان لا يعرف قدر النعمة إلا بعد زوالها كان الحبيب (صلى الله عليه وسلم) يدعو فيقول: “اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك،
وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك”.
tahaali
26-11-2008, 03:29 AM
سيد الزاهدين
--------------------------------------------------------------------------------
عرض الله سبحانه الدنيا، وعرض مفاتيح كنوزها على أحب الخلق إليه وأكرمهم عليه، عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يردها ولم يخترها،
ولو آثرها وأرادها، لكان أشكر الخلق بما أخذه منها، بل اختار التقلل منها وصبر على شدة العيش بها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه.
فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى،
وما والاه وعالماً ومتعلماً” (رواه الترمذي وقال حديث حسن) وذلك لأن في تقلبات الدنيا دروساً وعبرا وآيات لمن تأمل ونظر أفراح وأتراح، وسرور
وأحزان، وتعازٍ وتهان، فبينما النفس تهيم في الأماني إذ هجم عليها الموت فأصبحت كأنها لم تكن، فالدنيا عمرها قصير، وخطرها يسير، وشأنها حقير والدنيا
كلما حلت أوحلت، وكلما جلت أوجلت، وكلما كست أوكست وكم من ملك فيها نصبت له علامات، فلما علامات.
وفي الحديث الذي رواه الترمذي بسند صحيح عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
“لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقي كافراً منها شربة ماء”.
وعنه أيضاً قال: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال:
“ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس” (اخرجه ابن ماجة بسند صحيح).
يا عائشة رديه
فانظر يا رعاك الله إلى زهده صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة الدنيا وهو من هو؟ هو حبيب الله وخليله، وهو من إذا سأل ربه أن يحول التراب
بين يديه إلى ذهب وفضة لما رد الله دعاءه، ولما خيب رجاءه.ومع ذلك اختار الآخرة، وزهد في هذه الحياة الدنيا، فكان يربط الحجر على بطنه من
شدة الجوع، ولا توقد في بيوته نار لطهي الطعام أياماً وشهوراً، وكان ينام على الحصير حتى يؤثر الحصير في جنبه.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: “دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها،
فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ما هذا؟” فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت
فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: “رديه”. فلم أرده ، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فقال :
“يا عائشة رديه، والله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة”. (رواه أحمد بسند صحيح).
وعن عائشة رضي الله عنها أيضاً قالت:“ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض” (أخرجه البخاري ومسلم).
لنا الآخرة ولهم الدنيا
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو كان لي مثل أحد ذهباً لسرني أن لا تمر عليّ ثلاث ليال وعندي منه
شيء إلا شيء أرصده لدين” (أخرجه البخاري ومسلم).
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً فقال:
“ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها” (رواه الترمذي بسند صحيح).
وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
على حصير، قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ في ناحية الغرفة، وإذا إهاب
معلق فابتدرت عيناي فقال: “ما يبكيك يا ابن الخطاب؟” فقال: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى،
وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك. قال: “يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا”.
درع مرهونة و6 دراهم
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما
فقال: “ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟” قالا: الجوع يا رسول الله. قال: “وأنا، والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوما”.
فقاما معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحباً وأهلاً.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أين فلان؟” قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال:
الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إياك والحلوب”
فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: “والذي نفسي بيده لتسألن
عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم”.
ولا عجب ولا غرابة أن يكون بعض اللحم واللبن والشعير بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيماً يسأل الناس عنه يوم القيامة.
ولم لا يكون كذلك وهو الذي طبق الزهد تطبيقاً عملياً واقعياً؟ لم لا يكون كذلك ولم يكن له من قوت في غالب حياته سوى الأسودين؟ فعن عمروة أنه سمع عائشة رضي الله عنها تقول:
“كان يمر بنا هلال وهلال وما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قالت: قلت يا خالة، فعلى أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت:
على الأسودين (التمر والماء)” (رواه أحمد).
لقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، ومات وليس في جيبه ولا في بيته إلا ستة دراهم، أمر عائشة أن تتصدق بها.
فأعطاه الله تعالى الرضا وأعطاه الوسيلة وشفعه في أمته. فنعم النبي الزاهد هو، ونعم الحبيب الذي لم تغره طيبات الدنيا.
tahaali
26-11-2008, 03:31 AM
مُؤدِّب ومُعلِّم
--------------------------------------------------------------------------------
نظر النبي صلى الله عليه وسلم الى بيوت الناس ومساكنهم فأولاها رعاية واهتماماً، وجعل لها حرمة لتكون لأصحابها أمناً وأماناً وسلاماً. وعلمنا أن البيوت نعمة من نعم الله علينا، وأن تمام هذه النعمة صيانة البيوت وحفظها، والعناية بها وعدم إهمالها، ومراعاة حرمتها ومشاعر أهلها.
فاسمعوا إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول يوم فتح مكة: “ومن دخل بيته فهو آمن” وإلى قوله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها”.
وفي صحيح مسلم: (جاء رجل يسأل عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ألسنا من فقراء المهاجرين أي من الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة فقال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، فقال: ألك زوج تأوي إليها؟ قال: نعم، فقال: فأنت من الأغنياء. قال الرجل: ولي خادم يخدمني، فقال: فأنت من الملوك).
ومن هنا يتبين لنا فضل البيوت ومكانتها بالنسبة للإنسان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَ صومعة الرجل بيته، فيه يكف سمعه وبصره).
فالرجل بعد تعب النهار، ومشقة الأعمال، يحتاج الى مكان يأوي إليه، ويرتاح فيه، فلن يجد إلا بيته، ليجدد فيه نشاطه ثم يخرج الى عمله، والمرأة تحتاج الى بيت يؤويها، ويجع بينها وبين زوجها وأولادها، ففي البيت ترعى أولادها، وفي البيت تتهيأ لزوجها، ومن البيت تخرج الأجيال الصالحة، والذريات النافعة.
وبسبب مكانة هذه البيوت، وحرمتها وحرمة أهلها، راح رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة، ويؤدب المسلمين بآداب عظيمة، ليحفظوا بيوتهم وبيوت اخوانهم من المسلمين، ولتستقيم حياة المؤمنين.
ومن أعظم هذه الآداب: ألا نقتحم على الناس بيوتهم، بل يتخير المسلم الوقت المناسب ليزور الناس في بيوتهم، لأن الناس مستورون في بيوتهم، ولا يجوز الاطلاع عليهم إلا بعد استئذانهم، تلكم الزيارات التي تؤذي الناس، والتي أذت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً وكان يستحيي أن يرد أحداً، أو يعتذر لأحد، فأنزل الله عز وجل قوله: “إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق”.
ومن آداب البيوت والاستئذان التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستأذن المسلم على أخيه ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا رجع، امتثالاً لقوله تعالى: “وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم”. فقال صلى الله عليه وسلم: “الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع”.
التعريف الكافي
ومن هذه الآداب أيضاً: ألا يقف المسلم في مواجهة باب البيت مباشرة حتى لا تقع عينه على ما بداخله بمجرد فتح بابه، وإذا طرق الباب او نادى على أهله، فسئل: من بالباب؟ فلا يرد بقول: أنا، وإنما يعرفهم بنفسه، ويستأذن في الدخول ويسلم.
فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي، فدققت الباب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “من ذا؟” فقلت: أنا، فقال: “أنا أنا” كأنه كرهها” (رواه البخاري ومسلم).
ولماذا كرهها صلى الله عليه وسلم؟ أولاً: لأنه لم يقع بها التعريف الكافي للزائر، وثانياً: لأنه لم يقدم السلام بين يدي استئذانه فيقول: السلام عليكم، أنا فلان. وأخيراً: لأن كلمة أنا مجردة بلا داع لها توحي بشيء من الكبر، وإن كان هذا في حق جابر رضي الله عنه بعيداً.
وذلك لا يعني تحريم قولها، وإنما يجوز قولها للتعريف. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين: “أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب”، وقال: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع يوم القيامة ولا فخر”.
ومن تلكم الآداب أيضاً: انه إذا دعي المسلم لزيارة أخيه المسلم زيارة خاصة، فلا يصطحب معه أحداً حتى يستأذن له، إلا إذا كان متيقناً من عدم ضيق او غضب من يزوره، لأنه قد يحتاج أن يسر إليه أمراً، ويمكن أن ظروفه لا تسمح باستقبال أكثر من شخص في ذلك الوقت.
ومما يدل على ذلك موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه لما أمر أبو مسعود غلامه أن يصنع طعاماً لخمسة على رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبعهم رجل، فلما بلغ الباب قال صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود رضي الله عنه: “إن هذا أتبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع”. قال: لا، بل آذن له يا رسول الله” (رواه البخاري ومسلم).
الاستئذان على المحارم
ومن أعظم هذه الآداب آداب الاستئذان على المحارم، فيجب الاستئذان على الأم وعلى الأخت حتى لا نرى منهن ما يكرهن، ولذلك لما سأل ابن مسعود رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمه، هل يستأذن عليها؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم: “هل تحب أن تراها عريانة؟” قال: لا، فقال: “فاستأذن عليها”.
وكذلك علّم صلى الله عليه وسلم الصغار أن يستأذنوا على الآباء والأمهات، خاصة في أوقات ثلاثة شرعها الله تبارك وتعالى، وهي أوقات مظنة النوم وانكشاف العورات “من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم”.
كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأزواج بالاستئذان على الزوجات وإخبارهن بموعد وصولهم خاصة عند العودة من السفر.
tahaali
26-11-2008, 03:32 AM
صبر ورضا
--------------------------------------------------------------------------------
كان صبره صلى الله عليه وسلم يفوق كل وصف، فلقد صبر صبرا يفوق صبر أخيه أيوب عليه السلام في الغنى والفقر، وفي السلم والحرب، وفي الصحة والسقم.
لقد صبر عليه الصلاة والسلام ورضي عن ربه الرحيم الرحمن رضى فوق ما يصفه الواصفون، ويفسره المفسرون.
ولد يتيما، وتحمل لوعة وأسى اليتم، وكبر وكبرت معه غربته صلى الله عليه وسلم، ومات عمه وماتت زوجته، وأوذي أشد الاذى، وكذب أشد التكذيب، ورمي في صدقه، فقيل: مجنون وشاعر، وكذاب وكاهن وساحر، فكان صابرا راضيا.
وكيف لا يرضى ويصبر وهو الذي أنزل عليه قول ربه تعالى: “إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”. وقوله سبحانه: “ولئن صبرتم لهو خير للصابرين؟”.
كيف لا يصبر وقد اخبر بمحبة الله عز وجل لأهل الصبر، فقال جل وعلا: “والله يحب الصابرين”.
كيف لا يصبر وقد أخبره ربه بأن الجنة مآل الصابرين. فقال سبحانه: “إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون”.
لقد صبر صبرا يتفق مع نبوته ورسالته ومكانته كسيد للأنبياء والمرسلين عامة، ولأولي العزم منهم خاصة، قال جل وعلا: “فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل”.
صبر حتى بلغ أعلى درجات الصبر منزلة، وهو الصبر بلا شكوى وعاش بين من آذوه في مكة ولسان حاله يقول: “فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون”.
لقد علمنا صلى الله عليه وسلم أن ساحة العافية أوسع للعبد ما لم تنزل به المصيبة، فإذا نزلت به المصيبة كانت ساحة الصبر له أوسع، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: “وما أعطي أحد عطاء أوسع من الصبر” (رواه البخاري ومسلم).
ابتلاء المؤمنين
وقد صبرنا الله جل وعلا بنبينا صلى الله عليه وسلم لأنه القدوة والأسوة لنا، والذي ما سمعنا أو قرأنا أنه سخط يوما على قضاء الله، أو تبرم يوما من قدر الله، أو جزع يوما من مراد الله. مات ولده بين يديه فكان راضيا وصابرا، تنساب دموع الرحمة على خديه ليعلن للبشرية كلها أنه بشر، يصيبه ما يصيب البشر، وان الله يرحم من عباده الرحماء. فلا لطم للخدود، ولا شق للجيوب ولا دعوة بدعاوى الجاهلية، وإن الصبر عند الصدمة الاولى.
وفي سمع الزمان يبقى صوت محمد عليه الصلاة والسلام وهو يقول: (ان العين لتدمع، وان القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا).
قال صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وان الله تعالى اذا احب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط). (رواه الترمذي).
حاشا لله أن يعذب المؤمنين بالابتلاء، وان يؤذيهم بالفتن، كلا، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة الكبرى، والمسؤولية العظمى، والعقيدة العليا، لأنها في حاجة الى اعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات، والا بالصبر الحقيقي على الآلام. فكما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، كذلك تصنع الفتن بالنفوس حيث تصهرها فتنفي عنها الخبث. قال تعالى: “وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون، وكان ربك بصيرا”.
والصبر ضياء كما اخبر النبي عليه الصلاة والسلام، يضيء الطريق لصاحبه في الدنيا والآخرة.
فمن صبر على شهوة البطن والفرج سمي عفيفا، ومن صبر على فتنة القتال سمي شجاعا، ومن صبر على اذى الناس وكظم غيظه سمي حليما، ومن صبر على اخفاء سر سمي كاتما للسر، ومن صبر على الفقر سمي زاهدا وهكذا.
لماذا الجزع؟
والانسان المؤمن قد علم يقينا ان قدر الله نافذ لا محالة، فلماذا الجزع والتبرم عند وقوع البلية والمصيبة؟ فإذا صبر الانسان نفذ قدر الله وأجر، وإذا لم يصبر نفذ قدر الله ايضا وأثم، فأيهما خير له؟
قال صلى الله عليه وسلم: “عجبا لأمر المؤمن ان امره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. ان اصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن اصابته ضراء صبر فكان خيرا له) (رواه مسلم).
تعلمنا منه صلى الله عليه وسلم ان الجزع وعدم الصبر لا يرد مفقودا وذاهبا، ولا يبعث ميتا، ولا يرد قدرا، ولا يجلب نفعا، وهو مخاصمة للقضاء، وتبرم بالمحتوم، ونقمة على النعمة.
لأنه يرى صاحبه الماء الزلال علقما، والوردة حنظلة، والحديقة الصحراء قاحلة، والحياة سجنا لا يطاق.
إذاً فلماذا التبرم والضيق، والتسخط على قضاء الله وقدره عند نزول المصاب والبلية؟
ان كنت فقيرا فغيرك محبوس في دين، وان كنت لا تملك وسيلة نقل فسواك مبتور القدمين، وان كنت تشكو من آلام فالآخرون راقدون على الأسرة البيضاء من سنوات، وإن فقدت ولدا، فسواك فقد عددا من الاولاد في حادث واحد.
قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله).
فالذي لا يصبر ولا يرضى ولا يسلم للمقدر، فإن استطاع أن يبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء، وإن شاء “فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ”.
فيا أيها المعذبون في الأرض، بالجوع والضنك والألم، والمرض والفقر، اصبروا وأبشروا، فإنكم سوف تشبعون وتسعدون، وتقرحون وتصحون، وحق على العبد ان يظن بربه خيرا وأن ينتظر منه فضلا، وأن يرجو من مولاه لطفا، فإن من أمره في كلمة (كن) جدير بأن يوثق بموعوده، وان يتعلق بعهوده، فلا يجلب النفع إلا هو، ولا يدفع الضر إلا هو.
قال تعالى: “واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين”.
وقال عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).
فصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، طريق المؤمنين الى جنة رب الأرض والسماء.
khaled_sl
07-12-2008, 01:31 AM
جزاك الله خير
الموضوع رائع
بل اكثر من رائع
tahaali
17-12-2008, 08:42 PM
مشكور يا اخى وجزك الله خيرا على الاطلاع
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2009, Jelsoft Enterprises Ltd.