رقيقه
16-10-2005, 01:24 PM
ولد المثال المصري العالمي محمود مختار في احدى القرى في العاشر من مايو عام 1891 ومضى يعبث بالطين على ضفاف الترع ويشكل التماثيل, حتى شب عن الطوق فنزح الى القاهرة في الثانية عشرة من عمره عام 1903 وبعد خمس سنوات كان في طليعة الملتحقين بمدرسة الفنون الجميلة التي فتحت ابوابها لأول مرة عام 1908 بدرب الجماميز بالقاهرة.
نشأته الريفية ارست في وجدانه جذور الانتماء حتى انه اثناء الدراسة في باريس بعد تخرجه عام 1911 ابدع تمثالين احدهما لخالد بن الوليد والثاني لطارق بن زياد وكلاهما من قادة الجيوش الاسلامية, كما اتخذ من الفلاح والفلاحة رموزاً قوية للنهضة والحرية التي كانت تسود المناخ الاجتماعي المصري آنذاك.
كان المناخ الفني العام الذي عاصره محمود مختار اثناء اقامته في باريس حتى عودته للقاهرة عام 1921 وطوال تردده عليها الى ان توفي عام 1934, مفعماً بالاساليب المستحدثة والبدع, لكنها لم تؤثر على إبداعه بشكل جذري, لانه كان يعرف كيف يقف من الحركة الثقافية العالمية موقف الرائد المساهم وليس التابع المتلقي, رغم انه كان محاطاً بالاتجاهات الفنية العديدة التي ظهرت في اوروبا آنذاك, لكنه احتفظ بانتمائه وفكره المستقل وذكائه الذي مكنه من اثراء ابداعه بافكار عصره مستنداً الى تراث فريد من الفن المصري القديم مضيفاً بصمته الخاصة التي اقتربت من حدود الكمال مع نصب (نهضة مصر) الذي جمع بين الحيوية والدنيونية والجاذبية والإثارة والجلال والهيبة وعظمة البناء ودقة الاداء.
وقد استلهم مختار موضوعاته من الحياة المصرية والمشاعر الاجتماعية العامة واستعار رموزاً واوضاعاً تراثية في تمثالي الوجهين البحري والقبلي... واذا كان مايكل انجلو قد بعث النحت الاغريقي الكلاسيكي فقد ادى مختار نفس الدور بالنسبة للفن المصري القديم مصيفاً اليه الحيوية والدنيونية ومخلصاً إياه من الجمود والاخروية.. وحين فاز بالميدالية الذهبية في صالون باريس عام 1929 على تمثال (عروس النيل) كان ذلك تقديراً لمراعاته لبعدي الاصالة والمعاصرة.
بدأ محمود مختار خطواته نحو العالمية عام 1913 حين عرض تمثال (عايدة) في صالون باريس, الذي كان يعتبر الاشتراك في عروضه شهادة امتياز. وبعد سبع سنوات عرض نموذجاً مصغراً (لتمثال نهضة مصر) فاستنفر اقلام كبار نقاد فرنسا واعلنوا ميلاد فنان جديد, يضيف ابعاداً مبتكرة لفن التمثال الحديث على اسس من التراث المصري القديم, ثم عرض تمثالي (الطاقية) و(كاتمة الاسرار) اللذين علق عليهما ناقد فرنسي كبير قائلاً (انها ظاهرة روحية فذة) وفي عام 1930 بعد اقامة نهضة مصر بعامين عرض اربعين تمثالاً في قاعة (برنهايم) بباريس ممثلاً وجه الفن المصري المعاصر.
لقد خاطب مختار بتماثيله الآمال والاحلام والوجدان واثار الخواطر وجسد الخيال وامتزجت مشاعره بمشاعر قومه فسيطرت عليه فكرة نهضة مصر اثناء اقامته في باريس, لم يكن تمثالاً لشخص او تكليفاً من هيئة بل احساساً نابعاً من اعماقه ولم يكن يدري ان شعبه سيطالب باقامته صرحاً جرانيتياً مهيباً لم يزل يتصدر الطريق الى جامعة القاهرة.. هكذا جاء التمثال موازياً لثورة 1919 وكان مختار يقول (لست صاحب التمثال بل الشعب هو صاحبه).
درس مختار في مصر على يد النحات الفرنسي (لابلانتي) وفي باريس باشراف المثال (مرسييه) ولكنه لم يحمل الجذور الاصيلة التي شب بين ربوعها فلم ينس النحت الفرعوني وتأثر بالمجسمات الشعبية المصرية التي كانت شائعة في مشاغل الازبكية وشارع محمد علي وانعكس على التماثيل الكاريكاتورية التي ابدعها اثناء سنوات الدراسة قبل ان يرحل الى باريس عام 1911 مثل تمثال (ابن البلد) المحفوظ بمتحف مختار بالجزيرة وحيث بذلت محاولات مضنية دون جدوى لتحديد تواريخ ابداع روائعه المحفوظة في المتحف, الا ان المعروف انه شكل بضعة تماثيل صغيرة ذات طابع شعبي ساخر اثناء سنوات التلمذة في مدرسة الفنون الجميلة العليا.
وان كانت اعمال محمود مختار كلها ذات روعة خاصة مثل تمثال (الخماسين) الا ان تمثال (نهضة مصر) استحوذ على انتباه النقاد الاوروبيين فمصر تتقمص جسد الفلاح, تقف ممشوقة في عظمة واعتزاز تلفها غلالة من الخلود, اما القوى الوطنية فتتمثل في (ابي الهول) تلمسها مصر الفتاة بيد سحرية لتبعث من جديد وتستيقظ بعد طول رقاد... تعبيرات عميقة هادئة توحي بالتصميم على المضي قدماً في طريق الثورة, التي اندلعت قبل عام واحد من ابداع مختار لتمثاله وعرضه في صالون باريس عام 1920.
ومن اعماله النحتية العظيمة لوحتان من الرخام الابيض منحوتتان على جانبي تمثال ايزيس, يعتبران من معجزات النمنمة النحتية البارزة, اذا قورنت بمثيلاتها في الماضي عند الفراعنة او الاغريق او حتى في عصر النهضة, اما تمثال ايزيس نفسه الذي يعلو القاعدة فهو بدوره رائعة منحوتة في الرخام الابيض يصور الآلهة المصرية تجلس القرفصاء وترفع ذراعيها خلف رأسها مجللة بالحزن واللوعة على اوزوريس ومأساته في الاسطورة الفرعونية. وكأعمال كل العظماء كانت تماثيل محمود مختار ترديداً لنبض شعبه في حركته الاجتماعية نحو التغيير, مع الثراء قولاً وابداعاً حتى حين شكل تماثيله الصغيرة الشهيرة للفلاحات, ابدعها مفعمة بالقوة والحيوية والخصوبة وأنوثة المعتدة بنفسها حتى تمثال المفاجأة المنحوت في الرخام الابيض بارتفاع قدم واحد يلتقي فيه الحبيبان بلا اسفاف او ابتذال, تتدلل الفتاة في رقة وعذوبة بينما يبثها الفتى حبه.
لم يكن مختار مجرد نحات عبقري بل مفكراً يحس قضايا شعبه ويعبر بتماثيله عن رغباته واحلامه وكان ينفذ تماثيله بالخامة المناسبة للشكل والمضمون, فالمناجاة بالرخام الابيض ووجه الفلاحة بالصلصال المصبوب برونزاً حتى تكتمل ملامس الصلابة والمشقة رغم الجمال المصري الاصيل, والحجر الصناعي لتمثال الخماسين حتى يوحي بهبوب العاصفة.. وقد انجز معظم تماثيل الفلاحات بين عامي 1924 و1930 ومن اهمها (الخماسين) والفلاحة التي تمسك جرتها بيد واحدة وتنحني عليها كأنها تملؤها, وغيرها من الاعمال التي توحي بالحركة وتنفجر بالديناميكية.. وهكذا اثبت محمود مختار ان الواقعية قادرة على اظهار القيم الفنية المطلقة.
http://www.albayan.co.ae/albayan/culture/2001/issue58/photos/63.gif
نشأته الريفية ارست في وجدانه جذور الانتماء حتى انه اثناء الدراسة في باريس بعد تخرجه عام 1911 ابدع تمثالين احدهما لخالد بن الوليد والثاني لطارق بن زياد وكلاهما من قادة الجيوش الاسلامية, كما اتخذ من الفلاح والفلاحة رموزاً قوية للنهضة والحرية التي كانت تسود المناخ الاجتماعي المصري آنذاك.
كان المناخ الفني العام الذي عاصره محمود مختار اثناء اقامته في باريس حتى عودته للقاهرة عام 1921 وطوال تردده عليها الى ان توفي عام 1934, مفعماً بالاساليب المستحدثة والبدع, لكنها لم تؤثر على إبداعه بشكل جذري, لانه كان يعرف كيف يقف من الحركة الثقافية العالمية موقف الرائد المساهم وليس التابع المتلقي, رغم انه كان محاطاً بالاتجاهات الفنية العديدة التي ظهرت في اوروبا آنذاك, لكنه احتفظ بانتمائه وفكره المستقل وذكائه الذي مكنه من اثراء ابداعه بافكار عصره مستنداً الى تراث فريد من الفن المصري القديم مضيفاً بصمته الخاصة التي اقتربت من حدود الكمال مع نصب (نهضة مصر) الذي جمع بين الحيوية والدنيونية والجاذبية والإثارة والجلال والهيبة وعظمة البناء ودقة الاداء.
وقد استلهم مختار موضوعاته من الحياة المصرية والمشاعر الاجتماعية العامة واستعار رموزاً واوضاعاً تراثية في تمثالي الوجهين البحري والقبلي... واذا كان مايكل انجلو قد بعث النحت الاغريقي الكلاسيكي فقد ادى مختار نفس الدور بالنسبة للفن المصري القديم مصيفاً اليه الحيوية والدنيونية ومخلصاً إياه من الجمود والاخروية.. وحين فاز بالميدالية الذهبية في صالون باريس عام 1929 على تمثال (عروس النيل) كان ذلك تقديراً لمراعاته لبعدي الاصالة والمعاصرة.
بدأ محمود مختار خطواته نحو العالمية عام 1913 حين عرض تمثال (عايدة) في صالون باريس, الذي كان يعتبر الاشتراك في عروضه شهادة امتياز. وبعد سبع سنوات عرض نموذجاً مصغراً (لتمثال نهضة مصر) فاستنفر اقلام كبار نقاد فرنسا واعلنوا ميلاد فنان جديد, يضيف ابعاداً مبتكرة لفن التمثال الحديث على اسس من التراث المصري القديم, ثم عرض تمثالي (الطاقية) و(كاتمة الاسرار) اللذين علق عليهما ناقد فرنسي كبير قائلاً (انها ظاهرة روحية فذة) وفي عام 1930 بعد اقامة نهضة مصر بعامين عرض اربعين تمثالاً في قاعة (برنهايم) بباريس ممثلاً وجه الفن المصري المعاصر.
لقد خاطب مختار بتماثيله الآمال والاحلام والوجدان واثار الخواطر وجسد الخيال وامتزجت مشاعره بمشاعر قومه فسيطرت عليه فكرة نهضة مصر اثناء اقامته في باريس, لم يكن تمثالاً لشخص او تكليفاً من هيئة بل احساساً نابعاً من اعماقه ولم يكن يدري ان شعبه سيطالب باقامته صرحاً جرانيتياً مهيباً لم يزل يتصدر الطريق الى جامعة القاهرة.. هكذا جاء التمثال موازياً لثورة 1919 وكان مختار يقول (لست صاحب التمثال بل الشعب هو صاحبه).
درس مختار في مصر على يد النحات الفرنسي (لابلانتي) وفي باريس باشراف المثال (مرسييه) ولكنه لم يحمل الجذور الاصيلة التي شب بين ربوعها فلم ينس النحت الفرعوني وتأثر بالمجسمات الشعبية المصرية التي كانت شائعة في مشاغل الازبكية وشارع محمد علي وانعكس على التماثيل الكاريكاتورية التي ابدعها اثناء سنوات الدراسة قبل ان يرحل الى باريس عام 1911 مثل تمثال (ابن البلد) المحفوظ بمتحف مختار بالجزيرة وحيث بذلت محاولات مضنية دون جدوى لتحديد تواريخ ابداع روائعه المحفوظة في المتحف, الا ان المعروف انه شكل بضعة تماثيل صغيرة ذات طابع شعبي ساخر اثناء سنوات التلمذة في مدرسة الفنون الجميلة العليا.
وان كانت اعمال محمود مختار كلها ذات روعة خاصة مثل تمثال (الخماسين) الا ان تمثال (نهضة مصر) استحوذ على انتباه النقاد الاوروبيين فمصر تتقمص جسد الفلاح, تقف ممشوقة في عظمة واعتزاز تلفها غلالة من الخلود, اما القوى الوطنية فتتمثل في (ابي الهول) تلمسها مصر الفتاة بيد سحرية لتبعث من جديد وتستيقظ بعد طول رقاد... تعبيرات عميقة هادئة توحي بالتصميم على المضي قدماً في طريق الثورة, التي اندلعت قبل عام واحد من ابداع مختار لتمثاله وعرضه في صالون باريس عام 1920.
ومن اعماله النحتية العظيمة لوحتان من الرخام الابيض منحوتتان على جانبي تمثال ايزيس, يعتبران من معجزات النمنمة النحتية البارزة, اذا قورنت بمثيلاتها في الماضي عند الفراعنة او الاغريق او حتى في عصر النهضة, اما تمثال ايزيس نفسه الذي يعلو القاعدة فهو بدوره رائعة منحوتة في الرخام الابيض يصور الآلهة المصرية تجلس القرفصاء وترفع ذراعيها خلف رأسها مجللة بالحزن واللوعة على اوزوريس ومأساته في الاسطورة الفرعونية. وكأعمال كل العظماء كانت تماثيل محمود مختار ترديداً لنبض شعبه في حركته الاجتماعية نحو التغيير, مع الثراء قولاً وابداعاً حتى حين شكل تماثيله الصغيرة الشهيرة للفلاحات, ابدعها مفعمة بالقوة والحيوية والخصوبة وأنوثة المعتدة بنفسها حتى تمثال المفاجأة المنحوت في الرخام الابيض بارتفاع قدم واحد يلتقي فيه الحبيبان بلا اسفاف او ابتذال, تتدلل الفتاة في رقة وعذوبة بينما يبثها الفتى حبه.
لم يكن مختار مجرد نحات عبقري بل مفكراً يحس قضايا شعبه ويعبر بتماثيله عن رغباته واحلامه وكان ينفذ تماثيله بالخامة المناسبة للشكل والمضمون, فالمناجاة بالرخام الابيض ووجه الفلاحة بالصلصال المصبوب برونزاً حتى تكتمل ملامس الصلابة والمشقة رغم الجمال المصري الاصيل, والحجر الصناعي لتمثال الخماسين حتى يوحي بهبوب العاصفة.. وقد انجز معظم تماثيل الفلاحات بين عامي 1924 و1930 ومن اهمها (الخماسين) والفلاحة التي تمسك جرتها بيد واحدة وتنحني عليها كأنها تملؤها, وغيرها من الاعمال التي توحي بالحركة وتنفجر بالديناميكية.. وهكذا اثبت محمود مختار ان الواقعية قادرة على اظهار القيم الفنية المطلقة.
http://www.albayan.co.ae/albayan/culture/2001/issue58/photos/63.gif